ارشيف ل February, 2019

“التربية على التسامح : السبيل لمكافحة التطرف” – العلامة عبدالله بن بيه

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

>>>

نص الكلمةPDF :  “التربية على التسامح : السبيل لمكافحة التطرف”

>>

معالي العلامة عبد الله بن بيه

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان

سعادة السفير سام براون باك،

أيها الأخُ رئيس الجلسة،

أصحاب السعادة والفضيلة ،

 أيها المشاركون ،، كلٌّ باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سأحاول أن أسهم في هذا اللقاء بكلمات قليلة ورسائل سريعة حول موضوع التربية على التسامح.

إنه موضوع له أهمية كبرى، له راهنيته وضرورته، لكنه صعب فكما يقول الفيلسوف أمانويل كانت  “إن ثمة اكتشافين إنسانيين يحق للمرء أن يعدهما أصعب الأمور، وهما: فن حكم الناس، وفنُّ تربيتهم”.

بيد أن تلك الأهمية تزداد وهذه الوجاهة تتضاعف إذا كان الحديث عنه في بلد التسامح بلد زايد المؤسس لقيم التسامح والتعايش، وفي عام التسامح الذي اختارته قيادة البلاد  لتجعله القيمة المركزية التي عليها مدار كافة المبادرات والتدابير في الدولة.

 

الكلمة الأولى: عن التربية

التربية ليست مطابقة للتعليم، فالتعليم يكتفي بنقل المعلومات والإمداد بالقدرات والمهارات، بينما تهتم التربية بتهذيب السلوكيات وتقويم التصرفات وتحسين الأخلاقيات.

إن التربية هي جوهر التّعليم، وكلّما حصل فك الارتباط بينهما، آل الأمر إلى نوع من الاختلال؛ فالإنسان كائن أخلاقي، وكل تعليم يستبعد التربية ولا يعتني بالمواصفات التي سيكون عليها سمت وسلوك المتعلمين إنما يخل بالشرط الجوهري الذي يكمن في الدور القيمي الأخلاقي للتربية.

إن التّربية ليست مجرّد موادّ تدرس أو مضامين تلقّن، إنها مسارٌ إنساني متكامل تلعب فيه شخصية المعلم القدوة دورا أساسيا، قد يكون أمرا يسيرا أن تدرس الرياضيات أو الأحياء، ولكن الصعوبة تظهر عندما نحاول أن ننشأ الأجيال على سلوكات إيجابية متسامحة.

 

 

الكلمة الثانية : التربية المتهم الدائم

ولهذا كانت التربية هي المتهم الدائم في كل ما يصيب الإنسانية من انحرافات وأزمات، وحتى حين  تقتضي الطبيعة الاستعجالية لبعض الأزمات اللجوء إلى علاجات سريعة تستهدف الأعَرَاض كالوسائل الزجرية، فإن التّعويل الأكبر يظلّ على كشف العلاقة الخفية بين المنظومة التربوية وبين تلك الانحرافات.

ويزداد هذا الاتهام حدّة حين يتعلق بالتعاليم الدينية ومواد العلوم الإنسانية ذات الطبيعة الحساسة كالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع، فهي التي توعز للإنسان بالفعل وتضع منظومة التصورات الذهنية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة.

ففي كلّ حرب أو فترة جفاء في العلاقات يتم توجيه أصابع الاتهام إلى الدّين وبعبارة أخرى إلىى التّعاليم الدينية؛ ويتقوّى هذا الاتهام بما تدلّ عليه التجربة التاريخية من أن الحروب الدينية لها نصيب في تاريخ الحروب البشرية التي بدأت منذ اعتدى قابيل على هابيل، في عهد أب البشريّة، هكذا نعتقد نحن المؤمنين بالنبوّات، وخاصة أبناء العائلة الإبراهيمية.

الكلمة الثالثة : فشل مقاربة إبعاد الدّين من التعليم

في كثير من بلدان العالم وفي بعض البلاد الإسلامية سادت مقاربة إخراج الموادّ الدينية من المجال العام لتحييد التأثير “الضارّ” لها، وهو أمر يعتمد أحيانا على قوة القانون.

وقد نَظّر لهذه المقاربة الكثير من فلاسفة العصر الحديث كحلٍّ سحريّ في الغرب المكتوي بنار الحروب الدينية، معتبرين أن طغيان الانتماء إلى الهوية الدينية يؤدّي إلى انهيار روح المواطنة وإلى القضاء على التسامح وخاصة في المجتمعات الهشة ذات الطوائف المتعدّدة، فحين تضعف سلطة القانون تطغى سلطة الهوية الدينية وتَفيء كلُّ طائفة إلى حاضنتها الدينية التي تضمن لها نوعا من الحماية النفسية وحتى الوجودية.

