لحظة تأمل مع كارثة : الإسلام دين الرأفة

 بعد زلزال آسيا المسمى «تسونامي» تداعت الإنسانية للتعاطف مع متضرري الزلزال ، لمساعدة الأحياء والرثاء للأموات . كان رد الفعل هذا طبيعيا ، ويجب أن يكون تلقائياً وعفوياً. 

والتعاطف أمر تزكيه الفطرة الإنسانية لأن الإنسان، في وقت من الأوقات، يشعر بالانتماء المشترك إلى هذه الأرض وإلى هذه الحياة، وأن حياة نفس واحدة كحياة جميع الناس ، وموتها كموت جميع الناس ، وذلك عبارة عن ماهية وحقيقة الحياة وحقيقة الموت ، فهي حقيقة واحدة لا يتغير جوهرها بالكثرة ولا بالقلة . وتلك حقيقة قرآنية «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً». 

وقد جاءت صحوة الضمير البشري هذه بعد أن تبلد أمام الكوارث التي يصنعها الإنسان بيده على هذه الأرض حيث «يفسد فيها ويسفك الدماء» حسب العبارة القرآنية. 

مهما يكن انتقادنا لذلك التبلد المأساوي للضمائر ، أمام فتك القنابل والصواريخ ، أياً ما تكون الذرائع ، فإن ذلك لن يمنعنا من الثناء على هذه الصحوة التي تمثلت في التضامن والتعاطف مع الضحايا ، والتي كما أسلفنا تمليها الفطرة وأيضا تزكيها الديانات السماوية ، وفي مقدمتها الدين الإسلامي الذي لا يقتصر طلب الإحسان فيه على المؤمنين، بل على غيرهم من أبناء البشر ، بل على كل الأحياء «في كل ذي كبد رطبة أجر». كما جاء في الحديث الصحيح. وتلك هي الاستعارة الجميلة لاستحقاق كل المخلوقات الحية العطف ومساعدتها على استبقاء الهدية الربانية التي هي الحياة.

فمجرد أن هذا الكائن يحمل بين جنبيه كبداً ، فإنه موضوع تعاطف ورأفة ، فالقطط والحيتان وأنواع الحيوان وعلى رأس الهرم الإنسان، هم سكان هذه المعمورة وهم الأهل والجيران. وإن الاختلاف في الدين ، كما يتوهم البعض ، لا يقف عائقاً دون هذا التعاطف في النكبات والأزمات ، التي كتبها الله تعالى على عباده ، وإن الحديث الآخر يعبر عن ذلك خير تعبير ، عندما قام النبي لجنازة ميت من اليهود، وقد نبهه أصحابه على أن هذا الميت ليس على دين الإسلام لأنه يهودي ، فأجابهم عليه الصلاة والسلام بقوله : «أليست نفساً ؟» مبرزاً بذلك أن احترام الأنفس البشرية والاهتمام بمصائبها ليس مقتصراً على أهل دين الإسلام ، بل يتجاوزهم إلى غيرهم من البشر.

ونحن المسلمين، بما شرعه ديننا الإسلامي الحنيف السمح ، جديرون بأن نبرز هذه القيم الفاضلة والمثل السامية ، وأن نتضامن مع هؤلاء الضحايا ، من مسلمين وغير مسلمين . تلك رسالتنا ورسالة الأديان السماوية من عهد آدم إلى النبي الخاتم. 

إن درس التضامن بين الأسرة البشرية هو الدرس الأول ، الذي يمكن أن يستفاد من هذه الكارثة ، لكن هذا الدرس يجب أن يترتب عليه فهم عميق لطبيعة العلاقة بين سكان هذا الكوكب، وأنهم أسرة واحدة.

ولكن ذلك لن يكون ذا صدقية بدون إعادة النظر في إدارة هذا الكوكب ، لتقوم على أسس أخلاقية أكثر صلابة . إذ من الغني عن القول إن الأرض تحولت إلى غابة كبيرة تتصارع فيها الحيوانات . وأن مبدأ المصلحة الأنانية ،«المتوهمة أحياناً»، والمستندة إلى القوة العمياء ، أصبح السائد وأصبح من يقتل أكثر هو الأفضل ، وهو الأنبل في ميزان سكان الغابة. ولم تعد للمواثيق الدولية أية إلزامية ، بل أصبح منطق اللامنطق مفروضاً على العقل البشري ، فصدقت مقولة الشاعر:

 

إنا لفي زمن لفرط جنونه     من لا يجن به فليس بعاقل

 

وأصبح أساتذة الحروب يعلمون الناس ثقافة القتل. 

