هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودا ؟
![]() |
||
| فتوى العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه | ||
|
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم، على سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: اختلف أهل العلم في جواز إخراج قيمة الطعام في زكاة الفطر على أقوال، أشهرها اثنان: الأول: أن إخراج القيمة لا يجزئ مطلقا، بل لا بد من إخراج الطعام؛ لأنه الذي نصت عليه السنة النبوية، وعلى هذا أكثر أهل العلم. الثاني: أن إخراج القيمة يجزئ مطلقا، بل قد تكون هي الأفضل إذا اقتضتها مصلحة الفقير، كما هو الغالب في عصرنا، والحجة لهم في ذلك ما يأتي: -1 قول معاذٍ رضي الله عنه لأهل اليمن: “ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ – أَوْ لَبِيسٍ – في الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ”([1]). وقد فعل ذلك معاذٌ رضي الله عنه ، فإن كان في زمن النبي ﷺ فقد علمه وأقره فيكون هذا الحديث مرفوعا، وإن كان في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان إقرارا من الصحابة رضوان الله عليهم لجواز القيمة في الزكاة ([2]). -2 قول أبي إسحاق السبيعي – وهو أحد أئمة التابعين: (أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام) ([3]). وهذا نقل عن كافة من أدركهم من الصحابة والتابعين. -3 وقول قرة بن خالد السدوسي: (جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم) ([4]). فإخراج القيمة ثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين. وهو مذهب أبي حنيفة، وقول عند المالكية، ورواية عند الحنابلة. قال السرخسي: (فإن أعطى قيمة الحنطة جاز عندنا؛ لأن المعتبر حصول الغنى؛ وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالحنطة … وكان الفقيه أبو جعفر – رحمه الله تعالى – يقول: أداء القيمة أفضل؛ لأنه أقرب إلى منفعة الفقير فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه، والتنصيص على الحنطة والشعير كان؛ لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها، فأما في ديارنا البياعات تجرى بالنقود، وهي أعز الأموال فالأداء منها أفضل)([5]). وقال ابن عبد البر – عن زكاة الفطر – : (لا يجزئ فيها ولا في غيرها من الزكاة القيمةُ عند أهل المدينة، وهو الصحيح عن مالك وأكثر أصحابه، وقد روي عنه وعن طائفة من أصحابه أنه تجزئ القيمة عمن أخرجها في زكاة الفطر ).([6]) وقال المرداوي من الحنابلة (القيمة، والصحيح من المذهب: أنها لا تجزئ … وعنه رواية مخرجة يجزئ إخراجها)”([7]). وبناء على ما سبق: فإن القول بإخراج قيمة زكاة الفطر نقودًا قول قوي معتبر، وله مستنداته من عمل الصحابة، ومن جاء بعدهم، إلا أن القائلين بإخراج القيمة قد اختلفوا في تحديد مقدارها؛ تبعا للاختلاف في مقدار الطعام الذي يجزئ إخراجه في زكاة الفطر: فالقائلون بأنه صاع من الطعام الغالب في البلد يرون أن الواجب هو إخراج الصاع من تلك الأطعمة أو قيمته. والقائلون بأن المجزئ نصف صاع من بر أو صاعٌ من غيره مما نص عليه في السنة: يرون أنه يجوز إخراج نصف الصاع من البر أو قيمته، أو إخراج الصاع من المنصوص عليه – غير البر – أو قيمته. ومعلوم أن قيمة الطعام تختلف بحسب الزمان والمكان والنوع، فليست قيمة الصاع الوسط من الأرز كقيمة الصاع من البر ولا كقيمة الصاع من التمر. ([1]) [صحيح البخاري، (2/116)]. ([2]) [شرح صحيح البخاري – ابن بطال (3/488)]. ([3]) [مصنف ابن أبي شيبة (2/398)]. ([4]) [مصنف ابن أبي شيبة (2/398)]. ([5]) [المبسوط للسرخسي» (3/ 107]. ([6]) [“الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر”(1/323)] ([7]) [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (3/ 182) ت الفقي)] |
||
