ارشيف ل September, 2019

معان إيمانية في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة – العلامة عبدالله بن بيه

الهجرة حدث كبير، فارق بين الظلام والنور، فارق بين الجاهلية و الإسلام، فارق بين الحق والباطل. فهي حدث كبير يمكن ان تستلهم منه كل الدروس. دروس الهداية ودروس الصبر ودروس الجهاد الحق الذي هو دفاع عن الحق والنفس و عن الدين وليس الجهاد الذين يقتل المسلمين والمسالمين.

 الهجرة، هي هجرة القلوب و النفوس معرضة عن الباطل منتقلة إلى الحق.

هي هجرة الأبدان أيضا من مكان تسام فيه الخسف وتمنع فيه من دينها الى مكان آمن ، وهي نقلة عن الأهل والأقارب من أجل الخير ومن أجل العمل الصالح . كل تلك الدروس تستفاد من الهجرة.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لا الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا) ، ولكنه أيصا عليه السلام يقول: (المهاجر من هجر مانهى الله عنه).

 اذا فالهجرة لها معانٍ متعددة و النبي صلى الله عليه وسلم أطلعنا على تلك المعاني. فليست هي فقط الهجرة من مكة للمدينة للالتحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذه بلاشك هي أفضل الهجرات. ولكن هناك هجرات أخرى:

يمكن للمرإ أن يهاجر وهو في بيته بأن يهجر ما نهى الله عنه. فإذا فهمنا كل هذه المعاني وفهمنا أن الهجرة هي انتقال من حال الى حال ومن مكان إلى مكان هنا تتسع معانٍ الهجرة ويمكن للمؤمن أن يجتهد في هذه المعاني. فمثلا قد يكون بلد متخلف تكون هجرته بأن يصلح حاله ليكون بلدامتطورا هذه نوع من الهجرة، قد يكون المؤمن مقيما في بلد ترتكب فيه المعاصي فيهاجر إلى بلد لا ترتكب فيه. أو يهاجر بقلبه ونفسه عن ارتكاب المعاصي ، هي هجرة تشمل الفرد والجماعة .

*ملاحظة : هذا النص هو تفريغ لحوار مرئي للتلفزيون الماليزي مع تصرف بسيط.

ابن بيه.. المجتهد ورائد الإصلاح – بقلم المفكر اللبناني د.رضوان السيد

الدكتور رضوان السيد
مفكر لبناني

 

منذ أربعين عاماً وأكثر يعمل الشيخ الجليل عبدالله بن بيه من أجل سلامة الدين وسلام العالم. وقد تابعت عمله عن كثب في منتدى تعزيز السلم، ولاحظتُ كيف التقت في فكره وعمله أربعة أمور: استعادة السكينة في الدين عبر مكافحة التطرف والإصلاح، ونشر فكرة السلام بين الأديان عبر التسامح والتعارف وإقامة الشراكات، والإسهام في التأسيس لعهدٍ جديدٍ في الزمان الجديد للدولة الوطنية العربية والإسلامية المتقدمة والجامعة، والدخول بقوة الفكر والفكرة على عالم العصر وعصر العالم في مجال تدافُع القيم بين السلم والعدل.

في هذه المجالات الأربعة أودُّ المرور بأربع محطات في فكر الشيخ وعمله: محطة مؤتمر مراكش مع وزارة الأوقاف المغربية، حيث بلور الشيخ العلاّمة مشروعاً لعلاقاتٍ أُخرى بين المسلمين والآخرين العائشين معهم في ديارهم من المختلفين ديناً أو اعتقاداً ونهج عيش وحياة. وقد قام مشروعه ذاك على التسامح، ودولة المواطنة الدستورية، والعيش المشترك والمتنوع من دون تمييز ولا مثنوية. وقد استكمل الشيخ هذا المشروع في جانبه الآخر المتعلق بعيش المسلمين في العالم، حيث تصدى لمشكلات الهوية والخصوصية وعوائق الاندماج، والتصادم بين الشعبويات والإسلاموفوبيا من جهة، والمرارات التي تتحول إلى تطرف أو انعزال لدى الأقليات الإسلامية من جهة أُخرى. وقد بدا ذلك في مؤتمراته ولقاءاته بالمسؤولين الدينيين والسياسيين في الولايات المتحدة والأقطار الأوروبية.