 وقد ساندت هؤلاء الفلاسفةَ مجموعات دينيّة عاشت اضطهادا شديدا جَرّاء تسيّد مجموعات دينية أخرى عليها، وفرضِها التجريم الديني على كل مخالف، فإن كان مخالفا في العقائد  تمّ اتهامه بالهرطقة –الزندقة، وإن كان مُخالفا في الممارسة التعبدية يُوصَم بالانشقاق – البدعة.

في هذا السياق المفعم بالصراع الديني، نشأ مفهوم التسامح العابر للمذاهب والطوائف، وقد لجأ جون لوك أحيانا في الاحتجاج لهذا المفهوم إلى التوسُّل بالتأويل لنصوص الكتاب المقدّس.  ولهذا فإن بعض البروتستانت يقولون إن التسامح هو هدية البروتسانتية إلى العالم.

ولكن التّجربة التاريخية أثبتت عدم نجاعة هذه المقاربة حتى في البلدان ذات التقليد العلماني الأصيل، حيث بدأت بعض الدول التي أصبحت التعددية الدينية واقعا عميقا فيها، تبحث عن موائمات جديدة، لإصلاح المناهج وإدخال تعليم الأديان بشكل يتيح للنشأ التعرف على معتقدات بعضهم البعض والتعارف فيما بينهم.

 

الكلمة الرابعة : مقاربة الرواية البديلة عن التطرّف  

في مقابل هذه المقاربة المحدودة، فإننا في دولة الإمارات نعتمد على مقاربة أكثر نجاعة وألصق بالسياقات المحلية، وهي مقاربة ترتكز على  الوعي بأن الدين كالطاقة قد تجلب الازدهار والاستقرار لكنّها قد تجلب أيضا الخراب والدمار، فالدّين في الأصل طاقة سلام ومحبة ووئام، ولكن صناعة التدين يمكن لها أن تتحول من رحمة إلى نقمة.

ونحن نعلم يقينا أن الديانات المنتمية للعائلة الإبراهيمية وغيرها من الديانات والفلسفات الإنسانية تحمل في نصوصها الكثير من الأسس التي تدعو إلى التعايش والتي لا تخطئها العين، وأن تعاليمها الأساسية حول السلام والتعايش وحول عالمية الكرامة الإنسانية، واحترام الاختلافات الدينية هي مضادات قوية للتطرف الديني العنيف.

ولذلك فإن قوام هذه المقاربة هو تقديم الرواية البديلة عن الرواية المتطرفة، باللجوء إلى التأويل المقارب والملائم للزمان والمكان ومصالح الإنسان، والذي يجيده العلماء الراسخون. الاختيار بين الأقوال والآراء سيكون الأساس الأمثل لمراجعة المناهج لتصحيحها واعتماد المقاربة الأكثر قبولا للتعايش والمعاصرة من خلال توسيع مساحة فقه المقاصد الكلية الذي يعتبر الأداة المثلى في عقلنة الخطاب والفتيا.

الكلمة الخامسة: نماذج من تنزيل رواية التسامح

إننا في منتدى تعزيز السلم نضطلع بهذا العمل التأصيلي لتقديم الرواية البديلة في كثير من القضايا الحساسة التي ظلت لحقب طويلة حكرا على الخطاب المتطرف، وقد اجتهدنا في التفكيك المنهجي لبنية خطاب الكراهية وتصحيح المفاهيم، وتقديم البدائل المؤصلة، لأنّ الساحة لا تقبل الفراغ، ولا يمكن أن يكتفى بالإدانة المبهمة لخطاب التطرف بدون إحلال الرواية المتسامحة محله.

 وهذا ما قمنا به في إعلان مراكش التاريخي الذي أعلن فيه العلماء الحقوق المتساوية والمواطنة الكاملة وحرية الممارسة الدينية للطوائف غير المسلمة في البلاد الإسلامية. وقد مثّل وثيقة تاريخية في تأصيل قيم التسامح والتعايش بين الديانات والثقافات.

ولقد اعتمدنا إعلان مراكش مادة للتدريس في مركز الموطأ للدراسات والتأهيل،  في برنامج إعداد العلماء الإماراتيين، حيث نكون نخبة من أبناء البلاد شبابا وفتياتٍ، على الرواية الصحيحة للدين والرؤية الواعية للواقع، ليستنى لهم القيام بدورهم في الإرشاد الديني بشكل إيجابي يخدم قيم التسامح والسلام.

