ارشيف ل March, 2009

مقدمة لكتاب ” العرف” للدكتور عادل قوته

 

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين          أما بعد؛ 

 

 فقد طالعت رسالة ابننا العلامة الشيخ عادل بن عبدالقادر قوته حفظه الله ووفقه وأتمَّ له نوره في: العرف حجيته وأثره في فقه المعاملات الماليّة عند الحنابلة.

فاطَّلعتُ من خلالها على عينٍ غديقةٍ من الفقه والفهم لا ينضُب معينُهما ألَّتْ أنوار بروقها ولمعت، واستهلت شئابيب سحائبها وهمعت، فاهتزت لها سهولُ العُرف بعد أن كانت حَزْناً، وافترت عن ثغر زهرها الباسم بعد أن قطَّبتْ حُزْنا، فطالعتنا رياض العُرف طيبة النَّشر، فتجلَّتْ في حلّةٍ سندسيّة، وزهرةٍ نرجسية ونشرتْ فقه الأعراف تفريعاً وتأصيلاً وإجمالاً وتفصيلاً.

 

إذا رآها الرائي من قريب أنشد بيت الطائي حبيب:                    

                يَقولُ مَن تَقرَعُ أَسماعَهُ       كَم تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ

 

وإذا كانت قاعدة العرف وتفريعاتُها قد نالتْ قسطاً وافراً من التأليف وحظاً وافياً من التصنيف حتى أخالت المستقرئَ أن مدادها قد نضب وأن ناشدها قد لغب فإنّ هذه الرسالة برهنتْ على أنّ في الحوض بقيّة لم تغترف وفي البستان ثمرة لم تُقتطف.

لقد لفت انتباهي بخاصة: جودة السبك وسمو اللغة والاستيعاب في الجمع وإصابة مفصل النقول والاتصاف بالإنصاف في مقارنة أقوال أهل الاختلاف.

 

كل أولئك الصفات والنعوت تتجلى في تتبّع أقوال العلماء من الأولين والمتأخرين وملاحظة الفروق الدقيقة والشِّيات الخافتة في المسائل التي يتناولها. حيث يبدأ بالتعريف اللغوي والاصطلاحي وينتهي بالتطبيقات المعاصرة ويعرض في مثاني ذلك اختلاف الآراء ومجالات التطبيق.

خذ مثلاً: مسألة القبض ص451 وص464: بعد التعريف ووضع قاعدة القبض التي تستند إلى العرف ينقل كلام علماء الحنابلة من ابن قدامة وابن تيمية مروراً بالسعدي والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصولاً إلى قرارات مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي مثبتاً العزو لعشرات المراجع منوعاً أنواع القبض ووسائله وما يترتب عليه.

وهو بتواضع العلماء إذا لم يجد نقلاً بين ذلك ولم يدلِّس وإذا أفاد من جهة أعلى ذلك ولم يستنكف. 

انظر: ص 467 في جريان الخلاف في الإقالة بالمعاطاة في مذهب الشافعي :….. ولم أقف على ما يفيد ذلك نفياً أو إثباتاً”. راجع أيضاً مثالاً آخر: ص 365 هامش 1 وص 1043 هامش 3 وفي غيرها.

وفي ص473 هامش2 “…. وقد أفدتُ في غالب ما لخصته..” وانظر أمثلة أخرى في: ص 67 هـ:1 ص 143 هـ:1 ص 291، هـ1 وص 351، هـ 1 وغيرها.

وباختصار: فإن هذه الرسالة أضافت إلى مكتبة الفقه الإسلامي موسوعة في بابها ألبست كواعب العرف بجميل ثيابها.

فجزى الله تعالى ابننا العلامة عادل عن الفقه الإسلامي عموماً وعن العرف بخاصة خير الجزاء.   

     مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ       لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

سائلين الله الكريم الذي لا يخيب من رجاه ولا يذل من والاه أن يجعلنا وإيّاه من عباده الصالحين الذين جمعوا العلم إلى العمل وأن يجنبنا وإياه مواقع الزلل. 

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

                                                                                    عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه 

                                                                                            14 / 11 / 1417 هـ 

 

 

مقدمة لبحث : تأجيل البدلين في العقود والمعاملات”. للدكتور ياسر عجيل النشمي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

 

وبعد، وقد اطلعت على ما وشته أنامل الشاب الواعد والبرعم الصاعد فسلمت يداه ودام في البحث والعلم جداه حول :” تأجيل البدلين في العقود والمعاملات”.

وما ذلك إلا الدكتور ياسر عجيل النشمي وفقه الله وأتم علينا وعليه نعمة الفقه في الدين وأعلى كعبه بين العلماء العاملين. 

 

فلا جرم أنه من الوالد الكريم العلامة عجيل النشمي أطال الله بقائه ففاز بنسبة العلم بعد أن حاز نسبة النسب والجذم: 

 

             وَهَل يُنبِتُ الخَطّيُّ إِلّا وَشيجَهُ       وَتغرس إلّا في منابتها النَخلُُ 

 

وقد جلى في رسالته القيمة مشكلة من مشكلات المعاملات المعاصرة فتتبع جذروها في المذاهب الفقهية ليوضح أنها وإن كانت حديثة بالنوع فإنها قديمة بالجنس من خلال نقول ضافية وشروح وافية أبرزت ما فيها من اختلاف وائتلاف وتلاق وتجاف. 

مستعرضاً آراء المذاهب الأربعة وناقشها مبرزاً بالخصوص الاستثناءات التي تعتمد قاعدة تأجيل البدلين بطريقة سهلة وواضحة أنتجت في مجملها أن قاعدة تأجيل البدلين يعترض عمومها التخصيص ويعرض شمولها التنصيص فللحاجة مجال في تخصيصها لأن أوصاف الأعواض من جملة الحاجيات إن لم تكن من الكماليات. 

وهي مسألة من مسائل الحاجيات التي للمقاصد فيها كلمتها بإزاء النصوص الجزئية والقواعد. وقد أشار الشاطبي إلى ذلك حيث يقول: المسألة الثالثة كل تكملة فلها من حيث هي تكملة شرط وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها فلا يصح اشتراطها عند ذلك لوجهين أحدهما أن في إبطال الأصل إبطال التكملة لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضا فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه مؤد إلى عدم اعتبارها وهذا محال لا يتصور وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة واعتبر الأصل من غير مزيد. 

والثاني أنا لو قدرنا تقديرا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت وبيان ذلك أن حفظ المهجة مهم كلى وحفظ المروءات مستحسن فحرمت النجاسات حفظا للمروءات وإجراء لأهلها على محاسن العادات فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى وكذلك أصل البيع ضروري ومنع الغرر والجهالة مكمل فلو اشترط نفي الغرر جملة لا نحسم باب البيع وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية واشتراط حضور العوضين في المعاوضات من باب التكميلات ولما كان ذلك ممكنا في بيع الأعيان من غير عسر منع من بيع المعدوم إلا في السلم وذلك في الإجارات ممتنع فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها يسد باب المعاملة بها والإجارة محتاج إليها فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد. 

 

 وإذا عالجنا المسألة مقاصدياً في محاولة لإدراك علة منع تأجيل البدلين أو أحدهما في بعض المعاملات وجدنا جواباً للقرافي وآخر لولي الله الدهلوي في الحجة البالغة وذلك مما يفتح الباب أمام الاجتهاد عند أمن الوقوع في محذور الخصومة التي أشارا إليها فقد أشار القرافي في الفروق إلى المقصد من منع تأجيل البدلين بقوله: وها هنا قاعدةٌ وهي أَنَّ مطلوب صاحب الشَّرع صلاح ذات البين وحسم مادَّة الفساد والفتن حتى بالغ في ذلك بقوله عليه السَّلام:” لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا”.، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذِّمَّتَيْنِ توجَّهتْ المُطالبةُ منْ الجهتين فكان ذلك سببًا لكثرة الخُصومات والعداوات فمنع الشَّرعُ ما يفضي لذلك وهو بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.( الفروق )

 

قلتُ: يفهم من ذلك أننا إذا توصلنا إلى آليات تحسم مادة الخصومات وترفع غائلة العداوات ودعت إلى تأجيل البدلين دواعي عوادي الحاجات ما كان ذلك فنداً من القول ولا فيولة في الرأي.  

 

ومما يدل على جواز تأجيل البدلين تخصيص الشارع وجوب التقابض بالنقدين أو الطعامين لما يؤدي إليه التأجيل فيهما من المنازعة الشديدة.  

 

وقد نبه ولي الله الدهلوي على مقصد الشارع في وجوب التقابض فيهما بقوله: وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين :

 

أحدهما: أن الطعامَ والنقدَ الحاجةُ إليهما أشد الحاجات وأكثرها وقوعاً، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من الملك، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فني، وذلك أقبح المناقشة ، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن قبض ، ولا يبقى بينهما شيء ، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى ، وحيث قال في اقتضاء الذهب من الوَرِق: “ما لم تتفرقا وبينكما شيء”.

 

والثاني: أنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب ، فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية ، فكان حقيقياً بأن يبذل قبل الشيء وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم ببذل أحدهما تحكُّماً، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ وربما يشح بتقديم البدل ، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما ، ويؤمرا جميعاً ألا يتفرقا إلا عن قبض ، وإنما خص الطعام والنقد ؛ لأنهما أصلا الأموال وأكثرها تعاوراً ، ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضى إلى المنازعة، والمنع فيهما أردع عن تدقيق المعاملة.

 

واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به ، وألا يعتاد تكسب ذلك الناس ، لا أن لا يفعل شيء منه أصلاً ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لبلال: ” بِعِ التمرَ ببيعٍ آخر، ثم اشترِ به”.( حجة الله البالغة 2/918)      

          

قلت: يفهم منه أن غير النقد والطعام الأمر فيه أهون والخطب فيه أيسر وهو كذلك فلو انضبطت معاملات تأجيل البدلين ولم تكن في طعام ولا نقدين لما كان القول بها إداً إذا لم تجد الأسواق عنها بُداً وبخاصة تلك المعاملات التي بها الأعراف قد استتبت والمبادلات قد اتلأبت. 

وقد وضعت رسالة السنية الدكتور ياسر أسس هذه المعاملات وأوضحت سبل المبادلات ونصبت صوى الأعلام للسالكين فدعوتنا لهلالنا المنير أن يكتمل بدراً وأن يرتفع بين العلماء قدراً  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 

والله تعالى ولي التوفيق والهادي بمنه إلى سواء الطريق. 

