ارشيف ل October, 2017

برعاية الملك محمد السادس , منتدى تعزيز السلم يستقبل قافلة السلام الأمركية في مدينة الرباط

برعاية كريمة من جلالة الملك محمد السادس احتضن فندق سوفيتل بالرباط، اليوم 24 أكتوبر الجولة الثانية من القافلة الأمريكية للسلام والتي ينظمها منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بالتعاون مع وزارة الأوقاف المغربية .

 وقد اعتبر رئيس “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، الشيخ عبد الله بن بيه  أن رعاية الملك محمد السادس للقافلة،  تؤكد « حرص عقلاء المسلمين على مد جسور السلام والوئام بين أبناء مختلف الأديان، من أجل عمارة الأرض بالخير والجمال وحماية حقوق الإنسان». وذلك،  حسب «إعلان مراكش التاريخي في يناير 2016».

وأضاف الشيخ أن تأمل الأزمات التي تهدد الإنسانية تزيد الاقتناع « بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته. وهو التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لا بد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد. غير أن الأمر لا يكفي فيه مجرد التنصيص على قواعد التعامل، بل يقتضي قبل كل شيء التحلي بالسلوك الحضاري الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء».

وقد ذكر  الشيخ ابن بيه بمقتضيات  إعلان مراكش، الذي أعلى كرامة الإنسان بوصفه أول مشترك إنساني ويدعو  مختلف الطوائف الدينية التي يجمعها نسيج وطني واحد إلى «معالجة صدمات الذاكرة الناشئة من التركيز على وقائع انتقائية، ونسيان قرون من العيش المشترك على أرض واحدة، وإلى إعادة بناء الماضي بإحياء تراث العيش المشترك، ومد جسور الثقة بعيداً عن الجور والإقصاء والعنف». ودعا ممثلي مختلف الملل والديانات والطوائف إلى التصدي لكافة أشكال ازدراء الأديان وإهانة المقدسات وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية.

و أكد العلامة عبد الله بن بيه  رئيس منتد تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة،  أن الإسلام صاغ عقائده وعباداته وشرائعه وأخلاقه وفق رؤية حضارية تنشد السلم في أسمى معانيه، باعتباره هو الأصل الذي يجب أن يحكم علاقة البشر ابتداء، والهدف الذي يتعين على الجميع التحرك لتحقيقه.

وشدد الشيخ “بن بيه” على أن تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، من شانه أن يعمل على سيادة حالة من الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات…وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضرر عن الجميع.

واكد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، خلال كلمته الإفتتاحية للقاء، على ان إعلان مراكش، شكل محطة مهمة لتعزيز والدفاع وإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها، عبر الدعوة إلى تهيئ التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار، وعدم توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية، كان مرجعا أساسيا في إنطلاق النقاش والدفاع عن حقوق الأقليات.

وأضاف التوفيق ان المملكة المغربية اختارت السير في تأطير بثوابت دينية عبر تفسير رحب يتجاوب مع مقاصد الدين، وإحترام الأخر عبر الكف عن مختلف أنواع واشكال الأذى.

ودعى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى تعزيز السلم في النفوس، عبر تشخيص مشاكل التطرف بكل أشكاله، الذي هو أصل الداء، وأن التفاهم من اجل التضامن هو سبيل حل المشاكل الإنسانية.

 

ومن جانبه، شدد كبير القساوسة في دالاس، القس بوب جين روبرتس، على ضرورة المرور إلى «مرحلة الفعل والعمل الحقيقيين في أفق مد الجسور بين الحضارات والثقافات والشعوب». وأضاف القس أن « إشاعة الحب المطلق بين الناس هو السبيل للخروج من التعصب القبلي والديني». وزاد قائلا :«حان الوقت لبناء الجسور وقد تعبنا من الخطابات».

وكذلك، تحدث أمين عام “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، رئيس هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الإمارات، الدكتور محمد مطر الكعبي عن تميز العلاقات الرابطة بين المغرب والإمارات، وبخاصة في المجالين الديني والإنساني. و أضاف موضحا أنه « من الطبيعي أن يأتي  ملتقى القافلة الأمريكية للسلام في الرباط بعد لقاء ناجح ومثمر في أبوظبي مطلع ماي الماضي». وأشار إلى  أن «الحكماء والعقلاء الذين اجتمعوا في أبوظبي آمنوا بأهمية إنشاء حلف فضول عالمي يضم الديانات المختلفة، ويرتقي بالقيم الإنسانية إلى المستوى الذي أراده الله سبحانه وتعالى لخليفته في الأرض».

