ارشيف ل January, 2019

التسامح وأسسه المنهجية في الإسلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

التسامح وأسسه المنهجية في الإسلام

معالي الشيخ عبد الله بن بيه

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان

سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي

أصحاب الفضيلة والسعادة،

أيها السادة والسيدات،

كل باسمه وجميل وسمه،

أود في هذه الكلمة المقتضبة أن أتحدث عن مفهوم التسامح وأسسِه المنهجية في الإسلام، وأن أختم كلمتي بإطلاعكم على بعض جهود منتدى تعزيز السلم في نشر وترسيخ ثقافة التسامح وقيَّمه بوصفها جهودا تندرج ضمن الرؤية العامة للدولة.

ولكن بادئ ذي بدء دعوني أتقدم مجدّدا بالتهنئة والمباركة إلى القيادة الرشيدة بمناسبة اختيار موضوع التسامح عنوانا لهذا العام، وهو اختيار حكيم يأتي انسجاما مع رؤية دولتنا القائمة على قيم السماحة والتسامح التي جسدها مؤسس هذه البلاد، المغفور له زايد بن سلطان آل نهيان.

لقد كان عامُ زايد الخير مناسبةً متجددة للتنويه بقيم السماحة، قيم الجود والبذل والعمل الإنساني، وستكون السنة الجديدة مناسبة أخرى للتنويه بقيم التسامح، وقبول الآخر والتعايش السعيد والأخوة الإنسانية.

والتسامحُ والسماحة صِنوان في الشخصية الإماراتية، سجيتان غير متكلفتين وطبعان غير مبتدَعيْن.

 كما أتوجّه بالشكر الجزيل إلى القائمين على هذا المركز على توجيههم لي الدعوة للمشاركة في هذه الندوة المهمة حول هذا الموضوع المهم.

وأوّل ما أفتتح به القول في التسامح أن أذكّر بجذوره اللغوية وسياقاته الحضارية المختلفة.

التسامح في اللغة والنصوص الإسلامية:

التسامح مصطلح أصيل في اللغة العربية وإن كان استعماله المعاصر ترجمة موفّقة لمصطلح أوروبي مستحدث، فالتسامح في العربية هو الجود والكرم والسخاء ومن معانيه أيضا المساهلة  والسعة.

وقد وُصفت الشريعة بأنها حنيفية سمحة، كما قال عليه الصلاة والسلام ” بعثت بالحنيفية السمحة”، أي السهلة الميسّرة، حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، مما يدل على رفع الإصر والحرج فيها والبعد عن التشدُّد.

وقد يعبّر عن التسامح في القرآن الكريم بأربعة مصطلحات: العفو والصفح والغفران والإحسان. فالتسامح معنى فوق العدل، الذي هو  إعطاء كل ذي حق حقه، أما التسامح فهو بذل الخير لا في مقابل، فهو من قبيل الإحسان الذي يمثل قمة البر وذروة سنام الفضائل.

إن التسامح هو التسامي عن السفاسف، إنه عفة اللسان عن الأعراض، وسكون اليد عن الأذى. إنه التجاوز عن الزلات والتجافي عن الهفوات. التسامح هو (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).  التسامح هو أن تعطي من منعك وتصل من قطعك.

التسامح في السياق الغربي:

أما لدى الغربيين فيقابل كلمة التسامح في اللغتين الإنجليزية والفرنسية (Tolérance) والتي تعني احترام حرية الآخر وطريقة تفكيره وتصرفاته وآرائه السياسية والدينية.

وقد ظهر هذا المصطلح في أوربا خلال نهاية القرون الوسيطة وبداية الأزمنة الحديثة،  في مرحلة تميزت بالصراع بين البروتستانت والكنيسة الكاثوليكية؛ حيث ظهرت أصوات كثيرة تطالب بالتسامح المتبادل والاعتراف بحق المخالفين في حرية التعبير عن قناعاتهم المغايرة، وممارستهم لشعائرهم الدينية.

ويعتبر كارل بوبر أنه ما من أحد يضاهي فولتير في روعة التعبير عن التسامح؛ حين ربط بين التسامح وبين الوعي بالضعف الملازم لكينونة الإنسان، الذي يعرفه كل واحد من نفسه فيجعله قادرا على تفهم خطأ الآخر وضعفه.

 ورغم هذا التصور الإيجابي،  لم يكن دعاة التسامح أنفسُهم يعتبرون الحق في التسامح  حقا مطلقا، وإنما ربطوه – على غرار ما فعل جون لوك وفولتير- بمقصِد السلم من خلال مفهوم النظام العام للمجتمع، فإن حدود التسامح تقف حيث يصبح الفعل أو الفكر يُقْلِق راحة المجتمع ويهدد سِلمَه الأهلي.