ولدينا في فكر الشيخ وعمله محطة أو اهتمام الدولة الوطنية المدنية والتعددية والدستورية. وقد استند في ذلك إلى عهد أو كتاب المدينة الذي عقده الرسول، صلواتُ الله وسلامه عليه، بين فئات الناس المختلفة ديناً وتنظيماً اجتماعياً، لتأسيس كيانٍ قال إنه «أمةٌ من دون الناس»؛ يقوم على العيش المشترك والإنصاف والتضامُن وحفظ الحقوق والحريات. صحيحٌ أنّ مستشرقين سمَّوا الكتاب دستوراً من قبل، لكنّ اكتشاف الشيخ هو الطابع التعاقُدي والتعددي والمدني للكيان الجديد الطالع في أفق القرن السابع الميلادي بديلاً للكسرويات والقيصريات. وهنا الاقتران بين السلم والمساواة والإنصاف والتشارك. ثم البعد الثالث لعهد المدينة، وهو الخروج من عبء التاريخ بالعودة لأصول التصور أو التجربة التي تلتقي مع الدولة الدستورية القائمة على التداوُل المفضي إلى التوافق على المصالح الأساسية.

أما مقولة حلف أو تحالف الفضول والفضائل؛ فتمثل استقراءً خالصاً للشيخ. ولها جوانب وأبعادٌ ما تنبه إليها غيره. فقد قام بالمبادرة الحارث بن عبد المطلب عم النبي صلواتُ الله وسلامُهُ عليه قبل الدعوة المحمدية. وكان المقصود بها حماية الضعيف والغريب، وتحويل أخلاق الفضيلة إلى أعرافٍ مُلزمةٍ في مجتمعات التجارة والقوافل التي يكثر فيها الفساد ويظهر المطففون والمتجاهلون لحقوق الضيافة والجوار. وقد لفت الشيخ الجليل إلى أنّ رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، قد أقرها بعد أربعين عاماً على الدعوة إليها، إشارةً إلى أنّ القيم والفضائل الإنسانية هي نفسُها «المعروف» الذي يدعو إليه الإسلام، والدين الإبراهيمي الواحد. ويتصور الشيخ بن بيه أنّ فضلاء العالم، كما توافقوا على ميثاقٍ عالميٍّ لحقوق الإنسان، يمكن أن يتوافقوا على قيم المعروف وفضائل الجوار والهجرة والضيافة، التي دعا إليها وطبقها على أنفسهم أجدادُنا الأقدمون وأقرتها الرسالات المفتوحة على الآفاق الشاسعة لفضائل الفطرة الإنسانية السليمة.

إنّ المحطة الرابعة هي منهج الشيخ بن بيه في الفكر والعمل، إذ يجمع بين اجتهاد الفقيه، وعقلانية المفكر والفيلسوف، ورائد الإصلاح الإسلامي والسلام الديني والإنساني. فمعه ومع المنهج القائم على الاجتهاد النهضوي، والعقلانية الفلسفية، وإرادة الإصلاح والتغيير، نُخرج ديناً وأمةً من مأزق تدافُع القيم في النفوس والأخلاد والأعمال، والعلاقة المضطربة بالعالم. إنّ قول الشيخ بتقديم السلم على العدل، يتجاوز مسألة الأولويات، إلى تعقلٍ جديدٍ للدين، وللقيم والأخلاق النابعة منه. فقِدْماً اختلف علماؤنا في تقديم العدل أو الرحمة في علاقة المولى بعباده. وأشدّ ما يحتاج إليه المسلمون اليوم وجوداً واعتباراً قيمة السِلْم والسلام. إنهم يحتاجون إليها في عيشهم وتعاملهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم بالعالم. والأمر صعبٌ إذا نظرنا إلى الظروف المحيطة بالمسلمين وحالات الغلبة والاستقواء.