 

                            عبدالله بن بيــه

 

 

– مقدمة لترجمة كتاب : العقيدة الطحاوية ترجمه الشيخ حمزة يوسف

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى اله وصحبه وسلم

 

وبعد، فقد قام أخونا الفاضل الفقيه المشارك والداعية اللامع الشيخ حمزة يوسف بترجمة العقيدة الطحاوية إلى اللغة الانجليزية وحيث إن هذا العمل يعتبر عملاً نافعاً وبخاصة لغير الناطقين بالعربية فهذه العقيدة مما أجمعت عليه الأمة في الجملة وهي عقيدة بسيطة مبنية على نصوص الكتاب والسنة بعيدة عن الشبه والتعقيد وهي في ذلك تشبه عقيدة أبي محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي التي أتمنى أن تتاح الفرصة لأخينا الشيخ حمزة لترجمتها وليس ذلك عزيزاً على همته العالية.

 

وترجمة الشيخ حمزة يوثق بها لأن له قدماً راسخة في اللغة العربية والبلاغة وله باع في علم الكلام عند المتقدمين.  

 

أما في اللغة الأنكليزية فهو شكسبيري اللسان.

 

وهو قبل هذا وذاك صاحب تحرِّ وورع وصدق –إن شاء الله- يحمله على البحث والتنقيب لإدراك الغوامض والفصل بين الوصف اللازم والوصف العارض والعقيدة الطحاوية فيها دعوة إلى عدم تكفير الناس وعدم إنزال أحد في الجنة أو النار وتسليم ما اشتبه من الأمور إلى العليم الحكيم.

 

ولهذا تلقتها الأمة بالقبول وشرحت شروحاً عدة من مختلف المذاهب والمشارب.

وإني أوصى بحفظ هذه العقيدة مجردة بالنسبة لعوام المسلمين دون مغالاة في أمور لا يدرك كنهها ولا يحاط بها علماً. 

 

فإن العقيدة بلغت كل أحد صافية واضحة “ودخلت على العذراء في خدرها وما سُئلت عن كيف ؟

” على حد عبارة مالك رحمه الله تعالى. 

 

وعلى المؤمن إذا أراد التعمق في الدين أن يكون ذلك في اتجاهين أولاً: في اتجاه الإيمانيات المتعلقة بأحوال القلوب وتصفية النفوس ليرتقي إلى درجة الإحسان.

أما الاتجاه الثاني: فهو دراسة الفقه العملي ليتعلم كيف يعبد الله تعالى ويصحح معاملاته وعقوده.

 

ويعرض عن الجدل في قضايا كلامية بنيت على أسس فلسفية قديمة قد لا تخدم المقولات الإيمانية الحالية ولا الإشكالات الفكرية المادية المعروضة على الساحة الثقافية.

 

وأسأل الله تعالى لنا وللشيخ حمزة مزيداً من التوفيق والتسديد. 

                        

                                               وكتب 

                                        عبد الله بن بيـّــه

 

 

مقدمة كتاب الدكتور حامد الرفاعي:

 

وبعد، فقد أطلعت على كتاب معالي الأخ الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي  

 رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار 

وهذا الكتاب هو آخر حلقة من سلسلة من كتابات رجل بذل جهداً كبيراً في إيصال صورة مشرقة عن الإسلام والمسلمين إلى الآخر الذي أراد أن يعرفه على الإسلام ويتعارف معه من خلال الدعوة إليه.

وفي سبيل هذا الهدف استجمع الطاقات الفكرية وجمع عدداً غير قليل من النصوص الشرعية ومن أحداث السيرة النبوية وقدم الحجج المنطقية وذلك في حوارات في أمريكا وأوربا والبلاد العربية مع المفكرين والسياسيين ورجال الدين وشاركت إلى جانبه في بعض هذه المؤتمرات.

 فالكتاب هو نتيجة من نتائج هذه التجارب الميدانية الثرية وإني أتفق مع معاليه في أكثر ما ذهب إليه من تفسير أو تأويل ودعوة إلى السلام والتعايش القائم على أساس العدل والمساواة والأخوة الإنسانية وأن الأصل في العلاقة في الإسلام بين المسلمين وغيرهم أن تكون مبنية على المسالمة والسلام وأن لغة الحرب هي اللغة الطارئة في العلاقات الدولية وليس القتال رديفاً للجهاد في الإسلام فالجهاد مفهوم واسع وقد عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال.

وبالجملة فإن كتاب معاليه دعوة بأسلوب معاصر راق على حد ” خاطبوا الناس بما يفهمون” كما جاء في الأثر وهو فكر مستنير ورأي سديد معتدل. 

     

وأخيراً فإني أسأل الله لنا وله التوفيق ومزيداً من النجاح والتسديد.

                                                   وكتب 

                                             عبدالله بن بيـّـه

 

 

تعليق على كتاب : إشكاليَّة الردّة والمرتدين للعلامة طه العلواني

 

بِسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه.

لقد طالعتُ باهتمام تأليف العلامة الفاضل الشيخ الدكتور طه جابر العلواني

بعنوان: “لا إكراه في الدين إشكاليَّة الردّة والمرتدين من صدر الإسلام إلى يومنا هذا” .

 

وقد راجعتُ هذا التأليف لثلاثةِ أسباب: 

أولاً: أنَّ فضيلةَ الدكتورِ طلبَ مني مراجعتَه لإبداءِ الرأيِ وأنه يعزُّ عليَّ أن أُعرضَ عن طلبه لما أشعر به نحوه من الود ولما ألمسه من الإخلاص.

ثانياً: أن الدكتورَ طه ليسَ علمانياً يبحث عن هدم الدين بمعاول التشكيك والتفكيك، بل هو رجلٌ مدافعٌ عن هذا الدين قولاً وعملاً منذ نعومة أظفاره، وقد ابتُليَ في هذه السبيل   ضاعف الله أجره  وما صدَّه ذلكَ عنِ الدعوةِ وإقامةِ الحجَّة.

ثالثاً: أنَّ الشيخَ طهَ ليس من نوعية المفكرين أو المثقفين الذين يعالجون قضايا الإسلام والشريعة من خلال منظوماتٍ فكريةٍ خارجةٍ عن المناهج المعتمدة عند علماء المسلمين، بل هو عالمٌ أصوليٌّ ضليعٌ يتعاملُ مع موضوعاتِه بواسطةِ الأدواتِ المتعارفةِ تعضيداً وتفنيداً وجرحاً وتعديلاً وتفريعاً وتأصيلاً. 

والشيخُ عالمٌ من علماءِ الشريعةِ، وكونُه عالماً من علماء الشريعة يقتضي حقَّ الحرمة ولا يقضى باستحقاق العصمة.

لهذه الأسباب أردتُ أنْ أكتبَ هذا التعليق، مع الاعتذار بأني لم أعطِ هذا الموضوع ما يستحق ؛ لكثرة الشواغل والصوارف التي لم تسمح لي بإنعام النظر والإمعان في البحث حتى يكون على مستوى ما يتوقع في قضيةٍ لها أهميةٌ . قضيَّةُ الردَّة والخروجِ عنِ الدِّين .

وسبق لي أنْ أعرضتُ عن عروضِ بعضِ وسائلِ الإعلامِ للنزولِ في حلبةِ الجدلِ الدائرِ في جملة من القضايا، ومنها هذه القضية ؛ لا نكوصاً عن إظهارِ ما اعتقدُه صحيحاً فيها، ولكنْ لأنَّ هذا الجدلَ تَعُوزه السكينةُ، ويُعْوزه الإنصاف، ويدخلُ أحياناً في دائرة الاتهام والصخب والإسفاف.

 وبالله سبحانه وتعالى استعين  

فأقول ما يلي: 

إنَّ هذا التأليفَ الذي قدَّم هذا الموضوع من جميع جوانبه وزواياه التاريخية والحالية ومئالاته المستقبلية، وتوقَّف طويلاً مع الدليل وما يعتريه من أوجه العلل والقوادح وأقوال الفقهاء، ولهذا فقد أثار جملةً غيرَ يسيرةٍ من القضايا، وإنْ كانتِ الغايةُ التي يرمِي إليها والهدفُ الذي يتوخَّاه وهو حكم المرتد في شريعة الإسلام إلاَّ أنَّه مهَّد له بما يشبهُ تحقيقَ المناط.

وإني أتفقُ مع الكثير مما أوردَه في تلك المقدماتِ الممهداتِ، وبخاصةً في سوء استغلال الشرعِ العزيزِ في مسألة التكفير ودعوى الارتداد . وقد كنت شخصياً معنيّاً بهذا الموضوع منذُ سنواتٍ ؛ حيثُ نُشرَ لِي بحثٌ في مجلة “البحوث الفقهية المعاصرة” في نفس الموضوع، ونشرتُ أخيراً عدة مقالات في جريدة “الشرق الأوسط” ؛ تركَّزت حول خطورة ظاهرة تكفير الناس ومنافاتها للدليل ؛ وأنها في مئالاتها تؤدى إلى الفتنة والضياع، ممَّا حملَ بعضَ المعلقين على القول بأني لا أوجبُ قتلَ المرتدِّ غيرَ أني لا أجسر على قول ذلك ! وقد لا يكون الأمرُ كذلكَ ولهذا فالهمُّ مشترك.

كما أني أوافقه على سوء استغلال الطرف المقابل لفتاوى التكفير ؛ حيثُ يصبحُ ضحاياها أبطالاً في بيئةٍ عالميةٍ، انعدمتْ فيها الخصوصيةُ وغابَ فيها التسامحُ الثقافيُّ، وبخاصةً مِن قبَل أولئكَ الذينَ يدَّعون أنهم دعاةُ التسامحِ والتعايشِ.

كلُّ تلك المعاني التي أشارَ إليها فضيلتُه لا أختلف معه في دلالاتها ولا في المئالات التي تفضي إليها الفتاوى والتصرفات، والتي ينبغي أن تؤثِّر على الفتوى الفقهية في الزمان والمكان.

 

قدْ يكونُ من المناسب ونحن في المقدمات أن نشيرََ إلى ثلاث نقاط: 

أوُّلها: ما يتعلق بمصطلح “الحد”، فقدْ لا أتِّفق مع ما ذُكر من أنه عدولٌ عن المصطلح القرآني، بل هو قصرٌ للمصطلحِ القرآني على بعضِ أفرادِه ؛ وذلك مبرَّر لسببين: السببُ اللغويُّ، وقد أشار إليه فضيلته، فإنَّ الحدَّ هو الفاصلُ بينَ شيئينِ الحاجزُ بينهما، وضرورة التعريف والتفريق بين العقوبات المحدودة بالنص وبين العقوبات المتروكة للاجتهاد تبرِّر هذا المصطلح.