وهكذا نشأ مفهوم التسامح بوصفه مفهوما وظيفيا يقصد تحييد التأثير السلبي للاختلاف في المعتقد والاختلاف الجِبِليِّ أيضا في الآراء والرؤى. ولذلك يرى بعض الفلاسفة أن مفهوم التسامح في بعده الإجرائي لا يمكن أن يقصر على  عناصره الأخلاقيِّة بل لن يؤتي أُكله مكتملا إلا حينما ينظر إليه بوصفه مفهوما سياسيا قانونيا.

ولعل هذا هو ما تَــغَــيَّـاهُ إعلان المبادئ حول التسامح الصادر عن اليونسكو في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995م حيث ربط بين التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية والسلم، وارتقى بالتسامح إلى صورة قانونية تتطلب الحماية من قبل الدول والمجمتع الدولي بأسره.

ولا يفوتني هنا وفي سياق المفهوم القانوني للتسامح أن أشيد بالرؤية الرشيدة لقيادتنا في ترسيخ ثقافة السلم والتعايش، وبنائها على أسس متينة من الحقوق والواجبات المتبادلة، وهي رؤية تتسم بالواقعية في مراعاة خصوصية السياق المحلي وفي وضوح الهدف، وذلك من خلال سَنِّ القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 لمكافحة التمييز وخطاب الكراهية وازدراء الأديان، الذي يعمل على تحصين المجتمع وحمايته من خطابات الكراهية والتحريض على العنف، وأنشات لهذا الغرض أيضا وزارة التسامح.

 

الأسس المنهجية للتسامح في الإسلام:

إن التسامح في الإسلام يشكل ثقافة متكاملة لها قيمها ومظاهرها ومجالاتها، كما له أسس منهجية عليها ينبني ومن خلالها يتجذّر، وسنستعرض بعضها: الرؤية الإسلامية للآخر، وموقف الإسلام من الاختلاف والتعددية، ومكانة الحوار في الإسلام.

أولا: الرؤية الإسلامية للآخر:

 إن الإسلام يعتبر البشر جميعا إخوةً، فيسد الباب أمام الحروب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإنساني بسبب الاختلاف العرقي.

إن الآخر في رؤية الإسلام ليس عدوا ولا خصما بل هو على حد عبارة الإمام عليّ رضي الله عنه: ” أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخَلْقِ”، فالآخر هو كما تقول العرب الأخُ بزيادة راء الرحمة والرأفة والرفق، إنه الأخ الذي يشترك معك في المعتقد أو يجتمع معك في الإنسانية.

ويتجلى هذا بسُمُوٍّ في تقديم الإسلام الكرامة الإنسانية بوصفها أولَ مشترك إنساني، لأن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرّمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام، (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)(سورة الإسراء الآية 70). ولهذا فإن الكرامة الإنسانية سابقة في التصوّر والوجود على الكرامة الإيمانية .

وهذا التصور الإيجابي للعلاقة بين الذات والآخر أساس متين للتسامح.

ثانيا: الإسلام والاختلاف والتعددية

 إنّ التعدد هو سنة كونية، وكذلك هو فطرة بشرية، فالناس من فطرتهم أن تخلتف رؤاهم وتصوراتهم ومعتقداتهم ومصالحهم.  ولم يكن الإسلام في يوم من الأيام إلا معترفا بهذا المبدأ ومعلنا بضرورة احترامه.

وإن اعتراف الإسلام بالتعددية الدينية ليس مجرد اعتراف بل هو احترام وحماية:

ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ

فقد جعل الله عز وجلّ البِيَعَ والكنائس محمية لا يمكن أن تمتد إليها يد الاعتداء، والتاريخ يثبت أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه هدموا كنيسة ولا بَيْعةً ولا بيت نار، وتلك هي الديانات التي كانت موجودة في المجال الحضاري للإسلام يومئذ.

وقد علم الإسلام المؤمنين أن الإيمان المطلق بالدين لا يعني عدم قبول الاختلاف، فالمسلم يؤمن بدينه ويتقبل الاختلاف والتنوع، ولا يمكن أن يكون هذا الاختلاف مبررا للتدابر والتقاطع.

ولقد مثلت صحيفة المدينة المنورة إطارا ناظما لترسيخ ثقافة التسامح من خلال التأسيس للتعددية الاختيارية، وبناء عقد اجتماعي على أساسها، يقدم مصالح التضامن والتعاون في شكل حقوق وواجبات. فكانت هذه الصحيفة بحق وثيقةً مؤسسة للمفهوم القانوني للمواطنة المحققة والضامنة للتسامح.

ومن أهم ملامح حقوق الإنسان المؤسسة للتسامح في الصحيفة الاعتراف للجميع بحقهم في ممارسة دينهم، فسدّ الإسلام بذلك الباب أمام الحروب الدينية التي كاد التاريخ البشري أن يكون مجرد سجل لها.

