نص كلمة العلامة عبدالله بن بيه في المؤتمر 19 للفكر الاسلامي
| كلمة العلامة ابن بيه في مؤتمر مؤسسة آل البيت الملكية | ||
![]() |
||
|
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى آله وصحبه أجمعين جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حفظه الله ورعاه، صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد، كبير مستشاري جلالة الملك للشؤون الدينية والثقافية، والمبعوث الشخصي لجلالته، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، حفظه الله، أصحاب السمو والمعالي والفضيلة، أيها الحضور الكريم، كلٌّ باسمه وجميل وسمه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يطيب لي، بادئ ذي بدء، أن أنقل إلى جلالتكم عاطر تحيات أخيكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظه الله، وصادق تمنيات سموه لجلالتكم بموفور الصحة والعافية، وللمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة بمزيد من الأمن والاستقرار والازدهار. وتأتي هذه التحيات مقرونةً بأصدق مشاعر الأخوّة والتضامن، وبوقوف دولة الإمارات العربية المتحدة الثابت إلى جانب المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، ملكًا وحكومةً وشعبًا، في السراء والضراء، صونًا لسيادتها وأمنها واستقرارها؛ فأمن الأردن من أمن الإمارات، واستقراره من استقرارها. وأتقدم بجزيل الشكر إلى مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد، حفظه الله، على عقد هذا المؤتمر المهم، وعلى ما تنهض به، في ظل الرعاية الهاشمية الكريمة، من خدمة للفكر الإسلامي، وجمع للعلماء، وإحياء لمنهج الاعتدال والحكمة. جلالة الملك، أصحاب السمو والمعالي والفضيلة، إن عنوان هذا المؤتمر: «أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة»، عنوانٌ طموح واسع الأفق، يضع الحاضر أمام مسؤوليته تجاه المستقبل. وحين يكون الحديث عن «الأمة» وأولوياتها، يحسن استحضار سعة هذا اللفظ في التراث الإسلامي؛ فالأمة، كما يقول الراغب الأصفهاني، «كل جماعة يجمعهم أمرٌ ما؛ إمّا دينٌ واحد، أو زمانٌ واحد، أو مكانٌ واحد». وعلى هذا، تتعدد دوائر الاجتماع بتعدد الأمر الجامع، من غير أن تتدافع أو تطرد إحداها الأخرى. فالمسلم في سنغافورة، مثلًا، تجمعه بالمسلمين جامعة الدين، وبسائر مواطنيه جامعة الوطن، وبأهل عصره جامعة الزمان؛ وكذلك شأن المسلم في بوركينا فاسو، بل شأن المسلم في أي بقعة من الأرض؛ إذ تجمعه بغيره، في آنٍ واحد، روابط الدين والوطن والزمان، ولكل دائرة من هذه الدوائر مقتضياتها وحقوقها وواجباتها وأولوياتها. وقد ميّز العلماء، في إطلاق «الأمة المحمدية»، بين أمة الدعوة وأمة الإجابة. فأمة الدعوة تعمّ الثقلين: الإنس والجن، فتندرج فيها العائلة الإنسانية بأسرها؛ إذ بُعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين. وأما أمة الإجابة فهم الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم وصدّقوه واتّبعوه. وفي الواقع المعاصر، تنتظم المجتمعات الإنسانية في دول وطنية ذات سيادة؛ فالدولة الوطنية الحديثة، بكامل سيادتها وشرعيتها، هي الوعاء الحافظ لأمن المجتمعات والمحقق لمصالحها. ولكل دولة أولوياتها التي تحددها مصالح شعبها ومواردها وظروفها وتحدياتها. فليس المقصود بأولويات الأمة توحيد السياسات والبرامج، وإنما استبصار المقاصد الكبرى، ومواجهة التحديات المشتركة، والتعاون فيما تتكامل فيه المصالح والقدرات. ولا يتسع هذا المقام لاستقصاء الأولويات، وإنما المقصود الوقوف عند أولوية مشتركة وحاضنة لما سواها، وهي حفظ السلم وترسيخه؛ فالسلم يبدأ من استقرار الدول، ويتسع بالتعاون بينها، وعلى بساطه تُبنى النهضة وتتحقق سائر الأولويات. إن لكل وقت واجبًا يتقدّم على غيره، تفرضه ضرورات الواقع، وتستدعيه مصالح المجتمعات، ويتعيّن على أهل العلم