السبب الثاني استعمالُ كلمةِ “الحد” في الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، كقوله عليه الصلاة والسلام لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله». وعليه فإني أرى أنَّ الفقهاء ما عدلوا عن المصطلح القرآني بل تصرَّفوا فيه بما تقتضيه ضرورات “التقنين الفقهي”. 

النقطة الثانية: ما يتعلق بالتراث اليهودي، وإني أتفق مع فضيلته في أنَّ هذا التراث حاول التسرب إلى الشريعة، ولكن علماء المسلمين انتبهوا لذلك منذ وقت ليس بالقصير ؛ فقد قرَّر أهلُ الحديث: أنَّ الصحابيَّ أو التابعي الذي ينظر في كتب أهل الكتاب لا يُعتبر كلامُه من نفسه في أمور الغيب مرفوعاً إلى النبي  وقالوا: إذا عُرف الصحابيُّ بالنظر في الاسرائيليات، كعبد الله بن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، وكعبدالله بن عمرو بن العاص ؛ فإنه حصَّل في اليرموك كثيراً من كتب أهل الكتاب ؛ فكان أصحابه يقولون له حدثنا عن النبي ولا تحدثنا من الصحيفة. قال السخاوي في فتح المغيث بعدما ذكر ذلك: فمثل هذا لا يكون حكمُ ما يخبرُ به من الأمور الغيبية الرفعُ لقوَّة الاحتمال.

أما أهلُ الأصول فاشترطوا في مسألةِ كونِ شرعِ مَن قبلنا شرعاً لنا   على القول به  أن يكون ثبت بشرعنا، وإلا فلا يعتد به، وهو أمر مؤيد بقوله تعالى ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب﴾ . ومع ذلك فقد بقيتْ أخبارُ هؤلاء في كتب التفسير مأخوذةً من كتبهم أو مرويَّة من أحبارهم.

وأحسبُ أنَّ تأثيرها في فروع الشريعة كان ضئيلاً وإن كانت قد أثَّرت إلى حدٍّ ما في الثقافةِ وفي المقولات الكلامية.

النقطة الثالثة: وهي مسألةُ هيمنة القرآن على السنة . وهي مسألة تحتاج إلى توضيح: فالقرآن والسنة من مشكاة واحدة هي مشكاة النبوة ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾، وهذا الإشكال لم يُطرح في الصدر الأول إلا من زاوية الثبوت، فالقرآنُ متواترٌ محفوظٌ، والسنَّة قد تردُ آحاداً، وبالتالي تضعفُ الثقةُ في نسبتها إليه عليه الصلاة والسلام، ومن هنا جاءَ قولُ عمرَ رضي الله عنه في قضيةِ فاطمةَ بنتِ قيس: ”لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت“، وقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها في رد حديث ابن عمر «إن الميت ليعذب ببكاء أهل عليه» إنه عليه الصلاة والسلام لم يقلْ هكذا محتجَّة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ .

ومن هنا اختلفتْ أنظارُ العلماءِ في التعامل مع خبر الآحاد إذا خالفَ القواعدَ أوِ القياسَ أو عملَ أهل المدينة إلى آخر ما يعلمه فضيلتكم في المباحث الأصولية. وعندما دوَّن الشافعي أصولَ الفقه ووضعَ اللبناتِ الأولى لقواعد الاستنباط وترتيبِ الأدلة ؛ جعلَ القرآنَ والسنَّةَ في مرتبةٍ واحدةٍ ؛ مستدلاً بالآيات التي جعلتْ طاعةَ رسولِ اللهِ  طاعةً للهِ، إلا أنَّه أشارَ إلى أن السنة مبيِّنةٌ للقرآن، وما إخالُ البيانَ يختلفُ كثيراً عن الإنشاء في فهم الأوائل كما سنذكره.

وقد تعاملَ العلماءُ مع نصوصِ السنَّة تعاملَهم مع القرآن إذا ثبتتْ ثبوتاً لا يرتقي إليه شكٌّ بالتواترِ أوِ الاستفاضةِ مع وضوح الدلالة، وبخاصةً السنة العملية في الصلاة والصوم والحج، إلا في حالاتٍ ليستْ بالكثيرةِ كموقفِ أحمدَ من عدمِ إمكانِ نسخِ السنَّة للقرآن، ونحوها من القضايا المبثوثة في كتب الفقه والأصول.

وإن كانت قد حصلتْ مواقفُ من بعض الطوائف الإسلامية في موضوعِ السُّنة إلاَّ أنَّ هذا هوَ المنهجُ العام والطريق اللاحب.

هذا من باب الإشارة إلى موضوعٍ لا أشكُّ أنكم أدرَى به. 

 

وفي رأيي أنَّ نصوصَ القرآنِ والسُّنة تتضامنُ وتتكاملُ، وأنَّ كلياتِ القرآنِ هي نفسُها الكلياتُ التي أكدَّتْ عليها السُّنة وزادتها بياناً، ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ فكلُّ ذلك مِن عندِ الله إلاَّ أنَّ بعضَ الكلياتِ يعتريهِ التخصيصُ، وأحياناً تظهر فروعٌ تتجاذبها كلياتُ فتترجَّح بينها وبعض الكليات الأخرى لا يعتريه تخصيصٌ . وقد أشار الشاطبي إلى ذلك في العام حيث يقول: :”المسألة السابعة”: العمومات إذا اتَّحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكرَّرت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص؛ فهي مُجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل. 

والدليل على ذلك الاستقراءُ؛ فإنَّ الشريعةَ قرَّرتْ أنْ لا حرجَ علينا في الدين في مواضعَ كثيرة، ولم تستثنِ منهُ موضعاً ولا حالاً، فعدَّه علماءُ الملَّة أصلاً مطِّرداً وعموماً مرجوعاً إليه ؛ من غير استثناء، ولا طلبِ مخصِّص، ولا احتشام من إلزام الحكم به، ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام. 

وأيضا قرَّرتْ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فأعملتِ العلماءُ المعنَى في مجارى عمومه، وردّوا ما خالفه من أفراد الأدلة بالتأويل وغيره؛ وبينتْ بالتكرارِ أنْ «لا ضرر ولا ضرار»؛ فأبَي أهلُ العلمِ عَن تخصيصِه، وحملوه على عمومه، وأنَّ «من سَنّ سُنَّة حسنة أو سيئة كان له ممَّن اقتدى به حظٌّ ؛ إن حسناً وإن سيئاً». وأن «من مات مسلماً دخل الجنة ومن مات كافراً دخل النار». 

وعلى الجملة؛ فكلُّ أصلٍ تكرَّر تقريرُه وتأكَّد أمرُه وفُهمَ ذلكَ مِن مجارِى الكلامِ فهوَ مأخوذٌ على حسَب عمومِه . وأكثرُ الأصولِ تكراراً الأصولُ المكِّية؛ كالأمرِ بالعدلِ والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك. 

فأما إن لم يكن العمومُ مكرَّراً ومؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه؛ فالتمسكُ بمجرَّده فيه نظرٌ ؛ فلا بد من البحث عما يعارضُه أوْ يخصِّصه، وإنما حصلتْ التفرقةُ بينَ الصنفين؛ لأنَّ ما حصلَ فيه التكرارُ والتأكيدُ والانتشارُ صارَ ظاهرُه باحتفافِ القرائنِ بِه إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه، بخلاف ما لم يكن كذلك فإنه معرَّضٌ لاحتمالات؛ فيجب التوقفُ في القطع بمقتضاه حتَّى يُعرض على غيره ويُبحث عن وجود معارضٍ فيه. 

 

وعلى هذا يُبنى القولُ في العمل بالعموم، وهل يصحُّ مِن غيرِ المخصص أم لا ؟ 

فإنه إذا عُرض على هذا التقسيم؛ أفاد أنَّ القسمَ الأول غيرُ محتاجٍ فيه إلى بحث ؛ إذْ لا يصحُّ تخصيصُه إلاَّ حيثُ تخصّص القواعدُ بعضُها بعضاً. 

ولهذا فإنَّ “الظرفية” التي تتطرَّق إلى جملةٍ من الأحاديثِ والتصرفاتِ النبويَّة، والتي عبَّر عنها العلماءُ كالقرافي بتعبيراتٍ مختلفةٍ: تارةً لكونِه تصرُّفٌ بالولايةِ العامةِ للمسلمين أو بالقضاء، و تارةً باعتبارِ المسألة من قضايا الأعيان إبقاءً للكلي على كليِّته، كما يشير إليه كثيرٌ من أصوليي المالكية، ومنهم الشاطبي حيث يقول: “فإذا ثبت بالاستقراء قاعدةٌ كليةٌ، ثمَّ أتَى النصُّ على جزئيٍّ يخالف القاعدةَ بوجهٍ من وجوه المخالفة ؛ فلا بدَّ من الجمعِ في النظرِ بينهما ؛ لأنَّ الشارعَ لم ينصَّ على ذلك الجزئي إلا مع الحفاظ على تلك القواعد ؛ إذْ كلِّيَّةُ هذا معلومةٌ ضرورةً بعد الإحاطة بمقاصدِ الشريعة؛ فلا يمكنُ والحالةُ هذه أنْ تُخرمَ القواعدُ بإلغاء ما اعتبره الشارعُ، وإذا ثبتَ هذا؛ لم يمكنْ أنْ يعتبرَ الكليُّ ويُلغَى الجزئي”( ).

والقاعدةُ المقرَّرةُ في موضعها أنه إذا تعارضَ أمرٌ كُليٌّ وأمرُ جُزئيٌّ؛ فالكُليُّ مقدَّم ؛ لأنَّ الجُزئيُّ يقتضي مصلحةً جزئيةً، والكليُّ يقتضِي مصلحةً كليَّة، ولا ينخرمُ نظامٌ في العالَم بانخرامِ المصلحةِ الجزئيَّة، بخلاف ما إذا قُدّم اعتبارُ المصلحةِ الجزئية؛ فإنَّ المصلحةَ الكليَّةَ ينخرمُ نظامُ كلِّيتها ؛ فمسألتنا كذلك؛ إذْ قد عُلم أنَّ العزيمة بالنسبة إلى كل مكلَّفٍ أمرٌ كليٌّ ثابتٌ عليه، والرخصةُ إنما مشروعيتها أنْ تكون جزئية وحيث يتحقَّق الموجَب، وما فرضنا الكلامَ فيه لا يتحقَّقُ في كلِّ صورةٍ تُفرضُ إلاَّ والمعارضُ الكُليُّ ينازعُه؛ فلا يُنجي من طلب الخروج عن العُهدة إلا الرجوعُ إلى الكُليّ وهو العزيمة( ).

