ارشيف ل January, 2023

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي( AI Ethics) من وجهة نظر الإسلام

   
     

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين

 

كلمة معالي الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

في ملتقى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي AI Ethics

10 يناير 2023م، روما، ايطاليا

 

أصحاب المعالي والسعادة، أصحاب السماحة والفضيلة،

أصحاب الغبطة والنيافة،

أيها المشاركون كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بادئ ذي بدء، يسرني أن أقدم جزيل الشكر للقائمين على تنظيم هذه المبادرة القيمة حول هذا الموضوع الهام، استلهاما من نداء روما 2020 لاخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واستكمالا لأعماله.

إن أهمية هذا الموضوع لا تخطئها العين وبخاصة بعد أن أصبحت البشرية بشكل من الاشكال رهينة التطور العلمي، فهاهي الأسلحة النووية تبعث الخوف والرعب في نفوس البشر خشية كابوس نشوب حرب نووية تفضي إلى تدمير الانسان لنفسه.

 

أيها الحضور الكريم،

إن الأديان في صميم رسالتها سعي إلى إسعاد البشر في الدارين الدنيا والأخرى، ولذلك فهي تحث على البحث عن كل مافيه صلاح حالهم ونجح مآلهم. فنجد دين الاسلام يحض على اكتساب المعرفة والنظر في الكون والازدياد من العلم وفي القرآن الكريم ” وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا “. والعلم بمفهومه الواسع يشمل المعارف الدينية والدنيوية التي بها قوام المجتمع روحياً ومادياً. وهكذا قامت الحضارة وازدهرت الاكتشافات والاختراعات ولم يكن الدين حاحزا مانعا من الابتكار، بل كان حافزا دافعا للابداع والانجاز.

على أن الأديان والشرائع في سعيها لترقية البشر وإرشاد الناس تحرص على أن تكون الابتكارات والمنجزات مراعية للأطر الاخلاقية التي تعلي من مكانة الانسان وتصون كرامته وتحمي حياته.

وفي هذا السياق، تأتي تقنيات الذكاء الاصطناعي كإحدى أهم هذه الابتكارات التقنية الخلاقة، التي انبثقت عنها عبقرية الانسان، وانتقلت من طور النظريات إلى عالم التطبيق والمنتجات، فنجح تطبيقها في مجالات مختلفة، ومازال ميدانها يتسع وتطورها يتتابع، مدفوعة بشغف الابتكار والاختراع، ومستفيدة من الاستثمار المتواصل في هذا القطاع من الفاعلين الخصوصيين والحكوميين.

ومؤخرا لم يبق مجال إلا ودخله الذكاء الاصطناعي ووظف فيه كمجالات الصحة والمواصلات والتعليم والتدريب والتصنيع.

وهكذا فتحت هذه التقنيات الباب على طيف واسع من الإمكانات والفرص الواعدة في مجالات شتى يمكن أن تسهم في تحسين حياة البشر، وهذا أمر نشاهد آثاره وندعو إلى دعمه وتشجيع الجهود المبذولة فيه.

ومع هذه الإمكانات الكبرى التي تتيحها هذه التقنيات فإنها كذلك تفتح الباب على مصراعيه على مخاطر ومخاوف من الاستخدام الخاطئ والذي قد يؤدي إلى عواقب كارثية على البشرية جمعاء.

وهنا لا أريد أن أصل إلى الحد المتشاؤم الذي عبر عنه الشاعر العربي أبُو الفَتْح البُسْتي قبل قرون في وصفه لكدح الإنسان وكده، وأنه في الحقيقة إنما ينسج على نفسه لبوسا من الفناء ورداء من العدم حيث يقول:

كدودٌ كدود القز ينسج دائماً … ويهلك غما وسط ما هو ناسجه

كما أن كثيراً من منتجاتها قد طرحت أسئلة فلسفية وأخلاقية عديدة حول مفاهيم الحرية والإرادة والمسئولية تحتاج إلى نظر وتأمل من قبيل:

  1. من يتحمل أخطاء تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
  2. ما الذي سيحدث للتواصل بين الناس جراء هذه التقنيات؟
  3. كيف ستؤثر برامج الذكاء الصناعي على سلوكنا وتصرفاتنا؟
  4. كيف نتفادى أخطاء الذكاء الاصطناعي؟
  5. كيف نتحكم في نظام أذكى منا؟
  6. كيف نكون في مأمن من العواقب غير المقصودة لبرامج الذكاء الاصطناعي؟

إلى غير ذلك من الاسئلة التي تتكشف مع الزمن.

إن هذه المخاطر يمكن أن تشكل تهديداً للمنتظم الانساني أجمع (أو ما يسمى عند المسلمين بالكليات الخمس- الدين والحياة والعقل والملكية والعائلة)، الذي جاءت جميع الشرائع بحفظه. فهي قد تهدد أرواح الناس من خلال إمكانات استخدام هذه التقنيات كسلاح غير متحكم فيه، كما تمثل خطراً على العائلة لما قد تسببه من غياب للخصوصية وانتهاك لأمن المعلومات، ويمكن أيضاً أن تتسبب في ضياع الأموال والممتلكات من خلال السطو الالكتروني والقرصنة والاختراقات. وهي فوق ذلك يمكن أن تسبب في زيادة الانقسام والفرقة في المجتمعات من خلال المساهمة في نشر الأخبار الزائفة والمضللة والتأثير في أراء الناخبين.