ثالثاً: تعزيز ثقافة الحوار

إن الحوار واجب ديني  وضرورة إنسانية، وليس أمرا موسميا؛ ولذا أمر به الباري عز وجل فقال “وجادلهم بالتي هي أحسن” وبالحوار يتحقَّق التعارف والتعريف، وهو مفتاح لحل مشاكل العالم؛ حيث يقدم كما يقول أفلاطون البدائل عن العنف؛ لأنه بالحوار يُبحث عن المشترك وعن الحل الوسط الذي يضمن مصالح الطرفين، وعن تأجيل الحسم العنيف، وعن الملائمات والمواءمات، التي هي من طبيعة الوجود، ولهذا أقرها الإسلام، وأتاح الحلول التوفيقية التي تراعي السياقات، وفق موازين المصالح والمفاسد المعتبرة.

إن اعتماد وسيلة الحوار لحل المشكلات القائمة يوصل إلى إدراك أن الكثير منها وهمي لا تنبني عليه مصالح حقيقية، وبهذه الحلول التوفيقية التي يثمرها الحوار، تَفقد كثير من القطائع والمفاصلات والأسئلة الحدّية مغزاها، وتتعزز ثقافة التسامح وقبول الآخر في النفوس.

جهود منتدى تعزيز السلم في نشر التسامح:

 إن دولة الإمارات العربية المتحدة بلدُ زايد ومعدنُ المجد تقدم المقاربات الحية والمبادرات القوية على مختلف الصُّعُد وفي المحافل الدولية والإقليمية بجسارة وكفاءة. ولعل آخر هذه المبادرات ـــ ولن يكون الأخير بإذن الله ـــــ ما بلادنا بصدده في الأيام المقبلة من استقبال البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وهي زيارة تندرج في الإطار الحضاري للرؤية الإماراتية المرتكزة على مبادئ تعزيز السلم في العالم وغرس ثقافة التسامح وترسيخ معاني الأخوة الإنسانية في العالم.

إننا في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي نعمل داخل هذا الإطار ووفق هذه الرؤية؛ حيث إن من أهدافنا ضبط الفتوى لما لها من دور أساسي في ترشيد التدين وبث الوعي الديني الصحيح وترسيخ التسامح في النفوس، وذلك من خلال إنشاء جيل من المفتين الراسخين في دينهم وثوابته، الواعين بعصرهم ومتغيراته.

ونحن بصدد تنظيم دورات تدريبية للمفتين والأئمة في الدولة وخارجها على ثقافة التسامح ووسائل تجسيدها في فتاويهم وخطابهم التوجيهي.

إن نفس الرؤية هي التي تندرج جهودنا ضمنها في منتدى تعزيز السلم كذلك، حيث لم نزل نعمل منذ حظينا بكريم الرعاية وجميل العناية من قيادتنا الرشيدة على تقديم الرواية الصحيحة للإسلام والرؤية السليمة للسلم، من خلال معالجة ثقافية شاملة، وتجديد فكري كامل، مرتكز على محورية قيم السلم والتسامح.

وكما مرّ معنا آنفا ليس السلم والتسامح إلا وجهين لمفهوم واحد، فلا سلام إن لم تتجذر قيم التسامح في النفوس، كما لا تسامح عندما يستعاض عن السلام بالاحتراب والاقتتال. فكل واحد منهما لازم عن الآخر.

إننا ننطلق في المنتدى من الإيمان بأن التأويل المقارب الذي يجيده العلماء الراسخون هو السبيل الصحيحة والإطار الأمثل الذي يعيد للدين طاقته الإيجابية، ليغدُوَ بلسما لجراح الإنسانية، ودواء لمآسيها، وسكينة تنزل على القلوب، وحُبّا يَسْكُن في النُّفوس.

ولم نزل منذ محطاتنا التأسيسية الأولى نعمل على صناعة جبهة موحّدة وتحالف بين محبّي الخير في إطار الدوائر المختلفة : دائرة البيت الإسلامي الخاص، وفي دائرة الديانات الإبراهيمية، وبشكل عام في دائرة الأفق الإنساني الأرحب .

  وفي هذا الصدد، جاء إعلان مراكش التاريخي في يناير 2016 ليضع الأسس المعرفية لهذا المسعى من خلال الكشف عن المبادئ الكلية للخطاب الإنساني في الإسلام.

وتأسيسا على هذا الإعلان؛ قامت قيادات دينية أمريكية تمثل العائلة الإبراهيمية الكبرى في الولايات المتحدة، بوضع ملامحِ مبادرةٍ تتصف بالديمومة للتعاون الإيجابي بين أتباع الديانات الكبرى، من أجل التّخفيف من النبرة العدمية، وإبعاد شبح الكراهية والعنصرية، وتعزيز روح التسامح والتعارف.

