معايير الوسطية في الفتوى

رابعاً: قاعدة تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع:

 

 يقول الشاطبي: ويختص غير المنحتم بوجه آخر، وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك؛ فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئاً من ذلك في بعض الأعمال دون بعض؛ فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نوراً يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها، وقوة تحمُّلها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها؛ فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف؛ فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام، ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأول، أو يضم قيداً أو قيوداً لما ثبت له في الأول بعض القيود.  

هذا معنى تحقيق المناط هنا.  

وفي "أحكام إسماعيل بن إسحاق" عن ابن سيرين؛ قال: كان أبو بكر يُخافِت، وكان عمرُ يَجهر -يعني في الصلاة- فقيل لأبي بكر: كيف تفعل؟ قال: أناجي ربِّي وأتضرع إليه، وقيل لعمر: كيف تفعل؟ قال: أوقِظُ الوَسْنانَ، وأُخشأُ الشَّيطان، وأُرضي الرحمن. فقيل لأبي بكر: ارفعْ شيئاً، وقيل لعمر: اخْفِض شيئاً"[1].

وفسر بأنه عليه الصلاة والسلام قصد إخراج كل واحد منهما عن اختياره وإن كان قصده صحيحاً.  

وفي "الصحيح": أن ناساً جاؤا إلى النبيr فقالوا: إنا نجدُ في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلَّمَ به. قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريحُ الإيمان"[2].      

وفي حديث آخر: "مَن وَجَدَ من ذلك شيئاً، فلْيَقُلْ: آمنتُ بالله".

وقال عليُّ: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذَّبَ اللهُ ورسوله؟" فجعل إلقاء العلم مقيداً؛ فَرُبَّ مسألةٍ تصلُح لقوم دون قوم، وقد قالوا في الرَّباني: إنه الذي يُعلِّمُ بصغارِ العلم قبل كِباره؛ فهذا الترتيب من ذلك.

وتحقيقُ المناط في الأنواع واتفاقُ الناس عليه في الجملة مما يشهد له كما تقدم، وقد فرَّع العلماء عليه؛ كما قالوا في قوله تعالى ﴿إنما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا﴾ الآية

إن الآية تقتضي مطلق التخيير، ثم رأوا أنه مقيَّدُ بالاجتهاد؛ فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في موضع، وكذلك التخيير في الأساري من المَنِّ والفداء.  

وكذلك جاء في الشَّريعة الأمرُ بالنِّكاحِ وعدُّوه من السُّنن، ولكن قسَّموه إلى الأحكام الخمسة، ونظروا في ذلك في حق كل مكلف وإن كان نظراً نوعياً؛ فإنه لا يتم إلا بالنظر الشخصي؛ فالجميع في معنى واحد، والاستدلال على الجميع واحد، ولكن قد يُستبعدُ ببادىء الرأي وبالنظر الأول؛ حتى يتبيَّن مغزاه ومورده من الشَّريعة، وما تقدم وأمثاله كافٍ مفيدُ للقطع بصحة هذا الاجتهاد، وإنما وقع التنبيه عليه لأن العلماء قلما نبهوا عليه على الخصوص"[3].

قلت: هذا هو تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع وهو من دقائق علم الفتوى.

 

وأخيراً:

 

فإن الوسطية هي موقف بين موقفين في فهم النصوص والتعامل معها وهي اتجاه بين اتجاهين بين ظاهرية مفرطة وباطنية مفرطة يتلخص كلام الشاطبي فيه فيما يلي: أولاً: الاتجاه الظاهري الذي لا يهتم بالمعاني وإنما يقتصر على ظواهر النصوص وهم يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.

والاتجاه الثاني: يرى أن مقصد الشارع ليس في الظواهر ويطرد هذا في جميع الشريعة لا يبقى في ظاهر متمسك وهؤلاء هم الباطنة وألحق بهؤلاء من يغرق في طلب المعنى بحيث لو خالفت النصوص المعنى النظري كانت مطرحة.

والذي ارتضاه هو الاتجاه الثالث الذي شرحه بقوله:    

والثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهو الذي أمّه أكثر العلماء الراسخين؛ فعليه الاعتماد في الضابط الذي به يعرف مقصد الشارع.

وهي موقف وسط بين في التعامل مع المقاصد والنصوص الجزئية فقد تباينت آراء الباحثين حول المقاصد من مبالغ في اعتبارها متجاوز لحدود عمومها حيث جعله قطعياً وجعل شمولها مطرداً غافلاً أو متجاهلاً ما يعترى العموم من التخصيص وما ينبرى للشمول من معوقات التنصيص.

فألغوا أحكام الجزئيات التي لها معان تخصها بدعوى انضوائها تحت مقصد شامل.

ومن مجانب للمقاصد متعلقاً بالنصوص الجزئية إلى غاية تلغى المقاصد والمعاني والحكم التي تعترض النص الجزئي وتحد من مدى تطبيقه وتشير إلى ظرفيته فهي كالمقيد له والمخصص لمدى اعتباره إلى حد المناداة بإبطال المصالح.

والمنهج الصحيح وسط بين هذا وذاك يعطى الكلي نصيبه ويضع الجزئي في نصابه. وقد انتبه لهذه المزالق الشاطبي رحمه الله تعالى حيث حذر من تغييب الجزئي عند مراعاة الكلي ومن الإعراض عن الكلي في التعامل مع الجزئي.

وختاماً ففي هذا البحث السريع قدمنا أسساً للوسطية في الفتوى التي تراعي المصالح والمئالات في الأقوال والأفعال والتوازن بين الكلي والجزئي ولعلي هنا أسوق أبياتاً نظمتها للمجلس الأوربي للإفتاء في دبلن أحدد فيها الجدلية بين الجزئيات والكليات في فتاوى فقه الأقليات وهي :

          عُقُودُ المُسلِمينَ بدَارِ غَربٍ      تَجَاذَبَها المَقَاصِدُ والفُرُوعُ

           ومِيزَانُ الفَقِيه يَجُورُ طَوراً     إلى طَرَفِ فَيُفْرِطُ أو يُضِيعُ

           فَفِي الجُزْئِيِّ ضِيقُ وانْحِصَارُ   وفي الكُلِيِّ مُنْفَسَحُ وَسِيعُ

           ونُورُ الحَقِ مَصْلَحَةُ تُوازَى     بِجُزئيِّ النُصُوصِ لَه سُطُوعُ

           مَآلاتُ الأُمُورِ لَهَا اعتِبَارُ      وحَاجِيُّ الضَرُورةِ قَدْ يُطِيعُ

           فَزِنْ هذَا بذَاكَ وذَا بِهذَا       يَكُنْ في القَيسِ مَنْهَجُك البَدِيعُ

           "فِإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمراً فَدَعْهُ     وجَاوزهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ". 

  

وختاماً: فالوسطية ناموس الأكوان وقانون الأحكام تتعامل مع الوقائع من خلال النصوص والواقع مما سماه بعض العلماء فقه الموازنات وهو في حقيقته توازن بين الثوابت والمتغيرات.  

والله ولي التوفيق.


[1] - أخرجه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة، باب ما جاء في قراءة الليل رقم 447 ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" رقم 919 وأبو داود رقم1329 وابن حبان وغيرهم)    

[2] - أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها رقم 134

[3] - الشاطبي             الموافقات                     5/25 وما بعدها   

 

 

صفحة 1 2 3


| العودة لصفحة البحوث |