ولكنهم قد يعارضون العمومَ بقاعدةِ السَّبب، وهي التي تقول: إنَّ خصوص السبب يمنع عمومَ الحكم، عكسَ الشائعِ: مِن أنَّ خصوصَ السببِ لا يمنعُ عمومَ الحكم. قال المازري في شرحه للبرهان: وشذَّ بعضُ أصحابنا وهو أبو الفرج، فقال: بقصْره على سببه، وردِّه عن دلالته على العموم، وقال به أيضاً من أصحاب الشافعي المزنيُّ والدقاقُ والقفالُ، وبه قال أبو ثورٍ، وحكاه أبو حامد الإسفراييني عن مالك، وأشار ابن خويز منداد إلى اختلاف قول مالك في هذا ؛ استقراءً مِن اختلافِ قولِه في غسل الآنيةِ التي ولغَ فيها كلبٌ وفيها طعامٌ فقال مرة: أن يغسلَ في الماءِ وحدَه قصراً منه لعموم اللفظ وهو قوله عليه السلام :”إذا ولغَ الكلبُ في إناء أحدكم”.

ولهذا فإن ظرفيةَ السُّنة وإطلاقَ القرآن وهيمنتَه يمكنُ أنْ تعوَّض بهيمنةِ الكلياتِ الحاكمةِ في الشريعة، المستفادةِ من التكرارِ والتأكيدِ المعروفِ مِن القرآنِ ومِن السنةِ، على ضوء النصوص التي أشرنا إليها.

وأخيراً فإنَّ موضوعَ هيمنةِ القرآنِ على السنة موضوعٌ يحتاجُ إلى شرحٍ أطولَ وبيانٍ أوسعَ وتطبيقٍ أوضحَ، وهو موضوعٌ لمْ نصلْ فيهِ بعدُ إلى تصوُّرٍ كاملٍ شاملٍ لا يحدثُ قطيعةً مع المناهجِ المسددَّة مِن قبَلِ الأمَّةِ، ولا يحدثُ انفراطاً لعقدِ المنظومةِ الأصوليَّة.

 

أما بالنسبة للموضوع: عقوبة الردة فقد ركزتِ الدراسةُ على أربعِ نقاطٍ :

أولاً: أن القرآن الكريم أكَّد على قيمةِ الحريةِ، ولم يذكر عقوبة دنيوية.

ثانياً: أنه عليه الصلاة والسلام لم يطبقْ حدَّ الردة. 

ثالثاً: مناقشةُ حديث «من بدل دينه فاقتلوه». 

رابعاً: مذاهب الفقهاء.

ولعلي هنا أمرُّ بسرعة على هذه النقاط مكتفياً بالإشارة إلى وجهة نظري وفاقاً أو اختلافاً.

 

فبالنسبة للنقطة الأولى: أتفقُ مع ما ذكر فضيلته من أن القرآن أكَّد على قيمة الحرية ولم يذكرْ عقوبةً دنيويةً إلاَّ أنَّني أودُّ أنْ أشيرَ إلى أمرينِ: أوَّلهما: أنَّ النفيَ للإكراهِ وردَ في صيغةِ عمومٍ، هي النكرةُ المنفيَّةُ مركَّبةٌ مع “لا”، وهذه من صيغ العمومِ المتَّفقِ عليها بينَ الجمهورِ، بما فيهم القرافيُّ الذي خالفَ في اعتبارِ النكرةِ المنفيةِ دالةً على العمومِ إلاَّ في سياقاتٍ، هذا منها، وهو معروفٌ لا نطيلُ به لكنَّ العموم لا بدَّ أنْ يدلَّ على فردٍ مِن أفرادِه فهوَ قطعيٌّ فِيه. وهنا دلَّ على أنهُ لا يجوزُ إكراهُ شخصٍ على اعتناقِ الدين والانتقال من دين إلى دين.

ولهذا اعتبر المفسرون أن الإكراه على البقاء ليس كالإكراه على الابتداء وقد عبر عن ذلك ابن عاشور في التحرير والتنوير.

ثانياً: لو أعملنا هذا المنطقَ في عدمِ الإكراهِ على البقاءِ في الدين لكانتْ فروضُ الدين الأخرى معرَّضةً للتحلُّل منها دونَ زاجِر، كالصلاة والصوم والزكاة . وكذلكَ ارتكابُ المحرَّمات التي ليسََ فيها سِوى حقُّ الله كالخمر…. ولخرجتْ حقوقُ اللهِ من دائرةِ الزواجرِ، وأصبحَ المسلمُ وغيرُه في نفس الوضع . (معلوم أن غير المسلم لا يعاقب فيما يختصُّ بحقِّ الله تعالى عند الأحناف طرداً لقاعدة عدم الإكراه فمن لم يُكره في الأصل لا يكره في الفرع). 

ثالثاً: إنَّ ذكرَ عقوبةِ الآخرةِ فقط في النصوص القرآنية ليسَ دليلاً قاطعاً على عدمها، وإنما هو من باب إشارةِ النص. كما يقول الطوفي في مسألة القتل عمداً. وإشارة النص لا عمل عليها مع وجود النص وهو الحديث وبالتالي لا يفترض وجود التعارض.

رابعاً: إن الوفاء بالعهدِ والعقدِ أمرٌ مطلوبٌ ومقصدٌ من مقاصد الشريعة، وعهدُه تعالى أحقُّ بالوفاء، والدولة في الإسلام مسئولةٌ عن المحافظة على الدين الذي يقع على رأس قائمة الضرورات في سلم المقاصد.

أما كونُه عليه الصلاة والسلام لم يطبِّقْ حدَّ الردة ؛ فهذا صحيح ؛ ولكن تطرُّق الاحتمالِ قد يمنعُ من صحة الاستدلال مع ورود حديثٍ أخرجه الدارقطني والبيهقيُّ في شأن أم مروان ارتدَّتْ فأقامََ عليها عليه الصلاة والسلام الحدَّ ولكنهُ ضعيف. وكذلك حديث عائشةَ أنَّ امرأة ارتدتْ يوم أحد … إلى آخره. وهي أحاديث ضعيفة. 

وأنا أتفقُ مع فضيلته في أنه كان يعرف المنافقين، وقد عيَّنهم القرآنُ أحيانا كقوله تعالى: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة﴾… ولا يوجدُ أدْنى شكٍّ لدى المسلمين في أنَّ ابن أبيٍّ كان المراد بذلك كما أبهمهم أحياناً أخرىٰ. 

ولكن هل كان حدُّ الردة قد فُرض؟ هل تصرُّفه عليه الصلاة والسلام بالولاية في عدم إقامته نظرٌ في المئالات؟ وهل كان ذلك من قضايا الأعيان؟ أمْ أنَّ توبتهم الظاهرة كانتْ سبباً في عدم إقامته؟

إلاَّ أنْ تطبيقَ الصحابةِ له دونَ نكيرٍ كما في الأثر أنَّ الصِّديق عليه رضوان الله أقامَ الحدَّ على أم قرفة والصحابةُ متوافرونَ ولم يُنكروا عليه. أخرجه الدارَ قطني والبيهقي مما جَعل الأمرَ من السنن العملية، واستمرارُ الأمَّة على ذلك جعلَه من القضايا التي لا تكاد تُسمع للاختلاف فيها ركزاً. 

 

ولهذا فإنَّ أكثر العلماء لم يذكروا الخلاف في موضوع الردة إلا في حالتين هما: 

أولاً: هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟ وحمَلوا ما ورد عن عمر رضي الله عنه دالاً على الاستتابة، وليسَ مناهضاً لأصل حدِّ الردة.

ثانياً: مسألةُ تطبيق حدِّ الردة على المرأة، ومن المعروف أنَّ الجمهورَ يقولون بتطبيقه على المرأة . وخالفهم أبو حنيفة وابن شبرمة والثوري وعطاء والحسن ؛ فقالوا: لا تقتل المرأة المرتدة ؛ واحتجوا بنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء في الجهاد.

ولم يذكروا خلافاً آخرَ سوى ما أشار إليه فضيلتُه من ذكر بعضهم لرأي إبراهيم النخعي الذي قال: “يستتاب المرتدُّ أبداً” كما في نيل الأوطار للشوكاني وغيره. 

أما ما ذُكر عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فالرواياتُ عنه مضطربةٌ: فتارةً تدل على الاستتابة، وتارةً تدلُّ على الحبس والسجن فلا تقوم بها حجة.

وفي رأيي أنَّ موقفه يرجع إلى حرصه على عدم تنفيذ حدِّ القتل. فقد ذكر ابن فرحون في تبصرته أنه كان يأمرُ ولاتَه بمراجعتِه قبل تنفيذ أحكام القتل.

النقطة الثالثة: حديث «من بدل دينه فاقتلوه» إنَّ الدراسةَ ذكرت طرقَ الحديث وكثيراً من شواهده ومتابعاته بقدرٍ غيرِ يسيرٍ من المناقشة الحديثية، إلا أنَّ بعضَ الشواهدِ لمْ تحظَ بقدرٍ كافٍ من النقد، وهي: 

حديثُ بريدةَ في قصة معاذ وأبي موسى وفيه قول معاذ: قضاءُ الله ورسولِه .. إلى آخر الحديث. متفق عليه. وفي رواية لأحمد: ”قضى الله ورسوله أنَّ من رجعَ عن دينه فاقتلوه“. 

وحديثُ عثمان وفيه: وارتدَّ بعد إسلامه فعليه القتل. أخرجه النسائي وصححه الألباني وغيره. 

وحديث آخر لعثمان وفيه: كفرٌ بعد إيمان. أشارت إليه الدراسة ص116 

هذه الأحاديث لم تحظَ بما تستحقُّ من النقد، وهي بالإضافة إلى ما ذكر فضيلتُه من الآثار عن الصحابة والتابعين دليلٌ قويٌّ على استفاضة الحديث إن لم نقُلْ تواتَره ؛ بحيثُ يصبح تأثيرُ العلل المشار إليها ضعيفٌ.