وتتويجا لهذا المسار واستكمالا لحلقاته، عقد منتدى تعزيز السلم في العاصمة الأمريكية واشنطن في مطلع فبراير 2018، مؤتمرا دوليا بعنوان “حلف الفضول من أجل الصالح العام”، وقد مثّل هذا اللقاء التاريخي محطة بارزة في مسيرة العمل الديني المشترك من حيث شكله وأبعاده؛ إذ هذه هي أول مرة يلتئم فيها شمل العائلة الإبراهيمية بكل فروعها على أسس جديدة لحوارٍ دينيّ يتجاوز منطق الجدل الديني والتبشير بالحقيقة الخاصة لكلّ دين إلى منطق التعارف والتعاون انطلاقا من القيم والفضائل المشتركة.

وتأسيسا على الآمال التي نشأت لدى الكثيرين في مؤتمر واشنطن خصصنا الملتقى الخامس الذي انعقد في أبوظبي ديسمبر 2018 للدعوة لحلف فضول جديد بين الأديان يقوم على مبدإ التعارف وآلية الحوار، وهو حلف يضمُّ أديان العائلة الإبراهيمية باعتبارها تتشارك في الرواية الأصيلة للقيم والفضيلة وأصول الأخلاق التي تؤسس للسلام والتعايش بين مختلف الشعوب، ومن ثم فهي تؤمن بقيم المحبة والرحمة والإحسان على الإنسان، وهي قيم ترتقي بالتسامح إلى مرتبة الإخاء وبالمساواة في المواطنة لتكون تضامنا بين المواطنين. وإننا نعتزم بإذن الله تخصيص الملتقى السادس للتسامح ودور الأديان في تعزيز قيمه في العالم.

وفي الختام أجدد شكري وعرفاني للمنظمين،

ونسأل الله عز وجل أن يسبغ على الإمارات نعمه ظاهرة وباطنة وأن يديم عليها روح التسامح والسماحة، في ازدهار واستقرار دائمين إلى يوم الدين.

العلامة ابن بيّه: فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء

العلامة ابن بيّه: فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء

 

تتولّى أعمال الشيخ العلامة ابن بيه استجلاءَ مظاهر العقلانية المقاصدية الواقعية التي تجمع بين التَّفقُّه والتّفلسُف من خلال التجديد في النظر المقاصدي الذي يسترعي أن ينظر العقل من وراء الشرع، ومن خلال ترشيد التدبير العملي الذي يستوفي أن يُسدَّد العمل من جرّاء رعْيِ المآل؛ وبذلك حقَّق سمو العقلانية المقاصدية على العقلانية الأداتية.

يجوز لنا أن نستعير لقب أبي حيان التوحيدي لعلامة الشيخ ابن بيه فنعتبره، من غير أن نعدم دليلا، فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة. فهو فيلسوف الفقهاء؛ لأنه لم يفرِّط في طلب التجديد بإعمال النظر العقلي من وراء الشرع في نطاق ووفق منطق العقلانية المقاصدية، كما أنه لم يفرط في طلب الترشيد بإدخال الواقع في بنية التدليل الشرعي فراعى المآل من وراء واقع الحال في نطاق ووفق منطق الشرعانية الواقعية؛ وهو فقيه الفلاسفة لأنه ينظر من وراء الشرع دون أن يهمل التساؤل الحِكْمي الفاحص في تسويغ التجديد؛ إذ لم يتوان عن طلب الترشيد النظري والتسديد العملي.

 

 

أ.د. إبراهيم مشروح

أستاذ الفلسفة وعلم المنطق

بدار الحديث الحسنية

جامعة القرويين

 

 

تأملات حول المشروع الفكري للشيخ عبد الله بن بيه

 

بقلم الدكتور محمد احظانا – رئيس اتحاد الأدباء والكتاب

..

ليس من السهل أن يولد في أمة من الأمم مفكرلافت لانتباه الجميع، ومن النوادر أن يبرز فبها عبقري في الآداب والعلوم والفلسفة، ومن الصعب أن ينشأ فيها مجدد في الدين والمجتمع.

لكن  عدم السهولة أو الندرة أو الصعوبة لا تعني بوجه من الوجوه الاستحالة.

ولذا عرفت الأمم مفكرين أفذاذا، وعباقرة خارقين، وعلماء بارعين، ومفكرين وفلاسفة فائقين.

