ارشيف ل September, 2016

العلامة عبدالله بن بيه “يشخص حال الأمة ” – تقرير مفصل

 

قال العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ورئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد، إن العنوان الذي ينطبق على حال الأمة اليوم هو “أمة تنتحر”.

وأضاف الشيخ ابن بيه في مقابلة أجرتها معه قناة “دبي الأولى” الإماراتية في العاصمة المغربية الرباط إن “الأمة تعيش حالة من الفتنة والاحتراب الداخلي والظلمة الحالكة، دون أن نفقد الأمل أو نيأس من رحمة الله وأن ننقذ الأمة”.

وقال العلامة ابن بيه  في برنامج قابل للنقاش الذي تناولت حلقته تشخيص واقع الأمة إن “تعيين علة حالة الأمة اليوم أمر صعب لأن هذه العلل كثيرة والعوامل متعددة، فإذا كثرت العلل أصبح من الصعب أن نعين العامل الحقيقي أوالوحيد الذي أدى إلى الوضع الذي فيه الأمة الآن، فالعلل كثيرة والسهام التي ترشق الأمة وتراشق بها كثيرة”.

وأرجع الشيخ ابن بيه “الأوضاع التي تعيشها الأمة إلى التراكمات التاريخية” ومنها الاستعمار والفرقة والحروب وعدم الرؤية الثقافية، وإلى حاضر غير مشرق، وإذا لم نغير هذا الواقع لم يكن المستقبل أكثر إشراقا”.

وشدد ابن بيه على ضرورة “أن نعود إلى أنفسنا ونسائل أنفسنا (قل هو من عند أنفسكم)، بدلا من إلقاء اللوم على الخارج”.

وقال العلامة ابن بيه: “أنا لا أبرئ الخارج فالخارج له مسئوليته الكبرى، وله جرائمه وجرائره، ومع ذلك فالخارج ليس مسئولا بالكلية عن ما نحن فيه، فمسئوليتنا هي مسئولية الأمة تجاه نفسها”.

واعتبر العلامة ابن بيه أن “السبب الأكبر هو الجهل أمة جاهلة، ليس فقط لأن أغلبية الأمة لم تمح فيها الأمية، بل لأن هذا الجهل يشمل جهل الواقع، والجهل بقاصد الشريعة والكليات التي تحكم الحياة، لأن الأمة لا تعرف واقعها الذي تعيش فيه”.

أسباب الإرهاب:

كما اعتبر ابن بيه أن “الإرهاب هو ظاهرة ناشئة عن ما ذكرنا من الجهل، وهو ظاهرة معقدة مركبة؛ فهناك هناك الفقر وهناك التهميش وهناك عدم وجود الرؤية الحياتية الشاملة”.

ورأى ابن بيه أن الانهيار الذي تقف الأمة على حافته اليوم “قد يشمل الأمة كلها” معتبرا أن “استمرار الإرهاب يرجع إلى فشل في المقاربات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تفرز وتبرز حالة الاشمئزاز والتشنج، وحتى المقاربات الأمنية والاستخباراتية”.

ما الحل؟

وعن الحلول قال العلامة ابن بيه إنه لا بد من “مراجعة الاستراتيجيات الفكرية والثقافية والعسكرية والأمنية والبينية أي العلاقات مع الآخرين، لأن الآخرين أيضا لهم كلمتهم ولهم وضعهم في هذه الاستراتيجية” مضيفا أنه “علينا أن نرجع إلى النقطة التي أصابنا فيها الداء، وأن ننظر متى أصابنا هذا الداء وكيف أصابنا”.

وبين ابن بيه أن العودة إلى تلك النقطة لا تعني “أن ننتج الماضي ولكن علينا أن نهيئ أنفسنا لمستقبل نافع”.

وقال ابن بيه إنه من “أهم المقاربات على المدى القريب زرع الأمل لدى الشباب وأن الآفاق ليست مسدودة حتى تنضموا إلى موكب الانتحار وهذه المسئولية ليت على الحكام فقط وإنما تقع على المجتمعات كذلك، فهناك مجتمعات بحاجة إلى أن تشعر بالتحدي والخطر الذي يهدد وجود الدول ويهدد حياة الناس ويهدد الحياة المعتادة، ويهدد الكل: الأمل والجمال والشعر، ويهدد الدين والدنيا”، يقول العلامة ابن بيه.

