مشاهد من المقاصد

 

ابن بيه في (مشاهد من المقاصد): العصر بحاجة إلى رؤية مقاصدية متجددة

عرض الكتاب : غازي كشميم

بعد كتابه (مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات) والمنشور قبل حوالي الشهر وعرضته بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، تعرض (الرسالة) لآخر إصدارات الشيخ العلامة عبدالله بن بيه وهو كتاب (مشاهد من المقاصد) والذي ألفه مؤخراً إيماناً منه بأهمية إعادة النظر في القضايا المطروحة على ضوء المقاصد الشرعية التي فصل الكلام عنها في هذا الكتاب.

 تحدث الكتاب في فصله الأول عن تعريف المقاصد لغة واصطلاحاً، وعن الضابط الذي به يعرف مقصد الشارع، كما تحدث عن العلة ومسالكها المعلومة في أصول الفقه، وعن الأحكام غير معلومة العلة وكيفية التعامل معها، وبين أنواع سكوت الشارع عن الحكم، كما قارن بين زوايا النظر للتعرف على المقاصد عند الشاطبي وعند ابن عاشور، وخُتِم هذا الفصل بتعريف المؤلف للمقاصد تجنب فيها التقسيم في الحد ليكون جنساً واحداً وليس أجناساً مختلفة.

وفي الفصل الثاني عرض لمسيرة العمل والتعامل مع المقاصد؛ حيث تطرق العلامة بن بيه إلى تطور النظر إلى المقاصد والمصالح ابتداءً بالصحابة الكرام مروراً بالمذاهب الأربعة وتباين وجهات اجتهاداتهم اتساعاً وضيقاً، لصوقاً بالنص وبعداً عنه.

وأشار بن بيه إلى ثلاث قضايا لم تبت فيها نظرية المقاصد والتي عزا كثيراً من الاختلافات العقدية والعملية إليها، وصنفها تحت العناوين التالية:

·       من يعرف المصلحة؟ العقل أم النقل؟

·       العبادات بين المعقولية والتعبد؟

·       الكلي والجزئي أيهما يقدم؟

لذلك خصص الفصل الثالث لتوضيح وجه الإشكال في تلك المسائل ولم يجزم فيها برأي بقدر ما عرض لأقوال الأئمة والعلماء فيها.

 ثم تكلم الشيخ عبدالله بن بيه في فصل الكتاب الرابع عن أصناف المقاصد: العامة الكبرى التي ترجع إليها الشريعة وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، والمقاصد الخاصة التي تعنى بباب من أبواب الفقه، والمقاصد الجزئية وهي مقصد الشارع في كل حكم على حدة. كما ذكر تقسيمات أخرى للمقاصد باعتبارات مختلفة، وأشار إلى أن الباري جل وعلا له مقاصد في الخلق والأمر لا تحصى ولا تستقصى، ومنها المقاصد القدرية أو الكونية وهي أعلى من مقاصد التشريع كخلق الخلق للاختلاف أو الرحمة كما في قوله تعالى: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". وأضاف العلامة بن بيه قضيتين لهما تأثيرهما في تصنيف المقاصد التشريعية وهما:

1.    معيار الانتماء إلى المقصد الضروري.

2.    تذبذب الانتماء لبعض القضايا بينه وبين الحاجي.

وخلص إلى أن العلاقة بين منظومات المقاصد الثلاثة لا ينبغي أن تكون تكاملية كما وصل إليه الشاطبي وإنما اندماجية متفقاً مع الشيخ أحمد الريسوني -خبير المقاصد الشرعية في مجمع الفقه الإسلامي- في أن أصل هذا الحصر اجتهادي وبالتالي فهو مفتوح للإضافة.

وفي استنباط المقاصد واستخراجها الذي عقد له الفصل الخامس تعرض لما تعرض له الإمام الشاطبي في الضابط الذي يعرف به مقصد الشارع من عدة جهات:

1.    مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي.

2.    اعتبار علل الأمر والنهي، المعلومة وغير المعلومة ومسالكهما وكيفية النظر فيهما.

3.    اعتبار المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة لأحكام الشريعة العادية والعبادية.

4.    السكوت عن شرعية العمل.  

وقد فصل الشيخ بن بيه في أنواع المسكوت عنه وتطرق إلى ما يسمى (بدعة الترك) ووصفها بالأمور الدقيقة التي وقع فيها الالتباس واختصم فيها الناس مستدلاً ببعض القضايا التي اختلف فيها العلماء تبعاً لاختلافهم في النظر إلى موضوع المسكوت عنه. وأرجع أصل الخلاف إلى عدة عوامل:

1.    هل البدعة صنف واحد أم أنها أصناف بحسب الدليل الذي يشملها؟

2.    هل الترك مع قيام الداعي في التعبديات له دلالة على النهي أو لا دلالة له على ذلك؟

3.    الفرق بين الموجب والمقتضى.

4.    الفرق بين إضافة المتروك إلى عبادة محدودة واعتقاده جزءاً مكملاً لها فلا يشرع أو عدم إضافته فيرد إلى أصل الإباحة أو الاستحباب.

ورأى الشيخ بن بيه صحة ما ذهب إليه الإمام ابن عرفة في تفصيله بين ما أضيف إلى عبادة بحيث يصبح وكأنه جزء منها فهذا غير مشروع. وأضاف العلامة بن بيه ثلاثة ضوابط:

1.    أن لايعطى حكماً شرعياً إذا لم يكن مشمولاً بدليل كالأدلة المتعلقة بالذكر الدالة على استحبابه في كل الأحوال فلا يجوز لمن اختار تلك الأذكار أن يقول إنها واجبة مثلاً.

2.    أن لا يحكم لها بثواب معين.

3.    أن لا يشمل المتروك دليل نهي بالتحريم أو الكراهة.

وقال: " لاينبغي أن ينكر البعض على البعض في مواطن الاجتهاد فالمسألة مجالها فسيح وميدانها واسع فعلاً وتركاً".

كما تطرق إلى طرق التعرف على المقاصد عند ابن عاشور وأعظمها الاستقراء.

وبعد استنباط المقاصد واستخراجها بحث الشيخ في (الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها) وكيفية الحصول على الثمار المرجوة من المقاصد، وأتبعها بذكر مجالات الاستنجاد بالمقاصد، وهي:

1.    تفعيل أصول الفقه على ضوء إعمال المقاصد في بنيتها لتوسيع دوائر الاستحسان والاستصلاح واستنباط الأقيسة ومراعاة المآلات والذرائع...

2.    اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية حتى ولو كانت مهجورة ما دامت نسبتها صحيحة وصادرة عن ثقة ودعت إليها الحاجة.

3.    تفعيل النظرية المقاصدية في وضع فلسفة إسلامية شاملة تجيب على الأسئلة التي يطرحها العصر في مختلف القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان وشغلته منذ القدم في الكون والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتفسير مختلف الظواهر الإنسانية وتقديم قوانين عامة تنطلق من ثنائية الوحي والعقل.

وختم بن بيه كتابه بمسألة من مسائل الأقليات الإسلامية في الغرب وهي: المرأة التي تسلم وزوجها نصراني التي قال فيها الجمهور بفسخ العقد لكن المجلس الأوروبي كانت له تفصيلات عدة في المسألة بناءً على فقه المقاصد ومتغيرات العصر؛ داعياً بذلك إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار ثلاثي الأضلاع: يقوم على فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة، ثم البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد مع فحص درجته، ثم إبراز المقصد الشرعي كلياً أو عاماً أو خاصاً.