مقدمة لكتاب ” العرف” للدكتور عادل قوته

 

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين          أما بعد؛ 

 

 فقد طالعت رسالة ابننا العلامة الشيخ عادل بن عبدالقادر قوته حفظه الله ووفقه وأتمَّ له نوره في: العرف حجيته وأثره في فقه المعاملات الماليّة عند الحنابلة.

فاطَّلعتُ من خلالها على عينٍ غديقةٍ من الفقه والفهم لا ينضُب معينُهما ألَّتْ أنوار بروقها ولمعت، واستهلت شئابيب سحائبها وهمعت، فاهتزت لها سهولُ العُرف بعد أن كانت حَزْناً، وافترت عن ثغر زهرها الباسم بعد أن قطَّبتْ حُزْنا، فطالعتنا رياض العُرف طيبة النَّشر، فتجلَّتْ في حلّةٍ سندسيّة، وزهرةٍ نرجسية ونشرتْ فقه الأعراف تفريعاً وتأصيلاً وإجمالاً وتفصيلاً.

 

إذا رآها الرائي من قريب أنشد بيت الطائي حبيب:                    

                يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ       كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ

 

وإذا كانت قاعدة العرف وتفريعاتُها قد نالتْ قسطاً وافراً من التأليف وحظاً وافياً من التصنيف حتى أخالت المستقرئَ أن مدادها قد نضب وأن ناشدها قد لغب فإنّ هذه الرسالة برهنتْ على أنّ في الحوض بقيّة لم تغترف وفي البستان ثمرة لم تُقتطف.

لقد لفت انتباهي بخاصة: جودة السبك وسمو اللغة والاستيعاب في الجمع وإصابة مفصل النقول والاتصاف بالإنصاف في مقارنة أقوال أهل الاختلاف.

 

كل أولئك الصفات والنعوت تتجلى في تتبّع أقوال العلماء من الأولين والمتأخرين وملاحظة الفروق الدقيقة والشِّيات الخافتة في المسائل التي يتناولها. حيث يبدأ بالتعريف اللغوي والاصطلاحي وينتهي بالتطبيقات المعاصرة ويعرض في مثاني ذلك اختلاف الآراء ومجالات التطبيق.

خذ مثلاً: مسألة القبض ص451 وص464: بعد التعريف ووضع قاعدة القبض التي تستند إلى العرف ينقل كلام علماء الحنابلة من ابن قدامة وابن تيمية مروراً بالسعدي والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصولاً إلى قرارات مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي مثبتاً العزو لعشرات المراجع منوعاً أنواع القبض ووسائله وما يترتب عليه.

وهو بتواضع العلماء إذا لم يجد نقلاً بين ذلك ولم يدلِّس وإذا أفاد من جهة أعلى ذلك ولم يستنكف. 

انظر: ص 467 في جريان الخلاف في الإقالة بالمعاطاة في مذهب الشافعي :….. ولم أقف على ما يفيد ذلك نفياً أو إثباتاً”. راجع أيضاً مثالاً آخر: ص 365 هامش 1 وص 1043 هامش 3 وفي غيرها.

وفي ص473 هامش2 “…. وقد أفدتُ في غالب ما لخصته..” وانظر أمثلة أخرى في: ص 67 هـ:1 ص 143 هـ:1 ص 291، هـ1 وص 351، هـ 1 وغيرها.

وباختصار: فإن هذه الرسالة أضافت إلى مكتبة الفقه الإسلامي موسوعة في بابها ألبست كواعب العرف بجميل ثيابها.

فجزى الله تعالى ابننا العلامة عادل عن الفقه الإسلامي عموماً وعن العرف بخاصة خير الجزاء.   

     مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ       لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

سائلين الله الكريم الذي لا يخيب من رجاه ولا يذل من والاه أن يجعلنا وإيّاه من عباده الصالحين الذين جمعوا العلم إلى العمل وأن يجنبنا وإياه مواقع الزلل. 

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

                                                                                    عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه 

                                                                                            14 / 11 / 1417 هـ 

 

 

Comments are closed.