وأوضح الشيخ ابن بيه أنه إلى جانب مجموعة من الحلول “لا بد من صياغة المناهج والبرامج وإعادة النظر في القضايا الفكرية والثقافية بشكل جاد، ليس قطيعة مع الماضي وإنما استحضارا للنافع من هذا الماضي في وضع آخر أو في زمن آخر”.

من المسئول عن استشراء الطائفية:

قال العلامة ابن بيه إن المجتمع والطائفة مسئولية عن ذلك والعرق المعين والقبيلة المعينة مسئولة عنها لكن كيف؟.

وأضاف أن “الطائفة في حد ذاتها ليست مذمومة، فهي من طبيعة الكون، ولكن مذمومة عندما تتحول إلى أداة هدم، عندما تتحول إلى إيديولوجية إقصاء، بمعنى من ليس معنا فهو ضدنا، فهنا تبدأ العوامل السلبية”.

وأردف الشيخ ابن بيه القول إنه “يمكن أن تكون الطوائف والقبائل إيجابية جدا في تكوين محاضن للانتماء للوطن الكبير لأن هؤلاء الشباب لو كانت لهم محاضن قبلية وحتى أسرية لما انضموا إلى موكب الفناء والعبثية والعدم”.

وشخص ابن بيه الحالة السلبية لاستغلال الطائفية قائلا: “عندما نشأت بعض الدول وبعض التجمعات على أساس خاص أي على الخصوصية سواء كانت خصوصية مذهبية دينية أو خصوصية عرقية حينئذ يبدأ الخطر، لأن هذه الخصوصية طاردة، ولو لم تكن طاردة لما وجد إشكال”.

وتطرق ابن بيه لوجود الطوائف “في التاريخ الإسلامي كما وجدت المذاهب ووجد اختلاف الفهوم من عهد الصحابة وما كان مشكلة لأن الاختلاف سائغ لكن عندما يتحول هذا الاختلاف إلى بغي فالبغي هو المذموم”.

وحول الاقتتال الطائفي في العراق وسوريا قال الشيخ إن “المسار المباشر الذي أدى إلى ذلك هو الأخطاء التي ارتكبت مثل غزو العراق وتدخل الجيران”.

ودعا الشيخ “حكماء هذه الطوائف أن يدركوا إدراكا كاملا أن استئصال الآخر لن يؤدي إلى نتيجة، وعليهم أن يجلسوا في يوم على طاولة المفاوضات وأن يدكوا أن الوطن يسعهم جميعا، وأن مسألة الاستئصال ليست ممكنة، وأن تنازع البقاء يؤدي إلى الفناء، هذه حكم لا بد أن يدركها الجميع حتى يستظلوا بظل الوطن، وإذا لم يتصالح هؤلاء ويتصافحوا فلن ينقذهم أحد” يقول الشيخ ابن بيه.

ورد العلامة ابن بيه حالة الفوضى التي تعيشها الأمة اليوم إلى ما وصفه بـ”النار التي شبت في العراق” معتبرة إياها “هي التي أضرمت النار في المنطقة ولم تنته بعد، فلا بد من عقلاء وحكماء لإيقاف لهيب هذه النار”.

لابد من مراجعة النصوص:

وقال العلامة ابن بيه إن الدين الإسلامي لا ينافي العقل، وأنه “دين عدل ومصلحة ورحمة وحكمة، وبدون هذه الأربعة لا يمكن أن يعيش الناس”.

الأقليات وصورة الإسلام لدى الآخر:

وقال العلامة ابن بيه: “الحقيقة أن أفعال وأقوال بعض المنتسبين إلى الإٍسلام وبخصوص بعض الشباب الذين جاؤوا إلى المهجر هي أعمال مشينة، معيبة ولا علاقة لها بالدين، لأنها لا تتصف بالقيم الأربعة التي كنا نتحدث عنها، والتي هي أساس ولب ديننا، وهي تشوه الإسلام في العالم كله وليس في الغرب فقط”.

وأضاف أنه “يجب أن لا يكون المسلمون مصدر قلق وإنما مصدر طمأنينة”.