أما حديثُ ابن مسعود وفيه: «التاركُ لدينه المفارق للجماعة».. فهو قد يشهدُ لما ذهبَ إليه فضيلتُه منْ أنْ الجُرمَ سياسيٌّ يتعلقُ بنظام الدولة، وليسَ بسببِ تبديلِ الدين، وتُحملُ أحاديثُ الإطلاقِ عليهِ حملاً للمطلقِ على المقيَّد، ولكنه سبيلٌ لم يعرِّجْ عليهِ أحدٌ من فقهاء الأمة. 

النقطة الرابعة: مذاهبُ الفقهاء وقد سردها فضيلتُه بدقةٍ واختصارٍ، وأريد هنا أنْ أؤكدَ ما أشارَ إليه فضيلتُه من أنَّ المذهبَ الحنفيَّ تعرَّض لقضية الرِّدَّة في كتاب السِّيَر، وليسَ في كتابِ الحدود. 

 

ويمكنُ أن نستنتج عدةَ نتائجَ من موقف الأحناف ومن يوافقهم في التفرقة بين الرجل والمرأة: 

أولاً: أن الأحناف قد يكونون متأثرين بمذهب إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى في عدم وجوب حدِّ القتل على المرتد ؛ لأنه لو وجب ما كان للتفرقة بين الرجل والمرأة وجهٌ.

ثانياً: أنَّ من يقولون بالتفرقة بين الرجل والمرأة ضاقتْ بهم سبلُ التعليل حتَّى صرَّح بعضُهم بأنَّ القتل ليس للردة ؛ وقد صرَّح فخر الإسلام البزدوي بذلك كما ذكره ابن قاضى سماوة في جامع الفصولين حيث يقول: ارتدادُ الصبيِّ العاقلِ يصحُّ عند حم رحمهما الله إلا أنه لا يقتل إذ القتل يجب بالحرب لا بعين الردة ولم يوجد فأشبه ردة المرأة( ).                                       

ولعلَّ هذا يؤيِّد ما ذهبَ إليه فضيلةُ الدكتور طه إلا أنَّ هذا التعليل يرجعُ إلى اعتبار الرجل الكافر محارباً بالقوة ولو لم يكن محارباً بالفعل . وفيه صعوبة وإشكال لا يخفى. 

ويمكن اعتبارُ الإجماع منعقداً منذ أواخر القرن الثاني الهجري على حكمِ قتلِ الرجل المرتدِّ، وهو إجماعٌ يَعتمدُ على السنة القولية وعلى عمل الصحابة وأقوالهم وأقوال التابعين. 

 

وقد اختلف العلماءُ في انعقاد الإجماع بعد الاختلاف كما هو معروف في أصول الفقه.

والذي يظهر لي:

1- أنَّ حكم قتل المرتد ثابتٌ بالسنة القولية، وأنَّ ذلك لا يعارضُ النصوصَ القطعيَّة للقرآن، بلْ يخصِّص عموماتِه، وبخاصة أنَّ السُّنة صحبها عملُ الأمَّة وإجماعُها النطقيُّ والعمليُّ، وذلك طيلةُ أربعة عشر قرناً إلاَّ تلك الأقوالُ القليلةُ أشارتْ إليها الدراسة.

2- إنَّ تصنيفَ هذِه العقوبةِ في خانة التعزيرات التي تراعَى فيها المئالاتُ والظروفُ والمتغيراتُ يُقبل أنْ يكون محلَّ اجتهاد لِمَا أشارت إليه الدراسةُ من الاختلاف، وبخاصة أنَّ تعليلَ الأحناف بالحرب لا بالردَّة أمرٌ يشيرُ إلى تأثُّرهم بمذهبِ إبراهيمََ النخعيِّ رضي الله عنه.

3- إنَّ مسألةَ العقوباتِ الشرعيةِ ليستْ من قضايا فقهِ الأقلياتِ، فكلُّ الأحكام السلطانيةِ لا يطالبونَ بها، وقد رجحنا في ذلك مذهب أبي حنيفة. 

4- وفي ظلِّ العولمة فإنَّ البلدانَ الإسلاميةَ وفقهاءَ الشريعةِ مدعوُّون إلى مراجعةِ فتاواهم ومواقفهم من كثيرٍ من القضايا على ضوء التداعياتِ العالميةِ المعقَّدة. وقد ثبت عن خلفاء رسول الله  تعليقُ بعض الحدود لمقتضياتِ المصالحِ والضرورات. 

5- فيما يتعلق بمنهجية هيمنة القرآن على السنة فإن هذا يشير إلى افتراض تعارض، والمفروض أنْ تكونَ نقطةُ البداية: أنه لا يوجدُ تعارضٌ بين القرآن والسنة، فكما يقول الشافعي: إنه لا تخالف له سنةٌ أبداً كتاب الله، وإنَّ سنَّته وإن لم يكن فيها نصُّ كتابٍ لازمة( ).

وقد شرح الشافعي شرحاً طويلاً قضية السنة وبيانها للقرآن تارة واستقلالها تارة( ). وأثبتَ أنَّ القرآنََ هو الحكَم عندَ اختلافِ السُّنة قائلاً: قلتُ: أنْ يكونَ أحدُ الحديثين أشبهَ بكتاب الله فإذا أشبهَ كتابَ اللهِ كانتْ فيه الحجة( ).    

وقد أشرتُ إلى الهيمنة التي مردُّها إلى الثبوت أو إلى الظروفِ ولها جذورُها في أصولِ الفقهِ . وإني أخشى أن تكونَ الدعوةُ إلى هيمنة القرآن سبيلاً لانفراط سِلك الشريعة، وطريقاً لمن لا يحسن التعاملَ مع الأدلةِ، ولم يرتضْ على الجزئياتِ والكلياتِ ومقاصدِ الشريعة ؛ أنْ يدَّعِى فهماً من القرآن لا يناسب المقام، ولا تساعده القواعدُ اللغويةُ أوِ الأصولُ الكليةُ، أو يحكِّم مصالحَ ملغاةً.

ولهذا فإني حريصٌ على الاستناد على القواعد التي ضبطها العلماءُ، مع توسيعِ أوعيةِ الاستنباطِ ومولِّداتِ الأحكامِ وبخاصةٍ في القضايا المستجدة.

6- إنَّ أزمةَ الأمة في معظمها أزمةُ عجز في استيعاب الفكر الإنساني؛ من فلسفةٍ وتاريخٍ بشريٍّ وسننٍ كونيةٍ ؛ للانخراطٍ في الحضارة من جديد، وإزالةِ عُقد الفسادِ والاستبدادِ، ولا يُنكَر أنَّ ضحالةَ التفقُّهِ تشكِّلُ وجهاً من أوجه الأزمةِ التي تعرفونها جيداً.

7- إني أخشى أن تخضع مقولاتنا لعواملَ الضغطِ الحضاريِّ ؛ لنرميَ ريشَنا كلما هبَّت ريحٌ زعزعَ من الغرب أو من الشرق، ونغيرَ ثوابتنا.

وأخيراً: فإني أرجو من فضيلة الأخ العزيز أنْ لا يرى فيما كتبتُ إلا إخلاصاً لما اعتقده، ومحضاً للنصح، ووفاءً للأخوَّة، مع اعترافي بجوِّ الاستعجال الذي كتبتُ فيه الخواطرَ لتسجيلِ أفكارٍ للتذاكرِ معكم. 

 

والله يحفظكم ويرعاكم ويسدِّد خطانا وخطاكم.

                 وكتب              

 عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيــّه

 

 

مقدمة لبحث: ” إناطة الأحكام الشرعية بمقاصدها” ومؤلفه الدكتور جاسر عودة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

قد اطلعت على البحث الجسور للأخ الفاضل الأصولي البارع الدكتور جاسر عودة حول: ” إناطة الأحكام الشرعية بمقاصدها” 

إن هذا البحث توجه إلى موضوع دقيق له خطره وأثره في عملية استنباط الأحكام لعلاقته بتوسيع أوعية الاجتهاد الفقهي وتجديدها إذا لم نقل إنه يطمح إلى إيجاد أوعية جديدة غير تلك التي فصلها الأصوليون على مقاس ما فهموه من النصوص الجزئية والقواعد الكلية وتواضعوا على ألقابها ومصطلحاتها وحددوا مضامينها وضبطوا وسائل وسبل تطبيقها.

لقد كان التطور الهائل للدراسات الأصولية وبخاصة في القرن الخامس الهجري نتيجة تنوع المذاهب الفقهية والمشارب الفلسفية في التعاطي مع عملية الاستنباط من الأصلين المنشئين للأحكام وهما الكتاب والسنة وقد برز هذا التنوع والاختلاف واضحاً مع أبي المعالي إمام الحرمين الجويني حيث ظهرت صياغة ما يمكن أن نسميه فلسفة التشريع مع ظهور المقاصد كأداة من الأدوات الأصولية وضابطة لمعتبر المصالح بعدما فرض المصالح المرسلة لتستوعب ما عجز عنه القياس. 

لقد كان بحث فضيلته معالجة مفيدة أصلت بتعريف موجز للمقاصد وبنماذج من عمل الصحابة بالمقاصد وتعاملهم معها وبخاصة في الفقه العمري الثري وضرب أمثلة منها مسألة منع المؤلفة قلوبهم باعتبار المقصد الشرعي من إعطائهم هو إعزاز الإسلام وليس ترغيبهم في الإسلام. وقد نبه القرافي في الذخيرة إلى مقصد الإعزاز في الجهاد. 

وكذلك مقصد العدالة في توزيع الثروة في الخراج ومقصد عالمية الشريعة في مسألة التوسيع أوعية الأموال الزكوية: إلى غير ذلك من الأمثلة التي تدل على ما وراءها. 

ومهما يكن من مجال لمناقشة هذه الأمثلة لوضعها في خانة من خانات الأدلة الأصولية التي هي في حقيقتها تعتبر قوالب تفرغ فيها المقاصد كالاستحسان والمصالح المرسلة فإنها أمثلة تبيين بوضوح اعتبار الصحابة للمقاصد ، فالصحابة كما يقول الباقلاني: لا يقيمون مراسم الجمع والتفريق ويقتصرون على المرامز الدالة على المقاصد. 

وقد انتبه فضيلته لمعضلة العلاقة بين المقصد وبين العلة والحكمة لما بين هذه الألقاب من التداخل في حقول التعليل والتأصيل وهو تداخل في اللغة وفي الآثار المترتبة. 