ويلتئم أعضاء “قافلة السلام الأمريكية” في الرباط، برعاية من  الملك محمد السادس، وبالتعاون مع “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” برئاسة  الشيخ عبد الله بن بيه. إذ انطلقت فعاليات المرحلة الثانية من استراتيجية “قافلة السلام الأميركية” في الرباط صباح أمس الثلاثاء 24أكتوبر  لتختتم يوم غد الخميس 26 أكتوبر 2017، بحضور ممثلي الأديان الإبراهيمية في أكثر من عشرين ولاية أميركية، إلى جانب كوكبة من العلماء والمفكرين والشخصيات الرسمية والثقافية، يتقدمهم أمين عام منتدى تعزيز السلم، رئيس هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الإمارات، الدكتور محمد مطر الكعبي، ووزير الأوقاف، أحمد التوفيق، و رئيس منظمة أديان من أجل السلام، وليام فندلي،

كلمة العلامة عبدالله بن بيه في افتتاح الجولة 2 من القافلة الأمريكية للسلام – مدينة الرباط

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين.

أيها السادة والسيدات،

نستقبل اليوم قافلتكم الموقرة في مدينة الرباط عاصمة المملكة المغربية الشريفة، أرض التسامح والمحبة والسلام، التي سبق لنا أن التقينا فيها على مائدة مؤتمر مراكش، برعاية سامية من أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله، وإشراف مباشر من معالي الأستاذ/ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشئون الإسلامية وفقه الله، التي كنتم شهوداً على إعلان العلماء المسلمين لبيان يوضح شرعية حقوق الأقليات وقدسيتها استحضاراً لوثيقة المدينة النبوية التي كانت أول دستور ينص صراحة على المواطنة المتساوية لساكنة المدينة دون اعتبار للعرق أو الدين.

واستلهاماً لروح إعلان مراكش ودعوته الصريحة في الفقرة 19 التي تنص: “إننا كلما تأملنا مختلف الأزمات التي تهدد الإنسانية ازددنا اقتناعاً بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته. وهو التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لا بد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد. غير أن الأمر لا يكفي فيه مجرد التنصيص على قواعد التعامل، بل يقتضي قبل كل شيء التحلي بالسلوك الحضاري الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء”.

إن إعلان مراكش يدعو : “مختلف الطوائف الدينية التي يجمعها نسيج وطني واحد إلى معالجة صدمات الذاكرة الناشئة من التركيز على وقائع انتقائية، ونسيان قرون من العيش المشترك على أرض واحدة، وإلى إعادة بناء الماضي بإحياء تراث العيش المشترك، ومد جسور الثقة بعيداً عن الجور والإقصاء والعنف.

ويدعو: “ممثلي مختلف الملل والديانات والطوائف إلى التصدي لكافة أشكال ازدراء الأديان وإهانة المقدسات وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية”.

إن هذه الفقرات من إعلان مراكش تستوجب منا البحث عن الطرق والوسائل الكفيلة بإنجازها.

وبدون شك فإن مبادرة قافلة السلام الأمريكية الإبراهيمية في الولايات المتحدة تمثل تجسيداً واستجابة لما يدعو إليه إعلان مراكش.

 أيها السادة والسيدات: لن يكون هذا اللقاء الا كما كان اللقاء الأول -في مدينة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة بلد زايد فضاء المحبة والتسامح، لقد لمستم تلك الروح- بحثاً وإحياء لروح التعايش السعيد بين الديانات، وحثاً على مبادئ التسامح والتعارف، لقد أكَّدَ ذلك اللقاء قناعتي بالاستعداد والإمكان لتحقيق ذلك الأمل المنشود للتحالف بين الديانات، لإنقاذ سفينة البشرية من الغرق في بحور الحروب والدمار.

  ومن ثمَّ فنحن نشجع مبادرتكم الرائدة لتنظيم هذه القافلة التي تضمُّ رجال دين من الولايات المتحدة الأمريكية ينتمون إلى العائلة الإبراهيمية، وهي مبادرة تمثّل أملا في هذا الوقت بإتاحتها الفرصة للتعايش والتعارف، وعقد أواصر الأخوة الروحية إلى مجتمعاتكم الخاصة وروجتم لها من خلال الأنشطة المشتركة .

لعلّ هذه الزيارة تكون فرصة للتذاكر حول تفعيل إعلان مراكش الذي أصدرناه يناير 2016 بمدينة مراكش بالمملكة المغربية، تتويجاً لمؤتمر “حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”. وقد شرفنا بعضكم بالحضور فيه.

لقد كانت مبادئ إعلان مراكش تستبطن دعوة للتعايش بين الديانات والثقافات، وهو بهذا يؤسّس لمرحلة جديدة من الفهم العميق للاستفادة من تراث الماضي لبناء تعايش في الحاضر والمستقبل؛ فإعلان مراكش لم يكن إعلانا عاديا بل هو عبارة عن فهم ووقفة مع النص الديني ومع التراث في تجلياته في التسامح والوئام والتعايش.