وإذا كانت الحقول التي يزرع فيها كل ذي موهبة بذوره المباركة مختلفة، فإن المتميزين يعانون نفسَ المشكلة غالبا، ألا وهي عدم التلقي الفوري من عموم الناس وخاصتهم ابتداء، لأن هؤلاء الأفذاذ  يخترقون مألوف الناس ومجرى عاداتهم، والناس لايرغبون أبدا في  أن يخرق أي كان مألوفهم، هذا إذا لم يكرهوه وينبذوه، أويقتلوه أويخرجوه. فكم هم الناجون من إبداعهم بين المتميزين؟ لم ينج إلا القلة القليلة، التي حصلت على مواكبة الاعتراف بها في حياتها، لكن حتى هذا الاعتراف يأتي غالبا في غاية التأخير. أما الغالبية منهم فيتعرضون لأنواع الاضطهاد المادي والمعنوي، بل والتنكيل أحيانا كثيرة.

فأسعد المتميزين هم أولئك الذين يحصلون على التقدير في نهاية المطاف.

وبالمقابل، تغدق المجتمعات تقديرها؛ بل تقديسها على متميزيها في توبة متأخرة عن وقتها، حيث تثوب إلى رشدها بعد ما ناصبت عباقرتها العداء قبل رحيلهم، فلعنتهم ولعنت آباءهم وأمهاتهم.

هذه التوبة المتأخرة تولد أسوأ مزاج في نفوس المبعدين من زمنهم، لأنهم يرون المستقبل المشرق لأفكارهم واستنتاجاتهم دون أن ينالوا الاستفادة منها في حياتهم الجسدية، فيلجؤون أحيانا إلى تدمير إنتاجهم حنقا على مجتمعهم الزمني. ونتذكر هنا أبا حيان التوحيدي، الذي لم ينج من كتبه القيمة إلا ماخرج من يده من قبل.

إن تسليم المجتمع بالواقع يحول المتفوقين إلى أعداء طبيعيين للوعي السائد، ولذا تحكم عليهم النخب السائدة أحكاما قاسية، فتطردهم من جنانها الزائفة باعتارهم خصوما من الدرجة الأولى.

بالنسبة لي، كنت أحاول دائما أن لا أفوت فرصة سانحة لإضاءة ما – رغم خفوت مصباحي- على أحد المتميزين في مجالهم، ما وسعني ذلك، على أوفق في تبديد طرف ما من تلك العتمة التي يلف بها قادة الرأي من خالوا أنهم مظنة تميز ما، مما سيفقدهم بعض بريقهم وينقص الاعتراف الاجتماعي بهم، في إنكار عجيب تروح الأمم ضحيته، إذ لو  لم يكن هناك حجب لربحت الأمة فترة حيوية من استغلال التميز المبدع لأبنائها في الوقت المناسب.

أسلط نور مصباحي المتواضع في كل مرة على من رأيت فيه خاصية التميز دون أن أبالي برأي النخب السائدة فيه، أو رأي أهل مجاله فيه، أو صمتهم عنه، أو حديثهم عنه بالسلب. إلا أنني أتعهد مع ذلك بالدفاع عن رأيي بما أتصوره من حجج حتى لا أبنيه على هوى أو تحكم.

أمام المصباح- وهذا عنوان هذه المعالجة دائما – سيكون هذه المرة مع المفكر الإسلامي العالمي الشيخ عبد الله بن بيه. وعادة لست أنا من يختار أن يكون الشيخ عبد الله أو غيره أمام المصباح، بل المصباح نفسه هو الذي يختار ضيفه.

في حديث سابق من زاوية نظر مطابقة سلطت المصباح على العالم العبقري في مجال الرياضيات د. يحي ولد حامدن، وإن لم يكن عنوان المعالجة قد برز حينها فوق المعالجة.

لكن لماذا أقول إن المصباح هو الذي يختار من يضيء؟

إن الأمر يتلخص في أن منظور هذا المصباح موجه إلى أميز المتميزين في مجاله المعرفي والإبداعي.

إلا أنني لا أزال مصرا- إلى الآن- على أن تبقى المعالجة من نصيب أبناء البلد الذي أنتمي إليه؛ لأنهم لم يحصلوا على حقهم من الذكر المحلي ولا الاعتراف الخارجي.

ومنهج هذه المعالجة هو تقديم مجموعة من الإضاءات إسهاما في التعريف بالمعني في مجاله وقراءة إسهامه قراءة أولية:

الإضاءة الأولى حول الشخصية:

الشيخ عبد الله بن بيه، شخصية جاذبة أو محورية، أو أولى.. فالشخصيات خارج الإضافات المعرفية والخبرية تنقسم عموما، إلى شخصية جاذبة أومنجذبة؛ وشخصية محورية أو هامشية؛ وشخصية أولى أوثانية.

ويمكن استغلال ميزة الأفضلية في هذه المتقابلات الكبرى وتوابعها في أي مجال من مجالات الحياة العملية والمعرفية، فهي السلاح الأول للقائد، والخبير، والعالم، قبل أي سلاح آخر.