وبين ابن بيه أن “الغرب ليس على حد سواء فهناك العقلاء والحكماء الذين يفرقون بين الإسلام وبين بعض المسلمين ويرون أن هذه الظاهرة لا تمثل الإسلام وأسميهم: أولو بقية من الغرب، من الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين، والعمل مع هؤلاء في غاية الأهمية لإيضاح صورة الإسلام”.

وأضاف ابن بيه “يجب أن أنقدم للمسلمين حقيقة دينهم ليقدموا النموذج والمثال الصالح للغرب لأن الدعوة بالمثال أولى من الدعوة بالمقال”.

وقال: “يجب ان نتعامل مع الغربيين كمجموعة إنقاذ ومجموعة إطفاء، والإطفائي لا يسأل عن من اشعل الحريق وإنما يسأل كيف يطفئ الحريق، فعلينا أن نتعامل مع هؤلاء الإطفائيين الغربيين تعاملا إنسانيا لنطفئ جميعا الحريق، لأننا جميعا في سفينة واحدة”.

وأضاف الشيخ ابن بيه أنه “يمكن أن تقوم النخبة المثقفة بعمل كبير عبر وسائل الاتصال التي تشكل التي هي الآن أصبحت المشكلة يمكن أن تكون حلا، غير أن عدم التنسيق وتشتيت الجهود هي مشكلة جوهرية تكاد أن تكون عضوية في العالم الإسلامي”.

الحريات في الإسلام:

وبرهن الشيخ ابن بيه على أن “الإسلام هو دين الحرية لأنه لا يقبل أن يدخله أحد في حالة إكراه، فالحرية أساس كبير من أسس الدين الإسلامي، ويمكن للإسلام أن يلتقي مع الكثير من الحريات الموجودة في الغرب”.

وأوضح أن “السلطة هي المسؤولة عن تغيير المنكر وحفظ النظام العام باليد، لأن من شأن من قام بذلك من الأفراد أن يقع في منكر أعظم أو يثير فتنة أكبر”.

السلم والتعايش:

وعن السلم والتعايش داخل بلاد الإسلام وخرجها قال ابن بيه أنه “لابد من الانسجام بين الضمير الفردي للشخص وبين المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا الانسجام يحتاج إلى فقه، وقد قمت مع بعض العلماء بجهد كبير في هذا الصدد، فيحتاج الشخص إلى فهم للشريعة حتى ينسجم مع المجتمع، فهناك إشكالية الانسجام بين ضمير الفرد وبينما يشاهده في المجتمع، وهذا الانسجام ضروري جدا”.

 وقال ابن بيه “إن درجة السلم أعلى من كل شيء، علينا أن نحمل الأمة على أن تدرك قيمة السلام وقيمة العافية والأمن قبل كل شيء”.

الخروج من المأزق:

وأعرب العلامة بيه عن أمله في “الخروج من هذا المأزق” واصفا إياه بأنه “أمر صعب لكن نريد أن نبث رسالة أمل ورسالة بشرى، وأن المآسي تولد من رحمها الحلول، والخير يولد من رحم الشر”.

ومع ذلك يرى الشيخ ابن بيه أن “الإنسان مسئول عن تغيير هذه المرحلة وأن يبذل جهدا مضاعفا حتى ينقذ السفينة… كل شرائح الأمة وعلماؤها واقادتها وسياسيوها… لهم حظ من المسئولية. من الخطأ أن نقول إن شريحة معينة مسئولة عن ما يجري وأن شريحة معينة بإمكانها أن تنقذ الأمة مما هي فيه”.

وفي ذلك الصدد يرى من الضروري أن “تضامن الجهود وتوحيد المقاربات الاستخباراتية والأمنية والاجتماعية والثقافية” معتبرا أن الاقتصار على بعضها غير مجد.

ورد الشيخ ابن بيه على السؤال المتعلق بتلقي بعض المتطرفين لفتاوى من بعض المشايخ بالقول: إن “الشريعة ليست عبثية ليقتل بعض الناس بعضا، وفي هذا الصدد لابد من مراجعة النصوص على ضوء المقاصد، وذلك في الجملة وليس في التجزئة، فالنظرة المجزأة للأدلة هي التي أدت إلى كثير من المشكلات، والنظرة الخاطئة لفهم النص هي التي أدت إلى هذه المشكلات أيضا.