بالأمس حصل العلاّمة بن بيه على جائزة خدمة الإسلام من ملك ماليزيا. وهي ليست التقدير الأول من جانب الجهات العربية والإسلامية والعالمية. وإذا كان في ذلك اعتبارٌ بارزٌ للشيخ الجليل؛ فإنه يحمل دلالةً كبرى أيضاً على تقدم دعوته وعمله في مجال خدمة الإسلام، وخدمة السلام، وخدمة الإنسانية.

الاتحاد

ذكرى عظيمة في وجدان كلّ مسلم وفي وُجود كلّ إنسان – العلامة عبدالله بن بيه

تمر بنا هذه الأيام ذكرى عظيمة في وجدان كلّ مسلم وفي وُجود كلّ إنسان، ذكرى الهجرة النبوية الشريفة،
هجرة إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين، والرحمة المهداة للعالمين، والنعمة المسداة للناس أجمعين،
نبي الرحمة ورسول السلام، رحمة في الأولى والآخرة، وسلام في الظاهر والباطن، سلام في النفوس وفي القلوب وسلام مع الذات ومع الآخرين،
هجرة نبينا صلى الله عليه وسلّم الذي أمر بإفشاء السلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (“لا تدخلوا الجنـّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟)
وأمر بقراءة السلام كما في الحديث المتفق عليه أي الإسلام خير؟” قال ” تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف”،
وأمر ببذل السلام للعالم كما في الصحيح في حديث عمار المحكوم له بالرفع (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من إقتار).
العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

