المواطنة بين إطلاقية المبادئ ونسبية التنزيلات

——-

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وآله المطهّرين وجميع إخوانه من النبيئين والمرسلين، وعلى صحبه الطيبين.

المواطنة بين إطلاقية المبادئ ونسبية التنزيلات

معالي الشيخ عبد الله بن بيه

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

أيها السادة الأفاضل،

أيتها الأخت رئيسة الجلسة،

أيها المشاركون كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يسرني أن يتجدّد لقاؤنا اليومَ، هنا في ولتن بارك، لنستأنف ما كنّا بدأناه في الحلقات الحوارية السابقة في روما وأبوظبي، من التفكير في موضوع المواطنة، وبذل الوسع في وضعِ تَصوّر مؤصَّل، مستمدّ من النصوص الدينية ومراع للسياق الحضاري المعاصر المتجسّد في الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية.

لقد رمت في كلمتي التأطيرية في لقاء أبوظبي أن أقدّم بعض الأسس والمحدّدات المنهجية لتعريف المواطنة في مفهومها الحديث الذي هو عبارة عن رابطة اختيرية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور. وفي هذا الصدد أوليت جلّ عنايتي لإبراز مقوّمات المواطنة في إعلان مراكش باعتباره وثيقة نموذجية وجهدا اجتهاديا صالحا لتأصيل المواطنة التعاقدية في المجتمعات الإسلامية. كما حرصت على ربط هذا التصوّر بإطاره الناظم، المتمثّل في مقصد السلم والمحافظة على النظام العام، باعتبارهما الأفق الذي ينبغي أن تتحرّك في ضمنه كلّ تصوراتنا النظرية وتدابيرنا الميدانية لإحقاق المواطنة وتعزيزها.

ورجائي أن نكون جميعا قد تسنّت لنا الفرصة لتقليب النظر وإمعانه في مضامين هذه الورقة، لتُحَقِّق غايتَها في إثراء الحوار والدفع بأعمالنا نحو مزيد من الإحكام في التأصيل والحكمة لدى التنزيل.

ووصلا لما انفصل، وبناءً لللاحق على السابق، سأكتفي في كلمتي اليوم باستخلاص النتائج التفصيلية التي كانت الكلمة الأولى بمثابة المقدمة النظرية لها، وذلك من خلال توجيه القول إلى زوايا من الموضوع أكثر التصاقا بمقصودنا وهو صياغة وثيقة للمواطنة الشاملة، على أن أهمّية الموضوع وحساسيته تستدعي لا محالة مزيدا من التدقيق والتفكير والحوار، لن تستنفده هذه الإثارات السريعة.

إن المواطنة لم تكن على مرّ الأعصر واختلاف الأقطار، على نمط واحد، ووزان واحد، في حقيقتها ومقوّماتها، بل ربما الأصوب أن نتحدث عن مواطَنات، تتّسع أو تَضيقُ، بحسب السّياقات.

فأصل المواطنة كما هو ملحوظٌ من لفظها اللاتيني مشتقٌّ من المدينة، CITY، بوصفها المُنْتَظَم السياسيّ للوجود الإنساني في المجتمع. ومن ثَمّ فهي حالة خاصة أو صلاحية قانونية في علاقة الشّخص بالوطن، وبسكان الوطن الآخرين، فهي أَمْر زائد ونسبة إضافية تفترض علاقة بين مواطنين ووطن، وعيش مشتركا، تقوم في الأصل على الانتماء المشترك للعرق أو الدين أو التاريخ المشترك أو على عنصر نقاء النسب.

هذا التصوّر القديم للمواطنة هو الغالب على المجتمعات البشرية تاريخيا، ولكنّه لم يكن الوحيد، حيث شهدت بعض البيئات ذات الطبيعة التعددية، تطوّر صيغة مختلفة للمواطنة، تنحو منحى تعاقديا، لا يتركز على الانتماء المشترك ولا على الذاكرة التاريخية الموحدة، أو الدين الواحد، وإنما على عقد مواضعة واتفاق طوعي يؤطّر الوجود المشترك في شكل قوانين ونظم تحدّد واجبات وحقوق أفراد الجماعة.

وقد فَشا هذا التصوّر الدستوري التعاقدي للمواطنة في العصور الحديثة في سياق ما شهدته البشرية من التمازج والتواصل وغلبة سمة التعددية في كلّ أقطار المعمورة. وهو تصوّر يقوم على الإحالة إلى مرجعية قيمية مشتركة يعترف بها المجتمع، من خلالها يتعرَّفُ على هويته، وبواسطتها يتعارف أبناؤه في ما بينهم.

فما هو المرجع القيمي الذي نريد أن نقدمه أساسا للمواطنة، إذ ليس هناك نموذج واحد ملائم لكل البيئات. فهل كلُّ عقد توافقي هو في حدّ ذاته مرجعية قيمية كافية، أم لا بدّ من منظومة نموذجية.