وأضاف ابن بيه أن كل “العلماء مطالبون إلى تقديم هذه البراهين للناس ولأولئك الذين لم يصابوا بفيروس التطرف لحمايتهم ووقايتهم، ولأولئك الذين أصيبوا لعلاجهم ايضا، ولردهم إلى الجادة.

ودعا الشيخ “جميع العلماء من الطوائف والمذاهب إلى توحيد كلمتهم على كلمة واحدة هي كلمة “سلام” وأن ينقذوا الأمة أن يوقفوا نزيف الأمة وأن لا يتركوا لتسييس المذاهب فرصة حتى لا يضيع على الأمة مستقبلها، بعد أن ضاع حاضرها، فالمستقبل مهم، وعلينا أن لا نقبى حبيسي سجن الحاضر” يقول العلامة ابن بيه.   

العلامة ابن بيه : ينبغي زرع الأمل لدى الشباب حتى لا ينضموا الى موكب الانتحار

دبي – خاص

قال العلامة عبدالله بن بيه أن العنوان الأكبر لما تمر به الأمة هو “الانتحار والانهيار”. جاء ذلك في حوار أجرته معه محطة دبي الأولى وأجاب فيه عن أسئلة تتعلق بتشخيص حال الأمة و المشكلة الطائفية و ملف الجهاد و الشباب. واعتبر العلامة بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في حديث لبرنامج قابل للنقاش بأن خطاب السلم و الوسطية ضعيف نسبيا لأن من يقدمون هذا الخطاب لا يوجد بينهم تنسيق وقواعد ومنهجية متكاملة، حتى تجعل لهذا الخطاب قوة مطلوبة، بينما يعتبر خطاب التطرف صاعقا، ومثيرا، خاصة لدى وسائل الإعلام التي تبحث عن الإثارة، و ترجح الخطاب المتطرف.

ونبه العلامة ابن بيه الى أنه “ينبغي زرع الأمل لدى الشباب حتى لا ينضموا الى موكب الانتحار”. وأكد ابن بيه بأن الفشل في القضاء على الارهاب يرجع إلى فشل في المقاربات و الاستراتيجيات، كما أبرز بأن الطائفية والقبلية سنة من سنن الكون، كما أنها إيجابية للانتماء وتكوين حاضنات للمجتمع، إلا أنها تكون مذمومة عندما تتحول لأداة هدم، وعندما تصبح الإديلوجيا مكرسة للإقصاء.

وذكر العلامة ابن بيه أنه حذر زعماء الطوائف في العراق قائلا : “اذا لم تتصافحوا و تتصالحوا فلن ينقذكم أحد . و تنازع البقاء سيؤدي الى الفناء”. كما دعا العلامة ابن بيه العلماء الى مراجعة أنفسهم والرجوع إليها وتهذيبها و واتخاذ مواقف متعقلة تصب في مصلحة الأمة.

وفي أجوبة سريعة قال العلامة ابن بيه أن مدينة تمبكتو،هي تلك الواقعة بجمهورية مالي و كانت تسمى جوهرة الصحراء وقد دمرت في الفترة الأخيرة بسبب جهل بعض أبنائها، مطالبا يتعاون الجميع لإعادة إعمار منارة الثقافة الإسلامية إلى سابق عهدها.

وعن السياسة قال:”.. كنت يوما في السياسة ومازلت في السياسة عامة، والسياسة فيها خير وبها ايضا شر كسائر امور الدنيا، وارجو لأمتنا الإسلامية سياسة نافعة غير ضارة”.

وحول الموسيقى قال العلامة بن بيه أنها أمر مُختلف فيه بين العلماء حسنها حسن وسيئها سيئ،. وقال عن الحب بأنه لا حياة بدون حب ولا سلم بدون حب، لا تؤمنوا حتى تحابوا كما في الحديث الصحيح.

شيخ السلام

بقلم الدكتور زياد الدريس

هل تتذكرون المقولة الشهيرة للشاعر الانكليزي كيبلنغ: «إن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»؟

أطلق كيبلنغ مقولته الذائعة هذه في نهاية القرن التاسع عشر، يوم كانت الامبراطورية البريطانية تدير العالم، والاستعمار الغربي يتقاسم كعكة الدول المستضعفة.