والحكمة القيام به. وحين تضطرب الأحوال، وتتوالى الملمّات والمدلهمات، وتتزاحم الفتن حتى يلتبس وجه الصواب، تشتد الحاجة إلى استبانة ذلك الواجب. وإن كان لمثلي أن يتقدّم بين أيديكم بنصيحة — وأنتم القادة الحكماء والعلماء الأجلاء — فإن خلاصة واجب الوقت كلمات جامعة: في أوقات الأزمات، يجب التزامُ الطاعةِ والانضباطِ، واجتنابُ التنازعِ والشقاقِ. والمقصود بالطاعة والانضباط لزومُ ما يحفظ نظام المجتمع واستقراره، وباجتناب التنازع والشقاق صونُ وحدته ووقايتُه من الفرقة والفتنة، بل من الفناء والدمار. ذلك هو درس الحديبية الذي تركه لنا من لا ينطق عن الهوى، سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد خرج المسلمون يريدون العمرة، فمنعتهم قريش من دخول مكة، وطال التفاوض واشتد الموقف، ولمّا شاع خبر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان. ثم انعقد الصلح، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا هديهم، ويحلقوا رؤوسهم، ويتحلّلوا من إحرامهم، ويرجعوا عامهم ذلك من غير أن يدخلوا مكة. وفي هذين الموقفين المتقابلين تجلّى كمال امتثالهم: امتثالٌ عند الشدة، حين بايعوا تحت الشجرة على الثبات والقتال؛ وامتثالٌ عند الصلح، حين تحلّلوا من إحرامهم وقبلوا الرجوع على ما وجدوا في ذلك من مشقة. فكان لهم في الحديبية طاعةٌ في مقام الإقدام، وطاعةٌ في مقام الإحجام؛ وفي كلتيهما صدقٌ في الاتباع وحفظٌ لوحدة الصف. وما بدا في ظاهر الحال رجوعًا سمّاه الله فتحًا مبينًا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. ثم أبدت الأيام ما وراء ذلك الصلح من حقن الدماء، واتساع الدعوة، والتهيئة لفتح مكة. وإذا كشفت الحديبية ثمرة الامتثال ووحدة الصف وفقه المآلات، فقد كشفت أُحد كلفة التنازع ومخالفة الأمر. فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الرماة في موضعهم، وأمرهم أمرًا صريحًا فقال: «لا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم». فلما لاح النصر، وتَعَجَّلَ بعضُ الرماةِ الغنيمةَ، وقع التنازع، وخولف الأمر، وتبدّل وجه المعركة. وجاء البيان الإلهي يسجّل الدرس: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. وتلك دروس لا تُنسى، وعِبَر لا تَبلى، وحِكَم لا يمحوها تقادم الزمن؛ سجّلها الوحي لتبقى هدايةً في أوقات الرخاء والشدة. إن الأمة اليوم، بدولها ومجتمعاتها، أحوج ما تكون إلى فقه يجمع ولا يفرق، وإلى كلمة تصلح ولا تفسد، وإلى حكمة تطفئ الحريق بدلًا من أن تزيده اشتعالًا؛ أحوج ما تكون إلى استحضار درس الحديبية في الامتثال وفقه المآلات، ودرس أُحد في خطورة التنازع ومخالفة الأمر. ومع جسامة التحديات، يبقى حسنُ الرجاء في الله باعثًا على العمل؛ فهو طاقةٌ أخلاقيةٌ تحرّك الإرادة، ومنهجٌ عمليٌّ يأخذ بالأسباب، ويتجسّد في مبادرات وسياسات ومؤسسات تتكامل فيها رؤية القادة، وحكمة العلماء، وطاقة الشباب. وما في دول الأمة ومجتمعاتها من رصيد الإيمان، وطاقات الإنسان، وتراكم العلم والخبرة، يبعث على الثقة بقدرتها، بعون الله، على أن تجعل من المستقبل مرحلةً يرسخ فيها السلم، ويزدهر العمران، وتتسع أسباب الخير، وتُصان كرامة الإنسان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين القلوب، ويصلح ذات البين، ويحقن الدماء، ويحفظ على المجتمعات دينها وأمنها ووحدتها؛ وأن يحفظ المملكة الأردنية الهاشمية، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، في ظل قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين؛ وأن يوفق صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد في جهوده المباركة. كما نسأله سبحانه أن يحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة، ويديم عليها نِعَم الأمن والرخاء والازدهار، في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
||