حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

السؤال
 

ما موقف المسلم من هؤلاء (غير المسلمين) المسالمين لهم، الذين لا يعادون المسلمين، ولا يقاتلونهم في دينهم، ولم يخرجوهم من ديارهم أو يظاهروا على إخراجهم؟ هل يجوز له ان يهنئهم في أعيادهم ومناسباتهم ويعزيهم في اتراحهم ومآسيهم؟

الجواب
فتوى في مسألة  تهنئة غير المسلمين بأعيادهم  من كتاب ” صناعة الفتوى وفقه الأقليات ” للعلامة عبدالله بن بيه”

أولا : فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء   :

مـمـا لا شك أنَّ القضية قضية مهمة وحساسة، خاصة للمسلمين المقيمين في بلاد الغرب، وقد ورد إلى المجلس أسئلة كثيرة من الإخوة والأخوات الذين يعيشون في تلك الديار، ويعايشون أهلها من غير المسلمين، وتنعقد بينهم وبين كثير منهم روابط تفرضها الحياة، مثل الجوار في المنزل، والرفقة في العمل، والزمـالة في الدراسة، وقد يشعر المسلم بفضل غير المسلم عليه في ظروف معينة، مثل المشرف الذي يساعد الطالب المسلم بإخلاص، والطبيب الذي يعالج المريض المسلم بإخلاص، وغيرهمـا، وكمـا قيل: إنَّ الإنسان أسير الإحسان، وقال الشاعر:

أحسِنْ إلى النّاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ       فطالَمـا استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

مـا موقف المسلم من هؤلاء (غير المسلمين) المسالمين لهم، الذين لا يعادون المسلمين، ولا يقاتلونهم في دينهم، ولم يخرجوهم من ديارهم أو يظاهروا على إخراجهم؟

إنَّ القرآن الكريم قد وضع دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة، وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين، فقال تعالى:﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) ﴾([1]).

ففرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم:

فالأولون (المسالمون): شرعت الآية الكريمة برهم والإقساط إليهم، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، فالعدل: أن تأخذ حقك، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك.

العدل أو القسط: أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه، والبر: أن تزيده على حقه فضلاً وإحساناً.

وأمـا الآخرون الذين نهت الآية الأخرى عن موالاتهم فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم، وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق إلا أنْ يقولوا: ربنا الله، كمـا فعلت قريش ومشركو مكة بالرسوله وأصحابه.

وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة (البر) حين قال: ﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى؛ وهو بر الوالدين.

وقد روى الشيخان عن أسمـاء بنت أبي بكر رضي الله عنهمـا: «أنها جاءت إلى النبيه  فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، وهي راغبة ـ أي في صلتها والإهداء إليها ـ أفأصلها؟ قال: صلي أمك»([2]).

هذا وهي مشركة، ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين.

حتى إن القرآن أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم؛ بمعنى: أن يأكل من ذبائحهم، ويتزوج من نسائهم، كمـا قال تعالى في سورة المـائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾([3]).

ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كمـا قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾([4]).

وكيف لا يود الرجل زوجته، وربة بيته، وشريكة عمره، وأم أولاده؟ وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض:﴿ هُنَّ لِباسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَّهُن ﴾([5]).

ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: المصاهرة بين الأسرتين، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كمـا أشار القرآن بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ([6]).

ومن لوازم ذلك: وجود الأمومة، ومـا لها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام، فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل هذا العيد الكبير عندها ولا يهنئها به؟ ومـا موقفه من أقاربه من جهة أمه، مثل الجد والجدة، والخال والخالة، وأولاد الأخوال والخالات، وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى، وقد قال تعالى:﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّه([7]) وقال تعالى:« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى»([8]).

فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب، بمـا يبين حسن خلق السلم، ورحابة صدره، ووفاءه لأرحامه، فإنَّ الحقوق الأخرى توجب على المسلم أنْ يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن، وقد أوصى الرسول الكريم أبا ذر بقوله: «اتق الله حيثمـا كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، هكذا قال: «خالق الناس»، ولم يقل: خالق المسلمين بخلق حسن.

كمـا حث النبيه على (الرفق) في التعامل مع غير المسلمين، وحذر من (العنف) والخشونة في ذلك.

ولمـا دخل بعض اليهود على النبيه ولووا ألسنتهم بالتحية، وقالوا: (السام) عليك يا محمد، ومعنى (السام): الهلاك والموت، وسمعتهم عائشة، فقالت: وعليكم السام واللعنة يا أعداء الله، فلامها النبيه  على ذلك، فقالت: ألم تسمع مـا قالوا يا رسول الله؟ فقال: سمعت، وقلت: وعليكم. يعني: الموت يجري عليكم كمـا يجري علي ـ يا عائشة: الله يحب الرفق في الأمر كله([9]).

وتتأكد مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا  ـــــ كمـا ذكر السائل ـ يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، فقد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كمـا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾([10]).

ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرمـا، وأدنى حظاً في حسن الخلق من غيره، والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظاً، والأكمل خلقاً، كمـا جاء في الحديث: «أكمل المؤمنين إيمـاناً أحسنهم خلقا»([11])، وكمـا قال عليه الصلاة والسلام: «إنمـا بعثت لأتـمم مكارم الأخلاق»([12]).

ويتأكد هذا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه، ونحبب إليهم المسلمين، وهذا واجب علينا، فهذا لا يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم،  بل بحسن التواصل.