وجه الإضافة الذي أضافه الشيخ عبد الله بن بيه في هذا الجانب الشخصي هو استخدام هذه الملكة استخداما لطيفا في رحاب الريادة العلمية، رغم إتاحة أبعاد أخرى يمكن أن تجذب مثل هذه الشخصية كالقيادة السياسية مثلا، وهي أكثر الحقول استقطابا لهذا النوع من الشخصيات. وأعتقد – والله أعلم- أن توازن الوطاء الأخلاقي والتربية المعرفية والسلوكية لشخصية الرجل، كانت دوافع لتوجيه الملكة الشخصية الريادية لديه نحو العلم من حيث هو علم، لا من حيث هو ميزة اجتماعية، أو نخبوية.. وهذا الإخلاص للمعرفة في حد ذاتها لا يقود إلى العلم فقط، بل يقود أبعد من ذلك إلى تبني أخلاقيات العلم، والاتصاف بتواضع أهله وبعدهم عن الغرور به. وفي هذا كثير مما يمكن قوله من لطائف لا يتسع لها مقال من جملة إضاءات لا ترمي إلى الاستقصاء.

الإضاءة الثانية في مجال الرؤية: العلماء- ونحن نتحدث هنا عن عالم في حقل واسع من المعارف الدينية واللغوية والفكرية- يختلفون في اتساع الرؤية وضيقها. ومعلوم أنه ليس هناك تلازم ضروري بين اتساع التحصيل المعرفي واتساع الرؤية.

فالرؤية تترتب على طبيعة العقل بذاته، وخصائصه الذاتية؛ لا على الذكاء التحصيلي. ورغم أن الرؤية تستنير بالعلم وتتطور باتساعه إلا أن العلم قد يفيد صاحب الرؤية الضيقة أو القصيرة في الدفاع عن محدودية رؤيته وتوطيدها. فالمعرفة في حد ذاتها ليست مكونا للرؤية وإنما وسيلة لدعمها وتهذيبها. وهذا هو الفرق بين الملكة العقلية المذكورة آنفا بطبيعتها الخاصة، وبين العلم بطبيعته العامة. ولذا يمكن أن يكون العالم ذكيا جدا أو متوسط الذكاء، لكن قد لا يكون بالضرورة موصوفا بالعقل. فالعقل طريقة والعلم مضمون.

إن ضيف هذه المعالجة من المتصفين باتساع الرؤية، ولذا خرج من النطاق الجزئي إلى النطاق الكلي. إننا نراه – على غير عادة أغلب علمائنا الفقهاء- ينظر في الكليات الشرعية باعتبارها محددا عاما، لينظر للجزئيات ضمنها باعتبارها تطبيقا عمليا لجزئيات كليتها. وهذا دليل على اتساع الرؤية، لأنه تطبيق من تطبيقاتها النظرية والمنهجية.

الإضاء الثالثة: في الإضافة المنهجية

ألمحنا إلى أن الشيخ عبد الله بن بيه ينظر في الكليات الشرعية لينتقل منها إلى الجزئيات وهذه آلية منطقية بامتياز، وكونه يستخدم هذا المنهج في تطبيق الأحكام على أعيان القضايا الجزئية، يحوله من منهج التبعيض الجزئي إلى منهج التعميم النسقي، حيث ينظر إلى الأعيان ضمن نسقها العام. وتوفر هذه المنهجية خاصية الابتعاد عن التناقض في الحكم على الجزئيات المتشابهة. وهو عمى يصيب أغلب فقهاء الفروع، كمن يبت في خصائص كل ورقة من أوراق الشجرة بصورة مختلفة، ولايعتبر الخصائص المشتركة بين كل الأوراق في نفس الشجرة ليحكم بوصف شامل يصدق عليها جميعا.

وأنا أزعم أن النظرة من خلال الكليات، والبحث عنها وإعادة اكتشافها، ولو بإعادة الاستقراء، هي ما يجب أن ينصب عليه جهد المجتهدين المجددين.

ومن قرأ الأعمال العلمية للشيخ عبد الله بن بيه يلاحظ بجلاء نسقية واضحة في منهج قراءته، بل إعادة قراءته للمدونة الإسلامية في عمومها، وخاصة في مجال تطبيقي بالغ الأهمية هو الفقه الإسلامي، أصولا وفروعا.

وليسمح لي أصحاب الرؤية المحلية أو الجزئية للتذكير بأن الشيخ عبد الله، تأسيا بالغزالي في استخدام ما يفيد من نظريات فلسفية وعلوم عقلية، قد وطن رؤية الفيلسوف الألماني، صاحب النقدية العقلانية، في مجال العلاقة بين الكليات والجزئيات، كما وطن الغزالي آلية القياس الأرسطي في الفقه الإسلامي، وهاكم دليلا ساطعا على ذلك:

يقول “عما نويل كانت” في كتابه المؤثر في مسار العقل البشري الكوني من بعده: (إن الحدوس الحسية البعدية بدون مقولات قبلية عمياء، والمقولات القبلية بدون حدوس بعدية جوفاء).