إن إعلان مراكش يبين واجب رجال الدين في البحث في نصوصهم الدينية وتاريخهم وتراثهم ليجدوا أساسا وينبوعا للتسامح والتعايش، وتفعيل المشتركات.

إعلان مراكش يعلي أول مشترك هو كرامة الإنسان:” إن البشر جميعاً على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرامهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم).

إن تكريم الإنسان اقتضى منحه حرية  الاختيار: )لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين(.

إن البشر بغض النظر عن كل الفوارق الطبيعية والاجتماعية والفكرية بينهم- إخوة في الإنسانية )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا(.

وفعلاً فإن مكانة الإنسان في الديانات العائلة الإبراهيمية ظلت محفوظة فهو القابل للإيمان بالغيب، والحامل بالفطرة للقيم العُليا، رغم النظريات التي حاولت في العصور الحديثة أن تُلغي الفرق بين الإنسان والحيوان مع فرويد (Freud) -والذي يسميه بول ريكور (Paul Ricœur) أستاذ الشك- في تحليله النفسي للسلوكيات، وداروين ((Darwin في تفسيره لأصول الإنسان.

ورغم المحاججة العلمية الوجيهة ضد تلك الآراء من طرف فلاسفة آخرين -والتي لا مجال لها هنا- فالذي نريد أن نقول: إنّ الديانات ظلت متمسكة بالأصل الإنساني للإنسان كمخلوقٍ متفرد، خلق بعناية الله العلي الأعلى، الذي هو المسبِّب، والذي بدأ خلق الكون، بعد أن لم يكن، وأن الكون لا يمكن أن يقفز إلى الوجود من العدم المحض إلا بقدرة خالق، أزلي قيوم، خلق المادة والزمان، فهو أعلى من المكان والزمان

فالعدم لا ينتج الوجود  – والجهل لا تنتج العلم – والفوضى لا تخلق النظام.

الكون بديع عظيم مصمم، له خالق مبدع مريد.

إذا لم يكن الكون أزلياً في ماضيه كما أثبته آرفيد بورد (Arvid Borde) والآن غوث (Alan Guth) والكسندر فيلنكن  (Alexander Vilenkin)سنة 2003م, فلا بد له من موجد، وإن من يدعي عكس ذلك لم يستطع اثبات دعواه، وقصارى الأمر أنه لم يجد، وعدم الوجدان ليس دليلا على عدم الوجود، وعدم العلم ليس دليلا على علم العدم.

إن العدم الذي معناه اللاوجود الخالي من القوى والخصائص والإمكانات لا يمكن أن ينشئ الكون بدون مكون.

فديانات العائلة الإبراهيمة تقوم على التفسير الغائي للكون, وليس على التفسير الآلي، والإنسان في صلب هذه الغاية.

فهو مكرم يرجع إلى أصل واحد مخاطب من قبل الباري جل وعلا مسخر له الكون.

إن فلسفة التعليل عند توما الإكويني ( (Tommaso d’Aquinoالتي تقوم على أن ممكن الوجود مفتقر إلى واجب الوجود، هي نفسها عند ابن سينا والفارابي وموسى بن ميمون، وهي قريبة مما عند بعض قدماء الفلاسفة، ورغم ما تعرضت له تلك البراهين من شغب ونقد فما زالت حسب رأينا صامدة، وبخاصة أنها مؤيِّدةٌ لما جاءت به الرسالات السماوية.

وهو ما نقوم به في منتدى تعزيز السلم حيث نقدم الرواية والرؤية، رواية الإسلام في دعوته للسلام والتسامح اعتماداً على نصوص أكيدة وعلى ممارسات تاريخية رشيدة، وعلى التأويل الصحيح، على عكس الرواية المحرّفة على يد الغلاة الخارجين عن الضبط الديني والضبط العقلي، والذين جعلوا الدين دعوة للعنف ومُشْعِلا للحروب ومصدرا للكراهية والبغضاء وطاقة تدمير وتفجير بدل أن يكون طاقة إيجابية في حياة الناس، طاقة سلام تحييهم ولا تقتلهم.

ولهذا فنحن نرى أن الرجوع إلى النصوص والتأويل المناسب والمقارب هو الذي سيسمح لنا بالرد على مروجي الكراهية والإسلامفوبيا وعلى الإرهابيين على حد سواء.

إن الديانات المنتمية للعائلة الإبراهيمية في نصوصها الكثير من الأسس التي تدعو إلى التعايش والتي لا تخطئها العين، وأن تعاليمها الأساسية حول السلام والتعايش وحول عالمية الكرامة الإنسانية، واحترام الاختلافات الدينية هي مضادات قوية للتطرف الديني العنيف.