قد تكون مرجعية حقوق الإنسان كما تجسدت في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي انبثق عن الثورة الفرنسية سنة 1789، وما عقبه من مواثيق وطنية وإعلانات عالمية، وما لحق ذلك من أجيال الحقوق، تعتبر الأساس الصالح المعتمد لدى المنظرين المعاصرين.

بيد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة والذي يعتبر أسمى وثيقة دولية ، هو نفسه غير حاسم في هذا الصدد، إذ يتصف بازدواجية تعبّر عن وعي واضعيه بعُسر الجمع بين كونية المبادئ ونسبية التنزيل. ففي الفصول الأولى من الإعلان، تتوالى الحقوق مفصلة مطلقة، ثم يأتي الفصل 29 بمثابة الفصل المقيّد لإطلاق كل ما سبقه، حيث يعيد التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الفرد والجماعة، وبين الحريات والنظام العام. ونص هذا الفصل : “

على كلِّ فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نموّا حرا كاملا.

يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقرّرها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي. “

إن هذه القيود تعيد للمرجعية المحلية شيئا من الحاكمية، وتفرض علينا عند الحديث عن تصور كلي للمواطنة الكثير من النسبية، والتأني في توظيف المفاهيم والمفردات، والوعي بما يفرضه اختلاف المشارب الحضارية من ضرورة الحوار المستمة حتى نتوصّل إلى أرضية مفهومية متينة، بعيدا عن منهج الفرض من الخارج أو من الأعلى بسلطان القوة، الذي تثبت التجربة التاريخية أنه دائما ما تأتي نتائجه عكسية.

ومنا هنا أيضا تأتي ضرورة سلوك منهج التدرّج من خلال التفريق بين مستوى الاعتراف المبدئي ومستوى التفعيل، ومن خلال التمييز بين مستويات الحقوق في المواطنة، بين مقوماتها الأصلية وبين مكملاتها ولوزامها التي تختلف من بيئة إلى بيئة، والتي يلزم التدرج في اكتسابها عن طريق استراتيجية المحافظة على السلم المجتمعي، لكي لا تعود هذه المكملات على الأصول بالإبطال، فلا يمكن أن ننزع عن عقد اجتماعي سار في بلد صفة المواطنة بدعوى تخلّف بعض اللوزام الثانوية أو التنظيمية في التصور المثالي للمواطنة، ولذلك أرى أن نستعيض عن وصف الشمول بالمواطنة الحاضنة للتنوع فهو أكثرُ وضوحا وأنسب لحاجة الواقع.

كما يفرض علينا عدم تجاهل الفروق المجتمعية والتباينات التاريخية والثقافية، والخصوصيات المحلية. فلا يمكن أن نؤسس لمواطنة متينة متجذرة في نسيجها المجتمعي إلا بالحرص على ربط مفاهيمها بثقافتها الموروثة، فلا يغترب الناس عن موروثهم فتلتبس عليهم المفاهيم.

إن ذلك ما نقوم به من خلال ترجمة لغة الدين إلى لغة المدينة والفضاء العمومي، لغة الحياة والقانون، حيث نستعير من نصوص التاريخ لإنزالها على العصر الحاضر مع الاحتفاظ لكل عصر بلغته وبيئته الزمانية والمكانية.

بهذا المنهج التأويلي تمكنّا في إعلان مراكش من تقديم مصالحة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية، ورفع التنافي المزعوم بينهما، وذلك من خلال تأصيل المفهوم الجديد للمواطنة، انطلاقا من صحيفة المدينة المنورة بوصفها تقدّم أساسا متينا للمواطنة التعاقدية في المجتمعات الإسلامية، وخيارا يرشّحه الزمن والقيم للتعامل مع كلي العصر لتفعيل المشترك الإنساني وتحييد عناصر الإقصاء والطرد، فهي اتفاق أتى من غير حرب ولا قتال ولا عنف ولا إكراه، اتفاق تداعت إليه أطرافه طواعية للالتفاف حول المبادئ التي تضمنها ضمن دائرة التفاعل الإيجابي بين مكوّنات مجتمع المدينة، من أجل تحقيق السلم الاجتماعي القائم على الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، والقبول بما يفرضه التنوع من اختلاف العقائد والمصالح وأنماط الحياة، مع وجود مرجعية حاكمة يفيء إليها الجميع حال التنازع والاختلاف.

إن الإسلام وضع الأسس القانونية لحماية التعددية الدينية، إذ يعتبر وجود هذه التعددية مقصدا شرعيا وإرادة قدرية، حيث ذكُرت التعددية في القرآن كثيرا، ومنها قوله تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)،

تتحدّث هذه الآية عن أماكن العبادة وتوعز بل تأمر بالدفاع عنها، إن الأماكن المذكورة ليست للمسلمين فقط وإنما هي للملل التَّوحيدية جميعها، فقد قال كبار المفسرين من الصحابة وغيرهم إن هذه الآية توجب على المسلمين الدفاع عن كنائس النصارى وعن بيع اليهود كما يدافعون عن مساجدهم، فلم يكتف الإسلام باحترام التعددية الدينية وإقرارها، وإنما دعا المسلمين إلى حمايتها والدفاع عنها.