نص كلمة بمناسبة جائزة الهجرة لشخصية العام المتميزة -ماليزيا – بوتراجايا

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه
معالي الشيخ عبد الله بن بيه
رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي –
رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة
 …
جلالة السلطان عبدالله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، ملك ماليزيا المبجل
و جلالة الملكة
صاحب الفخامة تون دكتور *محاضر* بن محمد ، رئيس وزراء ماليزيا
و السيدة قرينته
أصحاب المعالي، أصحاب السعادة والفضيلة
أيها الحضور الكريم
كل باسمه وجميل وسمه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يطيب لي بادئ ذي بدء أن أحمل إليكم جلالة السلطان، تحيّات أخيكم صاحب السّمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، وأخيكم وصديقكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتهانيهما بمناسبة العام الجديد، نسأل الله أن يجعله عام خير وبركة ومزيد من الاستقرار والازدهار لبلدَينا الإمارات وماليزيا وللعالم أجمع.
كما أتوجّه بأسْمى عبارات الشُّكر والامتنان إلى الحكومة الماليزية لتشريفها لي باخْتياري لنيل هذه الجائزة العظيمة التي تقترن بذكرى عظيمة في وجدان كلّ مسلم وفي وُجود كلّ إنسان، ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، هجرة إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين، والرحمة المهداة للعالمين، والنعمة المسداة للناس أجمعين، نبي الرحمة ورسول السلام، رحمة في الأولى والآخرة، وسلام في الظاهر والباطن، سلام في النفوس وفي القلوب وسلام مع الذات ومع الآخرين، هجرة نبينا صلى الله عليه وسلّم الذي أمر بإفشاء السلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (“لا تدخلوا الجنـّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟) وأمر بقراءة السلام كما في الحديث المتفق عليه أي الإسلام خير؟” قال ” تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف”، وأمر ببذل السلام للعالم كما في الصحيح في حديث عمار المحكوم له بالرفع (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من إقتار).
لقد عرفت ماليزيا هذه الحقيقة منذ قرون طويلة عندما أضاء ربوعها الإسلامُ، فعاشت دينَها رحمة ونعمة، عاشته سلاما ووئاما وأخوة ومحبّة.
انطلاقا من هذه الفضيلة التي جاء بها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم “وما أرسلناك إلا رحمة الله للعالمين”، سيكون حديثنا في هذا المحفل البهيج واليوم الأغرّ عن هذه القيمة، قيمة الرحمة والسلام.  وسأغتنم هذه السّانحة بين يدي جلالة السلطان الحاج عبد الله للتعريف بما نقوم به في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من جهود ومشاريع، أحسب أنّها الموجبةُ لهذا التكريم.
جلالة السلطان الحاج عبد الله شاهْ،
أيها الحضور الكريم،
إن لكُلِّ وقتٍ واجباً لا ينبغي الانشغال فيه بسواه، واجبا يمثّل تحدّيا لأبناء ذلك الوقت ويلزمُهم التصدّي له، واجبا يفرضه عليهم الواقع بضَروراته الحاقّة ومصالحه الملحّة.
واجب الوَقت اليوم هو البَحث عن السَّلام، فالإنسانية كلّها اليوم محتاجة إلى السّلام، والعالم الإسلامي ربّما أشد فاقةً إليه من غيره، فما شهدته المنطقة في العقد الأخير وما تزال تشهده يفرض علينا جميعا أن نصرف جهودنا وجهادنا لإطفاء الحريق المشتعل ولبثّ روح السكينة في النفوس، والتصدّي لتحدّي الإرهاب والتطرُّف.
تلك هي المهمة التي انتدَبنا لها طيلةَ العشريّة المُنصرمة، تَأصيلا وتوصيلا، عقدنا من أجلها المؤتمرات وأطلقنا لها المبادرات، فحيثما كنا، دعوتنا دعوةٌ واحدةٌ لإحلال السلم محل الحرب والمحبة مكان الكراهية والوئام بدل الاختصام، نبحث عن مسوغات السلام والعافية بدلا من مبررات الفتن والحروب الجاهلية. السلام والمحبة والصداقة هي رسالتنا إلى البشرية، وشعارُنا هو شن الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلما على سلم، ذلك هو واجبنا الديني ومسؤوليتنا الإنسانية.
انطلقنا في رحلة السلام من أبوظبي فضاء الإنسانية، وعاصمة التسامح والتعايش، نعتمد على ركيزتين أساسيتين ومتكاملتين:
فعلى مستوى الركيزة الأولى قمنا بعملية حفر معرفي في الأصول الإسلامية للكَشف عن نصوص السلم المنسيّة ومقاصده المعطّلة والتذكير بقيمه الضامرة وفقهه المطمور، لقد استنفرنا النصوص وأثرنا التراث للبرهنة على الدعوى التي نؤمن بها، وهي أنّ الإسلام دين سلام وأن السّلم بوصفه مقصدا شرعيا هو أوثقُ ضمانا للحقوق وحفظِ الضروريات الخمس من الحرب والفتنة.
وفي هذا السّياق خصصنا أكثر بحوثنا لتصحيح المفاهيم المتعلّقة بالسلم، وذلك أن جزءا كبيرا مما يعيشه العالم اليوم من فتن مردُّه إلى التباس مفاهيم دينية في أذهان شريحة واسعة من المجتمعات المسلمة، كدولة الخلافة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وطاعة أولي الأمر وهي مفاهيم كانت في الأصل سياجا على السلم وأدوات للحفاظ على الحياة ومظهرا من مظاهر الرحمة الربانية التي جاء بها الإسلام على لسان نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما فهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، انقلبت إلى ممارسات ضدّ مقصدها الأصلي وهدفها وغاياتها.