وعلى تأكيدها تتضافر نصوص جميع الديانات السماوية، ونقتبس هنا من نصوصنا المقدسة هذه التوجيهات والأوامر الربانية:

– (فكما أن الله رحيم فيجب أن تكون أنت رحيماً, كما أنّ الله رؤوف فيجب أن تكون أنت أيضاً رؤوفاً) (مزمور 17:145). وغيره من النصوص المبثوثة.

– وكذلك نجد في الانجيل، ففي الصلاة الربانية: (اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا) (متى 6:12) وجاء في لوقا: (ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيئٌ… إلخ).

– وفي القرآن الكريم وردت معاني العفو والغفران والصفح في آيات كثيرة: )خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ([الأعراف: 199]، )ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور(  (سورة الشورى: 43)،) وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم( [التغابن:14]، وفي الأحاديث النبوية الشريفة نصوص كثيرة في هذا المعنى.

أيها السادة والسيدات،

تلك هي المشتركات لبناء السلام والمحبة علينا التذكير بها وتقديمها للناس؛ إن إعلان مراكش الذي مثّل خطوة وانطلاقة عملية في التسامح يجب أن يظل حيا ليس في ذاكرتنا فقط وإنما في ممارساتنا، ولهذا فإنّنا نتطلع إلى ترسيخ نموذج مبادرتكم “قافلة السلام” ليصبح آلية عملية ناجعة للتعاون والتعايش، وتقليدا ينبغي العمل على تعميمه والاستفادة منه.

وبعد مقامكم في المملكة المغربية، سيكون من المناسب أن يكون لقاؤنا القادم في واشنطن لإظهار تضامننا، وتوسيع دائرة هذه القافلة لتتحوّل إلى صيغة تعاون ومجال مشترك للتفكير والعمل من أجل السلام والوئام ويمثل نوعاً من حلف الفضول، ينمو من أجل خير الإنسانية.

 إن تفعيل هذه المبادئ وتعزيز هذه المبادرات ضرورة ملحة لمواجهة الواقع العنيد والتحديات المختلفة على المستويات الفكرية والعملية؛ ذلك أن طموحنا في تعزيز التفاهم وبناء الصور الإيجابية بدل النمطية، يواجه بأوضاع من القتل والتدمير لا يقبلها عقل ولا يسوغها دين، تلك هي الممارسات الخاطئة المعززة للصورة النمطية والمشوهة.

وكما قلت في لقائنا في أبوظبي إن أيا من المجموعات لا تهدف إلى دعوة المجموعة الأخرى لاعتناق ديانتها، ولا تبشر بملتها، وإن كنت لا أستبعد أن البعض منا يتمنَّى عن حسن نية أن يشرك الآخرين فيما يعتقد أنه مفتاح النجاة في عالم الآخرة؛ ولكنَّ الذي يهدف إليه ويدعو إليه هو التعايش السعيد في عالم الدنيا الذي نعيش فيه اليوم، ونعتقد أن دياناتنا تدعونا إليه.

إن الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية عندما تتصالح وتتصافح فإن من شأن ذلك أن يعزز روح السلام في العالم ويسهِّل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات.

ولا يعني لقاء هذه الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية إقصاءً ولا تكتُّلا ضد الديانات والمذاهب الأخرى، وإنما يعني تعزيز المشتركات في دائرة العلاقات الخاصة التي تتواصل مع دائرة الإنسانية مع الديانات والفلسفات الكونية التي تعلي من شأن الحياة وحقوق الإنسان.

أتمنّى لكم مقاماً طيباً في الرباط واجتماعات موفَّقة.

للتأمل:إعلان مراكش للحقوق الدينية (والاسلام والشيخ بن بية)