أما في اللغة فإن الترادف الدلالي بينهن قد جعل الباحثين وبينهم فضيلته يبذلون جهداً في محاولة للتفريق عن طريق تحديد مجال لكل واحد من المصطلحات من خلال الظهور والانضباط والتعدية والاعتبار مع الاختلاف الذي أشار إلى بعضه وهو خلاف شامل فالتعليل بالقاصرة هو مذهب جماعة من الاصوليين: وعللوا بما خلت من تعدية. كما قال مراقي السعود. 

 ولعل المجهود الموفق الذي بذله كان من أفضل ما بذل.

أما الآثار فإن ترتب الحكم الناشئ عن تعدية الحكم عن محله إلى المحال الأخر ى التي يقوم بها الوصف هو الأثر المتنازع فيه وهو الذي ثبت لقياس العلة .

وقد عبر فضيلته عن هذا التداخل في ص 20 بقوله: لأن الحكمة قد تختلف عن المقصد وقد تكون جزء من المقصد وقد تساوى المقصد.

ومعنى هذا الكلام أن المقصد أعم وكما أنه سبق أن أشار إلى أن تعريف العلة عند بعض الأصوليين يقترب من تعريف المقصد.

وهذا هو مربط الفرس وربع عزة هذا الباب فالتعليل بالحكمة وبالمقصد العاري عن الانضباط والظهور وعن الرجوع إلى أصل معين هو المراد إثباته.

وأحسب أن البحث المركز الواقع ف سبع وعشرين صفحة والذي استمتعت بمطالعته يطرح إشكالية تأثير المقاصد والمصالح وهي مسألة قديمة جديدة أو كما يقال قديمة بالجنس حدثية بالنوع وهو بحث لا تنقصه الجسارة فصاحبه هو أصولي ناشئ وهو الشيخ الفاضل جاسر عودة ونحن ندعوه إلى متابعة الموضوع والحفر والتنقيب مع التركيز على القضايا المعاصرة التي تحاصرنا في كل وجه وبخاصة في فقه الأقليات مع التماس مقاصد جديدة فالمقاصد لم يدع أحد حصرها وإنما ادعوا حصر الأحكام الشرعية في المقاصد المذكورة فهي الحكم والغايات الكلية والجزئية.

فنسأله سبحانه وتعالى له التوفيق والتسديد في المبدإ والعود والعود أحمد وما ذاك على همة جاسر عودة ببعيد.           

 

 

الخلع بغير رضى الزوج!

السؤال
السلام عليكم طلقني زوجي قبل بضعة أسابيع ثم راجعني، وأرغب في طلب الخلع، ويقول لي: إنه لن يقع في نفس الأخطاء (يعني عدم الإنفاق علي، وعدم إسكاني وغير ذلك، لأنني أنا التي كنت أدفع لكل شيء).
لا أرغب في مواصلة المعيشة معه، وأريد أن أعرف إذا كان من حقه ألا يعطيني الخلع؟
الجواب
إن الزوج عليه أن ينفق على زوجته، وإذا طلبت الخلع بعد أن أنفق عليها فإن للزوج أن يقبل أو لا يقبل، هذا مذهب جمهور العلماء، وهو أن الزوج ليس ملزماً بقبول طلب المرأة للخلع، لكنه يستحب له أن يقبل إذا طلبت منه ذلك، وأن لا يمسكها وهي كارهة، ثم إذا أصرَّت على طلب الخلع فعلى القاضي أن يتدخل للنظر في المتسبِّب في الشقاق من الزوج أو الزوجة، وأن يبعث حكمين للنظر في شأنهما،

يقول الله سبحانه وتعالى: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) [النساء: 35].

فمسألة الحكمين مسألة مهمة في الشريعة، فإذا ظهر أن الضرر ناشئ من قبل الزوج أوقعا الطلاق وإذا ظهر أن الضرر ناشئ من قبل الزوجة طلبا منها أن تلتزم بآداب الزوجية، فإذا لم يقع بينهما صلح فإن القاضي يطلب من الزوج أن يقبل خلعها.

 

مسلم يشك في دينه

لسؤال
لي صديق مسلم، ولكنه غير مقتنع بالدين! ويقول كلما ناقشُته: ما أدراك أن الدين الإسلامي دين صحيح؟!

ويقول لي: أريد إثباتاً واقعيًّا غير القصص القديمة وغيرها، ولكنه لا يقتنع بكلامي، وأريد من فضيلتكم الإجابة؛

حتى يعود إلى رشده. ودمتم في رعاية الله

الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…
هذا الشخص ليس مؤمناً، وبالتالي فهو من الذين قال الله فيهم: “وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون”[التوبة:45]،فهو متردد في الريب- والعياذ بالله من حاله-. أما الاقتناع فيوجه إلى أن ينظر إلى معجزات النبي – صلى الله عليه وسلم-، وأن ينظر في كتاب الكون المنشور، وهو ما في هذا الكون من الخلق، وأن ينظر في الكتاب المقروء، وهو الوحي المقروء، وما تضمنه من المعجزات، ومن الآيات البينات، فإذا نظر إلى هذا وتدبر فيه؛ فإنه في النهاية سيصل إلى الإيمان، يعرف أنه لم يُخلق من غير خالق، قال تعالى: “أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون” [الطور:35-36]،

فهو الذي خلق الإنسان، “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” [الذاريات:21]،

وخلق البيئة التي تحيط به من أفلاك وسماوات، وشمس، وقمر، والأرض التي يعيش عليها، والهواء الذي يستنشقه، وما حوله من منافع الأرض التي يتغذى منها، طبعاً خالق عظيم ليس جزءاً من هذا الكون، بل هو – سبحانه وتعالى- خلق هذا الكون.

والذي ينظر – أيضاً- في معجزات الأنبياء وما قدر الله على أيديهم من معجزات خارقات، ومعجزات خاتم الأنبياء – صلى الله عليه وسلم- يتيقن يقيناً أن هذا من عند الله – سبحانه وتعالى-،

وأهم شيء بالنسبة لهذا الشخص أن ينظر في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، فلو كان القرآن من عند غير الله ما وجد فيه – مثلاً- أطوار الجنين، الله – سبحانه وتعالى- يقول: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”[المؤمنون:12-14]،

هذه الأطوار الأربعة التي وصل إليها العلماء في هذا العصر الحديث كيف يتحدث عنها القرآن بوضوح وصراحة، لو لم يكن من عند الله – سبحانه وتعالى-؟ أيضاً كثير من الآيات التي وردت في القرآن الكريم سواء ما يتعلق بالإعجاز العلمي كآية إنزال الحديد: “وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ”[الحديد: من الآية25]،

وثبت علميًّا أن الحديد لم يطبخ في الأرض، وإنما طبخ في كون آخر، ثم أنزل الأرض واختلط بها، والقرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً، يقول: “أنزلنا الحديد” أضف إلى ذلك ما وجد في الكتب القديمة من وصف النبي – صلى الله عليه وسلم- وما جرى على يده – صلى الله عليه وسلم- من صلاح النفوس، وصلاح القلوب، وصلاح أمة كانت ضالة تائهة، وكل هذه المعجزات متعددة الأحوال، فهذه المعجزات عليه أن يراجعها، وأن ينظر فيها، وأن يقرأ القرآن بتدبر، وأن يجلس في مجالس العلم، وأن يتدبر فيما مضى من أجله، وما بقي من عمره، وفي مصيره، فكل هذا باختصار شديد، ولو أردنا أن نشرح المعجزات، والآيات لطال ذلك، ولكن نكتفي بهذا،

ونشير على هذا الشخص بأن يطلب الهداية في الله – سبحانه وتعالى-: “مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً”[الكهف من الآية: 17]،”إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”[القصص من الآية: 56]،

فالهداية من عند الله – سبحانه وتعالى- فليطلب الهداية، وليتدبر آيات الله – سبحانه وتعالى- ويجالس العلماء، وليسأل عما وقر في قلبه، ويراجع كتاب: (دلائل النبوة) للبيهقي، فهو كتاب جمع كثيراً من معجزاته – صلى الله عليه وسلم- التي يستحيل أن تكون على يد شخص غير نبي معصوم من أنبياء الله – سبحانه وتعالى-، وفي أصل الحديد يراجع نتائج الإعجاز العلمي في القرآن التي نشرتها هيئة الإعجاز، وهي نتائج كثيرة جداً .. الذي لا يدع مجالاً في أن القرآن ليس من عند البشر،

وإنما هو من عند الله – سبحانه وتعالى-، هذا الذي نستطيع أن نقوله في الوقت الحاضر، وكما قلت فليذهب للعلماء ويجالسهم، وليدع الله – سبحانه وتعالى- ويسأله الهداية.

 

لماذا تفوق الغرب علينا؟

السؤال
ما سبب تفوق الغرب علينا نحن المسلمين في جميع المجالات من دون استثناء، ونحن نملك القرآن الكريم،

وما يحتويه من كنوز لا تعد, هل التقصير منا في فهم القرآن؟

ولماذا نكتفي بالكلام الجميل؛ فباستطاعتنا أن نحلل ونستدل، ونفند، ولكن هل باستطاعتنا أن نجاري الغرب وتطوره في جميع المجالات؟.