هذه الرّكيزة التّأصيلية لا توتي ثمارها إلا إذا عُضّدت بركيزة تنزيلية، تقوم على أهمية الوعي بطبيعة العصر، حيث نلاحظ لدى الكثير من المسلمين قصورا في إدراك الواقع، فكثير منا ما يزال يعيش وكأن شيئا لم يكُن، ما يزال يرى العالم كما كان في العصور الوسطى، عصر الامبراطوريات، عصر التمايز والعيش المنفصل ويتجاهل ما استجدّ من أسباب التمازج والعيش المتّصل.
ما يزال بعضُنا عاجزا عن استيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم، حيث انتهى العهد الامبراطوري ودخلت المجتمعات المسلمة ضمن إطار ما صار يعرف بالدولة القطرية أو الدولة الوطنية.
وكذلك لم تَعد الولاءات في الوقت الراهن دينية حصرا، بل أصبحت ولاءات مركبة ومعقدة تتحكم فيها عوامل متداخلة لا تَنفصل عن بعضها، وظهرت النّزعة الفردية بحيث لم تعد الجماعة في بعض البيئات مؤطّرة لفعل الفرد. واستجدّ مستوى غير مسبوق من التشابك بين مصائر الشعوب وأوضاعها في سياق العولمة وغدت التعددية الثقافية والعرقية والدينية واقعا في كل قطر.
وكذلك توصلت البشرية إلى مواثيق أممية وقوانين دولية بها تُؤطّر العلاقات بينها، وبرزت ثقافة الحريات عاملا مؤثرا وفاعلا في الواقع، واعتمد نظام حقوق الإنسان وسيلة لعيش الأقليات بين ظهراني الأكثرية، واعتمدت المجتمعات عقدا اجتماعيا وسياسيا جديدا يوزّع ممارسة السيادة بين سلط متكاملة ومستقلة.
وعلى مستوى الاقتصاد حصل انفصام حادّ في منظومة الإنتاج والتوزيع بين الاقتصاد وروح الأخلاق، حيث سادت القيم المادية الخالية من كل قيم إلهية أو إنسانية نبيلة، وغدا الإنسان كائنا ماديا، يعيش لِذاته مستغرقا في لَذّاته، فلا نبل ولا كرم ولا إيثار ولا تضامن ولا نظر في المآلات إلا مآلات الربح بلا روح والثروة بلا رائحة.
ذلك هو الواقع اليوم، الذي صار يفرض تأويلا جديدا وتنزيلا متجدّدا، فالواقع شريك أساسي في الاستنباط وفهم النصوص وتطبيقها.
انطلاقا من هذه المقاربة، ووعيا بهذه المستجدات أصدرنا في شهر يناير 2016 إعلان مراكش لحقوق الأقليات، وقد جاء الإعلان يجلي القيم الإسلامية والأسس المنهجية لواجب التعايش السعيد والتعامل الحسن مع سائر أتباع الديانات، وقد دعا الإعلان علماء ومفكري المسلمين إلى العمل لتأصيل مبدأ المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتماءات بالفهم الصحيح والتقويم السليم للموروث الفقهي والممارسات التاريخية وباستيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم.
لقد استلهم الإعلان روحه ومبادئه من صحيفة المدينة، وهي وثيقة موثقة وصحيحة من رحم الإسلام وتراثه الأصيل، كادت أن تنسى في ظروف وفترات من التاريخ، في هذه الصحيفة يعلن النبي صلى الله عليه وسلم الحقوق والواجبات المتساوية والمتكافئة بين جميع سكان المدينة على اختلاف دياناتهم وجذورهم القبلية كأول دستور تعاقدي في الإسلام. في هذه الصحيفة لا عبرة بالأكثرية ولا الأقلية، إذ عندما يطبّق القانون العادل الرحيم فلا أقلية ولا أكثرية بل يصير الجميع مواطنين متساوين في الكرامة والحقوق والواجبات.
كما استهدف إعلان مراكش المصالحة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية، حيث يرى البعض أن قوة الانتماء إلى الهوية الدينية تؤدي إلى انهيار روح المواطنة، ويفترض تعارضا ذاتيا بين الولاء للدين والولاء للوطن، وخاصة في المجتمعات الهشة ذات الطوائف المتعدّدة حين تضعُف سلطة الدولة فتطغى سلطة الهوية الدينية، وتفيء كلُّ طائفة إلى حاضنتها الدينية التي تضمن لها نوعا من الحماية النفسية وحتّى الوجودية. لقد كان الاهتمام في إعلان مراكش متوجّها إلى قلب المعادلة ليكون الانتماء الديني حافزا لتجسيد المواطنة وتحييد سلبيات تأثير عامل الاختلاف الدّينيّ عليها.
جلالة السلطان،
أيها الحضور الكريم،
إنني قادم إليكم من أبوظبي، حيث نحتفي هذه السنة في الإمارات بالتسامح عنوانا لسنة 2019، حيث اختاره حيث اختاره صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة قيمة مركزية، عليها مدار كافة المبادرات والتدابير طيلة العام، فأطلقت البرامج التوعوية والتعليمية والتثقيفية واتخذت التدابير العملية التربوية والقانونية لغرس ثقافة التسامح وترسيخ معاني الأخوة الإنسانية وتعزيز السلم في العالم.
إن الحديث عن هذه القيم، قيم السلام والمحبة، ليس بدعا من القول ولا بدعة من العمل، هنا في بلادكم، ماليزيا، حيث لم تفتؤوا تقدّمون للعالم النموذج الحيّ على الرواية الإسلامية الأصيلة والرؤية الحضارية المتينة، من خلال عقدكم الاجتماعي القائم على مبادئ التعايش والوئام، والتي طبعت الشخصية الماليزية وأتاحت لها بفضل الله أسباب الازدهار والاستقرار.
وفي الختام أيها الحضور الكريم إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة نشاطركم في ماليزيا القناعة الراسخة بأنه لا مستقبل للبشرية إلا من خلال السّلام والوئام، وأن التعايش هو الخيار الوحيد لنا في العالم، هكذا يبرهن العقل وتكشف التجربة الإنسانية، وهكذا تعلّمنا النصوص الدّينية، قال تعالى: “والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم”.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماليزيا تختار العلامة عبدالله بن بيه ” كافضل شخصية اسلامية”