إننا في مركز الموطأ قد شرعنا في تدريس مادة التسامح حيث قمت شخصيا بتقديم الدروس الأولى وعرض المقاربة أمام الطلبة والأساتذة.

فنحن نعلمهم من رحم الدين ومن نصوصه المقدّسة الموثقة، نعلمهم أن النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم استضاف المسيحيين في مسجده حيث أدوا فيه صلاتهم وطقوس دينهم بإذنه وحمايته.

نعلمهم أن القرآن الكريم يذكر أهمية حماية دور العبادة لليهود والمسيحيين في نفس الآية مع مساجد المسلمين وإن كبار العلماء من أصحاب الرسول قالوا إنّ هذه الحماية لا تخصّ أصحاب هذه الدّيانات بل إنها مسؤولية المسلمين أيضا،  ارتقاءً بالتسامح إلى مستوى التضامن وحرصا على إيجاد شروط التعددية وإبعاد دور العبادة عن الخصومة.

ونحن متأكدون بأن الإيمان والتعايش والدين والسلام يمكن ويجب أن تتساكن كما يمكن للمواطنة التعددية أن تقلب المعادلة ليكون الانتماء الديني حافزا لتجسيد المواطنة وتحييد سلبيات تأثير عامل الاختلاف الدّينيّ عليها.

إن منهجيتنا تقوم على ثلاث مراحل:

  • جمع النصوص المتعلقة بموضوع التعايش، لنسنتنطقها ونجمع متفرقاتها ونغوص إلى الحكم والمقاصد.
  • تقديم التفسير الصحيح للنصوص التي يقدمها المتطرفون ضد التعايش، لتفنيد استشهادتهم قولا بالموجب، طبقا لضوابط الاستنباط ومسالك التأويل المقارب،
  • إنزال المفاهيم على الواقع المعاصر، مترجمة إلى لغة الفضاء العام، حسب عبارة هابرماس، أي لغة الحياة المدنية والقانون،

  وكذلك نقوم بتقديم عناصر الرواية البديلة، في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، في تجربة نأمل أن تصبح نموذجية، مما يثير ردود فعل، بناء على أن الساحة قد أصبحت بحكم العولمة وتقنيات التواصل ساحة واحدة، وهو ما يجعل عناصر رواية التسامح تثير حوارا قد لا يكون أحيانا وُديا ولكنه يظل مفيدا وصحيا، حتى مع أشد الجهات تطرفا.

وعلى مستوى جميع مؤسسات التعليم والتربية، أعلنت الدولة عن اعتماد وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها حضرة الحبر الأعظم البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب، لتكون وثيقة مرجعية في التربية على التسامح والسلام.

 

الكلمة السادسة: إهابة وتنويه

وبالمجمل فهذا الموضوع يحتاج إلى إعادة نظر وإلى بحث عميق لا يلغي البرامج بصفة تلقائية ولا يتهمها جملة وتفصيلا ليتخذ منحى التطرف المضاد؛ بل ليتعامل معها بصفة انتقائية وبكثير من الفهم والحكمة والعمق الذي به يتسنى لنا أن نسدِّد وأن نصلح ما أساءته وأفسدته يد التطرف ويد الجهل الذي هو أساس المشكلة مضافا إلى عوامل أخرى.

وفي الختام يتعيَّن أن نشير إلى أن مناهج التعليم تعاني عجزا واضحا يتجلى في انكماش مساحة الاجتهاد الفقهي مما نتج عنه عجز في مواكبة مستجدات العصر في المعاملات وضحالة الإنتاج الفكري.

 فنرى لزاما أن تسد هذه الثغرة التي تتعلق بالعلوم الإنسانية وبالمنطق وفلسفة اللاهوت التي قد تبدّت ضرورتها لإيجاد البعد العقلاني  والحواري في الدراسات الدينية في الوقت الحاضر حتى لا يكون التعليم مجرد تلقين جامد لا يقوم على أساس التعقل بل يعتمد تدجين العقل وتعطيل الفكر.

وأخيرا نقول مع المدير السابق لمنظمة اليونسكو فريدريكو مايور:  ” فلنمارس التربية على التسامح في مدارسنا، في جماعاتنا، في بيوتنا، وفي مواطن عملنا، وبخاصة في قلوبنا وفي أرواحنا”.

