ارشيف ل March, 2020

العلامة عبدالله بن بيه يبين التصور الإسلامي الصحيح في التعامل مع الوباء

 
 

أبوظبي:«الخليج»

وجه الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، كلمة بمناسبة ما يمر به العالم اليوم من تضافر للجهود ضد وباء كورونا، مشيراً إلى أن الدين ليس حاجزاً ضد الوقاية من هذا الوباء، بل هو حافز لها، وأن البحث عن التدابير الدنيوية من نتائج العقول وتجارب البشرية.

وقال ابن بيه: «إننا في وقت يكتسح العالم فيه وباء كورونا الجديد، ويستنفر فيه العالم جهوده للتصدّي له، وأرى أن هذه مناسبة لنؤكّد التصور الإسلامي السليم لمثل هذه الأمور، فإن إيماننا بأن هذه الأوبئة مقادير من عند الله، لا ينافي السعي إلى معالجتها والبحث عن التدابير الدنيوية من نتائج العقول وتجارب البشرية، فمكافحة الأوبئة هي من جنس مكافحة كل ما يؤذي الإنسان كالسباع الضّارية والهوامّ السامة التي يشترك فيها المؤمنون وغير المؤمنين».

وأضاف، أن الكفاح من قدر الله، كما قال الخليفة الراشد عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله، فهذا هو المنطق الصحيح في الإسلام فالتوكل لا ينافي العمل، وإن ترك العمل هو إساءة للأدب مع الله كما يقول أهل التزكية.

 

التصور الإسلامي للتعامل مع الأوبئة

*التصور الاسلامي للتعامل  مع الأوبئة  – العلامة عبدالله بن بيه 

 

في هذا الوقت الذي اجتاح  العالم فيه وباء كوفيد-19 #كورونا  وتستنفر الجهود لمواجهته نود أن نؤكد على التصور الإسلامي الصحيح في مواجهة الأوبئة.

إن إيماننا بأن هذه الأوبئة مقادير من عند الله، لا ينافي السعي إلى معالجتها والبحث عن التدابير الدنيوية من نتائج العقول وتجارب البشرية، فمكافحة الأوبئة هي من جنس مكافحة كل ما يؤذي الإنسان كالسباع الضّارية والهوامّ السامة التي يشترك فيها المؤمنون وغيرالمؤمنين.

فالكفاح من قدر الله، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه : “نفر من قدر الله إلى قدر الله” . فهذا هو المنطق الصحيح في الإسلام فالتوكل لاينافي العمل، إذ إن التوكل حالة قلبية وترك العمل هو إساءة للأدب مع الله كما يقول أهل التزكية، وترك العمل مخالف للسنّة الكونية  وللسنة التشريعية لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح “تداووا يا عباد الله”. فهدا مايجب أن يفهمه الجميع وأن يتصرفوا طبقا له.

 إن أفضل المتوكلين عليه الصلاة والسلام كان يتعالج ويعالج، فكل جهد للوقاية والعلاج مطلوب ومرغوب، فهي تدابير أظهرت نجاعتها التجربةالعلمية وتزكيها النصوص الشرعية، وهي مقتضى مقاصد الشريعة وقواعدها.

وندعو جميع المسلمين للابتهال والتضرع إلى الله تعالى بالدعاء ليرفع البلاء وننصح بكثرة الاستغفار فإن الاستغفار يرفع البلاء ويزيد القوةومنها المناعة، كما في قوله تعالى حكاية عن هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (ويا قومي استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يرسل السماءعليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم) (سورة هود ، آية 52)، وننصح بالحسبلة ، فإن الله عز وجل قال” وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء”.

..

 *هذا النص تم تفريغه من كلمة العلامة عبدالله بن بيه في اجتماع علماء الساحل 

وِرْد قرآني ينصح به العلامة عبدالله بن بيه في هذه الأيام

وِرْد ينصح به شيخنا الشيخ عبدالله بن بيه  في زمن هذا الوباء.ويقرأ بعد كل صلاة (أو حسب الإمكان)  ويمكن أن يقرأ جماعياً :

 

100 من الاستغفار

100 من الحسبلة (حسبنا الله ونعم الوكيل)

 

آيات السكينة (ست آيات):

1- وَقَالَ لَهُمْ نَبِيٓـُٔهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦ أَنْ يَّأْتِيَكُمُ اُ۬لتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمْ (246) البقرة

2- ثُمَّ أَنزَلَ اَ۬للَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَي اَ۬لْمُؤْمِنِينَ (26) التوبة

3- فَأَنزَلَ اَ۬للَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمْ تَرَوْهَا (40) التوبة

4- هُوَ اَ۬لذِے أَنزَلَ اَ۬لسَّكِينَةَ فِے قُلُوبِ اِ۬لْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَٰناٗ مَّعَ إِيمَٰنِهِمْۖ (4) الفتح

5- فَأَنزَلَ اَ۬لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحاٗ قَرِيباٗ (18) الفتح

6- فَأَنزَلَ اَ۬للَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَي اَ۬لْمُؤْمِنِينَ (26) الفتح

 

آيات التثبيت (14 آية):

1- رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراٗ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَي اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لْكَٰفِرِينَ (248) البقرة

2- رَبَّنَا اَ۪غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِے أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَي اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لْكَٰفِرِينَۖ (147) آل عمران

3- وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْراٗ لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاٗۖ (65) النساء