في مدينة مراكش المغربية، حيث كنت الأسبوع المنصرم، التأم مؤتمر «إعلان مراكش حول حقوق الأقليات غير المسلمة في ديار الإسلام» الذي نظمه منتدى تعزيز السلم (مقره أبوظبي)، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، برعاية الملك محمد السادس، وبحضور مئات الشخصيات الدينية والفكرية والسياسية من مختلف الديانات والقارات، في ما شكل حدثاً استثنائياً في مرحلة حرجة وحساسة من تاريخ العلاقات الإسلامية الغربية.
كان السياق الزمني الذي التأم فيه المؤتمر واضحاً، وهو أحداث الإرهاب الدموي الذي دمر دولاً بكاملها، وقوض الاستقرار والسكينة في بلدان أخرى، وضرب في قلب أوروبا، وكان السياق المكاني جلياً وهو مدينة مراكش العريقة التي ترمز لتجربة غنية من التعايش السلمي والتعاون بين الديانات والثقافات، في بلاد قدمت في السنوات الأخيرة تجربة ناجحة في تدبير الحقل الديني، ومواجهة التطرف والإرهاب، وتعزيز الحريات العامة.
وقد وضعت الوثيقة الفكرية للمؤتمر التي تقدم بها العلامة الشيخ «عبد الله بن بية» الإطار النظري والشرعي لمقاربة جديدة لبناء علاقات المسلمين بغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، في إطار مفهوم المواطنة التعاقديّة داخل الدول، ووفق مقاييس التعاون والتضامن والسلم في إطار العلاقات الدولية.
الشيخ بن بية الذي يمكن أن نطلق عليه دون تردد «فَقِيه السلم»، استند في ورقته التأطيرية إلى قراءة ثاقبة وإبداعية لصحيفة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لتنظيم مجتمع المدينة متعدد الديانات والأعراق والقبائل، بحسب اعتبارات التعاون والائتلاف والمودة، بحيث يشكل اليهود مع المسلمين أمة واحدة لا تمييز بين أفرادها على أي أساس ديني أو عرقي. ولقد بين الشيخ بن بية أن هذه الصحيفة ليست منسوخة، بل تعبر عن مقاصد الشريعة الثابتة في الأخوة الإنسانية والعدل الكوني والنزوع السلمي في علاقة البشر في ما بينهم، انسياقاً مع كليات الشريعة في الرحمة والعدل والحكمة والمصلحة.
وبالاستناد إلى هذه الرؤية الأصيلة التي طبعت أعمال المؤتمر، ظهر إجماع واسع على أن الكثير من اعتبارات التراث الفقهي في أحكام الجهاد والجزية والذمة، تأثرت بمناخ الحروب الدينية التي كانت السمة الغالبة للعلاقات الدولية في العصور الوسطى، ولم تكن إجمالاً من ثوابت الشرع، بل هي من محددات ومعايير النظام العالمي القائم أوانها، وقد تقبَّلها المسلمون مكرهين، وتعاملوا معها بواقعية، وحاولوا في أحيان كثيرة التأثير فيها إيجابياً بما يحقق قيم الإسلام في التسامح والسلم.
وقد اختتم المؤتمر بإعلان مراكش حول حقوق الأقليات الدينية الذي اعتبره أحد كبار رجال الدين المسيحيين الحاضرين حدثاً لا يقل في الأهمية عن الإعلانات العالمية الكبرى المكرسة لحقوق الإنسان والسلم الدولي، بما حمله من مبادئ صريحة ضامنة لحريات الاعتقاد والاختلاف الديني وللحقوق الدينية، ضمن مفهوم مكين وجلي للمواطنة المتساوية.
عندما كنت أتابع إعلان مراكش الذي قرأه وزير الأوقاف المغربي، المؤرخ والمفكر والروائي المعروف «أحمد التوفيق»، كان الكاتب اليهودي الفرنسي «اريك زمور» قد كتب في صحيفة «لفيغارو» أن «الإرهاب الجهادي» الذي ذاق العالم مآسيه على يد الجماعات الداعشية ليس سوى تعبير طبيعي عن النظرة الإسلامية الجوهرية للمغاير المختلف التي تقوم على النزوع العدائي، معتبراً أن الفرق بين الإسلام والديانتين اليهودية والمسيحية هو أنه دين قانون وتشريع لا مكان فيه للأخلاق الذاتية، ولا معنى فيه لمفهوم «الميثاق» مع الإنسان الذي هو الخلفية العميقة للنزعة الإنسانية الحديثة! لا شك أن أوراق المؤتمر ووثيقته التأصيلية قد أظهرت زيف هذا التصور السائد على نطاق واسع في الأدبيات الغربية هذه الأيام، بإبرازها الطابع الإنساني الكوني لرسالة الإسلام التي قامت «سلماً على العالم» ورحمة للعالمين.
لقد انطلق مشروع «فقه السلم» من أبوظبي قبل ثلاث سنوات برعاية كريمة من قيادة الإمارات العربية المتحدة، وأفضى اليوم بعد العديد من المبادرات الفكرية والسياسية، إلى بلورة خط تجديد الدين وإصلاح شأنه المؤسسي، وإعادة بناء علاقات الأمة بالعالم في مواجهة حركية التطرف الديني والإرهاب التي تفاقم خطرها في الآونة الأخيرة.
ما أبلغه إعلان مراكش الأخير هو أن الدين دعامة للسلم، وركن من أركان الاستقرار الاجتماعي، وهو يحتاج في وظائفه الروحية والقيمية إلى دول متماسكة ومجتمعات متعاضدة، بدل تحويله إلى معول لهدم المدنية، وترويع الناس، وتهديد سلم العالم وأمنه.
د.السيد ولد أباه

إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي

 

 

أكد المؤتمرون في إعلان مراكش، الذي تلاه السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوم الأربعاء 16 ربيع الآخر 1437(27 يناير 2016) على ضرورة تأسيس تيار مجتمعي عريض لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها، وتهيئ التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار، وعدم توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية.