والحال هذه، فإن من الواجب على المعنيين من قادة دينيين وشركات تقنية وفاعلين حكومين وغيرهم التعاون لتعظيم فوائد هذه التقنيات وتقليل مخاطرها، وذلك من خلال تطوير إطار أخلاقي يهدف إلى ضمان مراعاة منتجات الذكاء الإصطناعي للمعايير الأخلاقية السامية من أجل صيانة كرامة البشر وصلاح أمورهم.

ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي أولاً الاتفاق على أهمية هذا الأمر وضرورته لأن التخلف عن تنفيذه ينذر بعواقب وخيمة على البشر معنوياً ومادياً. وثانياً، بالتعاون والتشارك في تصميم إطار أخلاقي يكون دليلاً ومرشداً لمطوري هذه التقنيات وعوناً لهم على التجاوب مع مقتضيات الاخلاق ومطالب الابداع والابتكار.

إن هذه المنظومة الاخلاقية المنشودة ينبغي أن تقوم على القيم الأخلاقية الفطرية والتي هي قيم مشتركة بين جميع الناس، لا تختلف فيها العقول ولا تتأثر بتغيّر الزمان أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان، إنها الحقوق الطبيعية الفطرية التي يرثها كل إنسان بفضل وجوده، “وهي حقوق إلهية المصدر ممنوحة للمؤمن وغير المؤمن”، كما جاء في الفصل الأول من ميثاق حلف الفضول الجديد (2019).  

وتشمل هذه الاخلاق قيم الفضيلة واحترام الإنسانية، والتضامن والتعاون في الخير، وقيم الصدق والعدل والأمانة والنزاهة والمسؤولية والشفافية. وكلها قيم مركزية في المنظومة الأخلاقية لجميع الديانات والفلسفات الإنسانية.

كما يمكن أن يكون لدمج هذه المنظومة الأخلاقية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مزايا عديدة لا تنعكس على مستخدمي هذه المنتجات فحسب بل على مطوريها كذلك وذلك لأن هذه الأطر الاخلاقية تمنحهم رؤية أكثر وضوحاً وتركيزاً أفضل فيما ينبغي العمل عليه وقائمة أولويات ورسالة للحياة.

بحيث يركز التطور التقني على التحديات الوجودية التي تواجه البشرية في مجالات الصحة والغذاء والتعليم والعمل. وتبذل الجهود للإسهام في حماية الأطفال من المحتوى غير المناسب على الشبكات الالكترونية.

كما ينبغي التذكير أن الرغبة في الكسب المادي -والتي ليست مذمومة في حد ذاتها بل قد تكون داعما للتطوير والإنتاج- لاينبغي أن تتغلب لدى الجهات المعنية على قيم المسؤولية والمصلحة العامة. كذلك فإن التركيز على سؤال كيف؟ بدل سؤال لماذا؟ قد يؤدي إلى تطوير منتجات لا تهدف إلى غاية سامية ولا تخدم غرضا نافعا. وعلى العكس من ذلك فإن سؤال لماذا؟ يحمل على البحث عن الغاية والهدف من كل فعل لتكون المقاصد موجهة بالمبادئ والمثل.

 

المشاركون الأفاضل،

إن من المهم إسناد تقنيات الذكاء الاصطناعي بالاخلاق والتضامن والتعاون ليكون المنتج قليل الضرر كثير النفع. كما أن الاطار الاخلاقي المقترح يمكن أن يكون بمثابة الكوابح التي تحمي السيارات من الاصطدام والدمار، أو البوصلة التي ترشد السفن في خضم البحار. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو صحوة ضمير تقود إلى التحكم في النتائج غير المرغوبة للذكاء الاصطناعي بحيث تكون هناك رقابة على الذكاء الاصطناعي من نفسه.

وبالجملة فإن القوانين والجهات المنظمة يجب أن تضع المعايير التي تضمن منع وقوع الضرر على الأفراد والمجتمعات من قبل الشركات المطورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي الحديث النبوي الشريف “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ”. إن هذا المبدأ حاكم، لأنه يكبح جماح رغبة الانسان في الإثراء تحت ذريعة التطور والاكتشاف إذا كان ذلك يتضمن أذى أو ضرراً يقع على الآخرين. كما يحمي الباحثين والمستكشفين من التدخل في عملهم أو الإضرار بهم طالما لم يكن في عملهم مايؤدي إلى إيذاء غيرهم.

واخيرا، فإن ازدهار واستقرار المجتمعات لا يكفي في تحصيلهما توفُّر الأسباب والشروط التقنية، والاقتصادية، بل يستوجبان القدرةَ على إثراء الوجود بمضامين قيمية ومعانٍ سامية، ويتطلبان نظرة شاملة للحياة مبنية على التناغم بدل التصادم والتعاون بدل التنازع. وذلك كله يؤكد الحاجة إلى أطر أخلاقية تنير الطريق وتهدي السبيل.

تلك هي رؤية دولتنا الإمارات العربية المتحدة، القائمة على أُسُس فكرية ومقاصد تنموية من أهمها الجمع بين الإيجابية في المنطلق والفاعلية في الأداء والجودة في المخرج. على هذه القيم بنى القائد المؤسس الشيخ زايد طيب الله ثراه دولة الإمارات وعليها سار من بعده أبناءه الأماجد وعليها يسير صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله في جعل دولتنا مركزا عالميا للذكاء الاصطناعي والتطور والازدهار.  

أشكركم مرة أخرى على هذه الدعوة الكريمة وأرجو لملتقانا هذا التوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته