مقابلة الشيخ ابن بيّـه مع مجلة الجسور


الغربُ ليس عدوّاً كله


* ظاهر كلامكم يا فضيلة الشيخ أنكم ترفضون النظرة العدائية المطلقة للغرب، تلك النظرة التي ترى أنّ كل ما في الغرب عبارة عن مظاهر مختلفة للعداء مع المسلمين لا تتيح للمسلم أن يتحدث أو ينشر دينه.
نعم أنا لا أرى ذلك، أنا أرى أن في الغرب مناخا يجب أن نغتنمه و نتعامل معه ونستفيد منه كما استفاد غيرنا. لا شك أنّ الطّريق ليست مفروشة بالزهور و الرياحين ككل طريقٍ للعمل، و أنّ بعض الشرائح في الغرب ما تزال تحكمها العقلية الصليبية، وأنّ ثمت عقول أخرى يحكمها الجهل و من جهل شيئا عاداه، لكن بصفة عامة هناك جوٌّ يمكن الاستفادة منه في أوروبا و أمريكا. ويمكننا في إطار هذا الجوّ أن نقدم الكثير.
وأعتقد أننا في هذا المجال ـ أي مجال التعريف بديننا و بيان قيمنا للغرب ـ لم نبذل جهودا كافية مع أن الأبواب هناك شبه مفتوحة .


* عفواً شيخي .. ألا ترى أن الغرب يرى نفسه أستاذ القيم الإنسانية، ومعلم البشرية في هذا المجال، فكيف لنا أن نعرض رؤيتنا وقيمنا؟ أعني بأي منطق وأي طريقة؟ وكيف لنا أن نقنعه أن قيمنا خيرٌ من قيمه التي يتشدق بها؟
يمكننا حقيقة أن نتقدم برؤيتنا ، وأن نؤصل حق الاختلاف و حق التنوع الحضاري و أن ما تمتاز به حضارتنا المسلمة و حقوق الإنسان فيها هو على مستوى المصدر و الموضوع والقيم، فمن حيث المصدر نحن لنا مصدر إلهي و مصادر غيرنا بشرية، و من حيث الموضوع و هو الإنسان لنا رؤيتنا و هي أن الله خلق الإنسان بيده، و نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرّمه بالنطق و العقل، أما الغرب فقد جرى طويلاً وراء نظرية دارون الذي يقول: إنّ الإنسان الأول كان حيواناً يمشي على أربع في الغابة ثم تطور حتى صار إلى ما عليه الإنسان اليوم!
ومن حيث القيم نجد أننا نشترك معهم في قيم الحرية والمساواة، و لكن هذه القيم عندنا مقيدة بالعدالة: حرّية مع العدل، ومساواة مع العدل، فقيمة العدل تقوم دائما بتقييد القيم.
مثلا : الإنسان له حق في الحياة لكنه إذا اعتدى على أحد فقتله فالعدالة تقول له: لا حقّ له في الحياة و هكذا.
أقول مرة أخرى: إن تأصيل حقوق الإنسان، واختلاف القيم، يؤمّن قاعدة جيّدة للحوار حول هذه القيم، ومن ثم الوصول إلى نظرة مشتركة للعدالة.
ولأجل هذا ومن خلال مجلّتكم نرى أنه لا مناص من إنشاء مراكز في الغرب، وأنا مستعدّ لأن أنشئ مركزاً و اختياري قد يقع على فرنسا للدفاع عن قيم الإسلام و الحوار حول القيم، نحن نريد أن نكون عنصرا فعالا في هذه البشرية.
أهم شيء بالنسبة لي –كما أسلفت- هو قضية حقوق الإنسان وحق المسلمين في التنوع الحضاري، وهذا أمر أهتم به كثيراً لما رأيت من تحامل في بعض الأحيان من الغرب على الإسلام والحدود والقيم الإسلامية؛ لذلك كانت محاضرتي في كاليفورنيا عن حقوق الإسلام مشهودة، وقد حضرها بعض أعضاء جماعات حقوق الإنسان، وقدموا إلي أنفسهم بعد المحاضرة حتى إنّ امرأة منهم صارت تحضر بعد ذلك محاضراتي الشرعية والفقهية و الأصولية.


لابأس بحوار النصارى


* لعل هذا الحوار الذي تدعون إليه حوار التعايش و ليس هو حوار التقارب الذي يصطدم مع قوله تعالى : {و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم }؟
نعم، هو حوار تعايش، ولكنّه أيضا حوار تعارف فهم لا يعرفون عنا الكثير و لا سيما الشعب الأمريكي فهو شعب مشغول بنفسه وليس له ماض استعماري في ديار الإسلام فلا يعرف عنه الكثير، و لذلك إذا عرفوا أسلموا.
نحن لا نيأس ، ونحن نقدم أنفسنا للغرب كدعاة يريدون إنقاذه حتى من نفسه، ونحن نساعد هذه الحضارة على أن تكون عادلة و إنسانية و نعطيها قيم الإسلام.
وحتى أزيد الأمر وضوحاً ـ لكثرة من يشغب على قضية الحوار وأهلها ـ أذكر هذه القصة، مرة كنت في فرنسا وأجروا معي مقابلةً في التلفاز، فأظهرت مرونةً في التعايش مع غير المسلمين، حتى طمع المذيع وقال: لم لاتقول: إنهم على حق، والمسلمون على حق؟ فقلت: أما هذا فلا، فأنا أعتقد أني على الحقّ الوحيد، لكن أقبلُ أن أتعايشَ معهم بالعدل والحسنى. وبعض الناس يختلط عليه الأمر فلا يفرق بين التعايش وبين القبول، ومن هذا الباب الحوارات التي تقع مع النصارى وقد اشتركت فيها في روما ومدريد وباريس ولم يكن من المطروح مطلقاً أن نتنازل عن شيء من ديننا ولا حتى عن مندوب أو مكروه، وإنما كان الحوار حوار تعايشٍ وعرض للدين الحق، وفي الحديبية كان الحوار مع قريش حول هذه القضايا، قضايا التعايش وكف اليد والهدنة وغيرها مما يحقق الصالح العام.


* ولكننا يا شيخنا الجليل لا نجد في القرآن شيئاً عن ( محاورة ) الكافرين، وإنما نجدُ (المجادلة) كما في قوله تعالى: (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)).
يا أخي .. ما الحوار في اللغة؟ هو أن يدور كلام بينك وبين شخص.
وما الجدال في اللغة؟ هو كذلك أن يدور حديث بينك وبين شخص.
فحقيقتهما إذن واحدة.
وحسبي أن أذكرك بأن الله تعالى سمى الجدال تحاوراً .. ألم يقل سبحانه : (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ))، فسمى حديثها مع النبي جدالاً، ثم قال سبحانه: ((والله يسمع تحاوركما)) فسمّاه تحاوراً ؟ وقال تعالى ( قال له صاحبه وهو يحاوره..) سورة الكهف
إذن .. الجدال هو الحوار أو صورة من صوره على الأقل، وقد أذن الله لنا بجدال أهل الكتاب كما في الآية التي أسلفتَها، وكما في قوله تعالى: ((فإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)).وأمرنا به في قوله تعالى ( وجالهم بالتي هي أحسن) سورة النحل
وفوق ذلك كله علينا أن نتذكر أن الإقبال على الإسلام اليوم شائعٌ، وأنّ الدعاية المضادّة تريد أن تستغل نماذج بعينها لترويجها، وتنفير الناس من الإسلام قبل أن يسمعوه، ولا بد لنا أن نسلك كل طريق ممكن لإسماع أولئك كلام الله ((وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله))، وأحسب أن الحوار بضوابطه الشرعيّة سبيل حسنٌ لإسماع أولئك كلام الله.


* ألا يشكل على ما تذكرون من دعوة للحوار ما امتلأت به كتب العقائد من نصوص تحذر من الجلوس إلى المبتدع والاستماع إليه بحجة أنه يلبس الحق بالباطل، ويتخذ لكل بدعة عنده شبهة قد تجوز على محاوره؟ وكتاب ابن بطة و غيره مليء بمثل هذه التحذيرات. كيف نوفق بين هذا و بين ما تدعون إليه من ضرورة الحوار مع الآخر الكافر؟
ما ذكرته صحيح، ولكن قال علماؤنا بعد ذلك: إن ذلك كان و راية الإسلام عالية، وصوته نديّ، و ساحته بريئة، أما اليوم و قد أصبح مخالفونا على المنابر فيجب أن نخاطبهم؛ لأننا إذا لم نفعل ذلك فسوف ننعزل. نحن الآن ننظر إلى أنفسنا كأكثرية في ديارنا لكننا أقلية بالنسبة لهذه القرية الكونية.
العصر المكي ليس بعيدا منا، والنبي
صلى الله عليه وسلم استمع إلى عتبة و هو يتحدث ويقترح بعض المقترحات السخيفة بالنسبة للنبيصلى الله عليه وسلم ، لكنه مع ذلك قال: هل فرغت يا أبا الوليد فقال: نعم، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن.
وينبغي أن نعلم أنهم هم الذين يضرّ بنحلتهم سماع ما عندنا، ((و قالوا قلوبنا في أكنة و في آذاننا وَقْرٌ ومن بيننا و بينك حجاب))، لا يريدون أن يسمعوا لأن لدينا الحجة البالغة، فلماذا نتهرب من تقديم الحجة البالغة للناس؟ هذا لا يصح، و إذا سلكنا هذا السلوك فإنه سيقضي علينا في ديارنا.

 

الصفحة 1 2 3 4


 | عودة لصفحة الحوارات |