4-  وَلِيَرْبِطَ عَلَيٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ اِ۬لْأَقْدَامَۖ (11) الانفال

5- إِذْ يُوحِے رَبُّكَ إِلَي اَ۬لْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّے مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْۖ (12) الانفال

6- يَٰأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٗ فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اُ۬للَّهَ كَثِيراٗ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَۖ (46) الانفال

7- وَكُلّاٗ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ اِ۬لرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ (119) هود

8- اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ أَلَا بِذِكْرِ اِ۬للَّهِ تَطْمَئِنُّ اُ۬لْقُلُوبُۖ (29) الرعد

9- يَمْحُواْ اُ۬للَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثَبِّتُۖ وَعِندَهُۥ أُمُّ اُ۬لْكِتَٰبِۖ (40) الرعد

10- يُثَبِّتُ اُ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ اِ۬لثَّابِتِ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْيَا وَفِے اِ۬لْأٓخِرَةِۖ (29) ابراهيم

11- قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ اُ۬لْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَهُديٗ وَبُشْرَيٰ لِلْمُسْلِمِينَۖ (102) النحل

12- وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَئْاٗ قَلِيلاًۖ (74) الاسراء

13- كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلاٗۖ (32) الفرقان

14- يَٰأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اُ۬للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْۖ (8) محمد

 

  • سورة الشرح: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) اَ۬لذِے أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَۖ (4) فَإِنَّ مَعَ اَ۬لْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ اَ۬لْعُسْرِ يُسْراٗۖ (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَيٰ رَبِّكَ فَارْغَبۖ (8) )

 

  • (فَمَنَّ اَ۬للَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَيٰنَا عَذَابَ اَ۬لسَّمُومِۖ (25) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ أَنَّهُۥ هُوَ اَ۬لْبَرُّ اُ۬لرَّحِيمُۖ (26)) (الطور)

 

  • يا بر يا رحيم 7 مرات
  • مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم وقنا الوباء والبلاء ونسألك العفو والعافية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

نص كلمة العلامة عبدالله بن بيه في اللقاء التشاوري لعلماء الساحل الإفريقي

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

 

كلمة في

الملتقى التشاوري الأول لعلماء دول الساحل

(دعوة للحوارات والمصالحات الوطنية)

 

الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

العلامة عبدالله بن بيه

العلامة عبداللله بن بيه

 

أصحاب المعالي

أصحاب السعادة،

أصحاب السماحة والفضيلة

أيها الحضور الكريم  

كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بادئ ذي بدء يشرفني بين يدي هذه الكلمة الموجزة أن أتوجّه بأسْمى عبارات الشُّكر والامتنان إلى الحكومة الموريتانية على استضافتها لهذا الملتقى التشاوري الأول لعلماء بلدان الساحل الإفريقي، كما أرحب بضيوفنا من علماء المنطقة. 

 

إننا نجتمع اليوم لنتابع قرارات مؤتمرنا السّابق، مؤتمر “دور الإسلام في إفريقيا: التسامح والاعتدال ضد التطرف والاقتتال”، ولنتذاكر ونتحاور حول آليات تفعيل إعلان نواكشوط وتجسيده.

وفي هذا السياق يطيب لي أن أهنئكم جميعا على ما حظي به إعلانكم إعلان نواكشوط من قبول واستحسان وما ناله من إشادة وتنويه، على المستويين الإقليمي والدّولي.

فكل ذلك يبرهن على وجاهة المبادرة وراهنية الموضوع، كما يعكس الآمال الجسام التي تنيطها مجتمعانا الإفريقية بقادتها الدينيين، ليضطلعوا بدورهم كاملا غير منقوص إلى جانب سائر فعاليات المجتمع والدولة في وقف نزيف الدماء المعصومة والحرمات المصونة.

 وكل ذلك يستوجب منا البدار وعدم التّواني في تفعيل مبادئ إعلان نواكشوط وتجسيد مقرّراته، لكي لا تظل حبرا على ورق، وكلمات لا روح فيها.     

ولئن كانت القارة كلها مفتقرة إلى هذا التفعيل، فإن لمنطقتنا منطقة الساحل خصوصيةً، فهي للأسف قد غدت وجهة التطرف العنيف الجديدة، فإن المتأمل في تمدّده الجغرافي، يرى أن موجة الإرهاب والعنف تتجه في كل فترة إلى منطقة من مناطق العالم، تأرز إليها فتطحنها بكلكله وتلقي عليها بجرانها، وإن منطقتنا مرشحة لتكون هي الوجهة المقبلة لنار الإرهاب المحتدمة إذا نحن لم نحسن التصدي لها، بإطفاء ما اشتعل من نائرات الفتنة بروح الإطفائي الذي لا يعنيه من أشعل النار بل همه كيف يطفئها.

كما يأتي هذا الاجتماع في سياق رئاسة موريتانيا الدورية لمجموعة دول الساحل الخمس، ممّا يشحذ الهمّة ويجدّد الأمل في أن يجد إعلان نواكشوط طريقه إلى التطبيق، لما عهد في قيادة الجمهورية الإسلامية الموريتانية برئاسة فخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني من العزيمة الصادقة والبصيرة النافذة والرؤية المتزنة.     