وقد كان النبيه حسن الخلق، كريم العشرة مع المشركين من قريش، طوال العهد المكي، مع إيذائهم له، وتكالبهم عليه وعلى أصحابه، حتى إنهم –لثقتهم به عليه الصلاة والسلام- كانوا يودعون عنده ودائعهم التي يخافون عليها، حتى إنهe حين هاجر إلى المدينة، ترك علياً رضي الله عنه، وأمره برد الودائع إلى أصحابها.

فلا مـانع إذن أن يهنئهم الفرد المسلم، أو المركز الإسلامي بهذه المناسبة، مشافهة أو بالبطاقات التي لا تشتمل على شعار أو عبارات دينية تتعارض مع مبادئ الإسلام، مثل الصليب؛ فإن الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُم﴾([13]).

والكلمـات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل على أي إقرار لهم على دينهم، أو رضاً بذلك، إنمـا هي كلمـات مجاملة تعارفها الناس.

ولا مـانع من قبول الهدايا منهم، ومكافأتهم عليها، فقد قبل النبيه هدايا غير المسلمين؛ مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره، بشرط أن لا تكون هذه الهدايا ممـا يحرم على المسلم؛ كالخمر ولحم الخنزير.

ولا ننسى أن نذكر هنا أن بعض الفقهاء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم قد شددوا في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها، ونحن معهم في مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب الدينية، كمـا نرى بعض المسلمين الغافلين يحتفلون بـ(الكريسمـاس) كمـا يحتفلون بعيد الفطر وعيد الأضحى، وربمـا أكثر، وهذا مـا لا يجوز، فنحن لنا أعيادنا، وهم لهم أعيادهم، ولكن لا نرى بأسا من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمـالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتمـاعية، التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرها العرف السليم. 

أمـا الأعياد الوطنية والاجتمـاعية، مثل عيد الاستقلال أو الوحدة، أو الطفولة والأمومة ونحو ذلك، فليس هناك أي حرج على المسلم أن يهنئ بها، بل يشارك فيها، باعتباره مواطناً أو مقيمـا في هذه الديار، على أن يجتنب المحرمـات التي تقع في تلك المناسبات.

ثانيا : تعليق سماحة العلامة عبدالله بن بيه :

قلتُ: قد يكون من المناسب أن نضيف هنا أن تهنئة غير المسلمين مختلف فيها بين العلمـاء، وفي مذهب الإمـام أحمد ثلاث روايات؛ بالمنع والكراهة والجواز، وهذه الرواية الأخيرة هي اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية؛ لمـا في ذلك من المصلحة، وهي التي نختارها، فتجوز تهنئتهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم، نص على هذه الروايات في هذه الحالات كلها المرداوي في «الإنصاف»، ومـا ذكره المجلس عن ابن تيمية في كتب أخرى كـ «اقتضاء الصراط المستقيم» قد لا يتفق مع اختياراته الموثقة.

ونص المرداوي في «الإنصاف»: (قول الأصل: وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم: روايتان.

وأطلقهمـا في «الهداية»، و«المذهب»، و«مسبوك الذهب»، و«المستوعب»، و«الخلاصة»، و«الكافي»، و«المغني»، و«الشرح»، و«المحرر»، و«النظم»، و«شرح» ابن منجا.

إحداهمـا: يحرم وهو المذهب صححه في «التصحيح» وجزم به في «الوجيز» وقدمه في الفروع.

والرواية الثانية: لا يحرم فيكره وقدمه في «الرعاية»، و”الحاويين» في باب الجنائز ولم يذكر التحريم.

وذكر في «الرعايتين»، و«الحاويين» رواية بعدم الكراهة فيباح، وجزم به ابن عبدوس في «تذكرته».

وعنه: يجوز لمصلحة راجحة كرجاء إسلامه اختاره الشيخ تقي الدين ومعناه: اختيار الآجري وأن قول العلمـاء يعاد ويعرض عليه الإسلام)([14]).

قلت: هذا هو الصواب، وقد عاد النبي صبياً يهودياً كان يخدمه وعرض عليه الإسلام فأسلم.

نقل أبو داود: أنه إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام فنعم([15]).

 

 

…..

([1])  سورة الممتحنة الآية(8-9).

([2])  تقدم تخريجه.

([3])  سورة المـائدة الآية(5).

([4])  سورة الروم الآية(21).

([5])  سورة البقرة الآية(187).

([6])  سورة الفرقان الآية(54).

([7])  سورة الأنفال الآية(75).

([8])  سورة النحل الآية (90 ).

([9])  أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، ح(6024)، (8/12)، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، ح(2165)، (4/1706) عن عائشة ».

([10])  سورة النساء الآية(86).

([11])  أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الحديث ونقصانه، ح(4682)، (4/220)، والترمذي في سننه، أبواب الرضاع، باب مـا جاء في حق المرأة على زوجها، ح(1162)، (3/458) من حديث أبي هريرة I.

([12])  أخرجه البزار في مسنده(15/364)، والبيهقي في السنن الكبرى(3/323)، عن أبي هريرة.

وأخرجه أحمد في مسنده(14/513) وفيه:«صالح الأخلاق».

([13])  سورة النساء الآية (157).

([14])  المرداوي في الإنصاف (4/221).

([15])  تقدم تخريجه.

 

 

 

 

….

* ارجع لكتاب : صناعة الفتوى وفقه الأقليات

Comments are closed.