والآن، بعد مرور أكثر من مئة عام على تلك المقولة، هل تضاءلت مصداقيتها أم زادت؟!

ثارت في ذهني هذه الأسئلة مجدداً في أعقاب الزيارة والمحاضرة القصيرة والقيّمة التي قدمها معالي الشيخ عبدالله بن بيّه في مقر منظمة اليونسكو الشهر الماضي، وهو يعرّف الحضور بمبادرته الإسلامية/ الإنسانية في إنشاء (منتدى تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة) الذي يصفه الشيخ الثمانيني بأنه: «محاولة منه أن يقدم للعالم، توضيحاً للمفاهيم، وشرحاً للمضامين، وبياناً للحق، ونداء للأمة الإسلامية وللإنسانية، أصدره جمهور من العلماء والمثقفين وقادة الفكر والمفتين في العالم، لإطفاء الحريق ولتدارك هذه الأوضاع، بمحاصرة نيرانها وحصار الأفكار الجائرة الظالمة التي أنتجتها».

الشيخ بن بيّه لا يسعى بين الشرق والغرب كي يلتقيا، لأنه يدرك استحالة ذلك. لكنه يسعى بينهما كي لا يتصارعا، أو على الأقل كي لا يديما الصراع بينهما، إذ يستحيل إيقاف الصراع بينهما على الدوام.

هل هذا ممكن؟ هل سيتاح لدعوة (شيخ السلام) أن تحقق آمالها؟ هل يمكن تحت هذا السباق المحموم في التطرف، التطرف الديني والتطرف اللاديني، أن ينجح دعاة الوسطية في وساطتهم؟ وفي أتون هذه الحروب التي يشعلها تجار الدين مع تجار السلاح ويموت فيها الأبرياء، هل يمكن أن تنجح مساعي التهدئة؟ هل يمكن لدعوات السلام، لا دعوات السلام السياسية، بل دعوات سلام الحكماء كالتي يقودها هذا الشيخ الفاضل، هل يمكن لها أن تنجح؟ بالمعطيات السابقة التي وضعتُها ويتداولها الناس، المدمنون خصوصاً على نشرات الأخبار الدامية، سيصدر الحكم على أي دعوة من هذا النوع بأنها جزء من خطاب طوباوي يقاوم الاعتراف بحقيقة الصراع المستديم بين الشرق والغرب، سواءً من خلال الصراع الثنائي المباشر أو من خلال استزراع عوامل الصراعات البينية أوالصراعات بالنيابة.

وإذا كان منتدى الحكماء هذا يسعى إلى تعرية تجار الدين، فهل يمكن للغرب أن ينشئ منتدى مماثلاً لتعرية تجار السلاح؟! الحقيقة التي نهرب من مواجهتها، بسبب غضبنا مما يجري وهو غضبٌ مبرر ومفهوم، هي أن أي دعوة لصنع السلام والتهدئة وحقن الدماء، مهما صغرت أو تضاءلت نتائجها، فهي دعوة للخير العميم الذي أرادته الأديان وحضّ عليه الإسلام ودعا إليه الأنبياء والمصلحون. وإن أي محاولة لتعطيل أو همز هذه المساعي النبيلة هو تعطيل لقافلة الخير التي لن تنجح في إيقاف الشر كله، لكنها تسعى للتقليل منه.

* كاتب سعودي المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو (باريس)