هل يشمل هذا التضامن ضحايا الكوارث التي يصنعها الإنسان ؟

إنه تساؤل نوجهه إلى الإنسان، إلى القرصان الكبير والقرصان الصغير. أما الكوارث الطبيعة فهي سُنّة من سنن هذا الكون الفاني ، خلقها وقدرها الذي صنع هذا الكون بحكمة بالغة ، فهذا الزلزال ليس الأول ولن يكون الأخير.

وهي سنة كالحياة والموت والصحة والسقم والشباب والهرم والنوم واليقظة والصيف والشتاء والربيع والحر والقر. 

إن هذا الكوكب وسكانه معرضون لتقلب الأعراض وتداول الأحوال وتصريف الأكوان ، وعلينا أن نحترم هذا البيت الذي هو الأرض ، فهي بيتنا ومستقرنا ومستودعنا، كما هي العبارة القرآنية «فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون» ، بل هذه الأرض هي أمنا التي منها منشؤنا وإليها مرجعنا ، كما قال سبحانه وتعالى: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى».

إن هذا البيت قد انتهك من طرف الجشعين من سكانه على نحو لم يسبق له نظير ، فقد نهبت ثروات الارض غير المتجددة نهباً بليغاً ، ولوثت أجواؤها بمداخن المصانع تلويثاً شديداً ، فارتفعت سخونتها وذاب جليدها مما نشأت عنه ظاهرة الاحتباس الحراري. وبذرت النفايات السامة في كل مكان حتى أصيبت الحيتان في أعماق المحيطات بأذاها . وصدق الله العظيم وهو القائل :«ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس». 

نحتاج إلى وقفة تضامن مع الأرض والبيئة الكونية. ذلك هو الدرس الثاني، وهو حاجة الكون إلى ربط الصلة بالسماء. إن الإنسان وهو يقف متحيراً أمام فجاعة الحدث ، ومتسائلا عن أسبابه ، يطرح نوعين من الأسئلة، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع. 

أما النوع الأول من الأسئلة فيتعلق بالبحث عن سنن الكون ، كيف مادت الأرض وكيف يتعامل الإنسان مع الزلازل ببناء المساكن الملائمة ، واستشراف حدوثها ، وبالابتعاد عن المناطق الزلزالية . وليس في هذه الأسئلة شيء ينافي الاعتراف بقدرة الباري جل وعلا وقدره ، بل هو كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب : «أفر من قدر الله إلى قدر الله». 

أما الأسئلة غير المشروعة فهي من نوع ما تسمعه عند بعض الناس من محاكمة الباري جل وعلا على قوانين المخلوقات، من أمثال لماذا فعل ربنا وهو الرحيم هذا ؟ جهلاً من هؤلاء بحكمة الله البالغة ، فهو العزيز الحكيم. «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». 

فهو سبحانه قد يقدر ذلك تنبيهاً للبشرية على ضعفها ، وتحذيراً لها من غيها «وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً». وإيقاظ ضمائر الناس إلى التوبة ، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة». 

فعلى الإنسان أن يفزع إلى الدعاء ، وأن يتوب من الذنوب ، فقد يكون عقوبة «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير». وقد يكون تمحيصاً كما جاء في حديث الشهداء «والمغرق شهيد». وقد يكون تذكيراً بمصير هذا الكون الذي هو الفناء المحتوم :«إذا زلزلت الأرض زلزالها…». 

ومن شأن الرجوع إلى الفضائل وإقامة العدل والقسط بين الناس والتوقف عن التدمير والعزوف عن الأنانية المفرطة والغطرسة ، وإقامة نظام كوني على أسس صلبة من الأخلاق والقيم المثلى ، من شأنه أن يخفف على البشرية وقع الكوارث ، وأن يضبط النظام العالمي بضوابط الأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها الدين والفطرة السليمة ، بدلاً من الانحلال والشذوذ الذي يرادف التقدم الزائف والتطور الكاذب. 

باختصار : إن دروس الزلزال يمكن اختصارها في صحوة الضمير البشري إلى ثلاث حقائق :

* إن البشر عائلة واحدة يجب أن يتضامنوا ويتعاونوا.

* إن كوكب الأرض هو بيت الجميع يجب أن يتصالحوا معه. 

* إن الإنسان أمام القدرة الإلهية ضعيف، وأن عليه أن يتحلى بشيء من الفضائل لتكون خلافته في هذه الأرض راشدة ومسيرته صالحة.

وختاماً ، فليست هذه السطور محاكمة للنظام العالمي، ولا هجاء له ،

ولكنها حقائق ونصائح وذكرى : «لمن ألقى السمع وهو شهيد».

Comments are closed.