وذلك ما سنفعله في دولة الإمارات العربية المتحدة، والسلام عليكم ورحمة الله.

«العلامة ابن بيه».. والتجديد الديني – بقلم د.محمد البشاري

«المكون المسلم جزء من الحل لا جزء من المشكلة»، هذا ما يراه العلّامة فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، رئيس «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، ويجيء في زمن كثر خطباؤه من دعاه التجديد، وقل فيه العاملون على ذلك، ليقدم بشخصه أنموذجاً برّاقاً يتعامل بمنطقية وعقلانية وحكمة مع الحالة بالغة التعقيد التي وصلت لها المجتمعات الإنسانية بشكل عام، والإسلامية خاصةً، معتلياً منصة إعمال العقل والتدبر قبل الإطفاق على طرائق لا منهجية، وقديمةً من جني ثمار علماء أجادوا طرحها، ولكن لضرورة ارتبطت بزمنهم وانتهت الحاجة لها بانقضاء ذلك العصر، فللشريعة الإسلاميةِ ثقل وثروة أفرغت من مضمونها بفعل إدارة بعض الدعاة التي أثبتت قصوراً حاداً في مهمتها من خلال تعطيل الاجتهاد والتجديد، وما يمثلانه من جسر وحيد وطريق قويم في مواكبة الدين الإسلامي للتحولات الاجتماعية المتسارعة، القضية الحقيقية التي أدركها العلّامة «بن بيه»، مفسراً بذلك التحول الجذري الذي طرأ على فسيفساء الرقعة الإسلامية بمجالاتها الاجتماعية والسياسية بتجربة لم يسبق لها خوضها مسبقاً.

مشروع اجتهاد النضوج الفكري والاستيعاب العابر للأزمان والحضارات الذي يقدمه الشيخ المجدد ابن بيه كأنموذجٍ فريد، لا يحتمل الانتظار والوقوف على عتبة «الحجج» والمراوغة أكثر، فقد بين خطة متناغمة الحيثيات متراصة النسيج، من خلال انطلاقه من الإشكاليات التي تدور حول تجديد مناهج التفكير الشرعي وسبل الاستنباط في المرتبة الأولى، من خلال الفهم السليم لما يعنيه «التجديد» ومراجعة أدواته، مشبهاً عملية التجديد بالبناء، إذ أن لكل بناء أدواته الخاصة به، كما للتجديد، وهنا ينبه بحنكة عن الجانب المفتقر للاهتمام من رجالات هذا الدين ومنابره، فلمَ ندأب لاختراع آلات وأدوات متقنة الإنتاج متعددة التقنيات، باستخدام أرفع وأرقى الخامات لتلبية السلع الاقتصادية والترفيهية، ونغفل عن صناعة استحداثات ضرورية ليس لسلع بل للتأصيل والتأسيس لحضارة وفكر ونهضة ومواكبة وريادة وبناء أجيال نقية من ملامح وباء التطرف والغلو الذي يحوم حولها؟!

هذا العالِم والعلّامة الفذ، والذي لا أستطيع إخفاء ما يعنيه لي من قدوة و أنموذج حضاري، ومن صورة تنبض بالخير والإرادة، لم يقف على عتبات الثمانينيات من عمره، بل ما زال يستمر بزخرفة المشروع الحضاري، بدأب المجتهد المحنك الحريص على إنجاح مشروع الإصلاح الديني، الذي أراه مأسسةً تبنى عليها باقي النجاحات والإصلاحات، فهي البذرة الدافعة بالإنسانية للسير على نهج الحق بلا شائبة تشوبها، ولربما يتجلى ذلك من خلال مواقفه وآرائه، فعلى سبيل المثال لا الحصر تصريحه بضرورة كسر حاجز الانغلاق والعزلة، والدعوة للانفتاح عل التراث الإنساني، ومدحه للموروث الفلسفي وما حمله من حكم للبشرية، مع إشارته لضرورة الأخذ بالنافع منها فقط، وما ينتج عنها من تنظيم وسمو للأفكار والآراء وسعة وإذكاء للرؤى.