الشيخ عبد الله بن بيه ومشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

إذا كان انتماء الأفراد إلى الجماعة يعد عاملا قويا في تهذيب أخلاقهم، والتخفيف من عنفوان غرائزهم وأنانيتهم؛ فإن ذوبانهم في “جماعة ضيقة”، وشدة تعصبهم لها، على حساب انتمائهم الانساني العام؛ قد يحولهم إلى أدوات للقتل والعنف
في يد هذه الجماعة بسبب انصهارهم في نظامها الاجتماعي الصارم، وما لديها من تاريخ وأنساق وتصورات، واعتقادهم أن جماعتهم هي الافضل بين الجماعات؛ وأن نظامها الاجتماعي هو معيار الحق الذي يتعين على البشرية أن تتبعه، وأن أفضليتها المتخيلة تبيح لها السيطرة على المجموعات الأخر ى المختلفة عنها دينا او لغة أو انتماء أو تفكيرا . وهو من شأنه أن يفقدهم ضميرهم الانساني أو وجودهم الخلقي، ولعل هذا ما تنبه إليه الفيلسوف “إيمانويل كانت” في كتابه “مشروع للسلام الدائم” عندما دعا إلى إلغاء الجيوش الدائمة إلغاء تاما، وخلص إلى :”أن استئجار الناس لكي يقاتلوا أو يقتلوا معناه فيما يبدو اننا نعاملهم معاملة الآلات المحضة أو الأدوات في يد غيرهم”.
وقد نتج عن هذا التعصب الأعمى للجماعة الضيقة على حساب غيرها من الجماعات الأخرى تاريخ طويل من الصراع والحروب؛ وانتج تراثا هائلا من ثقافة الموت والحقد والكراهية؛ التي تتنافى مع الرحمة والعدل والسلم والأخوة الإنسانية الجامعة، وهو ما يتجلى في أدب “الملاحم” واعتبار الموت في معمعان الحرب شرفا، والمبالغة في سفك الدماء بطولة، والجنوح إلى السلم مذلة، فلما جاء الإسلام أحدث قطيعة حضارية شاملة مع هذه الثقافة التي كانت مترسخة في الاذهان، وقيمها المتمثلة في “الشجاعة” وعشق القتال والحرب؛ وهو ما يعد ثورة ثقافية كبرى في ذلك المجتمع القبلي الجاهلي الذي كان يتباهى بالشجاعة و”الفتكة البكر”؛ قال تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }، فكان الإسلام – بذلك – مجددا لرسالات الأنبياء من قبله، ومصدقا لها، كما ورد في الانجيل على لسان عيسى -عليه السلام – :” أحبوا اعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا الى مبغضيكم و صلوا لأجل الذين يسيئون اليكم و يطردونكم”.
لقد صاغ الإسلام عقائده وعباداته وشرائعه وأخلاقه وفق رؤية حضارية تنشد السلم في أسمى معانيه، باعتباره هو الأصل الذي يجب أن يحكم علاقة البشر ابتداء،. والهدف الذي يتعين عليهم التحرك لتحقيقه. { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}
وإذا كانت ضرورات الاجتماع البشري قد فرضت على المسلمين إقامة دولة في المدينة المنورة لتسيير شؤون الجماعة المسلمة بعد تشعبها واتساعها، فإن الاسلام إنما أذن لهم – على سبيل الاستثناء – في دفع الظلم والعدوان فقط، وحرم عليهم تجاوز ذلك حتى لا يتوسعوا في الحرب؛ بل إنه أمر هم بالإحسان إلى الأسرى، والبر بالمخالفين الذين لم يقاتلوهم في الدين؛ وهو ما يتنافى مع ثقافة الثأر والانتقام التي كانت سائدة.
لكن الحروب التي اشتعلت بين المسلمين وبين أعدائهم – عبر التاريخ – والتي توجت بالاستعمار الاوربي، وجهاد حركات التحرر في العالم الإسلامي، ستنتج أراء واجتهادات يمكن – إذا ما نزعت من سياقها التاريخي وملابساتها السياسية والاجتماعية – أن تكون “حاضنة ثقافية للعنف” كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الأقوال المبعثرة في كتب التراث القديمة التي لم يتحرر مؤلفوها من ضغط اللحظة الآنية التي عاشوها، وثقل التاريخ الذي تنوء به كواهلهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التنظير لفقه السلم والتعايش بين الناس: ( ما ينبغي ان يكون) انطلاقا من قواعد الشرع العامة المجردة : ( وحدة الأصل الإنساني، ووجوب إقامة العدل، ونشر الرحمة، وحفظ السلم، و مراعاة الأخوة الإنسانية، وتحريم الاعتداء)؛ بسبب تأثرهم بواقع الصراعات اليومية فغرقوا في التنظير للجهاد والفتح والدفاع عن الجماعة، انطلاقا من ذلك الواقع التاريخي، الذي ساد فيه:
– انعدام الثقة بين شعوب المعمورة نتيجة غياب التواصل الثقافي والاجتماعي، ووجود المصالح المشتركة، والاحساس بوحدة المصير : “غياب التعارف”.
– سيطرة نشوة النصر والشعور بالاستعلاء على بعض المؤلفين وهو ما نجد صداه في القول بان آية السيف “نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة و”كل شيء من العفو والصلح والصفح”، ووجوب جهاد الطلب على المسلمين كل سنة.
– هيمنة عقدة الشعور بعدوانية الآخر والاعتقاد بحتمية استمرار الصراع الأزلي بين سكان المعمورة.
ولما اضمحلت قوة “الخلافة الإسلامية” في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى اختفت نهائيا، وتغيرت معطيات الواقع، وطبيعة الدول وموازين القوة، وانتقل المسلمون من أمة “فاتحة” منتصرة إلى أمة “مغزوة” ؛ ثم تجدد أمل البشرية في “إرساء سلام عالمي” على أساس الاحترام المتبادل، وجد علماء المسلمين أنفسهم أمام واقع جديد مما أدى إلى انقسامهم إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: ارتأى أن يراجع الاجتهادات الفقهية التي شكلت الأساس الفكري الذي قام عليه تصور المسلمين للعلاقة مع الآخر عبر الحقب التاريخية الماضية إعمالا للقواعد الشرعية المحكمة، واستجابة لهذه التحولات الثقافية والسياسية والاقتصادية، فعملوا على إحداث قطيعة معرفية مع كثير من مقولات “الفقه السلطاني” الموروث، ومن هؤلاء العلامة المجدد الشيح عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بأبو طبي .
الاتجاه الثاني : واصل تشبثه بجميع مقولات الفقه السلطاني الموروث، بسبب الخلط الحاصل لديه بين مقولات السلف الاجتهادية ومواقفهم التاريخية، وبين المنهج المعرفي الذي اعتمده علماء السلف في التعامل مع النصوص فهما واستنباطا وتنزيلا على الواقع.
لكن الحاضنة الثقافية للتطرف العنيف ستزداد شراسة؛ بسبب إصرار الاتجاه الأخير على التمسك بأرائه، واصداره لمؤلفات فقهية تدافع عن رأيه في السلم والحرب والعلاقة مع الآخر، فضلا عن الكتب الحركية الكثيرة – التي ألفت في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين- في أجواء المحن والسجون، مما جعل مؤلفيها ينظرون للمفاصلة والصراع والتكفير ، وعملوا على توظيف التراث الاسلامي بشكل انتقائي خدمة لأيديولوجيتهم، بل إنهم أعادوا تأويل النصوص الشرعية كلها حسب مصالح “التنظيم”، وصراعاته السياسية، بعد أن أحلوا “التنظيم السري” ومصالحه الضيقة، محل الأمة الإسلامية ومصالحها العامة، حتى إنهم قاموا بأدلجة جميع الفقهاء المجددين، والعلماء المصلحين عبر التاريخ الإسلامي ليكونوا ناطقين باسم أيديولوجيتهم الغريبة على التراث الاسلامي، وعملوا على تكوين الشاب المسلم الحركي ، وهو شخص يميل إلى( العزلة ، والتعصب والاستعلاء والاستبداد في الرأي، والمثالية ، والطاعة للتنظيم )
إن تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة – والسلم كما قال الشيح عبد الله بن بيه : ” حالة تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات…وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضر عن الجميع وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة، فلا عنف في اللغة ولا اعتداء في السلوك ولا ظلم في المعاملة” – يقتضي عملا مزدوجا يتجه إلى :