 

أيها السادة والسيدات، أيها الحضور الكريم،   

إننا ننطلق من القناعة الراسخة بأولوية السّلم شرعا وعقلا وأوّليّته تاريخا وثقافة، فلقد عاشت إفريقيا الإسلامَ، منذ أشرقت به ربوعُها، رحمةً ونعمة، عاشته محبة وسلاما وأخوة ووئاما. وذلك ما أكّده وبيّنه إعلان نواكشوط.

لقد حدّد إعلان نواكشوط بمنطلقاته الجلية ومبادئه الكلية إطارا توافقيا مستمدا من رحم الشريعة الإسلامية، كما رشّح جملة من الوسائل المستوحاة من التجربة الإنسانية، فجاء بتوفيق الله ومنّه إعلانا تاريخيا قويا، وضع في اعتقادنا الأسس المتينة لمقاربة تشاركية جديدة.

فما هي الجوانب الأكثر إلحاحا في سياق منطقتنا هذه لنتدارسها والوسائل الأكثر نجاعة لنمارسها، ذلك هو السؤال الذي نقترحه على قرائحكم ونعرضه على أنظاركم، لنستفيد من تصوراتكم ونسترشد بمقترحاتكم. 

في اعتقادي أن أهم نقطة ينبغي أن نبرزها في هذا الملتقى هي الدعوة إلى إعادة الفاعلية لمبدإ الحوار والمصالحة، انطلاقا من قناعتنا الراسخة التي غدت كثير من الجهات الدولية تشاركنا فيها، بأن الحلول العسكرية والأمنية وحدها غير كافية، وأنه آن الأوان لنستعيد التراث الإفريقي الأصيل في التسامح وفي حل المشكلات بالحوار والوساطات والمصالحات.

إن جلسات الحكمة تحت ظلّ شجر الدّوم الباوْباب الإفريقية، لتدبير الاختلاف جسّدت بحقّ نموذجا حضاريا ناجحا لتحكيم العقل ومنطق المصلحة والإخوة على منطق المغالبة والقوة. وهي تفعيل ثقافي ملموس لمبدإ الصلح الإسلامي الذي وضع له الإسلام فقها كاملا ومتكاملا لحلّ النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة.

  إن التنازلات من صميم الشرع ومنطق العقل، هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال صلح الحديبية، ولا يعتبر هذا النوع من التنزيل للقيم تنازلا عن حقيقة أو تخلّ عن حق، بل هو بحث عن أنجع السبل لإحقاق الحق ورد الظلم، وحتى لا ينقلب المظلوم ظالما.

والحوار يقدم كما يقول أفلاطون البدائل عن العنف؛ لأنه بالحوار يُبحث عن المشترك وعن الحل الوسط الذي يضمن مصالح الطرفين، وعن تأجيل الحسم العنيف، وعن الملائمات والمواءمات، التي هي من طبيعة الوجود، ولهذا أقرها الإسلام، وأتاح الحلول التوفيقية التي تراعي السياقات، وفق موازين لمصالح والمفاسد المعتبرة.

إن اعتماد وسيلة الحوار لحل المشكلات القائمة يوصل إلى إدراك أن الكثير منها وهمي لا تنبني عليه مصالح حقيقية، وبهذه الحلول التوفيقية التي يثمرها الحوار، تفقد كثير من القطائع والمفاصلات والأسئلة الحدّية مغزاها.

في شريعتنا الإسلامية الحكيمة فتح الله بابا عظيما للإنسان هو باب التوبة الذي لا يسد حتى تطلع الشمس من مغربها، والذي يكاد يشمل أثره كل شيء، حتى أشد الجنايات خطرا كالحرابة، بل ذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة تسقط الحدّ الشرعي في كل الجنايات.

إن مفهوم التوبة أصبح مفهوما ضامرا في مقارباتنا الجديدة، التي صارت تنحو أحيانا منحى استئصاليا غيرَ واقعي، لأنها تحد من فاعلية مبدإ الحوار بدعوى الجناية التي لا تغتفر، وتسدّ باب التوبة والمراجعة، وتستنكف عن التنازلات والموائمات، وهو ما يفتح بابا عظيما من حروب الثارات والذحول والترات.

إن التعميم الذي لا يُقيمُ وزنا لتحقيق المناط في الأشخاص والأحوال، لا يمكن أن يفضي إلا إلى الأخطاء الفادحة والفتن التي لا منتهى لها، فلكل حالة دواؤها وعلاجها بحسب أسبابها وأوضاعها.

إن إحياء دور المصالحة الإفريقية الإسلامية الأصيلة على يد حكماء العلماء وعقلاء الزعماء قد يكون له الأثر المحمود في التخفيف من حدة الصراع وعزل العناصر السلبية منه.

 

 

أيها الحضور الكريم،

إننا نجتمع في وقت يكتسح العالم فيه وباء الكورونا الجديد، ويستنفر فيه العالم جهوده للتصدّي له، وأرى أن لقاءنا هذا مناسبة لنؤكّد التصور الإسلامي السليم لمثل هذه الأمور، فإن إيماننا بأن هذه الأوبئة مقادير من عند الله، لا ينافي السعي إلى معالجتها والبحث عن التدابير الدنيوية من نتائج العقول وتجارب البشرية، فمكافحة الأوبئة هي من جنس مكافحة كل ما يؤذي الإنسان كالسباع الضّارية والهوامّ السامة التي يشترك فيها المؤمنون وغير المؤمنين.