ودعا الإعلان -الذي اعتبر “صحيفة المدينة “الأساس المرجعي المبدئي لضمان حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي- دعا المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية للقيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي لأخلاق الثقافة المأزومة، التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن، وفيما يلي نص هذا الإعلان التاريخي

إعلان مراكش

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين

اعتبارا للأوضاع المتردية التي تعيشها مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب اللجوء إلى العنف والسلاح لحسم الخلافات وفرض الآراء والاختيارات.

ولكون هذه الأوضاع أدت إلى ضعف أو تلاشي السلطة المركزية في بعض المناطق وشكلت فرصة سانحة لاستقواء مجموعات إجرامية ليست لها أي شرعية علمية ولا سياسية؛ أعطت لنفسها حق إصدار أحكام تنسبها إلى الإسلام، وتطبيق مفاهيم أخرجتها عن سياقاتها ومقاصدها، وتوسلت بها إلى ممارسات اكتوت بنارها مختلف شرائح المجتمع.

 واعتبارا لما تعانيه الأقليات الدينية بسبب هذه الأوضاع من تقتيل واستعباد وتهجير وترويع وامتهان للكرامة مع أنها عاشت في كنف المسلمين وذمتهم قرونا، في جو من التسامح والتعارف والتآخي، سجل التاريخ تفاصيله وأقر به المنصفون من مؤرخي الأمم والحضارات.

ولكون هذه الجرائم ترتكب باسم الإسلام وشريعته؛ افتراء على الباري جل وعلا، وعلى رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام، وافتياتا على أكثر من مليار من البشر؛ تعرض دينهم وسمعتهم للوصم والتشويه، وأصبحوا عرضة لسهام الاشمئزاز والنفور والكراهية؛ مع أنهم لم ينجوا من هذه الجرائم ولم يسلموا من ويلاتها.

ونهوضا بواجب البيان الذي طوق الله به أعناق العلماء وخاصة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية: إحياء للنفوس المعصومة وحفظا للأعراض المصونة، وحرصا على تحقيق السلم بين بني الإنسان، ومطالبة للنفس بأداء الحقوق، واسترجاعا للصورة الحقيقية لديننا الحنيف، ونصحا وتحذيرا لعموم الأمة من انعكاسات هذه الجرائم المتدثرة بلبوس الدين على وحدتها واستقرارها ومصالحها الكبرى في المدى القريب والبعيد.

وفي ذكرى مرور ما يزيد على ألف وأربعمائة (1400) سنة على صدور “صحيفة المدينة”.

وفي مدينة مراكش بالمملكة المغربية الشريفة، وتحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس ملك المغرب؛ هذا البلد الذي كان -ولا يزال-، قيادة وشعبا، نموذجا ملهما في رعاية حقوق الأقليات الدينية وراعيا لرصيد تاريخي غني بالتسامح والتعايش والتمازج بين المسلمين وغيرهم ممن اشتركوا معهم في الانتماء إلى الوطن أو ممن لجأوا إليهم خوفا من اضطهاد ديني أو جور اجتماعي،

وبتنظيم مشترك بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة (الإمارات العربية المتحدة) أيام.14 إلى 16 ربيع الثاني 1437 هـ/ 25 إلى 27 يناير 2016م..

اجتمع حوالي ثلاثمائة (300) شخصية من علماء المسلمين ومفكريهم ووزرائهم ومفتيهم على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم من أكثر من مائة وعشرين (120) بلدا بحضور إخوانهم من ممثلي الأديان المعنية بالموضوع وغيرها، داخل العالم الإسلامي وخارجه، وممثلي الهيآت والمنظمات الإسلامية والدولية؛ إيمانا منهم جميعا بنبل المسعى وخطورة القضية.

وبعد تداول الرأي ومناقشة الرؤى والأفكار فإن العلماء والمفكرين المسلمين المشاركين في هذا المؤتمر يعلنون -مؤازرين بإخوانهم من بقية الأديان-ما يلي:

“إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي”

أولا: في التذكير بالمبادئ الكلية والقيم الجامعة التي جاء بها الإسلام

1- إن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام: (ولقد كرمنا بني آدم – الإسراء: 70).

2- أن تكريم الإنسان اقتضى منحه حرية الاختيار: (لا إكراه في الدين- البقرة: 256)، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا؛ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟! – يونس 99)

3- إن البشر -بغض النظر عن كل الفوارق الطبيعية والاجتماعية والفكرية بينهم- إخوة في الإنسانية: (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا- الحجرات: 13).