– “تجديد الخطاب الاسلامي؛ طالما كان ذلك بغاية السمو بدين الرحمة والإنسانية والخوض في غمار المنهجية العلمية والعملية ” كما يقول الشيخ عبد الله بن بيه؛ لأن مكمن الخطر يوجد في “المنهج المعرفي” وطريقة التعامل مع النصوص، وإهمال مقاصد الشريعة، وجهل “صناعة الفتوى”؛ ولن يتم ذلك ما لم يكم هناك تجديد للمنهج المعرفي، وتغيير لطريقة التفكير أو الاجتهاد، وهو ما يستلزم التخلي عن الرؤية التجزيئية التي تعول على الفهم الجزئي للشريعة وتركز على “الدليل المنفصل”، بعيدا عن القواعد الشرعية الحاكمة، والمقاصد الكلية الناظمة، والقيم الاسلامية الموجهة، والسياق التاريخي المحدد، وطبيعة النظام الاجتماعي الذي كان سائدا وقت ورود الدليل الجزئي، والنظام الاجتماعي الذي يراد تنزيل هذا الدليل عليه مرة أخرى، لأن هذه المنهج هو نفسه الذي أنتج فكر هذه الجماعات المتطرفة بالأمس، ولا يمكن أن يصبح منقذا من تطرفها أو علاجا لانحرافها اليوم. وهذا ما نبه عليه الشيخ عبد الله بن بيه بقوله إن قسما ممن تصدى للفكر المتطرف : “رام مقارعة الأدلة الجزئية بمثلها، فتبنى منهجهم الاجتزائي، ورد بجزئي على جزئي، وبظاهر على ظاهر، فلم يصنع شيئا”
– تفكيك خطاب العنف والتطرف؛ وهو ما يستدعي “ضرورة إماطة اللثام عن زيف التوكؤ على الإسلام من خلال استشهادات مجتزأة خارج السياق الزماني والمكاني والإنساني، ومعزولة عن بقية النصوص التي تفسر غموضها وتقيد إطلاقها، وتخصص عمومها، وترد جزئيها إلى كليّها” كما ورد في كلمة الشيخ العلامة عبد الله بن بيه في الملتقى الثاني لتعزيز السلم ـ
– تعزيز التنمية في المجتمعات المسلمة وتحقيق العدل، والقضاء على الظلم والبطالة والتهميش والحرمان.
نستخلص من هذا أن خطاب التطرف العنيف وجد في “التراث الفقهي ” الذي لم تتم “غربلته” ثغرتين استطاع أن يوظفهما في بناء أيديولوجيته الدينية المتطرفة وهما:
– منهج اجتزائي يقيم الدليل الجزئي مقام استقراء النصوص، والاحتكام إلى قواعد الأصول، ومقاصد الشرع، وحكمة الشارع. ومصالح الخلق، وقيم الإسلام، وتعقيدات الواقع.
– فتاوى فقهية ظرفية كان لها سياقها التاريخي وملابساتها السياسية والاجتماعية التي أنتجتها، ولا يجوز تعميمها في كل زمان ومكان.
وبما أن “فكر التطرف العنيف” في صراع سياسي وفكري فإنه لا يبحث إلا عن “أقوال” تساعده في تحقيق أهدافه الدينية والسياسية؛ وكسب هذا الصراع؛ وهذا ما جعله يستغل هاتين الثغرتين بعناية، ثم أضاف إليهما مصادرة مواقف الصحابة وعلماء السلف لجعلهم مبشرين بالتطرف العنيف وداعيين إليه، يقول الدكتور سيد امام الشريف أحد أبرز المنظرين للفكر المتطرف: ” والخلاصـة أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعا قطعيا ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفُهُ، فمن خالف في هذا الحكم فقد كَفَر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم” (كتاب طلب العلم الشريف 2/ 676 )، وكأن الصحابة الذين عاشوا قبل الف وأربعمائة سنة في مجتمع بدوي قبلي، وكيان اجتماعي وسياسي موحد، يعيشون بين أظهرنا الان في هذا المجتمعات الصناعية المعقدة، والكيانات الاسلامية المتعددة.
إن الرد على هذا الفكر يجب أن ينطلق – كما قال الشيخ عبد الله بن بيه – من ضرورة “الخوض في غمار المنهجية العلمية العميقة، التي من شأنها أن تفكك بنى الإرهابيين وتنقض عرى ما عقدوه”. وهو ما يحتاج – كما يقول الدكتور طه جابر العلواني – إلى ” مراجعات شاملة للأصول والفروع والمنهج، بحيث يترتب عليها تصحيح مناهج النظر في الأصول والقواعد والمنطلقات “.

الدكتور / محمد المهدي ولد محمد البشير