فالكفاح من قدر الله، كما قال الخليفة الراشد “نفر من قدر الله إلى قدر الله” فهذا هو المنطق الصحيح في الإسلام فالتوكل لا ينافي العمل ، فترك العمل هو إساءة للأدب مع الله كما يقول أهل التزكية، وهو مخالف للسنّة الكونية  وللسنة التشريعية لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح “تداووا يا عباد الله”.

هذا ما يجب أن يفهمه الجميع وأن يتصرفوا طبقا له، فأفضل المتوكلين على الله صلى الله عليه وسلّم كان يتعالج ويعالج، فكل جهد للوقاية والعلاج مطلوب ومرغوب، فهي تدابير أظهرت نجاعتها التجربة العلمية وتزكيها النصوص الشرعية، وهي مقتضى مقاصد الشريعة وقواعدها.

وبناء على هذا التصور فنحن نشيد بالتدابير الاحترازية والوقائية التي اتخذتها حكومات البلدان وخاصة حكومة المملكة العربية السعودية انطلاقا من مسؤوليتها السيادية والشرعية في رعاية المواطنين والمقيمين والمعتمرين والزوار.

وندعوا جميع المسلمين للابتهال والتضرع إلى الله تعالى بالدعاء ليرفع البلاء وننصح بكثرة الاستغفار فإن الاستغفار يرفع البلاء ويزيد القوة ومنها المناعة، كما في قوله تعالى حكاية عن هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (ويا قومي استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم) (سورة هود ، آية 52)، وننصح بالحسبلة ، فإن الله عز وجل قال” وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء”.

 

وفي الختام، وبشكل عملي أقترح استحداث هيئات للحوار ومجالس للواسطة والمصالحة، من الحكماء والوجهاء والعلماء، في كل دولة من دول الساحل، تعنى بالوساطات والمصالحات لفض النزاعات ذات الأشكال والأنماط المختلفة، سواء كان مردها إلى ضغائن وإحن تاريخية أو عصبيات عرقية وقبلية أو مردها إلى التنافس الطبيعي بين التجمعات السكنية أو إلى الفكر المتطرف.

كما تعنى هذه الهيئات بالتواصل مع نظيراتها في الدول الأخرى بحيث يتوصل إلى برنامج موحّد في خطوطه العريضة سواء في ما يتعلق بالبرهنة الفكرية على أولوية السلم وضرورة المصالحة أو في ما يتعلق بالأعمال الميدانية.

 ومن وظائف هذه الهيئة المقترحة التكوين والتدريب على ثقافة الحوار وآلياته ومبادئه وإشكالاته، بحيث يتسنى للمرشدين والمربين وجميع الفاعلين القدرة على ممارسة الحوار في تفاصيل حياتهم اليومية وعلى كل المستويات في علاقتهم بمجتمعاتهم من خلال إبداع وسائل مبتكرة للتواصل والتفاعل.

كما نقترح تكوين وتسيير قوافل للسلم، مكونة من بعض الأئمة والوجهاء من مختلف العرقيات والقبائل في المناطق التي تعاني من الحروب الأهلية والصراعات الدموية.

لقد كنا جرّبنا قوافل السّلام في بيئات أخرى، وأثبتت نجاعتها وقدرتها على العمل الميداني المؤثّر في نشر قيم التسامح والأخوة، ممّا يجعلنا نقترح تطبيقها بشيء يسير من التطوير في منطقة الساحل، حيث قد يسهم تسييرها في التخفيف من غلواء الاختلاف ومكافحة الصور النمطية السّلبية وتعزيز أواصر المحبة والأخوة داخل المجتمعات.

 

   وختاما أتمنى لأعمال ملتقانا هذا النّجاح والتوفيق ولضيوفنا مقاما سعيدا وأوبا حميدا.

والسلام عليكم ورحمة الله.

منتدى تعزيز السلم يطلق الملتقي التشاوري الأول بين علماء دول الخمس في الساحل الإفريقي

يرعاية من فخامة رئيس الجمهورية الاسلامية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني انطلقت صباح اليوم الثلاثاء بقصر المؤتمرات في #نواكشوط أعمال الملتقى التشاوري الأول بين علماء دول الخمس في الساحل تحت شعار ” دعوة للحوارات والمصالحات الوطنية “، المنظم بالتعاون بين الحكومة الموريتانية و منتدي تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.

دعا الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، علماء منطقة الساحل، لاعتماد منهج الحوار والتسامح كآلية للتصدي لتيارات التطرف العنيف، التي بدأت تتمدد نحو المنطقة. 

وأوضح بن بيه، في كلمة له أمام مؤتمر علماء منطقة الساحل الأفريقي في موريتانيا، أن الحلول العسكرية والأمنية وحدها غير كافية، داعياً لاستعادة تراث القارة الأصيل في التسامح، وحل المشكلات بالمصالحات. 

وانطلقت، الثلاثاء، بموريتانيا، أعمال اللقاء التشاوري الأول لعلماء منطقة الساحل، المنظم بالتعاون بين منتدى تعزيز السلم بالمجتمعات المسلمة في أبوظبي، والحكومة الموريتانية.

ويأتي المؤتمر في إطار تنفيذ توصيات مؤتمر العلماء الأفارقة المعروف بـ”إعلان نواكشوط”، الذي أقيم نهاية يناير/كانون الثاني الماضي بموريتانيا، تحت عنوان “تعزيز منهج السلم والتسامح والاعتدال في وجه تيار التطرف والاقتتال”.