4- إن الله عز وجل أقام السماوات والأرض على العدل، وجعله معيار التعامل بين البشر جميعا منعا للكراهية والحقد، ورغّب في الإحسان جلبا للمحبة والمودة (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى-النحل:90)

5- إن السلم عنوان دين الإسلام، وأعلى مقصد من مقاصد الشريعة في الاجتماع البشري: (ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة-البقرة:208)، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله- الأنفال-61)

6- إن الله عز وجل أرسل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين- سورة الأنبياء:107)

 7- إن الإسلام يدعو إلى البِرّ بالآخرين وإيثارهم على النفس دون تفريق بين الموافق والمخالف في المعتقد (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين- الممتحنة:08).

 8- إن الشريعة الإسلامية حريصة على الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق التي تضمن السلم والتعايش بين بني البشر (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود- المائدة: 01) (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم-النحل:91). “…أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة”(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه).

ثانيا: في اعتبار “صحيفة المدينة ” الأساس المرجعي المبدئي لضمان حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي

9- إن “صحيفة المدينة” التي أقرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتكون دستورا لمجتمع متعدد الأعراق والديانات كانت تجسيدا للكليات القرآنية والقيم الإسلامية الكبرى.

10- إن هذه الوثيقة ثابتة عند أئمة الأمة الأعلام.

11- إن تفرد “صحيفة المدينة” عما قبلها وما بعدها في تاريخ الإسلام والتاريخ الإنساني نابع من:

أ- نظرتها الكونية للإنسان باعتباره كائنا مكرما؛ فهي لا تتحدث عن أقلية وأكثرية بل تشير إلى مكونات مختلفة لأمة واحدة (أي عن مواطنين).

ب- كونها لم تترتب عن حروب وصراعات؛ بل هي نتيجة عقد بين جماعات متساكنة ومتسالمة ابتداء.

12- إن هذه الوثيقة لا تخالف نصا شرعيا وليست منسوخة؛ لأن مضامينها تجسيد للمقاصد العليا للشريعة والقيم الكبرى للدين؛ فكل بند منها إما رحمة أو حكمة أو عدل أو مصلحة للجميع.

13- إن السياق الحضاري المعاصر يرشح ” وثيقة المدينة” لتقدم للمسلمين الأساس المرجعي المبدئي للمواطنة؛ إنها صيغة مواطنة تعاقدية ودستور عادل لمجتمع تعددي أعراقا وديانة ولغة، متضامن، يتمتع أفراده بنفس الحقوق، ويتحملون نفس الواجبات، وينتمون -برغم اختلافهم-  إلى أمة واحدة.

14- إن مرجعية هذه الوثيقة لعصرنا وزماننا لا تعني أن أنظمة أخرى كانت غير عادلة في سياقاتها الزمنية.

15- إن “صحيفة المدينة” تضمنت بنودها كثيرا من مبادئ المواطنة التعاقدية كحرية التدين وحرية التنقل والتملك ومبدأ التكافل العام ومبدأ الدفاع المشترك، ومبدأ العدالة والمساواة أمام القانون (  …وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم؛ فإنه لا يوتغ [يهلك] إلا نفسه وأهل بيته…)، (وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.وأنه لا يأثم أمرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم.)

16- إن مقاصد “صحيفة المدينة” هي إطار مناسب للدساتير الوطنية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وينسجم معها ميثاق الأمم المتحدة ولواحقه كإعلان حقوق الإنسان مع مراعاة النظام العام.

ثالثا: في تصحيح المفاهيموبيان الأسس المنهجية للموقف الشرعي من حقوق الأقليات

17- إن الموقف الشرعي من هذا الموضوع -كما في غيره- مرده إلى مجموعة من الأسس المنهجية التي يسبب جهلها أو تجاهلها الخلط والالتباس وتشويه الحقائق؛ ومنها:

أ- اعتبار كليات الشريعة كالحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، وتحكيم النظر الكلي الذي يربط النصوص الشرعية بعضها ببعض ولا يغفل النصوص الجزئية التي يتشكل الكلي من مجموعها.

ب- اعتبار الجهات المخولة بالاجتهاد للسياق الذي نزلت فيه الأحكام الشرعية الجزئية، وللسياقات المعاصرة، وملاحظة ما بينهما من تماثل وتغاير من أجل تكييف تنزيل الأحكام، ووضع كل منها في موضعه اللائق به، بحيث لا تنقلب المفاهيم إلى ضدها، ولا تختل مقاصدها.

ج-اعتبار الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع: أي النظر إلى الأحكام التكليفية موصولة بالبيئة المادية والإنسانية لممارسة التكاليف. ولذلك أصل فقهاء الإسلام قاعدة ” لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”.

د- اعتبار الارتباط بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد: لأنه ما من أمر ولا نهي في الشريعة إلا وهو قاصد إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة.