بين طيات جلبابه الأبيض، حمل للمجتمعات المسلمة وغيرها أفكاراً أكثر نصوعاً مما يرتدي. وأجمع تلاميذه ممن رافقوه خاصةً، على ما عكسته مواقفه من ذكاء واطلاع وسعة علم ورحابة في نهجه وطرحه، ومن ذلك ما عاشه مستمعوه من ذهول، ذات مؤتمر في إحدى الدول الأوروبية، حين أطرقت الآذان مصغية لورقته المشبعة بقيم ومعاني التعددية، وتبيان حكمة الله بها، وضرورتها، لينتهي بالإشارة للوحة معلقة على مدخل القاعة كان قد سأل أحد الوزراء قبل دخوله عن راسمها، وهو «بيكاسو»، ليحرك حس التفكر، مبرزاً براعته في الإقناع بالحق، سائلاً الحضور، عمّا إذا كانت ستعجبهم ذات اللوحة لو أنها خُطّت بلون واحد! ليترك بأذهانهم جميعاً صورة حية لا يمكن أن تنظر للتعددية إلا كمقياس إثراء وتكامل وبهاء.

ما حمله العلماء على اختلاف مناهجهم وتوجهاتهم يمثل رسالة معينة، وما حمله العلامة ابن بيه في جعبته هو نداء ضرورة، فاتحاً الحيز للعلماء على اختلاف الحقبة الزمانية أو المكانية، بهدف إعادة رسم مقاصد الشريعة بما يلبي حاجات المجتمعات البشرية، تحقيقاً لحكمة الشارع في تشريعها، والوصول لأقصى مستوى من التطور المعرفي والواقع الدولي، إزهاراً وازدهاراً من روح الشريعة وقواعد التشريع، بشرط التمسك بقواعد أصول الفقه، ودرء التقوقع في «المقاصد» كما حددها فلان أو فلان – مع خالص احترامنا وتوقيرنا لعلماء الشريعة – ولكننا علينا أن نعي بأننا بصدد تطور راسٍ لا يتعرض للتحجر أوتحجيم الفكر، مما يحتم حاجتنا لمنهج الشيخ المجدد ابن بيه كمشروع من الطراز الأول.

بقلم الدكتور محمد البشاري

رئيس الفيدرالية لمسلمي فرنسا

نص كلمة العلامة عبدالله بن بيه في اللقاء الذي جمعه مع البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية.

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وبارك على سيدنا محمد النبي الخاتم وآله وصحبه وعلى جميع إخوانه من النبيين وسلِّم تسليما،

حضرة الحبر الأكبر البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، ضيف الإمارات العربية المتحدة،

فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب

سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان

أصحاب الفضيلة والنيافة والسعادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يطيب لي باسم صاحب الفضيلة رئيس مجلس حكماء المسلمين وكافة إخواني أعضاء المجلس وباسم بلدنا الإمارات أن أرحّب بضيفنا الحبر الأعظم ووفده المُكْرَّم.

مرحبا بكم ضيفا لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ودولة الإمارات، في دار زايد، التي أسّسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان من أول يوم على روح التسامح والسماحة، فلم تزل منطلق دروب السلام ومهوى الأفكار البناءة والمبادرات الريادية، نموذجا فريدا، تحوطه الأطر القانونية الملائمة لحمايته واستدامته.

فمرحبا بكم وأهلا وسهلا، لتلمِسوا بأنفسكم وتَرَوْا بأعْيُنِكم وتَشْعُروا بوجدانكم بروح التسامح وبعبق أريج المحبة وما راءٍ كمن سَمِعا.

إننا نلتقي اليوم برجل من صُنّاع السلام ومحبي الخير، الذين يشهد لهم الجميع بجهودهم الجليلة في المدافعة عن المستضعفين والمرافعة عن المظلومين.

حضرة الحبر الأعظم

نستقبلكم اليوم، في بيت جميل من بيوت الله، جامع الشيخ زايد،  كما سبق أن اسْتَقْبَلَنا إخوتُنا المسيحيون في كنيسة القديس بطرس، وهو ما يدعوني للتذكير بأنّ دُور العبادة في الإسلام لا سيما دور عبادة العائلة الإبراهيمية محترمة، بل نَدَبَ القرآنُ المسلمين إلى حمايتها والدّفاع عنها، قال تعالى (ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا).

لقد أسست هذه الآية الكريمة لمفهوم الحماية القانونية للتعددية من جهة، ومن جهة أخرى لمبدإ تحييد العامل الديني عن الصراعات والنزاعات، وأنّ الموقف من الآخر لا يحدّده دينه بل تصرّفه ومعاملته.

ولذلك فإننا نؤكّد لكم أنّ المسيحيين في الشرق وجدوا ليبقوا، وولدوا ليحيوا، وهم أصلٌ من أصول شجرة العائلة الإبراهيمية، وجذر من جذورها لا يمكن أن يُجْتَثّ مهما عتت العواصف وغلت مضلات العواطف.