واعتبر “بن بيه” أن مؤتمر تشاور علماء منطقة الساحل، يبرهن على وجاهة مبادرة العلماء الأفارقة بموريتانيا، وأهمية التوصيات التي خرج بها المؤتمر الأخير، وكذلك محورية القادة الدينيين في المجتمعات الأفارقة.

وأوضح أن أهمية المؤتمر كذلك ترتبط بخصوصية منطقة الساحل، التي أصبحت في الآونة الأخيرة وجهة لبعض التيارات المتطرفة العنيفة، مضيفاً أن المنطقة باتت مرشحة وجهة لنار الإرهاب المشتعلة، ما يحتم على العلماء الأفارقة حسن التصرف لمواجهة هذ المشكلة.

وخلص “بن بيه” إلى التأكيد بوجود قناعة راسخة لدى منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأنه لا مستقبل للإنسانية إلا في الوئام والتعايش، مبيناً أن ذلك هو الخيار الوحيد للسلام والأمن في المنطقة والعالم أجمع، وفق ما يبرهن العقل والتجربة الإنسانية.  

بدوره، أكد الوزير الدكتور سيدي ولد سالم، الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، أهمية انعقاد المؤتمر في ظل الرئاسة الدورية لموريتانيا لتجمع بلدان منطقة الساحل الأفريقي الخمسة.

وأشار ولد سالم إلى أن موريتانيا تسعى لرسم سياسات واضحة ومحكمة، لمواجهة التحديات التي تواجهها مجموعة دول الخمس في الساحل، خصوصا التطرف والإرهاب، بما لهما من تأثير مباشر على التنمية والأمن بالقارة الأفريقية بشكل عام.

وبيّن ولد سالم أن هذا الملتقى يعدّ انطلاقة فعلية لتنفيذ توصيات واقتراحات مؤتمر علماء أفريقيا، الذي احتضنته نواكشوط من 21 وحتى 23 يناير/كانون الثاني الماضي، والذي كرس لموضوع التسامح والاعتدال ضد التطرف والاقتتال.

وأكد أهمية إعلان نواكشوط الأخير، لما لاقاه من استحسان دولي إقليمي، يعكس آمال الشعوب الافريقية، وما تنتظره من قادتها الدينيين في تعزيز السلم والوئام، وصناعة مستقبل جديد للقارة، يسوده الأمن والرخاء.

وكان الإعلان الختامي لمؤتمر علماء أفريقيا في موريتانيا، الذي احتضنته موريتانيا نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، قد أشاد بجهود الإمارات، وإسهامها في نشر قيم السلم والتسامح في أنحاء العالم، خصوصاً في القارة السمراء.

وجمع المؤتمر الذي نظَّمه منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، 500 من العلماء والشخصيات المرجعية في أفريقيا، حول موضوع “التسامح ونبذ التطرف”.

وأوصى الإعلان الختامي للمؤتمر، الذي حصلت “العين الإخبارية” على نسخة منه، بتفعيل ميثاق “حلف الفضول الجديد”، لما يحتويه من قيم وفضائل، ويفتحه من آفاق واعدة للتعايش، وكذا توحيد الأمم على أساس “التعارف” و”التعاون” و”الأخوة الإنسانية”.

واعتبر الإعلان الختامي للمؤتمر، الذي صدر، الخميس، أن “واجب الوقت” أصبح يفرض على العلماء والقادة الدينيين التدخل العاجل، من أجل التصدي للعنف والتطرف، والمساعدة في فهم هذه الظاهرة، وتحليل أسبابها، ومعرفة تشكلاتها وملابساتها، واستشراف مآلاتها المستقبلية.

وتوقّف عند ضرورة تفكيك الخطاب الأيديولوجي، الذي تستمد منه ظاهرة التطرف “شرعيتها”، والتوظيف الخاطئ للمناهج في الاستدلال، وتبني مفاهيم مغلوطة في مجالي الدين والسياسة.

مقترحات وحلول

واعتمد الإعلان الختامي مقترحات عدة، من شأنها تحقيق الأهداف التي أقيم حولها المؤتمر على مدى 3 أيام في موريتانيا، وتضمنت عدداً من العروض والمحاضرات.

ومن أبرز هذه المقترحات والأدوات؛ إنشاء مجلس للوساطات والمساعي الحميدة في مختلف الدول الأفريقية، يضم النخبة الدينية والفكرية، وأعيان المجتمع.

ودعا المؤتمر المنظمات الإقليمية إلى ضرورة العناية الخاصة بالجانب الفكري والديني في استراتيجياتها المعتمدة، خصوصاً الاتحاد الأفريقي، وتجمع دول الساحل الخمس.

كما دعا العلماء الأفارقة المنظمات الحكومية وغير الحكومية إلى الشراكة والتّنسيق مع العلماء والقيادات الدينية، للوقوف أمام مخاطر التطرف وتحدياته، وكذا إنشاء قوافل أفريقية للسلام، وتقريب وتجسير العلاقات بين أتباع الأديان في أفريقيا.

 

مجلس الإمارات للإفتاء: يَحْرُمُ تواجد مريض كورونا بالأماكن العامة.