18- إن من الاجتهادات الفقهية في العلاقة مع الأقليات الدينية ما كان متأثرا بممارسات تاريخية في سياق واقع مختلف عن الواقع الراهن الذي سمته البارزة غلبة ثقافة الصراعات والحروب.

19- إننا ” كلما تأملنا مختلف الأزمات التي تهدد الإنسانية ازددنا اقتناعا بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته. وهو التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لا بد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد. غير أن الأمر لا يكفي فيه مجرد التنصيص على قواعد التعامل؛ بل يقتضي قبل كل شيء التحلي بالسلوك الحضاري الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء”

وبناء على ما سبق؛ فإن المؤتمرين يدعون:

أ- علماء ومفكري المسلمين أن ينظروا لتأصيل مبدأ المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتمـاءات، بالفهم الصحيح والتقويم السليم للموروث الفقهي والممارسات التاريخية وباستيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم.

ب- المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية إلى القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي لأخلال الثقافة المأزومة التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن، وتمزق وحدة المجتمعات.

ج-  الساسة وصناع القرار إلى اتخاذ التدابير السياسية والقانونية اللازمة لتحقيق المواطنة التعاقدية، وإلى دعم الصيغ والمبادرات الهادفة إلى توطيد أواصر التفاهم والتعايش بين الطوائف الدينية في الديار الإسلامية.

د- المثقفين والمبدعين وهيآت المجتمع المدني إلى تأسيس تيار مجتمعي عريض لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها، وتهييئ التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار.

هـ- مختلف الطوائف الدينية التي يجمعها نسيج وطني واحد إلى معالجة صدمات الذاكرة الناشئة من التركيز على وقائع انتقائية متبادلة، ونسيان قرون من العيش المشترك على أرض واحدة، وإلى إعادة بناء الماضي بإحياء تراث العيش المشترك، ومد جسور الثقة بعيدا عن الجور والإقصاء والعنف.

و- ممثلي مختلف الملل والديانات والطوائف إلى التصدي لكافة أشكال ازدراء الأديان وإهانة المقدسات وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية.

وختاما يؤكد المؤتمرون:

” لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية”

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

وحرر بمدينة مراكش بالمملكة المغربية يوم 16 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق ل27 يناير 2016م

رئيس مجلس الفتوى الموريتاني يحاضر عن كتاب مشاهد من المقاصد للعلامة عبدالله بن بيه

الأخبار (نواكشوط)

نظم المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية مساء الأحد بنواكشوط، ندوة لنقاش كتاب “مشاهد من المقاصد” للعلامة عبد الله بن بيه.

 

وقد حاضر في الندوة رئيس مجلس الفتوى والمظالم العلامة محمد المختار ولد امباله، فيما أدار الجلسة الباحث ددو ولد عبد الله.

 

وقد تحدث في بداية الندوة رئيس المركز محمد ولد سيد أحمد فال (بوياتي) عن مدرسة العلامة بين بيه، مبينا أنها تعد أهم المدارس الرائدة التي باتت تطرح أسئلة النهضة في الفكر الإسلامي الحديث.

 

 

ونبه إلى أن بن بيه قارب في مختلف أعماله مسالة التجديد والترشيد في الفكر الإسلامي انطلقا من الأصول الثابت للدين وبناء على روح الإنسانية التي لا تحيد عن الوسطية والاعتدال فهما وتفسيرا وتأصيلا وممارسة.

 

وأشار إلى أن مركزه مستمر في متابعة “المشروع التجديدي” للعلامة بن بيه، إضافة إلى العمل على إطلاق قراءات في مشاريع فكرية مغاربية وعربية أخرى.

 

بدوره قدم العلامة محمد المختار ولد امباله، عرضا تناوله في بدايتها شخصية العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، لافتا إلى أنه يعد عالما بمناهج السلف قادرا على تنزيلها على الوقائع، بالإضافة لكونه سياسي واع لإشكالات، داعية سلام، وصوفي نقي وإمام في اللغة العربية قادر على توظيفها.

 

ثم تناول في محور آخر من محاضرته مقومات فكر العلامة بين بيه، لافتا إلى أنها ترتكز على جودة الفهم ومعرفة العصر وساعده في ذلك إتقان اللغتين العربية والفرنسية، بالإضافة للقدرة على استخلاص النتائج وحسن القراءة للنصوص وتنوع المعارف والقدرة عل معالجة الواقع.

 

وبخصوص كتاب “مشاهد من المقاصد” قال إن حجمه غير كبير لكن فائدته كبيرة، مضيفا أن المؤلف طرق في الكتاب الكثير من الأبواب وتحدث فيه عن أصناف المقاصد وبين وفصل وشرح.