وبيان وجه تطبيق الشيخ عبد الله بن بيه لهذه المتراجحة التكاملية، يلاحظ بشكل جلي في استحضار الكليات عند النظر إلى الجزئيات باعتبار الكليات الشرعية قوالب عامة تتحيز فيها الجزئيات مهما تعددت. ومثال هذا تطبيقيا، أن المقولات الكبرى عند الفيلسوف “كانط” ثلاث، هي: مقولة الكم، وهي التي تنظم جميع الحدوس الحسية في تجاورها، ومقولة الكيف وهي التي تنظم كل الحدوس الحسية المتعلقة بالكيفيات التي تطرأ على الكم، ثم أخيرا مقولة الإضافة وهي التي تنظم علاقات التتالي في الكم والكيف، وبالتالي تدرك بها العلل وتميز ما إذا كان التلازم سببيا أوغير سببي..

وطبعا تمر الحدوس البعدية أو الفردية أو الحسية بضوابط أولية قبل وصولها إلى المقولات القبلية الثلاث الحاكمة في النهاية، وهذه الحدوس القبلية هي المكان الذي يصب سيله الجارف من المحسوسات المتجاورة في مقولتي الكم والكيف، بينما يصب حدس الزمان محتوياته من الإدراكات البعدية في قالب مقولة الإضافة وما يتبعها من علية وسببية وتلازم وغير ذلك.

فماهي زاوية الاستفادة؟ حسب مابدا لي من التجربة المنهجية للشيخ عبد الله بن بيه خاصة في كتابه “تنبيه المراجع..” أنه ربط ربطا نسقيا بين الجزئيات التي تصبح عمياء إن لم تتقولب ضمن كلياتها، وبالمقابل تكون الكليات الشرعية بحاجة إلى جزئياتها حتي يكون لها مضمون منطبق على واقع ما. فالكليات بدون جزئيات جوفاء لديه، والجزئيات بدون كليات عمياء بالطبع.

الإضاءة الرابعة: في فهم الواقع وتوسيع مجاله

لقد استنار الشيخ عبد الله بن بيه بالفتوحات التنظيرية الفقهية للشاطبي، بشأن الكليات الشرعية الخمس (حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ الدين، حفظ المال، وحفظ النسب.)، وهي التي يستتبعها مبدئيا جلب المصلحة ودرء المفسدة..  ويستتبعها منهجيا، ترتيب الأصول، من نص قاطع إلى عقل مميز.

ويعبر عن هذين المصدرين ترتيبيا ب: القرآن الكريم والسنة الشريفة، قولية وفعلية، فيما يعني النص؛

ثم عمل الصحابة و إجماع الأمة، و الاجتهاد، فيما يعني إعمال الفهم او العقل، على ترتيب في الدرجة.

وضمن مبدأ الاجتهاد الذي هو مجال أصحاب الأصول ثمة آلية قياس تستند إلى مقيس ومقيس عليه ورابط علي مشترك. وهذا المقيس هو في الفقه واقعة ما، لم يرد فيها نص ولا إجماع.. ويتطلب فهمها كماهي فهما للواقع باعتبارها جزءا منه.

فما وجه الإضافة التي أضافتها أعمال الشيخ عبد الله بن بيه إلى تصور الكليات كما قدمها الشاطبي ضمن آلية التأصيل؟

بإيجاز شديد، ونحن في سياق إنارة لا في مقام بسط، أرى أن مشروع الشيخ عبد الله بن بيه في هذا المنحى، أعاد رسم حدود الواقع ضمن دائرة الاجتهاد، حيث لم يعد الواقع مفهوما جزئيا وإنما أصبح مفهوما كلي التحيز من ناحيتين على الأقل:

الأولى: أن هذا  الواقع عامل من عوامل إعادة فهم النص وحدود الاجتهاد بفهم الدليل من خلال المتجدد المعرفي الذي وسع حدود الدلالة اللغوية. وهذا التوسيع يستدعي إعادة تأويل المجاز خاصة بحسب تجدد الواقع. ويستدعي هذا المعطى إعادة تعريف الاجتهاد، حسب توسع آليات فهم الواقع (نتائج العلوم الحقة والإنسانية ومعطيات الفكر العام باعتبارها مصادر لفهم الواقع الذي لم تعد درجة معرفته كما كانت من قبل. ) وهي نتائج تؤثر بقوة على حدود الواقع بالنسبة للمجتهد.

الثانية: أن فهم الواقع منهج وليس مبدأ نظريا فقط. فإضافة فهم الواقع منهجيا لمصادر الاجتهاد تساعد على تنشيط آليته وتدخل راهنيته ضمن نظر المجتهد.