 

بوتراجايا (ماليزيا) -1 – 9 –2019م

أعلنت دولة ماليزيا عن اختيارها العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه -رئيس مجلس الإمارات للإفتاء – لنيل جائزة (افضل شخصية اسلامية) في حفل استقبال السنة الهجرية (مع الهجرة) الذي ستقيمه الحكومة الماليزية في مدينة بوتراجايا بحضور ملك البلاد السلطان عبدالله أحمد شاه.

وجائزة الهجرة النبوية جائزة كبرى تمنح لكبار الشخصيات التي قدمت خدمات جليلة للأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، على المستوى المحلي داخل دولة ماليزيا، أو على المستوى العالمي.

ويشغل معالي العلامة عبدالله بن بيه رآسة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، و رآسة منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ورآسة مؤسسة الموطأ للدراسات، وعضو مؤسس في مجمع الفقه الإسلامي بجدة.

ولدى معالي الشيخ مؤلفات عديدة في الفقه وأصوله  والدراسات الاسلامية و الحوار الفكري. كما يعد معالي الشيخ رائدا في تأسيس فقه السلم والتأصيل للتسامح والتعايش انطلاقا من فهم عميق للخطاب الشرعي ووعي بالواقع المعاش. تُرجم عدد من كتب معالي العلامة عبدالله بن بيه  الى اللغة الملايوية إضافة إلى مئات من مقالاته ومحاضراته واستفاد منها أرخبيل الملايو المتمثل بماليزيا واندونيسيا وسنغافورة وبروناي وجنوب تايلند وجزء من الفلبين.
(النهاية)