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد…

الله – سبحانه وتعالى- جعل سنناً في الكون، ويقول – سبحانه وتعالى-: “من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد” [الإسراء:18]

وقال – سبحانه وتعالى-: “من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها” [الشورى:20]

فبلاد الغرب أخذت بهذه السنن، سنن الجد والعمل، والعمل الدؤوب، والوسائل العقلانية فاستعملت سنن العمارة الكونية، والعمارة الكونية تقوم على إثارة الأرض؛ كما قال –سبحانه وتعالى-: “وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها” [الروم:9]

فإثارة الأرض بالبناء وإثارة الأرض بالتفتيش عن المعادن، بالتفتيش عن المياه، فالعمارة التي تسبقها الإثارة إخراج كنوز الأرض، وكل هذه سنن من قام بهذه السنن يجد نتائجها. المسألة ليست في كون القرآن عندنا، وليست في عدم فهمنا، ولكن في تقصيرنا في العمل بما في القرآن، نحن لا نعمل بما في القرآن، القرآن أمرنا بالعمل؛ “وقل اعملوا” [التوبة:105]،

أمرنا بترك الكسل، أمرنا بإعداد القوة؛ “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” [الأنفال:60]،

فالأوامر القرآنية نحن قصرنا في امتثالها، قصرنا في تطبيقها. فالمسألة واضحة هي مسألة قصور وتقصير، فمن لم يزرع فإنه لا ينتظر الحصاد، لا يمكن أن تنتظر نتيجة بدون مقدمات هذه سنن من سنن الله – تعالى- ومراغمة السنن ليست ممكنة بل هي مستحيلة فهناك أوامر الخالق وسنن الخلق، وهناك سنن الخُلق. صحيح أن الغرب مهمل ومقصر فيما يتعلق بسنن الخُلق، أي في إجابة الدعوة، إذ أنه لا يستجيب لدعوة الله – سبحانه وتعالى- في تعامله وفي معاملاته في علاقته بربه، لكنه في سنن الخلق أي ما يتعلق بجناح العمارة أخذ بها؛ لأن الخلافة الراشدة تقوم على جناحين جناح العمارة الكونية التي تقوم على إثارة الأرض وجناح العمارة الخُلقية التي تقوم على “وجاءتهم رسلهم بالبينات” [الروم:9]،

وهذا كله في آية الروم، “وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات” [الروم:9]

فهم لم يؤمنوا بما جاءت به الرسل- عليهم الصلاة والسلام- ولكنهم أثاروا الأرض وعمروها، فالسبب واضح جداً، لا بد من شيء من الجد، لا بد من النظام والانتظام، لا بد من عمل دؤوب، لا بد من حركة إبداعية، وليست بدعية في التعامل مع هذا الكون وبدون هذا لا يمكن أن نعمر الأرض عمارة كاملة، وعمارة راشدة. والله أعلم.

العمل في الاستخبارات السرية لدى الكفار

السؤال
ما حكم عمل المسلم في قسم المباحث السرية لدى الكفار الذين يتعقبون المسلمين، وهو يدعي أن هدفه من عمله مساعدة الإسلام؟

أرجو تزويدنا بأدلة تتعلق بحكم مثل ذلك من علماء السلف والحاضر، وكيف نتصرف مع مثل هذا الشخص لإرشاده إلى الطريق الصحيح؟

الجواب
لا يمكن إباحة هذا العمل، والحقيقة أن الإنسان إذا عمل في هذه المباحث فإنه بطبيعة الحال سيضر إخوانه، وأنه إنما يعمل بها لقاء أجر، فهو يأخذ هذه الأجرة ليقوم بعمل، فهو إما أن يضر الآخرين، وإما أن يعتبره الآخرون خائناً، وفي كلتا الحالتين يعرض نفسه إما لخطر الدنيا، أو لخطر الآخرة، فنحن لا ننصح أحداً بالدخول في هذه الوظائف مع أعداء الإسلام من الكفار، أو مع غيرهم، ونطلب من المسلم أن يحاول أن يكون مستقيماً وألا يخون من ائتمنه، سواء كان مسلماً، أو غير مسلم، لكن في نفس الوقت لا يعرض نفسه لهذه الأعمال التي قد تضر به، وتضر غيره عن غفلة، أو غيرها، فالحزم أن يبتعد الإنسان عن هذه الأمور كما قال الشاعر:

إن السلامة من سلمى وجارتها*** ألا تمر بواد حول واديها فالسلامة

من هذا الأمر هو الابتعاد، وأن يكون الإنسان سليماً وسالكاً مع المسلمين، وغير المسلمين، وألا يتعرض للوظيفة التي يؤذي بها الناس، ويؤذي نفسه، فهذا من الخطر الكبير، لا نستطيع أبداً أن نفتيه بالجواز،بل إن المنع هو الظاهر، ولا نكفره إذا دخل في ذلك لكن نقول: إنه ارتكب عملاً كبيراً جداً عملاً منكراً كبيراً. والله أعلم.

دار الإسلام ودار الكفر

السؤال
ما هو تعريف دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب؟ هل تنطبق هذه المصطلحات على عالم اليوم؟

إذا كان الجواب نعم أرجو بيان مواقع كل دار على أرض الواقع.

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد…

هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فبعضهم قسم الدور إلى دارين فقط إلى دار إسلام ودار حرب، وهم الأحناف،ومعنى هذه القسمة أن كل دار لا يحكمها الإسلام تعتبر دار حرب، ولكن أكثر العلماء من المذاهب الثلاثة قسموا الدور إلى ثلاثة، إلى دار إسلام ودار حرب، ودرا هدنة وموادعة، وصلح، فتسمى بكل هذا: دار هدنة، ودار موادعة، ودار صلح،

فأكثر الدور الآن – أي ديار غير المسلمين- هي في الحقيقة من هذا النوع من دار الهدنة، بناء على الاتفاقيات الدولية التي انخرط فيها المسلمون مع غيرهم في ميثاق الأمم المتحدة فيمكن اعتبار هذه الدور في العالم الغربي والعالم الشرقي أنها من باب دار الهدنة ودار الموادعة، وبالتالي فيمكن أن تعتبر دار سلم، وليست دار إسلام، فدار الإسلام هي الدار التي يحكمها المسلمون، وبعض العلماء يقول التي تتسم بشرائع الإسلام، لكن بصفة عامة نقول إن الدار التي يكون أكثر سكانها مسلمين فهي إن شاء الله دار إسلام، أما الدار التي تحكمها قوانين غير إسلامية وسكانها ليسوا مسلمين، فهذه تعتبر في الوقت الحاضر – إلا ما شذ وندر – هي دار موادعة أو دار سلم، يطلق عليها دار سلم لوجود معاهدات دولية تمنع الاعتداء.

طبعاً على أرض الواقع هناك شيء آخر، يعني طموحات أو ميولات عدوانية لدى بعض الدول، لكن مع هذه الميولات العدوانية هي لا تعلن أنها تحارب الإسلام، ومع وجود الميولات العدوانية عند بعض الدول بالنسبة لبعض المسلمين، أو بالنسبة لبعض البلاد الإسلامية تكون هذه الدول ذات الميول العدوانية بالنسبة لها تعتبر دار حرب، ولكن بصفة عامة نقول إن ميثاق الأمم المتحدة والتداخل العالمي الحالي جعل الدور كلها يمكن أن تعتبر دار سلم، إلا ما قل وندر، كدولة بني إسرائيل ونحو ذلك التي تعلن حرباً حقيقية على بعض المسلمين.

هل له منع زوجته من العمل؟

السؤال

هل يحق للرجل أن يمنع زوجته من العمل، مع العلم بأنه وافق على الزواج منها وهو على علم بأنها تعمل مدرِّسة،

ما هو حكم ذلك في المذهب المالكي إن أمكن، أو على رأي أهل السنة والجماعة؟

الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أولاً : نقول للسائل إن مذهب المالكية ليس خارج أهل السنة والجماعة، فالإمام مالك من أهل السنة والجماعة، بل من قمة أهل السنة والجماعة، فلا يوجد رأيان رأي مالك ورأي أهل السنة والجماعة.

وبالنسبة لقضية عمل الزوجة، فالأصل أن الزوج له قوامة على المرأة، لكن بشرط أن يوفر لها النفقة، ويوفر لها احتياجاتها، ولهذا فعند مالك والشافعي وهم من أهل السنة والجماعة أنه إذا لم يوفر لها ذلك فلا تكون القوامة تامة، وبالتالي يجوز لها أن تطلب الطلاق، خلافاً لأبي حنيفة الذي يرى أنه يبقى ديناً في ذمة الزوج. فإذا منع الزوج زوجته من العمل، قد يمنعها إذا كان يوفر لها ما تحتاج إليه. ولكن الذي يظهر لي – وأنا إن شاء الله من أهل السنة والجماعة- أن المسألة ترجع إلى العادة وإلى الأفراد، فهناك بعض المناطق إذا منعت فيها المرأة من العمل فقد يكون ذلك سبباً لخلل كبير في البيت، فلو بقيت في البيت لكان ذلك سبباً إلى خلل، ولأدى إلى مفاسد أكثر، وبالتالي فإن المسألة توزن بميزان المصالح والمفاسد، فقد كانت الصحابيات يعملن،

فهذه أسماء وهي زوجة الزبير – رضي الله عنهما – كانت تعمل فكانت تعلّف ناضحاً للزبير – رضي الله عنه –

كما ورد في الحديث الصحيح انظر البخاري (5224) ومسلم (2182)، وتلك المرأة التي قيل لها أن تترك العمل في نخل لها فقال لها النبي-صلى الله عليه وسلم- اذهبي إلى نخلك وكانت معتدة فقال لها :”جدّي نخلك” وهو حديث صحيح انظر : مصنف عبد الرزاق (7/25).

فعمل المرأة ليس شيئاً اخترع اليوم، بل هو معروف في الإسلام، ولأجل هذا يجب أن تتسع الصدور لهذه المسألة، صحيح أن الزوج يقوم على المرأة، أي أنه رئيس البيت، لأن عندنا في الشريعة الإسلامية ضبط للأمور ” لا يذهب ثلاثة إلا ولهم أمير” انظر البيهقي (9/359) ومصنف عبد الرزاق (4/58) يعني : حتى يوجد شيء من الانضباط، فهذا البيت -العائلة- فيه أمير هو الزوج، لكن ليس معناه أنه يفعل ما يشاء ، ويقول ما يشاء ويضرب يميناً ويساراً، بل هم يعيشون في البيت بمشورته، والله -سبحانه وتعالى- يأمر بالتشاور فيما بينهم في الانفصال “فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور” [البقرة:233]

بين الزوج والزوجة، فكيف بأمورها التي تخصها؟. وباختصار إذا أمرها بشيء لا يخالف الشرع فعليها أن تطيع أمره، لكنه لا يجوز له أن يأمرها بشيء يؤدي إلى مفسدة، أو يفوت عليها مصلحة، فإذا كان العمل يؤدي إلى اختلاط أو إلى مفاسد فهذا شيء آخر، فله أن يأمر وعليها أن تطيعه، فهذا هو الجواب وهو مذهب مالك ومذهب جمهور العلماء.

حساب من لم يبلغه الإسلام

السؤال
لدي سؤال قد يكون غريبا بعض الشيء ولكنه يراودني كثيرا ألا وهو:

الإسلام هو دين رب العالمين، والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو رسول للعالمين جميعا.