أصدر مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، منذ قليل، فتوى تحمل رقم ( 11 ) لسنة 2020، بخصوص ما يتعلق بأحكام أداء العبادات الجماعية مع انتشار فيروس “كوفيد – 19” المعروف باسم (كورونا)، أكد فيها أنه نظراً لما تقتضيه المصلحة العامة في التعامل مع انتشار الفيروس، وضرورة تعاون جميع الجهات في الدولة للتصدي لهذا المرض والحد من فشوه، واعتباراً لوجوب طاعة ولي أمر المسلمين في كل ما يأمر به من تعليمات، أصدر مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي بالتمرير الفتوى الآتية: أولاً، يجب شرعًا على جميع فئات وشرائح المجتمع الالتزام التام بكل التعليمات الصحية والتنظيمية الصادرة عن الجهات المختصة في الدولة، بالإضافة إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع انتقال المرض وانتشاره، ولا يجوز شرعًا مخالفتها بأي حال من الأحوال.

ثانيا : يحرم شرعًا على كل من أصيب بهذا المرض أو يشتبه بإصابته به التواجد في الأماكن العامة، أو الذهاب إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة أو الجمعة أو العيدين، ويجب عليه الأخذ بجميع  هذه التعليمات، ومنها “غسل اليدين بالماء والصابون باستمرار”، فالنظافة من آداب الإسلام، حيث جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، وكذلك الاكتفاء بإلقاء السلام، وتجنب المصافحة باليد والعناق، والعناية بآداب العطاس من خلال تغطية الأنف والفم بالكوع أو بالمنديل).

وتحدثت الفتوى عن الاحتياطات اللازمة لمواجهة الفيروس، ومنها وجوب دخول المشتبه فيه الحجر الصحي، والتزامه بالعلاج الذي تقرره الجهات الصحية في الدولة، وذلك حتى لا يسهم في نقل المرض إلى غيره.

وأكد المجلس أنه يُرخص في عدم حضور صلاة الجماعة والجمعة والعيدين والتراويح لكبار المواطنين (كبار السن)، وصغار السن، ومن يعاني من أعراض الأمراض التنفسية، وكل من يعاني من مرض ضعف المناعة، على أن يؤدون الصلاة في بيوتهم، أو مكان تواجدهم، ويصلون صلاة الظهر بدلاً عن صلاة الجمعة.

وفيما يخص الحج والعمرة والزيارة النبوية، ذكرت الفتوى أنه يجب على الجميع الالتزام بالتعليمات التي تصدرها حكومة المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مسؤوليتها السيادية والشرعية في رعاية الحجاج والمعتمرين والزوار، وإعانة لها في الحفاظ على صحة الجميع وسلامتهم.

وشددت الفتوى على أنه يجب شرعًا على جميع الجهات التعاون مع الجهات المختصة وتقديم الدعم اللازم لها – كل بما يخصه – للحد من انتشار المرض والقضاء عليه، ومنع نشر الشائعات المتعلقة به من خلال الاقتصار على استقاء المعلومات الرسمية من الجهات المختصة، وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن واستقرار الدولة عبر الشائعات التي يروجون لها.

ودعا المجلس جميع الجهات والأفراد لمد يدِ العون والمساعدة كل باختصاصه، وعدم استغلال مثل هذه الحالات من خلال رفع الأسعار خاصة الدوائية والعلاجية.

ودلل المجلس على فتواه بأدلة من: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، ذاكراً منها، قول الله تعالى: (وَلا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رجيما) سورة النساء، الآية 29، وقول الله تعالى: ( وَلا تُلقوا بِأَيْدِيكم إلى التهلكة ) سورة البقرة، الآية 195، و قول الله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) سورة النساء، الآية 83.

كما استدل المجلس في فتواه من السنة النبوية على الحديث الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «فرّ من المجذوم كما تفر من الأسد » رواه البخاري . والجذام مرض معد، وفي الحديث الشريف الأمر بالفرار منه كي لا تقع العدوى، وفي ذلك دلالة على إثبات التأثير للعدوى بإذن الله تعالى والحث على البعد عن أسبابها.

 

وتابع المجلس: “عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها» أخرجه البخاري. ومن أسباب نهي المصاب عن الخروج من بلد المرض لئلا ينقل المرض إلى غيره، بل يعزل عن الأصحاء في ذلك البلد، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ 2 / 377 ما حاصله: “أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، خرج بالناس عندما أصابهم طاعون عمواس إلى الجبال ، حتى رفعه الله عنهم ، وأن فعله هذا بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم ينكره “. – عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي، قال: « لا تُوردوا الْممرِض عَلَى الْمصِح » رواه البخاري. – عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « لا ضرر ولا ضرار » رواه الإمام مالك في الموطأ.

وبحسب الفتوى الرسمية، فإن أحاديث وجوب الطاعة الكثيرة في صحيح مسلم وغيره ، الدالة على وجوب امتثال أوامره وتعليماته ، وتصرّفات الإمام منوطة بالمصلحة، إلا أنّ تقدير هذه المصالح موكول إلى الإمام وإلى الجهات الولائية، فكما يقول السرخسي في السير الكبير “إن أمرهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا، فعليهم أن يُطيعوه، لأنّ فرّضيّة الطاعة ثابتة بنصّ مقطوع به، وما تردّد لهم من الرّأي في أنّ ما أمر به مُنتفع أو غير مُنتفع به لا يصلح مُعارضاً للنّصّ المقطوع “، مشددة على أن أمر الحاكم يُصير الجائزات واجبة.