لقد أضاف الشيخ عبد الله بن بيه إذن لفهم المقصد الشرعي عند الشاطبي، وفي زمنه المعرفي، إضافة نوعية هي إعادة رسم حدود الواقع وتحيزه ضمن مبدأ المقصد الشرعي في زمن معرفي راهن.

والأمر ليس بسيط الأثر على ما أعتقد، لأن تغيير وضع وتحيز وفاعلية أي معطى ضمن دائرة الاجتهاد يعيد رسم العلاقات بين أركانه، ومن ثم بين الاجتهاد وبقية الأصول، حيث يصبح فهم الواقع تعميقا لفهم النص الشرعي وربطه بمبدأ الاجتهاد.

الإضاءة الخامسة: تتعلق بالفقه المالكي الذي هو مذهب الشيخ عبد الله بن بيه حيث يبدو أن هذا الفقه، نتيجة عوامل تاريخية، ومسالك منهجية، انفصل عن دليله منذ وقت مبكر رغم اعتماد كتاب الموطأ لمالك بن أنس على الدليل.

 خاصية انفصال الأحكام الفقهية عن أدلتها جعلت هذا الفقه ينتشر في التشريعات الأخرى، خاصة التشريع اليهودي والتشريع المسيحي في الأندلس، وكان تلامذة ابن رشد الحفيد من أبرز من قاموا بهذا الجهد، في محطة أولى، ثم جاءت التشريعات الفرنسية ومن تأثر بها في أوربا وأفريقيا.، بعد ذلك لتحدث الانتشار الأكبر.

لقد كان انفصال الدليل إذن، سببا في عدم التحرج العقدي لدى الديانات الأخرى المجاورة من الفقه المالكي باعتباره قانونا مفصولا عن دينه، لكن نفس الميزة كانت مأخذا لدى المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى على المالكية، حيث كان فقهاء المذهب المالكي يواجهون من قبل الحنابلة مثلا، والشافعيين، أحيانا، بسؤال الدليل على الأحكام التي يتداولونها.

إضافة الشيخ عبد الله بن بيه في هذا السياق أنه عمل على ربط الأحكام بأدلتها في الفقه المالكي، على نحو يستحضر الواقع في تحديد معالم هذا الربط.

الإضاءة الأخيرة

رغم إغراء متابعة الحديث في هذه الإضافات التي تشي بنزعة تجديدية لاتخطئها عين ضمن مشروع هذا الشيخ الفقيه، والمفكر، سواء تحدثنا عن المقاصد وإعادة رسم حدود الواقع في فهمها، أوفي حيز الاجتهاد عموما، وفهم الكليات من خلال الزمن الثقافي الحالي؛ أو تعلق الأمر بربط الفقه المالكي بالدليل؛ فإننا نتوقف في كل الأحوال عند الجزم بثلاثة أمور:

الأول: أن الشيخ عبد الله بن بيه أعاد فتح نافذة مكينة للاجتهاد في الفقه الإسلامي عموما، دون أن يعلن عن ذلك، أو يثير ضجيجا إشهاريا حول مشروعه، فقد تميز جهده بطرح البدائل قبل مقارعة المسلمات السائدة حول “حتمية إقفال الاجتهاد” .

الثاني: أن مشروع تجديد الاجتهاد لديه مشروع متكامل الأبعاد و يملك وجاهة معرفية واضحة المعالم، ويتسلح بتبصر، ليس من السهل تجاوزه في أي مستوى من المستويات:

الريادة، والرؤية، والمنهج.

الثالث: أن توسيع دائرة الفقه الإسلامي، وإعادة تكييفه مع واقع المسلمين من جهة والواقع الحضاري العالمي من جهة أخرى هو أهم تطويق فكري لنمطية المغالاة في فهم أداء الإسلام ضمن الحضارات الكونية، سلبا و إيجابا.

وفي رأيي الشخصي أن هذا المسار الاجتهادي سيكرس في النهاية حقيقة أساسية في الإسلام، وهي أن الرسالة المحمدية رسالة خاتمة، وهذا الختام يرفده أن معجزتها في الكلمة، وتجدد فهمها عبر الزمن مع تجدد واتساع المعارف الفكرية والعلمية، وتجدد فهم الواقع، وإلا سينفصل النص عن الواقع وحقل المعرفة المهيمن ويفقد الاتصال بالواقع على نحو متسارع.

وبالتالي ستؤول بنا الأمور في مآ لاتها الكبرى  إلى أن الاجتهاد أساس راسخ من تجليات خا تمية الرسالة، ومن ثم علينا أن نعيد فهم الإعجاز القرآني باعتباره إعجازا متجددا، وليس إعجازا لقريش وحدهم ولا للعرب فقط، في زمن محدد، وإنما هو إعجاز لكل البشر، في كل زمان، مر الليالي والأيام.