فهل وصل الإسلام كاملا وصحيحا لكل أهل الأرض؟ فالكثير من الناس في العالم قد لا يصل إليهم الإسلام صحيحا، فهم لا يعرفونه أو يعرفونه مشوها بطريقة قد تنفرهم حتى من البحث و القراءة عنه، فضلا عن عدم الترجمة الأمينة للإسلام لكل اللغات فكيف يحاسبهم الله -سبحانه وتعالى- على أمر لم يعرفوا عنه؟

وأيضا هل يعرف أهل الكتاب أنهم على خطأ، وأن الإسلام هو دين الله؟

فأنا أجد الكثير منهم يعتقدون أنهم على صواب، ويقول البعض لي إن عليهم أن يبحثوا، وأتساءل هل إذا سمعت عن دين جديد يقول عنه شخص ما ، هل ستذهب وتبحث عنه، أم لأنك تعتقد وتؤمن أنك على صواب فإنك لن تبحث في هذا الأمر فكذلك هم ، فإنهم يعتقدون أنهم على صواب ، فلماذا يبحثون؟

وأيضا، أيعتبر هذا الأمر ابتلاء من الله -سبحانه وتعالى- لأهل الكتاب قد عافى الله منه من يولد لأسرة مسلمة ويجد نفسه مسلما بلا عناء؟

الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد…
يبدو أن السؤال يرجع إلى : هل الإسلام يصل إلى الناس كافة؟ والجواب: أن الإسلام لم يصل إلى الناس كافة، لكنه قد يصل إلى الناس كافة ، لأنه جاء في الحديث : “لا تقوم الساعة حتى لا يبقى بيت شعر ولا مدر إلا ودخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل” رواه الإمام أحمد (16957) والبيهقي في السنن (9/181) والطبراني في الكبير (1280). فالدين سيدخل، ووسائل الإعلام الآن وما يسمى بالعولمة الإعلامية وأن تكون الأرض كالقرية الواحدة كل هذا يمثل سبيلا إلى إدخال الإسلام إلى كل بيت، فيجب على المسلمين أن يبذلوا جهدا لإيصال الإسلام إلى الغير. أما هل وقع ذلك فعلاً فقد لا يكون كذلك. والذين يعاقبون، ويستحقون النار هم من بلغهم هذا الدين ولم يؤمنوا به، يقول الله -سبحانه وتعالى- :               “وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ” [الأنعام:19] أي : لأنذر به من بلغه، حتى ولو لم يرني ولم يشافهني فيه،فمن بلغه القرآن فهو منذر به، إذاًً القرآن بين أيدينا فيجب أن نبلغه إلى الناس كافة، فإذا بلغ إليهم القرآن قامت عليهم الحجة، ومن لم يبلغ إليهم القرآن لا تقوم عليهم حجة ويصبح حالهم مشابها لحال أهل الفترة، وهم الذين سبقوا عهد الرسالة، والله -سبحانه وتعالى- يقول:”وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا” [الإسراء:15]

ويقول:”كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير” [الملك:8-9]

فالله -سبحانه وتعالى- أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، والشخص الذي لم يَُبلَّغ فهذا لا تقوم عليه الحجة، إنما الحجة تكون قائمة وتامة وبالغة،”ولله الحجة البالغة” [الأنعام:149]

إذا بلغت الرسالة ولم يؤمن بها، إما تعصباً أو إعراضاً عنها، أو بغضاً لها، أو كفرا بها وجحداً، كما قال -سبحانه وتعالى- :”وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا” [النمل:14]

جحدوا بالآيات مع أن النفوس مستيقنة والبواطن ترى الحقيقة، بصائر لكنهم يعمون عنها أبصارهم، “يستغشون ثيابهم” [هود:5]

لا يريدون أن يروا الحقيقة، وقد يكون كثير من الكفار الآن في هذا الوضع، قد يكون بعضهم قد استبصر، أي: ظهرت له الحقائق ولكنه ألف العادة ولمحبته الرئاسة ولبغض المسلمين يعلوه التعصب وتغشاه عماية الضلالة فيعرض عن التدبر في كتاب الله، فهذا الإعراض عن التدبر مع إمكانه والاعراض عن الرسالة مع القدرة على التعرف عليها صاحبه لا شك سيكون معاقباً “إن الدين عند الله الإسلام” [آل عمران:19]

“ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” [آل عمران:85]،

طبعاً التعبد في الدنيا هو تعايش، ولا يكره أحد على دينه “لا إكراه في الدين” [البقرة:256]

وهذا هو موقفنا وهو خطاب هنا ودعوة هناك ولكن ليس معنى ذلك أن يكون الحق متعدداً، وكل من يؤمن بشيء فالحق عنده واحد، فالحق هو هذا الدين الذي هو الدين الخاتم وهو الدين المهيمن على الديانات الأخرى هذا باختصار هو جواب هذا السؤال

التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله

السؤال

ما حكم تحكيم القوانين الوضعية؟

وهل يمكن تكفير الحاكم الذي يحكم بالقوانين الوضعية بعينه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم هذه مسألة شائكة، فقد كثر فيها القيل والقال، وصدرت فيها الفتاوى في القرن الماضي، وهي مسألة ينبغي أن يقع فيها التفصيل:

أولاً: إن تحكيم القوانين الوضعية في مجالات منصوصة في الشريعة تحكيماً منافياً لنصوص الشريعة أمر حرام وكبيرة عظيمة، وهذا أمر لا شك فيه؛ “وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ” [المائدة: من الآية49]، “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ”[المائدة:50]، هذا بنص القرآن الكريم.

أما التكفير فهو أمر لا يقطع به إلا إذا كان مع حكم هذه القوانين تصريح بازدراء الشريعة وتنقيصها والحط من قدرها، بحيث يقول الذي يسن هذه القوانين: إن الشريعة غير صالحة، ونحو ذلك من الكلام، أما أن يكون مع سن هذه القوانين اعتقاد بأن الشريعة هي الحق، وأن ما سواها ليس على حق، فمجرد سن القوانين وحده ربما لعجز أو لجهل، أو لتقليد، فلا يكون كفراً، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله عنهما- في قوله –تعالى-: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” [المائدة:44]، قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، في قوله –تعالى-: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [المائدة: من الآية47]،

معناه أنه غير مخرج من الملة، وهذا هو الذي نراه بناء على نُقول كثيرة، ومنها نُقول عن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- ، والأظهر فيه أن الكفر هنا لا يكون مخرجاً من الملة، ولهذا قال عدي بن حاتم – رضي الله عنه – سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقرأ في سورة براءة: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله” [الآية:31]

قال: “أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه” رواه الترمذي (3095) وغيره.

وهذا هو سر عبادتهم لهم، فهؤلاء يغيرون لهم الشرع يحلون باسم الشرع بحيث يحرمون حلالاً نص عليه في الشرع، ويحلون حراماً نص على تحريمه في الشرع، بحيث ينسبونه إلى الشريعة، كأن يقول الإنسان –مثلاً- الصلاة ليست واجبة في الشرع، والصوم ليس واجباً شرعاً، والزكاة ليست واجبة، أو إن ارتكاب الفواحش حلال شرعاً، أما إذا ارتكب هو هذه الفواحش وترك الآخرين يرتكبونها، فهذا الفعل بحد ذاته ليس مكفراً؛ خلافاً لبعض المفتين والمشايخ في القرن الماضي الذين أفتوا بأن مجرد الفعل يكون كفراً، وقد حققنا ذلك في بحث مستقل وعنوانه: (التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله)،

فليراجع في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، زيادة على ما يترتب على التكفير من ارتكاب الحروب والفتن التي لا تبقي ولا تذر، فالأولى من ذلك هو توعية الناس وتنبيههم على أهمية الشريعة، وعلى المصالح الكبيرة التي توفرها الشريعة المحمدية؛ لأن كثيراً من البلاد الإسلامية كانت مستعمرة وورثت قوانين المستعمر، وبالتالي استمرت على ذلك دون وعي ودون إدراك، ودون – أيضاً- شجاعة لتغيير هذه القوانين.

إذاً نحن لا نكفر بذلك إذا لم يصحبه ما ذكرناه من الاستخفاف والاحتقار للشريعة لفظاً، أو من الاعتقاد المنحرف، وصلى الله على نبينا محمد.

هل أحرق الإمام علي بعض الخوارج؟

 

السؤال
قرأت في أحد المواقع على الشبكة أن علياً بن أبي طالب -رضي الله عنه- أحرق بعض الخارجين عليه أثناء فترة خلافته، وهذا الشيء سبب لي حيرة بسبب الحديث الذي نعرفه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن التعذيب بالنار؛ لأنه شرك، فكيف يفعل علي -رضي الله عنه- ذلك؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…

هذا الأثر ذكره الإمام البخاري (6922) عن عكرمة قال: أتى علي – رضي الله عنه – بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس – رضي الله عنهما – فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا تعذبوا بعذاب الله” ولقتلتهم ، لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “من بدل دينه فاقتلوه”.

فأمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- لما ضل فيه الضُّلَّال السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي واعتقدوا فيه – والعياذ بالله – الربوبية وشيئاً من هذا القبيل أشعل ناراً،

وقال في ذلك:

لما رأيت الأمر أمراً منكراً *** أوقدت ناري ودعوت قنبرا

إضافة إلى أن هذه المسألة تعتبر من قضايا الأعيان التي لا عموم لها كما يقول الشاطبي، والحديث عموماً توجد اختلافات كثيرة في تأويله هل حرقهم بعد أن قتلهم أو هل همّ بحرقهم ولم يفعل .. وأياً كان الأمر فهو اجتهاد صحابي لا علاقة له بالشرك، وحرق الإنسان لا يجوز شرعاً، لكنه ليس شركاً، الشرك هو أن تعبد مع الله إلهاً آخر،

أو أن تعتقد آلهة مع الله – سبحانه وتعالى- نعم نهى النبي – صلى الله عليه وسلم- عن الحرق فقال: “إن النار لا يعذب بها إلا الله ..” الحديث رواه البخاري (3016)،

وليس معنى ذلك أن من أحرق بالنار فهو مشرك، لكن معناه أن هذه العقوبة هي عقوبة أخروية وليست عقوبة دنيوية، هذا الذي يجب أن نعتقده، فالمسألة ليست من باب الشرك، وكما سبق قد لا يثبت هذا التأويل حيث يحتمل أنه هم بتحريقهم ولم يفعل أو أراد تحريقهم بعد قتلهم، وإذا ما ثبت أنه حرقهم فيكون من اجتهاد الصحابي – رضي الله عنه – الذي يخالف نصاً، والمآل إلى نص الشارع، وليس إلى اجتهاد أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا خالفت اجتهاداتهم نصوصاً في الشرع مع اعتقاد أنهم –رضي الله عنهم- مجتهدون،

وأنهم كانوا يتصرفون طبقاً لهذا الاجتهاد، وأنهم كانوا هداة.