وذكرت الفتوى أنه استناداً إلى الإجماع، فقد أجمع العلماء على أنّ : ( الضرر يزال ) وجعلوا ذلك قاعدة كلية ؛ ومما يدخل ضمنها البعد عن مواطن الإصابة بالأوبئة المعدية حفاظا على النفس من الهلاك وسلامة البدن من الضرر.

وقالت: “وعن القياس، فقد ثبت أن الشرع الحنيف أمر مُن به رائحة مؤذية باعتزال المسجد وخروجه منه بل إخراجه دفعًا للأذى عن الناس، ففي صحيح مسلم : أنْ عُمَرَ بْنَ الْحُطاب رضي الله عنه حَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةٍ فكان مما قال : ثمّ إنَّكُمْ أيُهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لا أَرَاهُمَا خبيثتين: هَذَا الْبَصَلَ وَالثَّوم، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَجدِ أَمَرَ بِهِ فَأَخرج إلى البقيع، فَمَنْ أكَلَهُمَاً فَلْيُمِنتهُمَا طَبَخًا).

وأوضحت أنه إذا كان هذا الإخراج لمجرد الأذية بالرائحة الكريهة، فكيف بأذية العدوى التي قد تودي بحياة الناس، وفي ذلك قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في “التمهيد” ( 6 / 422 ): “وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يُتأذى به، ففي القياس: أن كل ما يتأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذا ريحة قبيحة لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس إذا وجد في أحد جيران المسجد وأرادوا إخراجه عن المسجد وإبعاده عنه كان ذلك لهم، ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول، فإذا زالت كان له مراجعة المسجد”.

ودعا المجلس جميع المسلمين إلى الالتجاء إلى الله بالدعاء وكثرة الاستغفار، فإن الاستغفار يرفع البلاء ويزيد من القوة ، كما في قوله تعالى حكاية عن هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام : ( ويا قومي استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ) سورة هود، أية 52.

فتوى في نازلة ( فيروس كوفيد – 19 (كورونا) ومايتعلق به من أحكام.

أصدر مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي اليوم الثلاثاء فتوى رقم ( 11 ) لسنة 2020 م بخصوص ما يتعلق بأحكام أداء العبادات الجماعية مع انتشار ( فيروس كوفيد – 19 (كورونا) .

فيما يلي النص الكامل للفتوى :


الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد:

فانطلاقًا من قول الله تبارك وتعالى : ” ُ هوَ اجتَبَاكمْ وَمَا َجعَلَ علَيْكُمْ فِي الدِّينِ ِ منْ َ حرَجٍ” سورة الحج، الآية: 78 . وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرسولَ وَأُولِي الأَمْرِ منْكُمْ”. سورة : النساء، الآية 59 .
ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم : “… وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتُم … ” متفق عليه.

ومن القاعدة الشرعية: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، والقاعدة الأخرى: “يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”، ونظراً لما تقتضيه المصلحة العامة في التعامل مع انتشار فيروس كوفيد 19 (كورونا) وضرورة تعاون جميع الجهات في الدولة للتصدي لهذا المرض والحد من فشوه.

 –واعتبارا لوجوب طاعة ولي أمر المسلمين في كل ما يأمر به من تعليمات، أصدر مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي بالتمرير الفتوى الآتية:

أولاً: يجب شرعا على جميع فئات وشرائح المجتمع الالتزام التام بكل التعليمات الصحية والتنظيمية الصادرة عن الجهات المختصة في الدولة ، بالإضافة إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع انتقال المرض وانتشاره، ولا يجوز شرعًا مخالفتها بأي حالٍ من الأحوال.

ثانيًا: يحرم شرعا على كل من أصيب بهذا المرض أو يشتبه بإصابته به؛ الوجود في الأماكن العامة، أو الذهاب إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة أو الجمعة أو العيدين، ويجب عليه الأخذ بجميع الاحتياطات اللازمة: بدخوله في الحجر الصحي، والتزامه بالعلاج الذي تقرره الجهات الصحية في الدولة؛ وذلك حتى لا يسهم في نقل المرض إلى غيره.

ثالثًا: يُرخص في عدم حضور صلاة الجماعة والجمعة والعيدين والتراويح لكبار المواطنين (كبار السن)، وصغار السن، ومن يعاني من أعراض الأمراض التنفسية، وكل من يعاني مرض ضعف المناعة، ويؤدون الصلاة في بيوتهم، أو مكان وجودهم، ويصلون صلاة الظهر بدلاً من صلاة الجمعة.

رابعًا: فيما يخصُّ الحج والعمرة والزيارة النبوية: يجب على الجميع الالتزام بالتعليمات التي تصدرها حكومة المملكة العربية السعودية؛ انطلاقًا من مسؤوليتها السيادية والشرعية في رعاية الحجاج والمعتمرين والزوار، وإعانةً لها في الحفاظ على صحة الجميع وسلامتهم.

خامسا: يجب شرعا على جميع الجهات التعاون مع الجهات المختصة وتقديم الدعم اللازم لها – كل بما يخصه – للحدِّ من انتشار المرض والقضاء عليه، ومنع نشر الشائعات المتعلقة به من خلال الاقتصار على استقاء المعلومات الرسمية من الجهات المختصة، وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن واستقرار الدولة عبر الشائعات التي يروجون لها.

سادسا: دعوة صادقة إلى جميع الجهات والأفراد لمدِّ يدِ العون والمساعدة كلٌّ في اختصاصه، وعدم استغلال مثل هذه الحالات من خلال رفع الأسعار خاصة الدوائية والعلاجية.

