الشرق
الأوسط جدة: منال حميدان
أعادت الأزمة التي يمر بها الاقتصاد
العالمي قضية تخصص رجال الدين وخلفياتهم
العلمية التي يستندون إليها إلى السطح من
جديد، فلم تمض على الأزمة الاقتصادية،
التي مازالت تتصدر وسائل الإعلام وتشغل
عقول الناس، أيام قليلة حتى بدأ العديد من
رجال الدين بمنافسة خبراء الاقتصاد من
خلال تقديم تحليلاتهم ونصائحهم حول الأزمة
من دون أن تستند هذه التحليلات دائماً إلى
خلفية علمية متخصصة في مجال الاقتصاد.
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الملك عبد
العزيز، ونائب رئيس الاتحاد للعلماء
المسلمين، الدكتور عبد الله بن بيه، أكد
بأن الحكم على أي قضية لا يتأتى إلا بعد
تشخيص الواقع، وتوصيفه وفهمه جيداً، ومن
ثم إصدار الحكم عليه. وبأخذ قضية أزمة
الاقتصاد العالمي كمثل فإن المسألة يمكن
تناولها من جانبين؛ جانب الفلسفة العامة
لحرية المبادرة الاقتصادية وهي مطلقة وغير
مقيدة ومن الممكن أن يتحدث الوعاظ بشكل
عام عن هذه الفلسفة وينتقدوا اختلافها عن
مبادئ وروح الشريعة الإسلامية بحرية. أما
الجانب الآخر فهو يتعلق بالترتيبات
والأنظمة التي نشأت عن هذه الفلسفة أو ما
يسمى المنتجات المشتقة كبيع الديون
والرهون وغيرها، فهي ترجمة لهذه الفلسفة
ومنتجات يحتاج الفقيه أو رجل الدين إلى
دراية واسعة بها قبل الحديث عنها، وهي
تخالف الأصول والمقاصد الإسلامية. فالحديث
في الإطار العام مقبول لكن الحديث في
التفاصيل يلزمه تخصص".
وأشار بن بيه إلى أنه في أوقات الأزمات
والشدائد تكثر الفتاوى الفردية والسريعة،
والتي تخضع بشكل أساسي لمدى اطلاع وفقه
ورؤية وتثبت صاحبها وبالتالي تتفاوت
كثيراً. في حين أن الفتاوى والأحكام
الصادرة عن المجمعات الفقهية تمتاز بكونها
أكثر موثوقية وأكثر إحكاماً، نظراً لأن
عمل هذه المجمعات يتميز بالتكامل بين
الفقهاء ورجال الدين والمتخصصين في شتى
العلوم والمعارف الإنسانية، بحيث لا يصدر
رجل الدين فتواه أو حكمه إلا بعد مرحلة
مطولة يقوم فيها بتشخيص القضية وتوصيفها
بدقة وفهمها من جميع جوانبها بالاستعانة
بالخبراء والمتخصصين في هذه المجالات،
ولذلك أدعو الناس إلى الأخذ بما يصدر
عنها».
وأضاف بن بيه: «أنصح الناس بالأخذ برأي
المجامع الفقهية بشكل خاص فيما يتعلق
بالقضايا الكبرى كقضايا الأمن والسلام
والتكفير وغيرها، إلى جانب القضايا
المتعلقة بالمال والشركات والمصارف،
والقضايا التي تحتاج إلى تخصص علمي دقيق،
في حين يمكن الأخذ بالفتاوى الشخصية فيما
يتعلق بالأمور الخاصة كالنسك وغيرها».
أما
فيما يتعلق بطريقة تعاطي الخطباء والوعاظ
مع أزمات غير المسلمين، وما يمكن أن يسمى
«شماتة بعض الخطباء والوعاظ في شعوب أخرى
أو عدم إظهارهم للتعاطف مع خسائرهم»، قال
بن بيه: ديننا بصفة عامة يدعو إلى التسامح
والتعاطف حتى مع غير المسلمين والحديث «لا
يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»
يشمل الأخوة في الإنسانية وليس في الملة
والدين فقط على رأي الفقهاء والعلماء عبر
القرون، لذلك علينا أن نبدي بعض التعاطف
والأمل بأن تتحسن أوضاعهم، فالفقراء في
الحقيقة هم الأكثر تضرراً، ولعل بعض
الخطباء يتحدثون بنبرة أقل تعاطفاً بسبب
تأثرهم لما يحدث في العراق. فالأميركيون
أنفســـهم يعارضون ما فعله المحافظون
الجدد في العراق، ومع هذا فديننا يبقى دين
تسامح كما أسلفت. والمهم هو أن نتحدث عن
القضية بشكل حكيم يقدم العبرة والعلاج
ويشخص الواقع ليجنب الناس ضياع أموالهم في
استثمارات بلا ضمانات».