إن هذا النموذج دالٌّ على ضرورة أن نتجاوز النظر الإقصائية للإسهام الديني في بناء نموذج إبداعي للمواطنة يتسق مع طبيعة البيئات التي يراد تنزيلها عليها. وهي مراجعات شرع فيها بعض كبار فلاسفة العصر، على ضوء متغيرات البنية الاجتماعية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وما أصبح يعرف بعودة الدين، مما حدا بهم إلى وضع تصورات جديدة لمواطنة مفتوحة على الثقافة الدينية. وأشير هنا إلى موقف هابرماس الذي أفضى به التفكير في شروط العيش المشترك في المجتمعات المعاصرة إلى الدعوة إلى إفساح المجال العام للإسهام الديني ليقدم كل دين من تراثه الخاص ونصوصه المقدسة ما يراه من مقترحات أخلاقية.

ولعل الإسهام الديني في تعزيز المواطنة يتجلّى كذلك في بعده التربوي، إذ الدين في كثير من البيئات هو الذي يوعز للإنسان بالفعل ويضع له منظومة التصورات الذهنية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياته الفردية والجماعية. فالمواطنة أكثر من كونها معرفة تتعلّم أو مبادئ تُلَقّن هي سلوك وممارسة تكتسب، من خلال التربية، التي تعنى بتهذيب السلوكيّات وتقويم التصرفات وتحسين الأخلاقيات. فبالتربية يكتسب الإنسان طرق العيش في الجماعة، وتتجذّر في شخصيته قيم المواطنة.

وبهذه القيم التي تقدمها التربية ترتقي المواطنة إلى المؤاخاة، وتنتقل من الوجود المشترك إلى الوجدان المتشارك. لتكون المواطنة بذلك بوتقة تنصهر فيها كل الانتمـاءات، وبقدر الانسجام والانتظام بين هذه العناصر في الجمـاعة يجد المواطن نفسه والجمـاعة مكانتها.

وفي الختام أجدّد دعوتي للمضي قدما في سلسلة الحوارات المجتمعية، حوارات جدية ومفتوحة تشارك فيها كافة فعاليات المجتمع، وخاصة المجامع الفقهية ومجالس الإفتاء وسائر الشركاء الأساسيين.

إن المواطنة تقوم على أسس كبرى هي المساواة في الحقوق والواجبات، ومبادئ الحرية وقبول التعددية، وهي أسس تحميها الدساتير، فلا ينبغي أن تكون محلّ خلاف، والإسلام كسائر ديانات العائلة الإبراهيمية لا ينافي ما وصلت إليه التجربة الإنسانية في هذا المفهوم الحديث للمواطنة. وإن زاد عليها بالروح الأخلاقية التي يصبغها بها، والتي قد تعوز الصيغ المعاصرة أحيانا كثيرة.

فلنتفق على أنّه حيثما وجدت قوانين تحمي هذه الأسس الكبرى، فثمة المواطنة، مهما كانت نسبيتها لدى التفسير أو التطبيق، بحسب الظروف الحضارية والسياقات التاريخية. فتلك تباينات طبيعية لا تعود على أصل المواطنة بالنقض والإبطال.

فلا ينبغي أن نجعل ملتقياتنا الحوارية هذه منابرَ لمحاكمة الدول وسلب عقودها الاجتماعية وصف المواطنة، وإنما ينصبّ الحوار على ما وراء ذلك من إشكالية المعيارية ومقصد تحسين المواطنة.

فما هو المعيار الأمثل لقياس جودة المواطنة؟ وكيف يتنزّل هذا المعيار في كل بيئة بيئة، مراعيا ظروفها وتوفر شروطها التنموية والاجتماعية؟ ما هي مؤشرات هذه الجودة؟ وما هي التدابير الحكيمة للارتقاء بها؟ كيف نحسن ظروف المواطنة ونرفع من مؤشراتها بتحقيق مكملاتها ضمن إطار يحافظ على السلم الأهلية والنظام العام؟

تلك هي الأسئلة المحورية التي يلزم أن نجعلها موضوعا لحواراتنا الممهدة لوثيقة المواطنة.

وتلك هي المبادئ الموجهة لرؤية قيادتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، رؤية قائمة على قيم الابتكار والجودة والتميّز، حيث يتعزّز كل يوم واقع المواطنة الإيجابية من خلال مبادرات إبداعية تدعم مؤشرات الجودة في المواطنة، وتسهم في الارتقاء بميثاق المواطنة وتعزيز الولاء والانتماء للوطن، بل تحسّن كذلك جودة المواطنة العالمية من خلال حسن الرعاية وكريم العناية التي توليها الدولة لكل المقيمين فيها على اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم.

Comments are closed.