سابعا: المستند الشرعي للفتوى: دلَّت على الفتوى السابقة أدلة من: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس. نذكر منها:

أولاً: القرآن الكريم:
– قول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَّ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء، الآية 29 .

– قول الله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) سورة البقرة، الآية 195

– قول الله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي  الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) سورة النساء، الآية  83

ثانيًا: السنة النبوية:

– عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  “فرّ من المجذوم كما تفر من الأسد  ” :رواه البخاري.
 والجذام مرض معد، وفي الحديث الشريف الأمر بالفرار منه كي لا تقع العدوى وفي ذلك دلالة على إثبات التأثير للعدوى بإذن الله تعالى والحث  على البعد عن أسبابها.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال  «إذا سمعتم بالطاعون  بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. أخرجه البخاري.
 ومن أسباب نهي المصاب عن الخروج من بلد المرض أن لا ينقل المرض إلى غيره بل يعزل عن الأصحاء في ذلك البلد؛ وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ 2 /377 ما حاصله : “أنَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، خرج بالناس عندما أصابهم طاعون عمواس إلى الجبال، حتى رفعه الله عنهم، وأن فعله هذا بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم ينكره”.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ » رواه البخاري. عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : « لا ضرر ولا ضرار » . رواه الإمام مالك في الموطأ.

– أحاديث وجوب الطاعة الكثيرة في صحيح مسلم وغيره، الدالة على وجوب امتثال أوامره وتعليماته، وتصرّفات الإمام منوطة بالمصلحة إلا أنّ تقدير هذه المصالح موكول إلى الإمام وإلى الجهات الولائية، فكما يقول السرخسي في السير الكبير ” إنْ أمرهم بشيءٍ لا يدرون أينتفعون به أَمْ لا، فعليهم أن يُطيعوه، لأنَّ فرْضيَّةَ الطَّاعة ثابتةٌ بنصٍّ مقطوعٍ به. وما تردَّد لهم من الرَّأي في أنَّ ما أُمر به ُ منتفعٌ أو غير مُنتفعٍ به لا يصلح مُعارضا للنَّصِّ المقطوع”. وأمر الحاكم يُصير الجائزات واجبة، كما يقول ابن عابدين في “باب الاستسقاء” من حاشيته.

ثالثًا: الإجماع:
أجمع العلماء على أنَّ: (الضرر يزال) وجعلوا ذلك قاعدة كلية؛ ومما يدخل ضمنها البعد عن مواطن الإصابة بالأوبئة المعدية حفاظًا على النفس من الهلاك وسلامة البدن من الضرر.

رابعًا: القياس:

ثبت أنَّ الشرع الحنيف أمر مَن به رائحة مؤذية باعتزال المسجد وخروجه منه بل إخراجه دفعًا للأذى عن الناس؛ ففي صحيح مسلم: أَنَّ ُ عمَرَ بْنَ الْخطَّابِ رضي الله عنه َ خطَبَ يَوْمَ الْجمُعَةِ فكان مما قال : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكلُونَ شَجرَتَيْنِ لَا أَرَاهمَا إِلَّا َ خبِيثَتَيْنِ : َ هذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله َ صلَّى اللهُ علَيْهِ وَسلَّمَ إِذَا وَ َ جدَ رِيحَهُمَا ِ منْ الرَّجلِ ِ في الْمَسْجِدِ أَمرَ ِ بهِ فَأُخرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا).

فإذا كان هذا الإخراج لمجرد الأذية بالرائحة الكريهة؛ فكيف بأذية العدوى التي قد تودي بحياة الناس؛ وفي ذلك قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في “التمهيد”422/6”  : “وإذا كانت العلة في إخراجه  من المسجد أنه يُتأذى به ، ففي القياس : أن كل ما يتأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون … ذا ريحة قبيحة لسوء صناعته ، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس إذا وجد في أحد جيران المسجد وأرادوا إخراجه عن المسجد وإبعاده عنه كان ذلك لهم ، ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول ، فإذا زالت … كان له مراجعة المسجد”.

وفي الختام يدعو المجلس جميع المسلمين إلى الالتجاء إلى الله بالدعاء وكثرة الاستغفار، فإن الاستغفار يرفع البلاء ويزيد من القوة ، كما في قوله تعالى حكاية عن هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (ويا قومي استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم) (سورة هود ، آية 52 )، فنسأل الله تعالى أن يديم لطفه وحفظه وعافيته على دولة الإمارات، بمن فيها وما فيها، قيادةً وشعبًا، وأن يرفع هذا المرض عن المسلمين والعالم أجمعين”، والله تعالى أعلم.

مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي
رئيس المجلس معالي العلامة الشيخ/ عبدالله بن بيه

المستشار الدكتور/ إبراهيم عبيد آل علي-عضواً
فضيلة الشيخ/ عمر الدرعي-عضواً فضيلة الدكتور/ أحمد الحداد-عضواً
فضيلة/ د. سالم محمد الدوبي-عضواً فضيلة/ شمَّة يوسف الظاهري-عضواً
فضيلة/ أحمد محمد الشحي -عضواً فضيلة الدكتورة/ أماني لوبيس-عضواً
فضيلة/ عبدالله محمد الأنصاري-عضواً فضيلة/ حمزة يوسف هانسن-عضواً