أيها الحبر الأعظم،

إن اجتماعنا اليوم يمثل رفضا لنظرية مسؤولية الدين عن الحروب والكراهية، وتفنيدا لهذه التهمة التي ألصقت بالدين حتى جعلها بعض الفلاسفة مثل كانت وغيره، قانونا اجتماعيا على أساسه يجب عزل الدين عن المجال العام، باعتباره عاملا يفرّق ولا يجمع، يضرُّ ولا ينفع.

إننا نعترف أنّ الدين كالطاقة النووية قد تجلب الازدهار والاستقرار لكنّها قد تجلب أيضا الخراب والدمار، فالدّين في الأصل طاقة سلام ومحبة ووئام، لكنه قد يسيء استعمالَه من لا يعرفه بحسن أو سوء نية فيجلب الخراب والدمار.

إن واجب الوقت يحتّم على رجال الدين العودة إلى نصوصهم الدينية وتراثهم ليستمدوا أسسا متينة للتسامح، ونماذج مضيئة يسهم إحياؤها في إرساء قيمه، في نفوس أتباعهم ، عن طريق التأويل الملائم للزمان والمكان ومصالح الإنسان، وذلك هو ما نقوم به في مجلس حكماء المسلمين برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب.

أيها الحبر الأعظم،

إن لدينا مشتركات كثيرةً أَدَّى تجاهلها وإذكاء الخصوصيات عوضها إلى ما هو مشاهد من الحروب والاقتتال، وهي مشتركات متينة نبهت عليها الوثيقة المجمعية الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني، وأسسّنا عليها في وثائق الأزهر الشريف وفي إعلان مراكش التاريخي، وفي إعلانات أبوظبي، أنه يجب أن تصحّح الذاكرة التي تختزل العلاقة بين الديانتين في الحروب والصراع حول البحيرة.

إننا نحن أبناء العائلة الإبراهيمية نتشارك في الرواية الأصيلة للقيم والفضيلة وأصول الأخلاق التي تؤسس للسلام والتعايش بين مختلف الشعوب. ونحن المسلمين نعتبر أنفسنا امتدادا للديانات السابقة،  فقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننظر إلى الأنبياء جميعا كعناوين للحقيقة، قال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون).

ولذلك فإننا ننظر إلى الديانات نظرة احترام وتكامل وانسجام، فلا نُنْكِر أو نَتَنَكّر لإسهام الأديان والحضارات في تشييد العمارة الأخلاقية للبشرية فرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى نفسه في سلسلة من الأنبياء فيقول (إنما بعثت متمما لمكارم الأخلاق) ويؤكد أنه لبنة متممة لهذا البناء العظيم، الذي قال عنه نيتشه في لحظة وعي شاردة، في كتاب “ما وراء الخير والشر”: (إن الذين أوجدوا القيم في البشرية قلة في التاريخ ومنهم موسى وعيسى ومحمد ).

إن إيماننا بهذه المشتركات يتيح مدّ الجسور فوق التباينات وينيط بنا مسؤولية التعاون لئلا تغرق سفينة البشرية ولا يحترق البيت الإنساني، نحن أيها السادة إطفائيون إنقاذيون، فعلينا أن نتضامن جميعا، وأن تتكامل أدوارنا انطلاقا من مواقعنا ودوائر تأثيرنا، لنسهم في استعادة الضمير الأخلاقي للإنسانية، وأن ندعو إلى أن يتوازى التقدم العلمي مع التقدم الأخلاقي ، فالتاريخ يعلمنا أن الحضارة المادية بلا أخلاق تدمر نفسها.

حضرة الحبر الأعظم،

إن زيارتكم وما نرجو أن يَتْلُوها من حوارات جادة ومتجددة تبعث الأمل وتؤكد القناعة بأن اليوم الذي ننبذ فيه جميعُنا التصورات النمطية ومشاعر الكره لتجمعنا مشاعر الأخوة الإنسانية وحب الخير والصداقة، سيكون بحق يوما مشرقا في تاريخ الإنسانية.

فدعونا جميعا نتعاون على البر والتقوى ونعمل بما جاء في رسالة بولس إلى أهل روما (فنلعكف إذا على ما هو للسّلام، وما هو للبنيان، بعضُنا لبعض).

وفي الختام أُجَدِّدُ الترحيب وأشكركم جميعا. Gracias

معالي الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة