ارشيف ل

كلمة في مؤتمر اللسانيات الحاسوبية واللغة العربية

   

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين

 

كلمة في مؤتمر اللسانيات الحاسوبية واللغة العربية

يومي 25 و26 اكتوبر 2022م

 

معالي الدكتور حمدان مسلم المزروعي رئيس مجلس أمناء الجامعة

أصحاب المعالي والسعادة، أصحاب السماحة والفضيلة،

أيها المشاركون كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد، فيسرني الحضور معكم اليوم مرحباً بضيوف جامعتنا الكرام مثنيا على جهود إدارة الجامعة في تنظيم هذه الفعالية الهامة ودعوة هذه النخبة المميزة من أعلام الفكر واللغة وعلماء الحاسوب.

إن موضوع مؤتمركم هذا هو اللغة العربية في جانب من جوانبها وزاوية من زواياها تتعلق بالتجديد، إن لم يكن في الأساس فهو تجديد في الوسائل، وذلك يندرج في رؤية دولتنا، دولة الإمارات العربية المتحدة، وقيادتنا الرشيدة في تشجيع التجديد والابتكار في شتى الميادين ومختلف الفنون.

وإن اللغة العربية جديرة بأن تنال حظها وتحظى بنصيبها في اهتمام جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية وبخاصة تلك التي تتمتع بطموح وسعي للتميز كمثل جامعتنا، جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. ولذلك كان هذا المؤتمر بعنوان “مؤتمر اللسانيات الحاسوبية واللغة العربية”. وهو موضوع له جدته وجديته لما يمثل من سعي لتمكين اللغة العربية من الولوج في مجالاتٍ ظلت حصراً على بعض اللغات العالمية.

وإذ أرحب بكم باسم جامعتنا وأشارككم هذا الاجتماع العلمي الرفيع فأود أن أقول كلمة وجيزة عن هذه اللغة العربية القديمة الحديثة. إن تاريخ اللغات وبخاصة السامية يصعب تحديده بزمن أكيد إلا أن اللغة العربية حسب الروايات التاريخية ترجع إلى حوالي أربعة آلاف سنة إذ أن المؤرخين يذكرون أن سيدنا إسماعيل عليه السلام تعلم اللغة من جرهم وهي من القبائل العربية البائدة من أصول قحطانية كجديس وطسم وعاد وثمود. هذه هي الروايات التي يذكر المؤرخون العرب. ولا توجد نصوص أدبية ترجع إلى ذلك العهد بل إن بعض الروايات التي لا يمكن الحكم بصحتها تنسب شعراً إلى أبي البشرية آدم باللغة العربية.

تغيرت البلاد ومن عليها        فوجه الأرض مغبر قبيح

 

إلا أن الله علم آدم الأسماء كما جاء في القرآن الكريم فإذا كانت الأسماء هي اللغات كما يروى عن ابن عباس فلا شكّ أن العربية كانت من بينها. مهما يكن من أمر فالأشعار التي وصلت إلينا ترجع إلى أقل من ألفي سنة كأشعار الأفوه الأودي وغيره.

ولقد صارت العربية بفضل القرآن الكريم لغةَ عِبادَةٍ، وهي أيضاً وَسيلة فَهْم الشريعة، هذه الوظيفة التعبدية للغة العربية (على خلاف عن أبي حنيفة الذي رأى قراءة القرآن باللغة الدارية)، وهذه الميزة ربما لا يشارك فيها من اللغات الحية إلا العبرية القديمة. وأما النصارى الكاثوليك فكانوا يتعبّدُون باليونانيّة ثم اللاتينية، باعتبار أن الأولى هي التي ترجم إليها العهد الجديد من النسخة الأصلية الضائعة التي لا يعرف أكانت باللغة السريانية أم بالعبرية؟ وقد سمح الفاتيكان في المجمع المسكوني لسنة 1965 بأداء الطقوس بلغة كل قوم.

أما خارج الوظيفة الدينية، فإن اللغة العربية كسائر اللغات في أداءِ وَظِيفَتَيْ التَّعْبيرِ والاتِّصالِ، التعبير عن الأفكار والتواصل مع الآخرين، Communication. ولذلك فإن العربية محترمة ومعتبرة، وهو احترام واعتبار تشاركها فيه عند بعض العلماء كلُّ اللغات لأن الحرمة للحروف كما يقولون. كما أن اللغة العربية هي لغة الضاد ولغة المثنى أي صيغة التثنية وهي ما دل على اثنين وأغنى عن المتعاطفين بزيادة ألف ونون في حالة الرفع ، أو ياء ونون في حالتي النصب والجر، على أن اللغة العبرية -فيما علمنا- احتفظت بألفاظ قليلة تأتي فيها صيغة التثنية.

 

أيها الحضور الكريم،

إن اللغة العربية لغة تنتمي للمستقبل بخوارزمياته وعملياته المعقدة. وإن نظرة على تاريخ تطورها توضح هذا المنحى. فقد كان أحد روادها الأوائل وهو الخليل بن أحمد يتمتع بعقلية رياضية. يذكر أنه توفي وهو يبحث في معادلات رياضية دقيقة. من خلال ذلك اخترع العروض ووضع أول قاموس للغة العربية “كتاب العين” وكانت منهجيته أن يرتب الأحرف حسب ترتيبها في المخارج متدرجة من حلقية إلى شجرية إلى ذلقية إلى شفوية. أو ما سماه الشاطبي موازين الحروف.

وَهَاكَ مَوَازِينَ الْحُرُوفِ وَمَا حَكَى … جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ فِيهاَ مُحَصَّلَا

وَلاَ رِيَبةٌ فِي عَيْنِهِنَّ وَلاَ رِبَا … وَعِنْدَ صَلِيلِ الزَّيْفِ يَصْدُقُ الاِبْتِلَا

 

فيأخذ جذراً وينظر تقلباته والإمكانات المتاحة لتصاريف هذا الجذر وبناء على هذه الإمكانات يضع قائمة للأصول المستعملة في مقابل الأصول المهملة. على سبيل المثال ج ذ ب هو جذر ثلاثي -والأقل من الثلاثي كما تعرفون لا يكون أصلاً-.

“وليس أدنى من ثلاثي يرى***قابل تصريف سوى ما غيرا” كما يقول ابن مالك

هذا الثلاثي له تصاريف مختلفة وإن شئت فقل تقلبات فهذه التصاريف بناء عليها وعلى ما سمع من العرب فيها نضع قائمة الأصول المستعملة بعضها يكون كل هيئة منه أصلاً وبعضها تكون فرعا. والفرق بين الأصل والفرع أن الأصل يتصرّف والفرع لا يتصرّف.

والجذر “ض ر ب”، يمكن أن نأخذ منها “ضرب” وهو مستعمل و”ضبر” و”ربض” و”رضب” و”برض” و”بضر” وكلها أصول مستعملة. ومن برض قول ذي الرمة:

“رعت بارض البهمى جميماً وبسرةً وصمعاء حتى آنفتها نصالها”

 

والمراد أن اللغة العربية بدء تدوينها بصفة شبه رياضية مذ عني بها الخليل ومن قبله قام أبوالأسود الدؤلي بوضع الشكل على الحروف كما أسس الخليل العروض كذلك بأشكال شبه موسيقية. وقد اهتم بتصاريف اللغة، والصرف يختلف عن النحو فهو يهتم ب”كينونة اللفظ” أما النحو فيهتم بأواخر الكلم وعلاقته بالعوامل الخارجية. فالحروف وأشباهها لا تتصرف بمعنى أن هيئاتها لا تتقلب:

حرف وشبهه من الصرف بري***وما سواهما بتصريف حري

 

وإذا كانت اللغة العربية بدأت هكذا فهي إذاً قابلة للتطوير والتطور. ويمكن أن نعتبر أن الأجيال التي تعاقبت اهتمت بالنحو على حساب الصرف وأن ابن جني وشيخه أباعلي الفارسي لم يتابعهما الناس في عنايتهما بما يسمى بالاشتقاق الكبير أو الأكبر. وهو ما يدعى بالقلب المكاني وهذا معنى الاشتقاق الكبير، أما الاشتقاق الأكبر فهو قلب حرف إلى حرف آخر فالأحرف تتعاقب وتتعاور.

فهل يمكن الآن أن نعود إلى أصول هذه الصناعة عند الخليل وعند ابن جني وشيخه لنفيد منها في الحاسوبية علماً أن الأبجدية العربية وإن اشتملت على ثمانية أو تسعة وعشرين حرفاً فيمكن رجعها إلى عدد أقل عندما نعرف أن أربعة أحرف تمثل حرفاً واحداً الباء والتاء والثاء والياء هي في الحقيقة حرف واحد إذا عريناه من النقاط التي دخلت متأخراً في رسم القرآن الكريم، وكذلك الجيم والحاء والخاء حرف واحد. وحتى التشكيل فإن الفتحة والكسرة كما يقول أهل رسم القرآن عبارة عن ألف مبطوحة في الأعلى والأسفل والضمة عبارة عن واو مطموسة الرأس.

فإذا كانت اللغة العربية من مبتدئ تدوينها دائرة على منطق دقيق واستقراء عميق فأحرى أن تكون بذلك أقرب وأيسر في البرمجة والحوسبة التي مدارها كذلك على المنطق الرياضي. والمراد هنا كيف نستطيع من خلال إمكانات الحاسوب البرمجية ومتاحات الذكاء الصناعي استيعاب اللغة العربية بمجازاتها واستعاراتها وكناياتها وظاهر  دلالاتها…ذلك ما نأمل أن يسهم هذا المؤتمر فيه من خلال التعاون والتكامل بين علماء اللغة والمختصين في التقنية والشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص.

هذه أفكار متناثرة لكن المختصين والخبراء في مؤتمرنا هذا بإمكانهم أن يجدوا فيها أو في الرجوع إلى أصلها ما ينجدهم في البرمجة ويسعدهم في الحوسبة.

 

وختاماً، أشكركم جميعاً وأدعو الله أن يبقي بلدنا هذا بلد خير ونماء وعطاء ونفع للناس، وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة من كل ضر وباس، وأن يصلح أعمالنا وأن يجعل اجتماعنا اجتماع خير وأن يكلّله بالنجاح إنّه ولي ذلك والقادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

     

خطاب الى مؤتمر طاولة طوكيو المستديرة للسلام:ما بعد الحرب ونحو المصالحة

   
     

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين

 

كلمة في مؤتمر أديان من أجل السلام

في الفترة من 20 إلى 24 سبتمبر في طوكيو باليابان

 

سعادة الدكتورة عزة كرم، الأمين العام لمنظمة أديان من أجل السلام

القس الدكتور شينوهارا، الأمين العام لمنظمة أديان من أجل السلام آسيا وأديان من أجل السلام اليابان

 

أصحاب المعالي والسعادة، أصحاب السماحة والفضيلة،

أصحاب الغبطة والنيافة،

أيها المشاركون كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يطيب لي بادئ ذي بدء أن أتوجّه إلى منظمة “أديان من أجل السلام” بجزيل الشكر على الدعوة لهذا اللقاء الهامّ.

مع الاعتذار لعدم التمكن من الحضور معكم مباشرة لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، واسمحوا لي بين يدي هذه الجلسة أن أقدم بعض الأفكار السّريعة التي أرجو أن تكون مساهمة في التفكير في هذا الموضوع الملح ومنطلقا للحوار حوله.

 

أيها الأخوة والأخوات،

يأتي مؤتمرنا هذا في وضع دولي مضطرب يزيد من مستوى التحديات التي تواجه البشرية، فمن تحديات الأزمة الصحية التي لا تزال تلقي بظلالها على أجزاء من العالم إلى تحديات الاقتصاد والتضخم الذي تشهده الأسواق العالمية إلى تحدي الأمن وخطر الحروب والتوترات الحاصلة في مناطق من العالم.

ولقد أكدت الأزمات الراهنة والتوترات الحاصلة أن السلم كل لا يتجزأ وأن أي إخلال به ستنعكس آثاره على البشرية في كل مكان فالحروب في هذا الزمان لا تقف آثارَها عند الحدودِ الجغرافية لميدان المعركة بل تتعداها إلى باقي أصقاع العالم.

كما بينت الحروب الدائرة حاليا في أجزاء من العالم أن شياطين الحروب ما تزال كامنة في النفوس ولذا فإن من مسؤولية القيادات الدينية كما رجال السياسة معالجة هذه الأفكار في النفوس والأذهان قبل أن تخرج إلى العيان.

إن الوعي بهذه الضرورة هو الذي يوجه لقاءنا اليوم، حيث نستشعر جميعا الحاجة إلى أن تتكامل أدوارنا، انطلاقا من مواقعنا ودوائر تأثيرنا، لنسهم في استعادة الضمير الأخلاقي للإنسانية، الذي يعيد الفاعلية لقيم الرحمة والغوث ومعاني التعاون والإحسان.

ولاشك أن درجة التشابك بين مصائر الشعوب وأوضاعها في سياق العولمة المعاصرة فرضت الشعور الواعي بحقيقة الانتماء للبشرية كعائلة كبرى وللأرض كوطن أشمل، وهو ما يسميه البعض مواطنة كونية، المطلوب التحقّق بها من خلال تجسيد روح ركاب السفينة التي ضرب بها النبي صلى الله عليه وسلم المثل، روح ركاب السفينة الذين يؤمنون بالمسؤولية المشتركة وبالحرية المسؤولة المرشّدة وبواجب التّضامن والتعاون.

بروح ركاب السفينة ننشد عالما تكون فيه ثمرات العقول مبذولة لفائدة الجميع فلا يستأثر بها القوي أو يحتكرها الغني، عالما تتنافس فيه الأمم في الخير، وتستبق فيه الدول في تقديم الضيافة التي تستند إلى الكرامة الإنسانية، والتي تجعلك ترى الغريب قريبا، تراه أخا وصديقا، تقابله بحسن الظن، تؤويه إلى بيتك وتبذل له البر والإحسان، من غير سابق معرفة بينكما.

أيها الحضور الكريم،

لقد برز دور المجتمعات الدينية في العقود الأخيرة من خلال عملها الدؤوب لإيجاد فرص للسلام وذلك من خلال جهود نظرية وعملية. أما النظري منها فيتعلق بتأكيد دعوة الدين إلى السلام وأن الدين في أصله دعوة للسلم، وهذا يستبطن الرد على النظريات التي تعتبر أن السلام لايمكن أن يكون دائما ومستمرا الا باستبعاد الدين من الحياة العامة وتربط بشكل تلقائي بين الدين والعنف، ليكون ذلك أساسا للدعوة إلى المفاصلة بين الدين والدنيا كحلٍّ وحيد لإرساء أسباب التسامح والتعايش في المجتمع.

لكن الحروب في القرن الأخير على الأقل وبخاصة الحربين العالمية الأولى والثانية لم تكن دينية أو من منطلق ديني، بل كانت حروبا استراتيجية، حروب نفوذ تعيد توزيع المجالات والفضاءات وترسم خرائط الموارد وتقسم الأسواق، وتحدد طرائق المبادلات والمواصلات.

وهكذا قامت القيادات الدينية من مختلف الأديان بجهود لتبرهن على أن الدين قوة سلام، من خلال العودة إلى نصوصهم المقدسة ليستثيروها وإلى تراثهم ليستمدوا منه الأسس المتينة للتسامح والتعايش ويستلهموا النماذج المضيئة التي يسهم إحياؤها في إرساء قيم الخير والسلام في نفوس معتنقي الديانات، لأنّه بالرجوع إلى النصوص وإلى التأويل المناسب والمقارب يمكننا التصدي لمروجي الكراهية والعنف.

كما انتهضت هذه القيادات في الآن نفسه للكشف عن المشتركات بينها لتستبعد الحروب والصدام فيما بينها. تلك المشتركات التي تصون كرامة الإنسان وترفع من شأنه، من خلال العناية بما نسمّيه في الإسلام بالكليات الخمس، وهي الدين والحياة والعقل والملكية والعائلة، والتي نعتبر أنها هي أساس المشترك الديني بين كل الشرائع والملل، فجميعها جاءت بحفظها ورعايتها.

كما نشترك على مستوى أشمل مع سائر البشرية في المشترك الإنساني الذي هو القيم الكونية التي لا تختلف فيها العقول ولا تتأثر بتغيّر الزمان أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان، إنها الحقوق الطبيعية الفطرية التي يرثها كل إنسان بفضل وجوده، “وهي حقوق إلهية المصدر ممنوحة للمؤمن وغير المؤمن”.

و في هذا السياق أصدرت وثائق لها وزنها. وهي مواثيق ووثائق تقوم على تشجيع مبادئ الكرامة الإنسانية، كما تدعو في الوقت نفسه إلى مبادئ التسامح والسلم والرحمة والتضامن، فتؤسس بذلك لنموذج متوازن من التسامح المهذب والحرية المسؤولة والمواطنة الإيجابية والاقتصاد الإيجابي المتضامن. ومن ذلك على سبيل المثال وثيقة الأخوة الإنسانية ووثيقة كلمة سواء ووثيقة مكة المكرمة وكذلك الوثائق التي أصدرناها في منتدى ابوظبي للسلم كوثيقة حلف الفضول (٢٠١٩) وإعلانات مراكش (٢٠١٦) وواشنطن (٢٠١٨) وأبوظبي (٢٠٢١).

 

أيها السادة الأجلاء،

إن الانتقال بهذه المبادئ من حيز التنظير إلى واقع التجسيد أمر ممكن ومطلوب،  بحيث لا تكون هذه الوثائق مجرد مبادئ نظرية مبتوتة الصلة بالواقع، لا فاعلية لها، بل يجب العمل على ترجمتها وبلورتها في مناهج عملية وبرامج تطبيقية، تتنزّل في المدارس تعليما للناس، وفي المعابد تعاليم للمؤمنين، وفي ساحات الصراع وميادين النزاع، طمأنينة تحلُّ في النفوس، وأملا يعمر القلوب.

وقد تحقق شيء من ذلك حيث وصلت بعض هذه الوثائق والمبادرات إلى صناع القرار وتبنتها الدول فانتقلت من إطار الأفكار إلى ميدان العمل والتطبيق.

وإن مؤتمركم اليوم مدعو لمتابعة النظر في أفضل السبل لتفعيل جهود القيادات الدينية والخروج بخطوات عملية لتحقيق ذلك.

وفي سياق السلم، أصبحت دولتنا -الإمارات العربية المتحدة- بقيادة صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد حفظه الله، مثابة للسلم ومأوى لمريدي الخير، حيث احتضنت وثائق ومبادرات الحوار والسلام وكانت أول دولة تنشيء وزارة خاصة (بالتسامح والتعايش) بل جعلت قيمة السلم احدى المبادئ العشر الرئيسية لاستراتيجية الدولة في الخمسين سنة القادمة.

وختاماً أرجو أن يستمر إسهام القيادات الدينية في نشر السلام والوئام في العالم أجمع، متمنيا لهذا المؤتمر النجاح والتوفيق.

 

أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة

   

أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة
فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الحى القيوم، العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الصراط المستقيم ، وعلى آله وصحبه أهل العلم الصحيح والمنهج القويم والذوق السليم . وبعد؛ فهذا بحث في نقود الكاغد محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، يحتوي – إن شاء الله – على بعض الفوائد، لا يدعي اقتناص الشوارد، ولا تقيد الأوابد، في مجال لم يترك الرواد فيه وشلا لوارد، صغته في شكل مسائل، وسلكت فيه سبيل أهل الفتوى في النوازل، لا أقول فيه كما قال الشاعر :
كَمْ تَرَكَ الْأَوْلُ لِلْآخِر
بل اكتفى على قدر الجهد بالاتباع، واغتني بنصيف المد عن تطفيف الصاع .
فضيلة الشيخ عبد الله ولد بيه
أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز
كلية الآداب
جدة في 20/1/1407هـ
__________

(2/2020)

————–

التعريف :
النقود جمع نقد ، وهو في الأصل مصدر لنقد إذا ميز الدراهم الجياد من الزايفة، أو إذا أعطاها معجلة، إلا أنه مصدر وُصف به ، فقيل : درهم نقد : أي جيد، وأصبح فيما بعد اسما لواسطة التبادل ، وتنوسي أصل المصدرية كما تنوسي أصل الوصفية، فأصبح مرادفًا للدرهم والدينار وما في معناهما، وذلك ليس بمستبعد من الناحية اللغوية .
فالوصف إذا كثر استعماله يقوم مقام الموصوف ، فلا يحتاج إلى تقدير موصوف ، كقولهم : هبت الجنوب والشمال، بدون حاجة إلى ذكر الريح، وكالهجان أصلها صفة للأبل البيض الكرام ، يستوي فيها الفرد والجمع ، والمذكر والمؤنث ، يقال : جمل هجان وإبل هجان قال جرير :
سيكفيك العواذل أرحبي   هجان اللون كالفرد اللياح

ويجمع على الهجن والهجائن، وأصبحت الهجن وصفًا قائما ًمقام الإبل مهما كان لونها ، فيقولون : سباق الهجن، وله أصل في اللغة العربية قال الشماخ :
أعائش ما لقومك لا أراهم   يضيعون الهجان مع المضيع

يريد به الإبل، وكانت زوجته عائشة تلومه على عدم إتلاف ماله فردّ عليها بأن قومها لا يتلفون مالهم، (ذلك رأى سيبويه الذي حكم بأصالة (لا) في البيت) .
__________

(2/2021)

————–

ونعتقد أن هذا التفسير سائغ لدى النقاد ، فلا نحتاج إلى ذكر النقاد، وتتبع مادة نقد كما فعل القس الكرملي الذي جعله من النقاد لجنس من الغنم وهو بعيد ، بل أصله وصف أخذ محل الموصوف بسبب كثرة الاستعمال ، فأصبح يوصف كما قال مرتضى في التاج : ونقود جياد . وكذلك الزمخشري في أساس البلاغة فوصف النقود بأنها جياد، يعنى أنها أصبحت اسما يوصف بدلاً من أن تكون وصفًا يصف .
التعريف الاصطلاحى :
كلمة (النقود) قد مرت بمراحل وتطورات فقهية جعلت من الصعب تعريفها تعريفًا ثابتًا لا علاقة له بالزمن، ولا يعرف المخاطبين . إذن فالتعريف يمكن أن يكون عرفيا، ومن المعلوم أن الحقيقة العرفية لا يُلجأ إليها إلا بعد عزل الحقيقة اللغوية ؛ لعدم أدائها للمعنى المطلوب وانعدام الحقيقة الشرعية، فهذه الكلمة بعد أن رأينا أنها كانت يعنى بها الدرهم الجيد الكامل – لغةً – نجدها تطلق على النقود : الذهب والفضية، ونجدها بعد ذلك تختص بالمضروب منها دنانير ودراهم .
قوله : ” نقد ” يوهم قصر الربا على المسكوك ؛ لأن النقد خاص به ، فتكون مرادفة للعين . قال الخطابي : التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع ، والعين المضروب دنانير ودراهم . القرطبي .
وانتشر التعبير بالنقد في كل ما استعمل ثمنًا للأشياء وغيرها مما يكون واسطة للتبادل، ويشعر إمام الحرمين بالحرج لذلك فيقول : “قال قائلون ممن يصحح العلة القاصرة : فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا جرت نقود” إلى آخر كلامه الذي قد نتعرض له في مناقشة الربوية (1) .
__________
(1) البرهان : 2/1082-1083 .

(2/2022)

————–

فإمام الحرمين لا ينفي إطلاقا إطلاق الاسم على الفلوس ؛ لأنه مرادف للوساطة في التبادل أي الثمنية، وإنما ينفي النتائج المترتبة على ذلك .
وقد انتشر هذا التعريف للنقد في أوساط الفقهاء، وهنا يلتقي الفقهاء مع تعريف الاقتصاديين الذي يتمثل باختصار في كون النقد كل شيء يلقى قبولاً ورواجًا كوسيط للتبادل ، مهما كان ذلك الشيء، وعلى أي حال يكون . ولا نطيل عليكم بذكر التعريفات المختلفة .
وهذا التعريف للنقد لا نجد حرجًا من قبوله كمصطلح اقتصادي ، فقد رأينا أن الفقهاء وصلوا إليه في النهاية، وخصوصًا المدرسة المعللة بالثمنية المتعدية ، فقد بالغت في ذلك حتى إن ابن العربي ضرب مثلاً بالخبز في بغداد ، وقد شاهده كوسيلة تبادل حتى إن الحمام يُدخل به .
فهذا هو غاية تطور كلمة النقد عند الفقهاء، ولا نطيل عليكم بتطور النقود في أوربا من سندات إلى أوراق معتمدة لها غطاء وبدون غطاء ، فهذه أمور معروفة لديكم .
__________

(2/2023)

————–

أحكام النقود الورقية في مسائل
المسألة الأولى
حكم طبع النقود الورقية هو الجواز إذا خضع لضوابط تمنع إنزال الضرر بالناس لحديث (( لا ضرر ولا ضرار )) . أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً وأحمد وأبو داود ، وقال السيوطي : إنه صحيح .
ولهذا فيمنع إحداث نقود تؤدي إلى الفوضى والتضخم ، فلا يجوز للأفراد ولا للسلطة أن تحدث ذلك للقاعدة الشرعية .
فالعفو هو الأصل، وإن كانت السكة في ذلك الوقت تعني الدنانير الهرقلية والدراهم البغلية الفارسية التي كانت ترد على العرب، وأقرب في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين ، حتى زمن دولة بنى أمية ، حيث ضرب عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين السكة (1) .
وقد ظهرت الفلوس في صدر الإسلام بجانب الدناير والدراهم ، كما تدل عليه فتاوى الأئمة الكبار في ذلك الوقت؛ قال السيوطي في الحاوي : التعامل بالفلوس قديم . وبعد ذكره التعريف اللغوي قال : “قال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال : لا بأس بالسلف في الفلوس” . أخرجه الشافعي في الأم، والبيهقي في سننه دليلاً على أنه لا ربا في الفلوس . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد “لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد” .
وأخرج عن حماد مثله، وأخرج عن الزهري أنه سئل عن الرجل يشتري الفلوس بالدراهم ، قال : “هو صرف فلا تفارق حتى تستوفيه” .
وذكر الصولي في كتاب الأوراق أنه سنة إحدى وسبعين ومائتين ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي حسبة بغداد في زمن الخليفة المعتمد ، فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس ، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها” .
__________
(1) البلاذري في فتوح البلدان .

(2/2024)

————–

وكانت خاصة باشتراء المحقرات كما يقول المقريزي في كتابه : “إغاثة الأمة بكشف الغمة” : “إن سبب ضرب الفلوس أيام الكامل من الدولة الايوبية ، هو شكوى امرأة إلى خطيب الجامع بمصر أبي الطاهر المحلي مسألة من مسائل الصرف الربوي تصعب السلامة منها ؛ لأنها تشتري الماء من السقاء بنصف درهم ، فتعطي درهما ويرد السقاء نصف درهم ورقا، فكأنها اشترت الماء ونصف درهم، فأنكر أبو الطاهر ذلك وكلم السلطان ، فضرب الفلوس ، واستمر الناس في ذلك حتى أصبحت هي الرائجة في مصر، وحلت محل الذهب والفضة ، وخصوصًا أيام السلطان برقوق إلى أيام المقريزي في القرن التاسع .
ولعله يشير بهذه الحكاية إلى المسألة المشهورة عند الشافعية بمد عجوة ودرهم ؛ وهي : أن يبيع أحد ربويين بمثله ومع أحد العوضين جنس آخر، فالبيع باطل عند الشافعية والمالكية ، إلا أن هؤلاء يتسامحون في المحقرات .
أما النقود الورقية فإنها ظهرت في الصين لأول مرة كما يذكر ابن بطوطة : ثم ظهرت في الغرب فكان بنك استكهولم بالسويد أول حلقة سنة 1608م في سلسلة تطور النقود الورقية الذي استمر إلى عصرنا الحالى من سندات إلى أوراق مغطاة بالذهب ، إلى أوراق غير مغطاة .
ولا أرى ضرورة للتوقف عند ذلك، المهم أنه لا اعتراض للفقهاء على توسيط أي شيء في التبادل ما لم يكن محرم العين أو مغشوشًا بشكل لا يمكن تحديد نسبته ولم يتواضع عليه، علمًا بأن بعض العلماء كالمقريزي في كتابه “إغاثة الأمة” أنكر إنكارًا شديدًا التعامل بالفلوس واستبعاد الذهب والفضة من دورة التعامل قائلاً بعد أن ذكر أن الفلوس أصبحت عوضًا عن المبيعات كلها ، من أصناف المأكولات والمشروبات، وسائر أنواع المبيعات : ويأخذونها في خراج الأرضيين ، وعشور أموال التجارة ، وعامة مجابي السلطان ، ويصيرونها فيها في الأعمال جليلها وحقيرها، ولا نقد لهم سواها، ولا مال إلا إياها ، بدعة أحدثوها، وبلية ابتدأوها ، لا أصل لها في سنة نبوية، ولا مستند لفعلها من طريقة شرعية، ولا شبهة لمبتدعها في الاقتداء بفعل أحد ممن غبر . إلى آخر كلامه ، حيث أبرز ما حل بالبلاد من الدمار والاضمحلال بسبب التعامل بالفلوس .
وقال : إن النقود المعتبرة شرعًا وعقلاً وعادة ، إنما هي الذهب والفضة فقط ، وما عداهما لا يصح أن يكون نقدًا .
__________

(2/2025)

————–

إلا أن ضابط الجواز هو ما ذكرناه سابقا من عدم إلحاق الضرب الناس في ممتلكاتهم، ومعاملاتهم وعدم بخس أشيائهم وتعريض اقتصادهم للفوضى والاضمحلال، فالأصل الجواز فيما سلم من ذلك ، خصوصًا إذا عري عن سبب يجعل شبهة التحريم قائمة ، كنيابة النقود الورقية عن العين الغائبة، مما يؤدي إلى الصرف المؤجل ، ومع ذلك فنحن نشاهد فوضى نقدية تتلاعب بأموال الناس ، وتحيل أرصدتهم إلى أوراق من الكاغد لا قيمة لها ، مما يجعل جوازها خاضعًا للقاعدة الشرعية المتمثلة في أن الحاجي ينزل منزلة الضروري كالإجارة ، حيث خالفت القياس لورود العقد على منافع معدومة . فالحاصل أنها إذا لم تترتب عليها أضرار اقتصادية فهي جائزة .
المسألة الثانية
هل بيع هذه النقود بعضها ببعض يدخله الربا؟
إذا كان بيع هذه النقود بعضها ببعض أو بالذهب والفضة يدخلهما الربا كما يدخل في الذهب والفضة ، أولا يدخل فيها الربا إلا ما يدخل في العروض ، فما هو الحكم في هذه المسألة؟
__________

(2/2026)

————–

إن هذه المسألة مطروحة منذ ظهرت الفلوس، وأفتى فيها الأئمة ، ولم يخل مذهب من خلاف في داخله حول هذه القضية ، حتى وصلت إلى عصرنا هذا .
ولا يزال النقاش مفتوحًا لصعوبة إقناع أيٍّ من الفريقين الآخرَ في غيبة نص صريح أو أثر للخلاف رافع ، أو إجماع قاطع، أو قياس جلي ناصع .
ويمكن أن نقسم اختلاف الفقهاء إلى موقفين : موقف يعتمد النص الحرفي أو دلالته القريبة، ويتمثل في مذهب أهل الظاهر ، وهو رأي كثير من علماء المذاهب الأخرى . وموقف يبتعد عن النص إلى حد ما عن طريق التعليل واستكناه مغزى النصوص ومراميها، ويجد سندا في بعض المذاهب الأخرى .
ولكثرة ما كتب في الموضوع فسأتحدث بإيجاز عن كلا الموقفين ، ثم أذكر مختاري في المسألة .
الموقف الأول : يتمثل في انتفاء الربوية ، وقد يختلف معتنقوه في التعبير عنه بسبب اختلاف مشاربهم ومذاهبهم بين مانع القياس مكتفيا بالنص كأساس في سائر الأصناف ، وبين من لا يتخذ هذا الموقف المبدئي فهو يجيز القياس ، إلا أنه ينفي وجود علة في هذا المكان بالذات ، أو يعترف بوجود علة فيه ، غير أنه يدعي فيها القصور .
واقتصارا للبحث فإننا نجعل تحت هذا الموقف من يعتبرها كالفلوس وهو ينفي الربوية عن الفلوس، ومن يجعلها كالعروض لأنه يثبت للفلوس نوعًا من الربوية لا يخضع لعلة الثمنية .
أما الظاهرية فإن موقفهم ينسجم مع مذهبهم الذي يرفض القياس ويرى من النصوص كفاية للقضايا المتجددة، وقد دافع ابن حزم عن موقفهم، ورد عليه ابن القيم وغيره بضراوة لا تقل قوة . فموقف الظاهرية معروف له ما له وعليه ما عليه . وقد نحى منحى الظاهرية في هذه المسألة جملة من العلماء، فمن السلف طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان .
__________

(2/2027)

————–

كما حذا حذوهم ابن عقيل من الحنابلة، وأبو بكر الباقلاني من المالكية ، والأخير عن ابن رشد في البداية، واللخمي أيضًا من المالكية عن أحمد بن علي المنجور ، في شرحه القواعد في مخطوطة ابن التلاميذ الشنقيطي ص60 .
ونصف في نفس الاتجاه من يعلل علة لا تتناول النقود الورقية ، كالوزن عند أبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه، ولا داعي لنقل كلام هؤلاء لوضوح كلامهم واشتهاره ، كما نصف في نفس الاتجاه أيضًا من يعلل بالثمنية أو الثمنية الغالبة ، وهو يصرح بأن هذه العلة قاصرة وليست صالحة للتعدية إلى غير محلها، وهؤلاء يجدر بنا أن نتعرض لبعض أقوالهم وآرائهم نظرًا للالتباس الذي يوحي به التعليل بالثمنية .
ونقف وقفة قبل أن نسترسل معهم لنشير إلى أن بعض العلماء ممن يعترف بمبدأ القياس يقترب في تحليل فقهه من الظاهرية، وكمثال على ذلك نذكر ما نقله إمام الحرمين عن القاضي أبي بكر الباقلاني المالكي – وقد رأينا أنه غير معلل في هذه المسألة – حيث قال القاضي : الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ملحق بهما، والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه .
__________

(2/2028)

————–

أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة ، وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها ، فانتقاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به، وقال أيضًا : المعاني إذا حصرتها الأصول ضبطتها النصوص ، كانت منحصرة في ضبط الشارع .
وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم ينضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتنفاء حكمة الحكماء . فيصير ذوو الأحلام بمنزلة الأنبياء ، إلى أن قال : ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق ، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون (1) .
ولعل كلام القاضي ، وإن كان إمام الحرمين اعترضه ، إلا أنه ليس بعيدًا من تفكير الشافعية، فهم وإن كانوا يقولون بالثمنية أو غلبة الثمنية لعلة ، إلا أنهم يقولون بأنها علة قاصرة، والعلة القاصرة عند من يقول بها هي التي لا تتعدى معلولها؛ لكونها محل الحكم أو جزء علة أو وصفًا لازمًا .
وقد ناقش علماء الأصول العلة القاصرة لإثبات وجودها ، ثم بعد ذلك لتحديد وظيفتها وعلاقتها بهذه المسألة ، ومن هؤلاء إمام الحرمين في البرهان (2) .
مسألة : إذا استنبط القائس علة في محل النص ، وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه ، فالعلة صحيحة عند الامام الشافعي رضي الله عنه .
ونفرض المسألة في تعليل الشافعي تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية ، وهي خاصة بالنقدين لا تتعداهما، وقد أطال النفس وناقش نفاة العلة القاصرة كالأحناف . وفي هذه المناقشة عرج على مسألة الفلوس أكثر من مرة ، فقال : ولقد اضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى ، ونحن نذكر المختار من طرفهم ، ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه ، ثم نص على ما نراه .
قال قائلون ممن لا يصحح العلة القاصرة : فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا جرت نقودا ، وهو خرق من قائله، وضبط على الفرع والأصل ، فإن المذهب أن الربا لا يجري في الفلوس إن استعملت نقودا، فإن النقدية الشرعية مختصة بالمصنوعات من التبرين، والفلوس في حكم العروض ، وإن غلب استعمالها ، ثم إن صح المذهب قيل لصاحبه : إن كانت الفلوس داخلة تحت اسم الدراهم فالنص متناول لها، والطلبة بالفائدة قائمة، وإن لم يتناولها النص فالعلة متعدية إذًا، والمسألة مفروضة في العلة القاصرة .
__________
(1) البرهان : 1115 قطر .
(2) البرهان : 1080 .

(2/2029)

————–

كلام إمام الحرمين واضح في أن النقدية قاصرة على النقدين، وافتراضه الجدلي ظاهر في صعوبة منحاه ، حيث يجعل النقدية وهي الثمنية علة ، ثم يمنع طردها .
ثم قال بعد ذلك : فإن قيل : ما ذكرتموه تصريح باطل إلى التعليل بالنقدية قلنا : لم نر أحدًا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده . والصحيح عندنا أن مسائل الربا شبهية ، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب ، كما قررناه في مجموعاتنا .
ثم الشُّبَهُ على وجوه ، فمنها التعلق بالمقصود ، وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم، ومن النقدين النقدية، وهي مقتصرة لا محالة وليست علة ، إذ لا شبهة فيها ولا إخالة فيها . . . إلى آخر كلامه .
وقال بعد ذلك في التعارض بين العلة القاصرة والمتعدية وما قررناه لا يجري في النقدين، فإن العلة التي عداها الخصم فيهما باطلة من وجوه سوى المعارضة .
وقال أيضًا فإن قيل : قد علل أبو حنيفة رحمه الله في باب النقدين بالوزن وهو متعد إلى كل موزون، وعلل الشافعي رحمه الله بكونهما جوهري النقدين . وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك؟
قلنا : الوزن علة باطلة عند الشافعية ، والقول في التقديم والترجيح يتفرع على اتصاف كل واحدة من العلتين بما يقتضي صحتها لو انفردت (1) .
وقد أوضح النووي في المجموع مذهب الشافعي فقال : وأما الذهب والفضة فالعلة عند الشافعية فيهما كونهما جنس الأثمان غالبًا، وهذه عنده علة قاصرة عليهما ؛ إذ لا توجد في غيرهما . وبعد ذلك يوضح المسألة فيقول : إذا راجت الفلوس رواج النقود لم يحرم الربا فيها، هذا هو الصحيح المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور (2) .
وقد أطال جلال الدين المحلي في شرحه لجمع الجوامع للسبكي حيث قال ممزوجا بالنص ” والعلة القاصرة وهي التي لا تتعدى محل النص منعها قوم أن يعلل بها مطلقًا” ، والحنفية منعوها إن لم تكن ثابتة بنص أو اجماع، قالوا جميعا : لعدم فائدتها، وحكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الاتفاق على جواز الثابتة بالنص معترضة بحكاية القاضي عبد الوهاب .
__________
(1) البرهان : 1269 .
(2) المجموع مطبعة العاصمة : 9/444-447 .

(2/2030)

————–

كما أشار إلى ذلك المصنف بحكاية الخلاف .
والصحيح جوازها مطلقًا، وفائدتها معرفة المناسبة بين الحكم ومحله ، فيكون أدعى للقبول ومنع الإلحاق بمحل معلولها ، حيث يشتمل على وصف متعد لمعارضتها له ما لم يثبت استغلالها بالعلة ، إلى أن قال : ومن صورها ما ضبطه بقوله : “ولا تعدي لها” أي العلة عند كونها محل الحكم ، أو جزءه الخاص بأن لا يوجد في غيره، أو وصفه اللازم بأن لا يتصف به غيره لاستحالة التعدي حينئذ .
مثال الأول : تعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبًا، وفي الفضة كذلك .
ومثال الثاني : تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج .
ومثال الثالث : تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء .
وبمراجعة كلام السبكي وشارحه جلال الدين يتضح أن الثمنية لا تعني التعدي ، وأنها ثمنية تختص بمحل الحكم لكونها وصفه اللازم .
وقد نظم سيدي عبد الله الشنقيطي المالكي في “مراقي السعود” كلام السبكي فقال :
وَعَلَّلُوا بِمَا خَلَتْ مِنْ تَعْدِيَهْ   لِيُعْلَمَ امْتِنَاعُهُ وَالتَّقْوِيَهْ
مِنْهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ أَوْ جُزْء وَزَدْ   وَصْفًا إِذَا كُلٌّ لُزُومِيًّا يَرِدْ

قال في شرحه “نشر البنود” : يعنى أن المالكية والشافعية والحنابلة جوزوا التعليل بالعلة القاصرة ، إلى أن قال : فتعدية العلة شرط في صحة القياس ا اتفاقًا، والجمهور على أنها ليست شرطا في صحة التعليل بالوصف كتعليل طهورية الماء بالرقة والنظافة دون الإزالة . وتعليل الربا في النقدين بالنقدية أو بالثمنية أو بغلية الثمنية . . . إلى أن قال : يعني أن من صور العلل القاصرة أن تكون العلة محل الحكم أو جزءه الخاص به أو وصفه اللازم له، والمحل ما وضع اللفظ له كالخمرية، إلى أن قال : والمراد بالوصف اللازم هنا هو ما لا يتصف غير المحل به ، كالنقدية في الذهب والفضة ، أي كونهما أثمان الأشياء ، فإنهما وصف لازم لهما في أكثر البلاد (1) .
ونلاحظ حرصهم على التمثيل للعلة القاصرة بالنقدية أو الثمنية أو غلبة الثمنية، أو كونهما قيمة للأشياء ، كل هذا يدل على أن المعللين بالثمنية أو غلبتها ويقولون بقصور العلة ، يرون أنها ثمنية من نوع خاص، وهذا كقول البهوتي الحنبلي في زكاة الذهب والفضة في كتابه”كشاف القناع” : وهما الأثمان فلا تدخل فيها الفلوس ولو كانت رائجة .
إن النقدية الشرعية – كما سماها إمام الحرمين – تعني فيما يبدو كون النقدين أثمانًا بالخلقة ، حين تعتبر ثمنية غيرها ثمنية عارضة .
ونرى أن علماء الفروع بنى كثير منهم على هذه النظرية فقال الشيخ زكريا الشافعي : إنما يحرم الربا في نقدين ذهب وفضة ، ولو غير مضروبين كحلي تبر ، بخلاف العروض ، كفلوس وإن راجت .
وفي الدر المختار للشيخ محمد علاء الدين قوله : يحل بيع فلس بفلسين أو أكثر . وفي حاشية ابن عابدين جوازه عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف : ليست أثمان خلقة فهي كالعروض .
__________
(1) المنجور : 60 .

(2/2031)

————–

وقد أسقط جل المالكية الزكاة في الفلوس ، إلا أن موقفهم ظل من الربوية مترجحًا بين الحكم بها وعدمه، فهي إذًا ثمنية من نوع خاص ؛ لأنها وحدها الغالبة ، ولأنها : “أصل الأثمان عند الشافعي ” (1) ، ولأنها النقد الشرعي ، كل هذه العبارات تدل على تهرب المعللين بالعلة القاصرة من شمولها للفلوس وما جرى مجراها .
أما وجهة النظر الأخرى التي تقول بالثمنية المتعدية – سواء عبر عنها بغلبة الثمنية، أي غلبة الاستعمال في التبادل ، أو مطلق الثمنية – ويمثلها المالكية ؛ لأن مالكًا رحمه الله كره ذلك .
قال ابن القاسم : سألت مالكًا عن الفلوس تباع بالدنانير والدراهم نظرة – أي تأخيرا – ويباع الفلس بالفلسين؟ قال مالك : إني أكره ذلك ، وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهة .
وفي المدونة نصوص تدل على كراهة مالك لبيع الفلوس بالذهب والفضة نظرة، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود ، وكانت لها عين وسكة فإن مالكًا يكره بيعها بالذهب والفضة نظرة .
وانطلاقا من نص الامام فإن علماء المالكية وضعوا قاعدة الثمنية أوغلبيتها ، أي هل تعتبر مطلق الثمنية كافيا لتلحق الفلوس بالنقدين، أو لا بد من أن يكون استعمالها غالبا ؟ وكلا العلتين متعدية عند أكثر المتأخرين من أصحاب مالك ، إلا أنهم بسبب الترجح بين العلتين، أي بين علة واقعة وهي الثمنية القائمة في الفلوس فعلا، وبين علة لم تقع زمانهم وهي غلبة الثمنية ، وعلى أصل مالك في التوسط بين الدليلين وهو ما يسمى بالبينية، أي وجود حكم بين دليلين، وهو إعمال كل من الدليلين من وجه يناسب أعماله .
__________
(1) المنجور : 60 .

(2/2032)

————–

قال الزقاق في المنهج المنتخب :
وَبَيْع ذِمِّيٍّ وَعِتْق هَلْ وَرَدْ   الْحُكْم بَيْنَ كَوْنِهِ اعْتَقدْ
كَالْبَيْعِ منْ شَرط يَصِحّ وَبَطلْ   وَحُكْمُ زِنْدِيقٍ وَشُبهة نقلْ

قال المنجور في شرحه (مخطوطة) ابن التلاميذ الشنقيطي ص57 : اختلف هل ورد الحكم بين بين، أي حكم بين حكمين ، فأثبته المالكية وهو من أصولهم، ونفاه الشافعية، ويعمل به عند من أثبته في بعض صور تعارض الأدلة ولا ترجيح، كما أذا اشبه الفرع أصلين ولم يترجح أحد الشبهين، ونقل أمثلة منها البيع بشرط عدم القيام بالجائحة ، فإن البيع يصح والشرط يبطل، وساق الأدلة المتعلقة بالشروط ، إلى أن قال : قال أبو عبد الله المقري : قاعدة : قال ابن العربي : القضاء بالترجيح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية، بل يجب العطل عليه بحسب مرتبته ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام (( الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة )) .
وهذا مستند مالك فيما كره أكله ، فإنه حكم بالتحليل لظهور الدليل وأعطى المعارض أثره، فتبين مسائله تجدها على ما رسمت لك .
وقد نقل قبل ذلك انتقاد تقي الدين ابن دقيق العيد حيث قال عنه : “جعل بعض المالكية الحديث دليلا لقاعدة من قواعد مذهبهم ، هي أن الفرع إذا أشبه أصلين ودار بينهما يعطى حكمًا بين حكمين ؛ لأنه لو أعطى حكم أحدهما فقط لزم إلغاء شبهة بالآخر، والفرض أنه أشبه” إلى آخر كلامه (1) . انتهى محل الاستشهاد منه .
ولهذا فإن كثير من علماء المذهب المالكي جزموا بالكراهة وقالوا : إن ” أَكْرَهُ ” على بابها ولا تعنى الحرمة، وبنوا هذه المسألة أيضًا على قاعدة أخرى هي قولهم : هل يعطى النادر حكم نفسه ، أو يلحق بالغالب في حكمه؟ قال أبو عبد الله المقري في قواعده :
قاعدة : اختلف المالكية في مراعاة حكم النادر، في نفسه أو إجراء حكم الغالب عليه، وقد نظم ذلك أبو الحسن على بن القاسم الفاسي الشهير بالزقاق في المنهج المنتخب فقال :
وَهَلْ لِمَا نَدُرْ حُكْمُ مَا غَلَبْ   أَوْ حُكْمُ نَفْس كَالْفُلُوسِ وَالرُّطَبْ
وَكَسُلَحْفَاةٍ وَقُوتٍ نَدُرَا   كَذَا مُخُالِطٌ وَعَكْسٌ ذُكٍرَا .
__________
(1) المنجور(مخطوط) : 57 .

(2/2033)

————–

قال أحمد بن علي الشهير بالمنجور في شرحه لهذه الأبيات : أي نوادر الصور هل تعطى حكم نفسها أو حكم غالبها؟ وعليه إجراء ابن بشير الربا في الفلوس، ثالثها يكره، ورد إجراء اللخمي على أنه في العين غير معلل، والعلة الثمنية والقيمة . يقول أشهب : إن القائسين مُجمعون على التعليل، وإن اختلفوا في عين العلة، اللخمي : من رأى أن علة الربا في النقدين كونهما أثمان المبيعات وقيمة المتلفات ، ألحق بهما الفلوس . ومن رأى أنه شرع غير معلل منع لحوق الفلوس بهما، ابن بشير : وهذا غير صحيح للإجماع أنه معلل، وإنما اختلفوا في عين العلة ، وإنما سبب الخلاف في الفلوس الصور النادرة هل تراعى؟ فمن رعاها ألحق الفلوس بالعين ، ومن لا فلا . ويمكن أن يتخرج الخلاف فيها على اختلاف العوائد ، فيحمل على الجواز حيث لا يعمل بها والمنع على العكس . ثم قال بعد ذكر بعض الأمثلة وذكر نص المقري في القاعدة السابقة : هو عندي على أن العلة في العين كونها ثمنًا أو قيمة أو كونها أصلاً في ذلك الشافعى .
وقال النعمان بالوزن وأجرى الربا في كل موزون، وقال ابن العربي : ليست العلة القاصرة في الأصول إلا في هذه المسألة (1) .
__________
(1) المنجور (مخطوط) : 60 .

(2/2034)

————–

يلاحظ عزو المنجور الإجماع على التعليل لابن بشير ، وقد علمت مما مر أن الإجماع غير وارد، والصواب مع أشهب أن الإجماع إجماع القائسين، ثم أن اللخمي من علماء مذهب الإمام مالك يعتبر خلافه مؤثرا داخل المذهب ، حتى إن خليلاً في مختصره التزم ذكر اختياراته .
وقد أوجز ميارة الفاسي موقف المالكية بقوله في التكميل :
الثَّمَنِيَّة وَقِيلَ الْغَلَبَهْ   فِي الثَّمَنِيَّة فَحَقِّقْ مَذْهَبَهْ .
عِلَّة ذَا الرِّبَا عَلَيْهِمَا الْفلُوس   نُقُودًا أَوْ عَرَضًا فَحقِّقِ الْأُسس
وَجُلُّ قَوْلِهِ الْكَرَاهِيَةَ بِذَا   تَوَسُّطًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ خُذَا

قال الرهوني في حاشيته على الزرقاني : إن مالكا رحمه الله تردد في علة الربا في النقدين ، هل هي الثمنية المطلقة فتكون الفلوس ربوية؟ أو الثمنية المقيدة بالغالبية فلا تكون الفلوس ربوية؟ ففى بعض أبواب الفقه جعل العلة هي الثمنية المطلقة كالسلم ؛ لأنه جعل الفلوس فيه كالعين، وكذلك في باب الرهن وغيرهما، وفي بعض الأبواب جعلها الثمنية المقيدة بالغالبية كالقراض ؛ لأنه قال : لا يقارض بالفلوس ؛ لأنها تؤول إلى الفساد والكساد ، فجعلها كالعرض ، ولم يجعلها كالعين في كل شيء، وقد اختصر مذهبه ابن عرفة بقوله : وفي كون الفلوس ربوية ثالث الروايات يكره فيها . . . إلى آخره .
ومع أن جميع شروح خليل ذكروا القول بالحرمة في باب السلم ، فإنهم ذكروا الكراهة، وقال الرهوني : إنها الراجحة، ولكنهم تركوا الباب مفتوحًا لتحقيق المناط، أي للحكم بالربوية عندما تتحقق غلبية الثمنية ؛ لأنهم لا يفسرون الغلبية كما يفسرها غيرهم بأنها صفة لازمة للنقدين لتكون العلة قاصرة .
وإنما اعتبروها حالة واقعة بحيث إذا تحققت تلك الحال فلا مناص من تحقق الحكم طبقا لتعريف جمهور الأصوليين، فإن تحقيق المناط إثبات الصلة المتفق عليها أصلا في الفرع .
قال سيدي عبد الله الشنقيطي ناظما كلام السبكي في جمع الجوامع :
تَحْقِيق عِلّة عَلَيْهَا ائْتَلَفَا   فِي الْفَرْعِ تَحْقِيقُ مَنَاط ألفَا

قال في نشر البنود : يعنى أن تحقيق المناط، أي العلة هو إثبات العلة المتفق عليها في الفرع كتحقيق أن النباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان سارق، فإنه وجدت فيه العلة وهي أخذ المال خفية من حرز مثله ، فيقطع خلافا لأبي حنيفة .
__________

(2/2035)

————–

وتجدر الإشارة هنا إلى أن : تحقيق المناط ليس من المسالك ، بل هو دليل تثبت به الأحكام ، فلا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة ، وإليه يحتاج في كل شريعة . قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله : “لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع ؛ إذ لا يمكن التكليف إلا به ومنه” .
وقال القرافي في شرح التنقيح في تعريفه ما نصه : “وأما تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع” .
مثاله : أن يتفق على أن العلة في الربا (يعنى في البر والشعير) هي القوت الغالب ويختلف في الربا في التين ، بناء على أنه يقتات به غالبا في الأندلس أو لا ، نظرا إلى الحجاز وغيره، فهذا هو تحقيق المناط، ينظر هل هو محقق أم لا بعد الاتفاق عليه . ومثله في البيضاوي .
وعرفه الآمدي في الإحكام بأنه النظر في معرفة وجود علة الحكم ومناطه في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها . ومثل له بالنظر في وجود علة تحريم الخمر، وهي الشدة المطربة في النبيذ .
وسلك الإمام الغزالي في تعريفه طريقا آخر ترجع إلى الاجتهاد في تطبيق حكم كلي منصوص عليه في بعض جزئياته ، فقال في كتابه المستصفى ما نصه : “أما الاجتهادي في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه، مثاله : الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع على تعيين الإمام الأول بالنص، وكذا تعيين الولاة والقضاة، وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير الكفايات في نفقة القرابات وإيجاد المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات وطلب المثل في جزاء الصيد ، فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية ، وذلك معلوم بالنص، أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين .
فتحصل من مراجعة كتب المالكية والعلل التي أشاروا إليها والقواعد التي قعدوها في المسألة قيام ثلاثة أقول :
1- قول بالتحريم .
2- وقول بالجواز .
وقول بالكراهة .
__________

(2/2036)

————–

ومن المعلوم أن بعض العلماء الأعلام خارج المذهب المالكي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى يتخذان موقفا متميزًا يجعل الثمنية المطلقة علة صالحة وكافية للحكم بربوية النقود، وقد أكدوا ذلك تأكيدا لا يضاهيه إلا موقف القاضي أبو بكر بن العربي رحمهم الله جميعًا حيث قال في ” العارضة” عند كلامه على حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ما نصه : “نبه بالبر على ما يقتات في حال الاختيار ، وبالشعير على ما يقتات في حال الاضطرار ، وبالتمر على القوت الذي يتحلى به كالزبيب والعسل، ونبه بالملح على ما يصلح الأقوات من توابل الطعام . ونبه بالذهب والفضة على ما يتخذ أثمانًا للأشياء وقيما للمتلفات كالفلوس ونحوها . وهذه حكم ما غاص على جوهرها إلا مالك ، وقد بيناها في مسائل الخلاف للنظر هنالك، وذكر علماؤنا عن مالك أن علة الربا في النقدين كونهما أثمانًا للأشياء ، وقيما للمتلفات ، وأنهما علة قاصرة لا تتعدى، وقال مالك : إنها تتعدى إلى ما يتخذه الناس أثمانًا للأشياء ، حتى لو اتخذ الناس الجلود بينهم أثمانًا لجرى فيها الربا، وقد رأيت أهل بغداد يتجرون بالخبز ، حتى إن الحمام يُدخل به، وبه يبتاع كل إدام ، فإذا اجتمع عندهم أوردوه على الخباز باردًا ، وباعه بسعر آخر حتى يفنى بالأكل ، إذ لا يعاد ثانية إلى الشراء به ، فصارت العلة عند مالك معنوية، وهو الصحيح” .
__________

(2/2037)

————–

وتكلم أبو عبد الله محمد بن خليفة الوشتاتي المالكي الشهير بالأبي في شرح صحيح مسلم عند كلامه على حديث أبي سعيد الخدري (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز )) .
فذكر قولين في الفلوس واستشهد لربويتها بقول المدونة في آخر السلم ” الثالث : لا يصح فلس بفلسين لا نقدا ولا مؤجلاً” .
ثم قال في تعريف الصرف : الصرف بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس لقوله في المدونة ” ومن صرف دراهم بفلوس ، فأطلق على ذلك اسم الصرف . والأصل في الإطلاق الحقيقة” .
وذكر كل شراح خليل الخلاف في المسألة مفرعين على الحرمة غالبًا في الصرف وعلى الكراهة أيضًا، ويجري مثل ذلك في السلم، وكلامهم معروف لا نطيل عليكم بنقله .
المناقشة
فتلخص مما مر قيام مذهبين أو موقفين من النقود الورقية :
أولهما : موقف من يقول بعدم ربوية النقود ، أو على الأصح يذهب إلى عدمها ؛ لأنه لا نص من الأقدمين في النقود الورقية ، ولكنها مشمولة بالعموم، وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأي أكثر العلماء كما أسلفنا .
ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءة متأنية إلى ما يلي :
1- أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة ، فهو من قبيل الابتلاء والاختبار، وما كان من هذا القبيل يقتصر فيه على محل الورود .
2- أن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما، فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة ، ويبقيان على الزمن، هذا من ناحية الخلقة، أما من الناحية الشرعية فيحرم اقتناء آنيتهما، ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثنى الشارع . فهما أثمان بالخلقة ، وهما أصل الثمنية ، وهما النقدان الشرعيان .
3- صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة، وقد قدمنا قول إمام الحرمين أنه لا شبهة فيها ولا إخالة .
__________

(2/2038)

————–

4- نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص، نجد مثالاً له في ترجيح العلة القاصرة على المتعدية على رأي الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني إذا صح التعليل بهما “ومن رجح العلة القاصرة احتج بأنها متأيدة بالنص، وصاحبها آمن من الزلل في حكم العلة ، فكان التمسك بها أولى” (1) .
5- أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة ومعرضة الزوال في أي لحظة، ومن شأن هذا أن يجعل الثمنية فيه صفة عارضة .
6- أن التحريم تكليف والتكليف يحتاج إلى ورود النص كحديث (( الطعام بالطعام )) الذي جعل الشافعي رحمه الله يرجع عله الطعمية ، ويسهل ذلك على أصحابه المترددين في قبول العلة، وقبول تعديها ، ولأن جهة التحريم محصورة، وجهة الإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر فذلك، وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذي أعفي من الحصر .
7- في الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائمًا في هذه المسألة ما ترك بيانها ، والله سبحانه وتعالى يقول : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } [الأنعام : 119] .
أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلي :
1- الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئًا لمفسدة ، وتترك شيئا فيه نفس المفسدة فنظير الحرام حرام (2) .
2- التعليل أولى لأنه أكثر فائدة، وترك التعليل خشية، وما في ترجيح العلة القاصرة من الأمن لا وقع له ، فإنه راجع إلى استشعار خيفة ، لا إلى تغليب ظن وتلويح متلقى من مسالك الاجتهاد (3) .
3- إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في اثنين تحكم، أي ترجيح بلا مرجح .
4- أن الغلبة الثمنية أصبحت واقعًا للنقود الورقية ، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط وليس إحداثًا لاجتهاد جديد إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط ؛ لأن الحكم كان موجودا معلقًا، وقد تحقق شرطه في جزئيته ، فيجب إثبات الحكم .
__________
(1) البرهان : 1266 .
(2) ابن القيم . إعلام الموقعين .
(3) البرهان : 1267 .

(2/2039)

————–

5- أن عدم إجراء الربا فيها تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات .
وبعد، فإن تصفح كلام العلماء لا شك يساعد على تكوين رأي وإعطاء صورة مميزة لأي موضوع، ذلك هو الهدف وراء مراجعة كلام الأقدمين والمتأخرين ، ومقارنة أقوال المحللين والمحرمين .
إلا أن النتيجة الأولى التي يمكن أن يخرج بها المرء بعد أن طالع أقوال الفقهاء ، هي ملاحظة الاضطراب الواضح عند أكثرهم في هذه المسألة، فلا يكاد أحدهم يبرم رأيا إلا كر عليه بالنقض ، ولا يبسط وجها إلا عاد عليه بالقبض ، وهكذا دواليك ، حتى يقول القارئ : حنانيك بعض القول أهون من بعض، والفلوس إلا تكن عينًا فإنها ليست غير عرض (( ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) .
والشبهة بدون شك قائمة إذ حدها : ما تجاذبته الأدلة، أو أشبه أصلين دون قياس علة مستقل، وهنا تجاذب هذه القضية العفو ، وهو أصل يرجع إليه عند سكوت الشارع، وعدم ثبوت سبب أو قيام مانع لحديث : (( وما سكت عنه فهو عفو فاقبلو من الله عافيته ، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا . ثم تلا هذه الآية : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم : 64] )) (1) .
__________
(1) أخرجه البزار في مسنده ، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه . وقال الحاكم : صحيح الإسناد، وقال البزار : إسناده صالح .

(2/2040)

————–

والأصل الثاني : هو شبه النقود الورقية بالعين لوجود علة مظنونة وحكمة مقدرة، وقد أجمل الفخر الرازي حكمة الربا في أربعة أسباب :
1- أولهما أنه أخذ مال الغير بغير عوض .
2- ثانيهما : أن في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الاشتغال في الاكتساب؛ لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا ؛ خف عليه اكتساب المعيشة ، فإذا فشى في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق ؛ لأن مصلحة العالم لا تنتظم إلا بالتجارة والصناعة والعمارة .
3- الثالث : أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض .
4- الرابع : أن الغالب في المقرض أن يكون غنيًا، وفي المستقرض أن يكون فقيرًا ، فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف (1) .
وعلله الشيخ ابن عاشور بأنه حكم معلل بالمظنة .
أن كثرة العلل قد يدل على صعوبة التعليل، وفي التعليل بالمظنة خروج من المأزق، وكل ذلك يدل على صعوبة مركب القائسين وتوجه وجه حكم بين حكمين ، لاشتباه الشبه في أوجه السالكين، فالشبهة تنشأ عن أسباب منها كون النص خفيا وورود نصين متعارضين، ومنها ما ليس فيه نص صريح ، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا” (2) .
ومعلوم أن موضوعنا لا يوجد فيه نص خفي أو ظاهر ، فضلا عن وجود نصين متعارضين ، فهو بالطبع من النوع الثالث الذي يؤخذ من القياس ، وقد اختلف فيه العلماء ، فهو إذًا شبهة ، فما هو حكم الشبهة؟
وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام (3) .
وقال الماوردي “هي المكروه ؛ لأنه عقبة بين الحلال والحرام” (4) .
__________
(1) التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور : 3/85-86 .
(2) جامع العلوم والحكم . ابن رجب : 60 .
(3) نفس المصدر 61 .
(4) الشبرخيتي على الأربعين النووية : 113 .

(2/2041)

————–

فإذا كان الأمر على ما ذكرت، والإمام مالك يصرح بالكراهة ، ومن أصول مذهبه قيام حكم بين حكمين، والأئمة الآخرون لا يكرهون، فأنا أكره ما كرهه مالك رحمه الله، والكراهة حكم من الأحكام الخمسة يجب أن يعاد إلى حياة المسلمين العملية في بيوعهم وأنكحتهم، فيمتاز أهل الورع عن غيرهم، ويترك لذي الحاجة مندوحة عن ارتكاب الأثم السافر، إلا أنها كراهة تحريم شديدة ، والله أعلم .
وكأني بقائل يقول : أحللت الربا، وأنا أقول ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أفتى في الخمر بأنها إذا طبخت وتخللت حتى ذهبت شدتها يجوز شربها ، فقال له قائل : احللتها ياعمر . فقال : والله لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله ، والحق أحق أن يتبع” .
__________

(2/2042)

————–

المسألة الثالثة
التغيرات التي تطرأ على العملات من غير الذهب والفضة من بطلان ونقصان أو رجحان ، وأثرها في المعاملات :
1- إذا بطل التداول بعملة كانت رائجة في جميع البلدان ، فهل لذلك تأثير على العقود التي وقعت بها؟
ومن كانت مترتبة في ذمته ، فهل له أن يدفعها بعينها وإن كانت باطلة ، أو عليه أن يدفع قيمتها؟
في ذلك مذاهب، ومذهب أبي حنيفة أن العقد يفسد ببطلان رواج الثمن ، ويفسخ البيع ما دام ذلك ممكنا بوجود المبيع بحاله قبل قبضه ، فيرده المشتري، وإن تلف رد مثله أو قيمته، وإن كانت قرضا أو مهرا مؤجلاً رد مثلها وإن كانت كاسدة ؛ لأنها هي الثابتة في ذمته .
والمشهور عند الشافعية والمالكية أن ذلك لا يفسد العقد، وأن الذي ترتب في ذمة المدين وليس عليه الدائن سواه، ويعتبر ذلك كجائحة نزلت به ، سواء كان الدين قرضا أو ثمن مبيع أوغير ذلك، وذهب بعض المالكية إلى أن الواجب على المدين السلعة يوم قبضها من العملة الرائجة .
ومن الجدير بالملاحظة أن الخلاف في المذهب المالكي ، وإن كان الراجح فيه أن يدفع مثل الفلوس الباطلة ، كما قال خليل في مختصره : “وإن بطلت فلوس فالمثل ، أو عدمت فالقيمة” ، فإنهم مع ذلك بنوا هذه المسألة على قاعدة يفهم منها اعتبار القول المقابل ؛ لأنهم بنوا عليه لزوم القيمة إذا مطل المدين، وبناء القول الراجح على قول مرجوح يدل على أن له حظا من النظر، تلك القاعدة هي : إذا فقد المعنى المقصود مع وجود العين المحسوسة ، هل يجعل الحكم تابعًا للمعنى فيقرر بعدمه عدم العين ، أو لا يقدر كالعدم لوجود عينه؟
قال ميارة الفاسي في تكميل المنهج :
إِن فقدَ الْمعنَى الذي قَد قَصَدَا   مع بقاءِ العينِ فِي حسٍّ بَدَا
هلْ يجعلُ الحكمَ لمعنًى تَبعا   أو يتبعُ العين خلافٌ سُمِعَا
كَسِكةٍ فِي ذمةٍ ثم انقطعْ   بِهَا التعاملُ فَحقّقْ تتبعْ
لِلأولِ القيمةُ والثاني المثل   وشهرَ الثاني نعم به العمل
لكنه مقيدٌ بما إِذا   لم يحصلِ المطلُ فقلْ ياحبَّذَا
وإن يكن فأوجبنْ عليهِ ما   آلَ لهُ الأمرُ لظلمٍ قد سَمَا
قلتُ وهذا ظاهرٌ إِن كان ما   آلَ له الأمرُ رفيعًا فَاعْلَمَا

(1) .
__________
(1) تكميل المنهج شرح الفقيه محمد الأمين بن أحمد زيدان الشنقيطي دار الكتاب المصري : 53 .

(2/2043)

————–

2- بطلان رواجها في بعض البلاد دون بعض ، فالمشهور عند الأحناف أن ذلك لا يوجب فساد العقد ، وأن البائع بالخيار بين أن يدفع له المشتري العملة التي وقع العقد عليها ، أو التي تروج في بعض البلدان، وإن كانت لا تروج في بلد البيع ، وبين أخذ قيمتها من عملة رائجة فيه، وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن الحكم في ذلك مثل الحكم في بطلان العملة في جميع البلدان .
3- انعدام العملة المترتبة في الذمة بفقدانها وعدم توفرها في الأسواق، والجمهور على أنه تجب قيمتها ، إلا أنهم اختلفوا في الوقت الذي تجب فيه، فعند الحنابلة أنه آخر وقت قبل الانقطاع، وهو مذهب الحنفية المفتى به عندهم وهو ، قول محمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : إنه يوم التعامل .
وأما أبو حنيفة فقال : إن ذلك يوجب فسادا لبيع كبطلان العملة ، وعند الشافعية أن القيمة تجب في وقت المطالبة .
والمشهور عند المالكية أنها تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق والانعدام، على ما اختاره خليل بن إسحاق في مختصره تبعًا لابن الحاجب، والقول الثاني أنها تعتبر يوم الحكم ، قال أبو الحسن : وهو الصواب . البرزلي : وهو ظاهر المدونة .
__________

(2/2044)

————–

فكان على المصنف أن يذكر القولين أو يقتصر على الثاني .
4- طرق النقصان والرجحان ، أي أن العملة بعد تقررها في ذمة المدين تغيرت قيمتها بالزيادة أو بالنقص ، فماذا عليه أن يؤديه للداين في هذه الحال؟
فيه ثلاث أقوال :
الأول : وهو المشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة وقولٌ لأبي حنيفة : أن الواجب على المدين أداؤه نفس العملة التي وقع التعاقد عليها وإن نقصت أو زادت .
الثانى : قول أبي يوسف وهو : أن على المدين أن يؤدي قيمة العملة التي تغيرت بالنقصان أو بالزيادة ، ولا يلزم الدائن أن يقبل ما وقع عليه التعاقد إذا نقص .
الثالث : ما استظهره الرهوني من التفصيل مقيدا به القول المشهور في مذهب المالكية من كون اللازم في بطلان الفلوس وأولى تغيرها بالزيادة والنقصان ؛ هو المثل . قال : وينبغى أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه ؛ لوجود العلة التي علل بها المخالف (1) .
__________
(1) الزرقاني على مختصر خليل : 5/60 .

(2/2045)

————–

وبعد، فإن تفصيل الرهوني جيد ، إلا أنه لم يحدد النسبة التي إذا وصل إليها الرخص رجع بها الدائن على المدين ، سواء كان دين قرض يقصد به المعروف والإحسان أو دين بيع تتوخى فيه المكايسة والربح، ونحن نقترح للبحث نسبة الثلث قياسا له على الجائحة في الثمار ؛ لأن الجائحة أمر خارج عن إرادة المتعاقدين ، وليست من فعل أحد حتى يرجع عليه البائع أن شاء . أما ما كان بفعل آدمي فقال القاضي : المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن ، وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة ، وهنا لا يوجد شخص معين مسئول حتى يقيم عليه المتضرر دعوى، فالحكمة في الجائحة أنه لما كان الناس لابد لهم من بيع ثمارهم أَمَرَ الشارع برد الجائحة .
ففى الحديث (( إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ )) ، رواه مسلم في صحيحه وابن ماجه وأحمد ، يدل على أن العلة في وضع الجائحة هو أخذ المال بغير حق، وهو إيماء إلى العلة ، وذهب إلى اعتبار الجائحة في الجملة أحمد ومالك وأكثر أهل المدينة ، وبه قال الشافعي في القديم، ، وقد رد الاستشهاد بالحديث الذي تمسك به الشافعي في الجديد وأبو حنيفة .
وقال مالك : إن الجائحة تكون في ضمان البائع إذا وصلت إلى الثلث فما فوق، وهي رواية عن أحمد .
__________

(2/2046)

————–

كما أن الثلث يعتبر في الغبن الذي يقع على أحد المتعاقدين قبل الاكتفاء بالثلث ، لتحقيق الغبن عند ابن عاصم، وقيل : لا بد من الزيادة على الثلث عند ابن القصار، ونفى خليل اعتباره مطلقًا فقال : “لا بغبن ، ولو خالف العادة” .
وقال ابن عاصم الغرناطي :
وَمَنْ بِغَبْنٍ فِي مَبِيعٍ قَامَا   فَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يَجُوزَ الْعَامَا
وَأَنْ يكونَ جَاهِلاً بِمَا صَنَعْ   وَالْغَبْنُ بِالثُّلُثِ فَمَا زَادَ وَقَعْ .
والحاصل أن الغرر اليسير مغتفر، والغرر الكثير معتبر، والثلث مرة كثير ومرة يسير عند الفقهاء . قال الزقاق في المنهج المنتخب :
وكثرةُ الثلثِ فِي الْمعَاقلهْ   جَائِحَة خَفَّ وحملُ العاقلهْ
وَذَنب الأضْحَاةِ وَالَّذي اسْتحَقّ   مِن فندقٍ وشبهه قاضٍ يحقّ
أَن ْيَنْقَسمَ كَدَارِ سُكْنَى رَدفْ   لاَ ضرَّ لا نَقْصَ وفِي الْعَيْبْ اخْتلفْ
فِي الدَّارِ كالمِثلي مُطلقًا كَما   فِي ذنب وَنَزر نصفٌ عُلِمَا

إلى أن قال في المسائل التي يعتبر الثلث فيها نزرًا، إذ لابد من الزيادة عليه لإحداث حكم مؤثر :
__________

(2/2047)

————–

أمَّا مسائل الوصايا وَالْغَلثْ   تَبرعُ العرسِ فَمن نزرَ الثلثْ
فِي قصدِهَا لا ذِي خلافٍ وَثمرْ   كصُبْرةٍ دَانيةٍ وَمن ذكرْ
غَبنًا فَمنْهُ وبياض قَد ألفْ   فِي أُذنِ أصخاةٍ تَرددٌ عُرفْ
كَحليةٍ وَالحوزِ والأباري   مَسَائل الزَّكاةِ غرس جَارِي
تَبرعُ المريضِ أو حَابى وما   ضُمِن كالعرسِ وَشبه عُلِمَا

أجمل المنجور في شرحه هذه الأبيات عند كلامه على الغبن أقوال المالكية .
فقال ابن عبد السلام : مشهور المذهب عدم القيام بالغبن، وعن ابن الحاجب قيل : الثلث غبن، وقيل : ما خرج عن المعتاد. ابن القصار : يقام بالغبن إذا زاد على الثلث .
ولعل هذه المسألة يرجع فيها إلى قاعدة أخرى، وهي : هل يتعين ما في الذمة أو لا يتعين، فإذا قلنا بتعيينه لزمه ما تقرر في الذمة يوم التعاقد قدرًا وصفة، وإذا قلنا بعدم تعينه لم يلزمه إلا ما آل إليه الأمل، وهذه القاعدة ذكرها صاحب المنهج المنتخب فقال :
وَهل تعين لِمَا فِي الذمةِ   هل ينقل الحكم بعَيدِ نيتى

تبدلت … إلخ . يراجع في هذه المسألة المنجور، والفرق السابع والثمانون من فروق شهاب الدين الفراقي .
والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الطريق .
__________

(2/2048)

————–

الخلاصة
الحاصل أن هذه المسألة وإن كانت أكثر نصوص الفقهاء فيها على عدم إلزام المدين بجبر الضرر الذي نزل بالدائن ؛ فإن وجه المصلحة بيّن ، واندراج هذه الجزئية تحت عمومات كثيرة ترقى بها عن المصالح المرسلة لتجعلها في نطاق المصالح المعتبرة للشارع ؛ لعموم قوله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } [البقرة : 188] وخبر (( لا ضرر ولا ضرار )) ، (( ولم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ )) .
وهي جديرة بالاجتهاد ؛ لأن تغير العملة يقترب من الجوائح كالثمار في مهب الرياح الغوادي والروائح مما يستدعي الاستنجاد بمقيدات ومرسلات المصالح .
وبهذا يقيد استرسال الأقلام، ونكتفى من طرق الموضوع بالإلمام، وإن لا نكن قد وفقنا في فتق رتقه وفتحه، فعسى أن نكون قد ساهمنا في إثارة بحثه وطرحه .
ونستغفر الله العظيم ونتوب إليه مما بدر منا فيه من هفوة أو زلل، أو تقصير في حق أو تجاوز في نطق أو علم .
اللهم صل على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا .
__________

(2/2049)

————–

 

     

ورشة حول العلامة عبد الله بن بيه ومنهجه في الاجتهاد والتجديد في طرابلس ليبيا

نظم مجمع ليبيا ورشة حول رسالة ماجستير: العلامة عبد الله بن بيه ومنهجه في الاجتهاد والتجديد

في صباح السبت 13 أغسطس 2022 بمقره بالعاصمة الليبية طرابلس، أقيمت ورشة حول رسالة ماجستير بعنوان: الشيخ العلامة عبد الله بن بيه ومنهجه في الاجتهاد والتجديد، حضرها عدد من المهتمين والأساتذة.

هذه الرسالة للباحث: عبد السلام حسن القاضي نوقشت وأجزيت هذه الرسالة في جامعة غريان بتاريخ 7 مارس 2022، وكانت لجنة المناقشة: أ.د. جمعة محمد الأحول مشرفا ومقررا، أ.د.محمد بشير سويسي ممتحنا خارجيا، أ.د. ناجي امحمد الصادق ممتحنا داخليا.

   

عرض الباحث في ورشة العمل الفصل الأول من الرسالة، والمعنون بـ العلامة عبد الله بن بيه النشأة والتحصيل، وتحدّث في هذا الفصل عن ميلاده ونشأته، وحياته الأسرية والعلمية، وشيوخه، ومكانته العلمية، ومناصبه ومشاركاته البحثية المحلية والعالمية، في إشارة ذات أهمّية عالية إلى أن النتائج الجيدة يسبقها استعدادات أكثر جودة.

   

وتأتي هذه الورشة للتعريف بأعلام الإسلام المعتدل في العالم الإسلامي، ويأتي العلامة عبد الله بن بيه في مقدمة من جمعوا بين الأصالة والمعاصرة بتميّز وإبداع، مع الحفاظ على الموروث الثقافي والمعرفي في مواجهة التحديات، ليضرب المثل لطلاب العلم اليوم والواجبات المترتبة عليهم علما ووعيا وثقافة واستعيابا وفهما وأصالة ومعاصرة وخدمة ومحبّة وتزكية وأخلاقا.

 

العلامة بن بيّه: مقامات للتدرج نحو الوعي بالمشترك الإنساني

  العلامة بن بيّه: مقامات للتدرج نحو الوعي بالمشترك الإنساني   
   
     
 

يتأسس المشروع الفكري للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه على جملة من القيم الأخلاقية الكبرى التي نجدها مبثوثة في ثنايا مؤلفاته وحاضرة في خطاباته وفتاويه، لأداء دورها الوظيفي في بنية النسق العام لفكر الشيخ. 
وقد أشار الشيخ بن بيّه في أكثر من مناسبة إلى أن سؤال الأخلاق يُعد من أكثر أسئلة عصرنا إلحاحا، داعيا إلى التصدي لتحدياته باستعادة الضمير الأخلاقي للإنسانية، بشكل يعيد الفاعلية لقيم الفضيلة المتمثلة في الرحمة والرأفة والإيثار والتضامن ومساعدة المحتاج من الفقراء والعاجزين دون التفات إلى عرقهم أو دينهم أو أصولهم الجغرافية.
ويؤكد الشيخ أن الحل يتمثل في الارتقاء من الحق إلى الفضيلة، إذ أن التعامل انطلاقا من مبدأ الحقوق فقط يقتضي الاقتصار على منح الآخر ما هو عائد له بالأصل، أو كفِّ الأذى عنه، والامتناع عن التعدي عليه، بينما التعامل انطلاقا من الفضائل يتضمن معنى المكارمة والإحسان بوصفه بذلا في غير مقابل وتنازلا للآخر عما ليس له بحق.
ويتفق الشيخ بن بيه مع التصور النيتشوي الذي يرى أن الحضارات تمرض وأن الفلاسفة هم أطباؤها، ويدعو إلى علاج حضارتنا المريضة بإيلاء المزيد من الاهتمام بالوظائف الأساسية للمنظومة الأخلاقية، متمثلة في ما يُطلق عليه في مقاصد الشريعة الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل (العائلة) والمال (الملكية).
ويمكن للعين الفاحصة أن تجد في بعض القيم المؤسسة لمشروع الشيخ بن بية، ما يشبه مقامات التدرج نحو الوعي بالمشترك الإنساني، فتقود “قيمة/مقام” الصبر إلى إمكان تحقق “الرحمة” التي تفتح الباب أمام فعل “الحوار”، فإن تخلله التفهم ساد “العدل” وعمت “المحبة” ثم “الإيثار” حتى نصل إلى قيمة القيم المتمثلة في “التسامح” الذي بفضله يتحقق الوعي بالمشترك الإنساني.
ويُعد “التسامح” قيمة مركزية وثيمة حاضرة في المشروع الفكري للشيخ، باعتباره مفهوما وظيفيا يهدف إلى “تحييد التأثير السلبي للاختلاف في المعتقد والاختلاف الجبلي في الآراء والرؤى”، ويؤسس لما يطلق عليه الشيخ التعددية الإيجابية، ذلك أن التسامح يرفع التعارض بين الإيمان والتنوع، ويفتح المجال أمام قبول الآخر بوصفه أنا مماثلة.
وفي هذا الصدد، يرفض الشيخ الرؤية التي تقدمها الفلسفة الغربية لعلاقة الأنا بالآخر، مقدما تصورا بديلا يشمل الاشكاليات الوجودية والمعرفية والقيمية التي يطرحها مفهوم “الآخر”.
إن الآخر عند الشيخ بن بيه، هو ذات ماثلة أمام الأنا ومماثلة لها في نفس الوقت، دون أن يجلب وجودها صراعا حتميا مع الأنا كما لدى هيغل، أو تسلبها الحرية والكمال الأصليين باعتبارها الجحيم حسب الطرح الذي يقدمه جان بول سارتر، كما أن الآخر وفق التصور الجديد لن ينظر إليه باعتباره تهديدا لهوية وتميز الأنا، كما يذهب إلى ذلك مارتن هايدغر.
ويستلهم الشيخ تصوره للآخر من رؤية إسلامية مستمدة من قول الإمام علي رضي الله عنه: “الناس صنفان: أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”، فالآخر هو الأخ الذي يشترك معك في المعتقد أو يجتمع معك في الإنسانية. والإسلام يُقدم الكرامة الإنسانية بوصفها أول مشترك إنساني، لأن البشر كافةً كرّمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام، (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). 
غير أن إشكالية معرفة الآخر تطرح معضلة شائكة في الفلسفة الغربية، حيث يذهب ديكارت ومالبرانش إلى استحالة معرفة الآخر بوصفها احتمالية ومشكوكا فيها، وذلك في مقابل المعرفة اليقينية التي نحصل عليها حول ذواتنا بحدس مباشر ودون توسط خارجي.
كما أن معرفة الآخر تُحوله إلى موضوع مثل أي شيء خارجي، حيث ينشأ عن العلاقة بين الذات والموضوع تشييئ متبادل فيقوم كل طرف بتحويل الطرف الآخر إلى موضوع، يعمل على نفيه، وتشيئه بإفراغه من إنسانيته، بعد أن يسلبه إراداته وحريته التي هي شرط أساسي لوجوده، حسب التصور السارتري.
ويُقدم الشيخ حلا للمعضلة السابقة باقتراحه “التعارف” المُؤسس على الحوار بحيث تُصبح معرفة الأنا للآخر قائمة على ما يُقدمه هذا الأخير عن نفسه، وليس على التمثلات المنفردة للأنا بوصفها ذاتا عارفة في مواجهة موضوع جامد للمعرفة.
ويفتح الحوار الباب أمام إمكانية تَعرُّف الذات على نفسها في الآخر بعد اطلاعها على المشترك الإنساني المتمثل في “القيم الكونية التي لا تختلف فيها العقول ولا تتأثر بتغيّر الزمان أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان”.   
إن الحوار ضرورة يستدعيها اتحاد مصائر البشرية في عصر أصبح فيه ما يصيب طَرَفا من المعمورة تصيب آثاره الطرف الآخر، ضمن نسق واحد مترابط، لا انفصال فيه ولا انفصام.
وهنا يستدعي الشيخ بن بيه، مَثَل السفينة الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح “مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا”.
ويجد الشيخ في هذا الحديث استعارة رمزية بليغة لحالة الإنسانية، التي تشبه حالة السفينة المحكوم على ركابها بمصير واحد مشترك، والتي قد يُفهم من درجاتها التقسيم الوظيفي الحاصل بين الناس، كما يُفهم من العلو المشار إليه علوا معنويّا، “فالذين بأعلى السفينة هم الذين يتولون تدبير الشؤون العامة، وهم المنوط بهم رعاية المصالح المتمثلة في الكليات الخمس التي جاءت الملل بحفظها والتي بها قوام كل مجتمع: الحياة، والدين، العقل، الملكية، العائلة”.

 

بقلم الأستاذ/محمد يحيى أشفاغه
 

ابن بيه: إعداد مفتين يوائمون بين النصوص والمقاصد أولوية

ترأس العلامة الشيخ عبدالله بن بيه – رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، الثلاثاء الاجتماع الرابع للمجلس للعام 2022 وذلك عبر تقنية الاتصال المرئي.

وفي بداية الاجتماع رفع رئيس المجلس أسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة العام الهجري الجديد إلى مقام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس

الدولة “حفظه الله”، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله” وإخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات وشعب دولة الإمارات والعالمين العربي والإسلامي والإنسانية جمعاء بهذه المناسبة السعيدة سائلا الله العلي القدير أن يعيدها على الجميع بموفور الصحة والعافية.

وأكد أن من أولويات مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي الإسهام في تكوين الكفاءات المتميزة في مجال الفتوى في الدولة.. مشيرا إلى أن ذلك سيتم من خلال استحداث برامج تكوينية وورش تدريبية في مجالات الفتيا والبحث الشرعي تهدف إلى إعداد كوكبة من المفتيين مؤهلين للمواءمة بين النصوص والمقاصد والقواعد والواقع.

وقال إن المجلس يسعى كذلك إلى مواصلة التجديد والترشيد كما تم في مؤتمر “فقه الطوارئ” الذي عقده أثناء الأزمة الصحية للتصدي للإشكالات التي طرحتها جائحة كورونا.. مؤكداً في الإطار نفسه أهمية طرح المبادرات الإبداعية التي تسهم في نشر العلم الشرعي الصحيح وتيسير الحصول على الفتاوى للمستفتيين والباحثين على حد سواء.

وفي هذا السياق، كشف أن من أهم المبادرات التي يعتزم المجلس العمل عليها في الفترة القادمة مشروع (موسوعة الإمارات للإفتاء الشرعي) التي يرجى أن تكون دليلا ومرجعا للفتيا بصحة استنباطاتها، وتحقيق مناطاتها، ومتانة استشهاداتها، وحسن صياغاتها.

وعبر عن حرص المجلس على مواكبة توجهات الدولة في مجالات نشر السلم والتسامح في المنطقة والعالم وذلك عبر توسيع دائرة الشراكات مع الجهات الدولية ذات الاهتمام المشترك ليضطلع المجلس بدوره الاستشاري والتوجيهي في إبداء الرأي الشرعي المؤصل وترشيد وتجديد الخطاب الديني، ونشر قيم التيسير والتعايش السعيد في المجتمعات.

واستعرض المجلس خلال الاجتماع المسائل المعروضة على جدول أعماله من الاستفسارات الشرعية المستجدة الواردة إليه من الجهات المختلفة وقرر بشأنها التوصيات اللازمة. (وام)

حكم إهداء ثواب العمل للميت – العلامة عبدالله بن بيه

السؤال:*
سائلة تقول: إن أمها توفيت، وهي تسأل عن أنها تصلي بعد كل فرض فرضا آخر وتهب ثواب هذا الفرض لأمها فما الحكم وهل يصلها الثواب ؟
الجواب

ببسم الله الرحمن الرحيم

مسألة هبة الثواب في غير الصدقة والحج والصوم أيضا على خلاف ، هذه يعني اختلف العلماء فيها . لكن القول الذي نميل اليه والذي تدل عليه الاحاديث ، والذي ذهب اليه الإمام أحمد بعد أن رجع عن القول الأول(01) في مسألة قراءة القران، هو أن كل عمل صالح يمكن أن يقدم إلى الميت، بشرط أن يهبه له الإنسان بنيته وينبغي أن يكون بلفظه أيضا ، كما جاز في الحج أن يحج عن غيره ؛ ( لبيك عن شبرمة) (02) -كما جاء في الحديث -والمرأة التي قالت : إن أبي أدركته فريضة الحج ولم يحج أفأحج عنه؟ . قال: نعم حجي عن أبيك(03).

وكذلك ..المرأة التي قالت : إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج ..فقال : أريت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته فدين الله أحق بالوفاء(04) ..

كل هذه الأدلة تدل على أن أعمال البر تصل . يمكن أن تصل في شكل نافلة ، أنتِ في الحقيقة عندما صليتِ المغرب مثلاً صليت بعده ثلاثة ركعات، النافلة لا تكون ثلاث ركعات .. فكان المفروض أن تصلي ركعتين ..ركعتين ، لتهبي ثواب هذه النافلة أوثواب الأعمال التي تقومين بها أو تلاوة القران أو الصدقة – والصدقة إجماعا- لأمك فهذا إن شاء الله يصلها ، ولا تتركيها لا تنسي أمك هذا أمر مهم جدا ، وجزاك الله خيرا . لكن أنصح بتنويع الأعمال فذلك أولى وأجدر وأكثر ملاءمة وموافقة لأقوال العلماء.

 

>>>
(01) روى القصة أبو بكر الخلال رحمه الله في كتاب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ص 88
(02) رواه أبو داود (1811)، وابن ماجه (2903)، والبيهقي (8936). صححه الدارقطني في (السنن) (2/517)، وصحح إسناده البيهقي وقال: ليس في هذا الباب أصح منه
(03) أخرجه البخاري (1854)، ومسلم (1334)
(04) أخرجه البخاري (1953)، ومسلم (1148)سم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

*ملاحظة : هذا النص مفرغ من الفيديو التالي : 

ماحكم افراد الجمعة بالصيام اذا وافق يوم عرفة؟

   
  مجلس الإمارات للإفتاء: لا حرج شرعاً في إفراد يوم الجمعة بالصيام إذا صادف يوم عرفة  

 

أبوظبي في 7 يوليو / وام / أصدرت إدارة الخدمات الإفتائية التابعة لمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي فتوى شرعية أوضَّحت من خلالها حكم إفراد يوم الجمعة بالصيام إذا وافق يوم عرفة وذلك تفاعلاً مع أسئلة الجمهور واستفساراتهم .

وبينت الفتوى: ” أنَّ العلماء اتفقوا على مشروعية إفراد يوم الجمعة إذا وجد سببٌ شرعي لصيامه”.

وفيما يتعلق بصيام يوم عرفة .. أوضحت الفتوى أنَّ صوم هذا اليوم مستحبٌّ – لغير الحاج – وذلك لما صحَّ عن أبي قتادة رضي الله عنه: ” أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة ؟ فقال: ” يكفر السنة الماضية ‌والباقية” .

وأمَّا ما يتعلق بالنهي الوارد عن إفراد يوم الجمعة بالصيام .. ذكرت الفتوى: ” أنَّ جماهير أهل العلم أجمعوا على استحباب صيام يوم عرفة ولو وافق يوم الجمعة وأما من قال بكراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام فإنهم قد استثنوا هذه الصورة؛ وعللوا ذلك: بأن المقصود هنا هو صوم عرفة، وليس إفراد يوم الجمعة .. وبناءً على ذلك فإنه يستحب صيام يوم عرفة الموافق ليوم الجمعة هذا العام؛ لما في هذا اليوم من الأجر العظيم والثواب الجزيل، تقبل الله من الحجاج حجهم، ومن الصائمين صيامهم” .

الواقع المعاصر وأثره في الأحكام الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدّين

                                  

كلمة في المؤتمر الدولي

الواقع المعاصر وأثره في الأحكام الشرعية

معالي الشيخ عبد الله بن بيه

رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

رئيس منتدى أبوظبي للسلم

   

سعادة الأستاذ الدكتور جمال بن سالم الطريفي     رئيس الجامعة القاسمية

صاحب السعادة الدكتور عواد الخلف               مدير الجامعة القاسمية

        

أصحاب السعادة، أصحاب السماحة والفضيلة،

أيها المشاركون كل باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

يطيب لي بادئ ذي بدء أن أتوجّه إلى القائمين على تنظيم هذا المؤتمر بجزيل الشكر على دعوتهم الكريمة الذي تمنيت أن تكون مشاركتي فيه حضورية ولكن لعل اللقاء عن بعد يغني ويثري. واسمحوا لي بين يدي هذه الجلسة أن أسهم بكلمات قليلة حول موضوع هذا اللقاء.

 

أيها الأخوة والأخوات،

لقد ظل الواقع مؤثرا دائما في الأحكام الشرعية باعتباره شريك النص في استنباطها. فهو داخل في دائرة النصوص ويتمثل ذلك في عمومات كليات الشرع وإن لم يكن منصوصا في الجزئيات المتناهية فهو مقبول في الكليات المشتملة على جزئيات لا متناهية. سواء عُبّر عنها بالقواعد الأصولية المؤصلة لقوانين الاستنباط كالقياس الذي يواجه مالايتناهى من الحوادث، أو عبر عنها بالمقاصد العامة كالعدل والمصلحة العرية عن الاعتبار الخاص. وواقعُ العصر مادام يمثل ضرورات الانسان وحاجياته وأحواله وأفعاله لا يشذ عن هذه القاعدة العامة.

هذه الدعوى نحتاج في اثباتها إلى الأدلة الشرعية المعتبرة من نصوص الشارع وعمل السلف بعد عصر الوحي أي بعد فترة حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم بالإضافة إلى القواعد المؤصّلة للعلاقة بين الواقع وبين النصوص في استنباط الأحكام.

ولكن قبل ذلك سنحاول أن نعرف الواقع المعاصر ليكون البحث كالتالي:

–      تعريف الواقع وبشكل خاص الواقع المعاصر

–      أدلة الشرع (النصوص) وعمل السلف والمقاصد والقواعد

–      أمثلة وتطبيقات فقه الواقع في القضايا المعاصرة

–      وخاتمة: حول ضوابط التعامل مع هذه القضايا

 

أولاً: تعريف الواقع:

ما هو الواقع الذي يجب فهمه والفقه فيه واستنباط علم حقيقته؟

يقول ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع. ثم يطبق أحدهما على الآخر؛  فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يَعدَم أجرين أو أجراً.

وبالتالي فإن الواقع حسب عبارة ابن القيم- يعني الإحاطة بحقيقة ما يحكم عليه من فعل أو ذات أو علاقة أو نسبة ليكون المحكوم به وهو الحكم الشرعي المشار إليه بالواجب في الواقع مطابقاً لتفاصيل هذا الواقع ومنطبقاً عليه.

والواقع لغة اسم فاعل من وقع الشيء وجب، ووقع القول ثبت {فَوَقَعَ الْحَق}،

فالوقوع هو الوجوب والثبوت، فالوجوب يدل على الوجود المؤكد، والثبوت يقابل النفي والعدم، الواقع إذاً هو وجود ثابت، فهو قريب من الحق والحقيقة؛ لأن الحق وجود ثابت وبمعنى من المعاني دائم لا يفنى، ولهذا فمن أسمائه سبحانه وتعالى “الحق”. والفعل الواقع هو المتعدي في اصطلاح النحاة.

أما الغربيون فلهم جولات مع الواقع تعريفاً وتدقيقاً وتشذيباً وتشقيقاً، وبخاصة في التخصصات الفلسفية؛ فمنهم من يرى أنه واضح وضوحاً يكون التعريف فيه مدعاةً للغموض والتحريف، فقد جعله “ديكارت”: ضمن “المفاهيم الشديدة الوضوح في ذاتها؛ لدرجة أن كل محاولة لتوضيحها أكثر تقود بالضرورة إلى إغراقها في الغموض”.

ومنهم من يشك في وجوده أصلا وهم المسمون بفلاسفة الشك.

ومنهم من يقول: إنه التطابق بين مقتضيات الوعي من جهة والواقع أو “الشيء في ذاته” la chose en soi كما يقول “كانت”، وهو تعريف غير سديد لأنه يُحِيلُ الشيءَ على نفسه، فلا جنس ولا فصل.

و”كانت” في هذا يريد أن يرفض النظرة الأفلاطونية للواقع، والتي ترى أنه لا وجود له في ذاته بل وجوده في الأفكار باعتبار أن المظاهر المحسوسة للأشياء خداعة ومتغيرة. فالفكر هو الذي يؤسس في النهاية لما هو حقيقي منها،،

ونذكر هنا النظريات الخمس للغزالي لإدراك الواقع. حيث يدرك عن طريق الحس، والعقل، واللغة، والعرف والطبيعة كما ذكر في أساس القياس.

والواقع هو الإنسان فرداً ومجتمعاً، ولهذا فإنَّ المناط لا يتحقق إلا بالإنسان ومن خلال الإنسان نفسه فهو المحقق الأول والأخير، لأنه الفاعل والمحل.

ونحن اليوم بحاجة إلى قراءة جديدة للشرع على ضوء الواقع للتذكير بالكليات التي مثلت لبنات الاستنباط بربط العلاقة بين الكليات وبين الجزئيات، وهي جزئيات تنتظر الإلحاق بكلي أو استنتاج كلي جديد من تعاملات الزمان وإكراهات المكان والأوان، أو توضيح علاقة كلي كان غائماً أو غائبا في ركام العصور وغابر الدهور.

وإنَّ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يظلان النبراس الدائم، والينبوع الدافق، بهما يستضاء في ظلمة الدياجير، ومنهما يستقى في ظمإ الهواجر، بأدوات أصولية مجربة، وعيون معاصرة مستبصرة.

فالاستنباطات الفقهية القديمة كانت في زمانها مصيبةً، ولا يزال بعضها كذلك، والاستنباطات الجديدة المبنية على أساس سليم من تحقيق المناط هي صواب؛ -أيضا- فهي إلى حَدِّ ما كالرياضيات القديمة التي كانت تقدم حلولا صحيحة، والرياضيات الحديثة التي تقدم حلولا سليمة ومناسبة للعصر.               

فالتطور الزماني والواقع الإنساني يقترحان صوراً مغايرة للصور التي نزلت فيها الأحكام الجزئية، فالواقع مقدمة لتحقيق المناط. وواقعنا اليوم يفرض قراءة جديدة في ضوء الشرع للتذكير بالكليات التي مثلت لبنات الاستنباط، تحت تأثير ما يمكن أن نسميه بكلي الزمان أو العصر أو الواقع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعلمياً وتكنولوجيا؛ فهو واقع فيه اليوم معاهدات دولية، وحدود، وأسلحة دمار شامل، وتعددية دينية وثقافية وإثنية داخل البلاد الإسلامية وخارجها، وتغيرت فيه الولاءات القبلية والدينية إلى أخرى تعاقدية، وصارت السيادة في الواقع الدولي للاعتماد المتبادل بين الدول، والمعاهدات والمواثيق الدولية شبه حاكمة، وأصبحت العولمة سيدة العالم وليست حالة عابرة يحضر فيها الآخر حضورا اختياريا أما اليوم فحضوره وإن كان اختيارياً في ظاهره فإنه في عمقه إجباري. إنه واقع يؤثر في النظم والقوانين ومدى ملاءمتها للنصوص الشرعية مجردة عن مقاصد التعليل وقواعد التنزيل.

 

ثانيا: برهان تأثير الواقع في الأحكام من الكتاب والسنة وعمل السلف

أيها السادة الأجلاء،

لقد راعى القرآن الكريم الواقع ورتب الأحكام عليه، فراعى واقع الإنسان فشرَّع التخفيفَ في التكليف {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} وراعى ردّ فعل عبدة الأصنام فنهى عن سَبِّ الآلهة، قال تعالى{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم} 

وذلك يمثل أصلاً لرعاية الأحوال والعاقبة والمئال والأعراض والأمراض التي تَتَعاورُ الإنسان، وما أنواع التسهيلات والتيسيرات والرخص إلا مؤسِّسةً لاعتبار المقدمة الصغرى المعرِّفةِ لطبيعة الواقع والمحققةِ للمناط.

فقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم المناط في مسألة هدم الكعبة لإعادة بنائها: “لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم”. وقوله عليه الصلاة والسلام-في بيع الرطب بالتمر-: “أينقص إذا يبِس؟ قيل: نعم، قال: إذاً فلا”. وهو تحقيق يتعلق بطبيعة الذات المحكوم عليها.

كل ذلك يدل على مراعاته عليه الصلاة والسلام لحال الوقت وواقع الزمان والمكان وحقائق الأشياء. ويوجد الكثير من القضايا من هذا القبيل في السنة النبوية. وأهم دليل على ذلك اختلاف أوصاف تصرفاته صلى الله عليه وسلم عندما يتصرف بالبلاغ أو الإمامة أو القضاء أو بالأفعال الجبلية، كل ذلك من باب “تحقيق المناط”

 

كيف كان الصحابة يتعاملون مع الواقع؟

ويندرج في هذا كثير من عمل الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم من العدول عن بعض الظواهر الجزئية لواقع تجدد أو مصلحة برزت.

ونكفتي هنا بالإشارة إلى أمثلة معروفة تبرهن على المراد وتدل على المقصود.

1- من ذلك جمع الصديق المصحف مع تردد بعض الصحابة في ذلك حيث سأل  زيد رضي الله عنه: “كيف نفعله ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم”. فرد الصديق هو خير. فهذهذه الخيرية هي المصلحة، وكذلك أيصاؤه بالخلافة لعمر، وهي تصرفات لم تكن مفهومة على البديهة، لكن سرعان ما التزم الجميع بها.         

2- في أيام عمر رضي الله عنه نزلت مسألة الأراضي الخراجية، وعقدت ثلاثة مجالس للشورى، -كما يقول ابن كثير في “البداية والنهاية”-، وكان رأي الإمام فيها راجحاً، وهو رأي الأكثرية، وظلت أقلية على مخالفة رأيه، من هذه الأقلية عبدالرحمن بن عوف وبلال وغيرهما، معتمدين على آية الغنائم في سورة الأنفال، والعمل السابق من تقسيم الغنائم، ولكن المصلحةَ الراجحة وتغيُّرَ موضوع الغنيمة كلُّ ذلك دعا إلى تحقيق المناط في الواقع الجديد.

وجعل الديوان عاقلة، بناء على تغير واقع العصبية. ووضع الزكاة على الخيل، مع علمه بأنه عليه الصلاة والسلام وأبا بكر لم يفعلاه ، وجعل الخلافة من بعده شورى، كل ذلك كان تحقيقاً للمناط وملاحظةً لواقع تغير.

وكان رضي الله عنه كثيراً ما يلاحظ الواقع المتجدد فَيعدِلُ عن رأي سابق له، فيختلف العلماء أحياناً بسبب ذلك، فيعتمد بعضهم الرأي القديم ويعتمد بعضهم الرأي الأخير.

3- في أيام الخليفة الثالث سيدنا عثمان رضي الله عنه حج بالمسلمين فصلى الصلاة الرباعية كاملة دون قصر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتان من بعده يقصرون الصلاة في الحج فهي سنة متواترة، فأنكر بعض الناس ومنهم ابن مسعود ولكنه لما وصل إلى مكة أتم الصلاة مع الخليفة، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر .

وهكذا كان الفقه عاصماً للصحابة، فصلى الناس مع إمامهم.

وكان عثمان رضي الله عنه ينزل الحكم على وضع فيه عناصر جديدة هي كثرة الداخلين الجدد في الإسلام، ويخاف أن يظنوا أن الصلاة الرباعية أصبحت مقصورة أبدا فقطع الشك باليقين تنزيلا لا نسخاً. وورَّثَ المطلقة في المرض “تماضر زوج عبدالرحمن بن عوف”. وأمر بالتقاط الضوالِّ. وجمع الناس على مصحف، وأحرق ما سواه، على رواية. وأحدث الأذان الأول يوم الجمعة قبل دخول وقت الظهر، لكثرة الناس. ولم يأخذ الزكاة من المال الصامت، الباطن كالتجارة والنقود ووكل زكاتها إلى أمانة أهل المال ليدفعوها للفقراء خلافاً للخليفتين من قبله، واكتفى بجباية زكاة الأموال الظاهرة الناطقة، كالحيوان والزروع والثمار.

ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، ولعل ذلك كان تحقيقا للمناط في زمنه، وهو زمنُ تَوسُّع الفتوح الإسلامية والرخاء فلم يكن بحاجة إلى مزيد من الأموال، أو أنه خاف عليها من خيانة الجُبَاة، فترك أمرها إلى أهلها، كما تأول أبوحنيفة أنه أناب أصحاب الأموال عنه في دفعها للمستحقين.

وكل ما مضى من عمل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه كان من قبيل تحقيق المناط في الأنواع أحيانا وفي الأشخاص أحيانا أخرى نظرا للظروف الزمكانية.

4- وفي أيام الخليفة الرابع سيدنا علي رضي الله عنه -وقد قل الفقه وعظم الخطب- بعد اغتيال الخليفة الثالث قال علي: لا يُقتصُّ من القاتل حتى يجتمع المسلمون على إمام، كما ذكر القرطبي وغيره.

وعلق القرطبي بقوله: ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخيرُ القصاص إذا أدى إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة .

ولكن بعض الناس لم يطع الإمام المبايع فبدلا من بيعته شنوا الحرب عليه فاعتبر ذلك خروجاً عليه. ولما قبل أمير المؤمنين عليٌّ التحكيم ثار الخوارج الذين لا فقه لهم، وقالوا: لا حكم إلا لله، فقال رضوان الله عليه: كلمةُ حقٍّ أريدَ بها باطلٌ. وقد حاور الخوارج وقاتلهم بعد أن هيّجوا.

وضمَّن الصناعَ بعد أن كانت يدُ الصانع يدَ أمانةٍ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. بناء على واقع الناس وضعف حملهم للأمانة.

وذلك هو البرهان على أن الخلفاء الراشدين كانوا يحققون المناط بناء على واقع تجدد، وتبعاً لظروفٍ تغيرت وأحوالٍ تطورت، وأن الفقه في الدين كان عاصماً من الفتنة بُرهةً من الزمن وكان مفهوم الطاعة حاضراً في الأذهان.

ولهذا حاول العلماء في القرن الثاني والثالث تَقْنينَ اجتهاد الصحابة وضبطَه بآليات اجتهادية، وبعناوينَ كبيرةٍ ومتداخلةٍ، منها: القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع، والاستصحاب، وتندرج السياسة الشرعية في الاستصلاح، وسد الذرائع، بالإضافة إلى دلالات الألفاظ.

وبعبارة أخرى، فإنَّ جدلية النصوص والواقع إذا كانت مؤطرة بالمقاصد الكلية تنتج الإصابة في الأحكام والصواب في الاستنباط. 

 

ثالثاً: الواقع يفرض نفسه (تطبيقات وأمثلة معاصرة)

لا يخفى على الجميع مقدار التغيير الذي شهدته البشرية في هذا العصر والمسائل المستجدة التي ظهرت، في عالم متغير من الذرة الى المجرة، مما يستدعي من العلماء استعدادا واجتهادا، لمواكبة المسيرة البشرية في عصر تمازجت فيه الحضارات وتزاوجت فيه الثقافات واشتبكت فيه المصالح والعلاقات وأصبح مصير البشرية مشتركا وضرورة لا يخطؤها البصر ولا تنبو عنها البصيرة.

ومن أمثلة هذه النوزال والمستجدات، تقنيات الجينوم البشري وما اجترحت من معضلاتٍ أخلاقيةٍ، إذ أتاح العلمُ لنفوس عطشى إلى الاكتشاف التدخلَ في خلايا الأجنة واقتحام شفرة النطفة الأمشاج لتعديل الجنين بزيادة الهرمونات، وقضايا الاستنساخ وما تنطوي عليه من مئالات لا تزال وراء أستار الغيب التي لا يعلمها إلا من {يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} سبحانه وتعالى.

فالمجامع الفقهية أمام التلقيح الصناعي والرحم المستعارة والتهجين وشهادة الجينات في تناكر الأزواج وتغيير الجنس في حيرة. بله القضايا الاقتصادية وتحديات المضاربات وتسليع النقود وتسييل العروض وسرعة المداولات والرواج في الأسواق وإبرام الصفقات في المراكز العالمية للاقتصاد التي لا تحترم الوضوح “الشفافية ” التي تدرأ خطر الغرر وغائلة الجهالة.

والواقع يفرض نفسه في قضايا شرعية بلا استئذان. كمشكلة بداية أشهر العبادة ونهايتها كل سنة، وإن كنت ممن يقول: بتقديم الرؤية مع التأكيد على العدالة والاستكثار من الشهود، والواقع فرض قبول الناس بإرسال المركبات إلى الكواكب بعد أن كان البعض يعتبره كفرا انطلاقاً من مفهوم الصعود إلى السماء المذكور في نواقض الإيمان. قال خليل: “أو ادعى أنه يصعد السماء أو يعانق الحور”.

فهل سنعرض عن الحكم بشهادة القافة لتحقيق المناط بـDNA قال خليل: “وإذا ولدت زوجة رجل وأمة آخر واختلطا عينته القافة وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها أخرى لا تلحق به واحدة منهما، وإنما تعتمد القافة على أب لم يدفن وإن أقرّ عدلان بثالث ثبت النسب، وعدل يحلف معه، ويرث ولا نسب”.

لكنْ هناك حالةُ التناكُرِ التي فرض الشرع فيها اللعان لوجود مقصد آخر هو الستر ومع صراحة النص فلا تصح فيها الوسائل العلمية. 

لكن يمكن أن يحقق المناط بالوسائل العلمية لتعليق العمل بمقتضى القيافة في فروع اختلاط الأولاد في المستشفيات أو في الأحوال الطارئة، أما الشهادة في الاستلحاق والإقرار به فمحل نظر واجتهاد.

والواقع فرض قبول الصلاة في الطائرة، وتغيير مفهوم السجود على الأرض أو ما اتصل بها، على حد حد ابن عرفة.

والواقع فرض على المجامع الفقهية الاعتراف بالموت الدماغي بعد أن كان الفقهاء مطبقين على أن الموت هو موت القلب. والواقع جعل الحامل لم تَعُد بعد ستة أشهر مريضةً مرضاً مخوفاً، محجوراً عليها كما هو مذهب مالك.

إن كثيراً من القضايا ينظر إليها من خلال الأدلة الفرعية بنظر جزئي، وهي قضايا تتعلق بكليِّ الأمة؛ كمسألة جهاد الطلب، وتصنيف الدار والعلاقات الدولية المالية، التي لا تحترم أحياناً من ماهية العقد إلا ركن التراضي الذي حصر فيه إمام الحرمين صحة العقد في حال تصور خلو العصر والقطر عن عالم.

فالواقع الجديد يقترح صورة مغايرة للصورة التي نزلت فيها الأحكام الجزئية، ومعنى قولنا الجزئية أنَّ الأحكامَ الكليةَ التي يستند إليها التنزيل تشمل الصورة القديمة والحديثة.

إنَّ الظروف الواقعيةَ والمصالحَ الإنسانية هي المعيار الذي -بالاستقراء- كان حاكما في التصرفات مندرجاً في المقاصد الكلية.

ولنأخذ أمثلة من مجال المعاملات، فمن الضروري مراجعة جملة من المفاهيم في البيئة الحديثة وتحليل العقود الجديدة وتفكيكها لسبر ملاءمتها للشروط والضوابط الشرعية.

فمن هذه المفاهيم:   

الغرر في العقود: الكثير من العقود تتم في غَيْبة المعقود عليه, دون أن تكون سلَماً بشروطه، فهل هي من بيع الغائب، أو من بيع غاب فيه البدلان؟

وبهذا الخصوص يمكن الإستفادة من بعض مفردات مذهب مالك بن أنس الذي وسّع البيع بمعنى من المعاني فجعل مفهوم البيع هو العقد دون القبض على المشهور من المذهب وضمّر الربا في تعامله مع قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرّم الربا) مع الاستدراك على مسائل سد الذرائع التي تمثل الممنوع من الدرجة الثانية، ليكون ذلك منبها على ما تختزنه المذاهب الإسلامية المتعددة من إمكانات هائلة ومرونة عالية تسمح بالتعامل مع العصر.

وفي هذا السياق، يمكن العمل على معيار لبيع الديون يراعي الانضباط المطلوب ويسهم في مواجهة التحديات التي تطرحها السوق مثل عقود البترول والسلع المختلفة في الأسواق الدولية وذلك وفقا لمذهب مالك الذي يجيز ذلك مع شيء من الانضباط تمثله الشروط الخمسة لبيع الدين ومنها ثبوت الدين وإمكانية الحصول عليه في وقته لأنه يعتبر الدين مالاً موجوداً ويقدر المعدوم موجوداً.

وابتداء الدين بالدين الذي نعني هنا ليس هو بيع الكالئ بالكالئ، فبيع الكالئ بالكالئ عند مالك هو فسخ دين في دين، وأما ابتداء الدين بالدين فهو جائز عنده بشروط معلومة في السلم ومذهب سعيد بن المسيب جواز ذلك مطلقا. حيث نقل عنه ابن يونس في كتابه “الجامع لمسائل المدونة” جواز تأجيل البدلين، وسعيد بن المسيب كما يقول الشيخ ابن تيمية أفقه الناس في البيوع، وهو عند أحمد بن حنبل أفضل التابعين.

كما يمكن الأخذ ببيع الغائب الذي يجيزه مالك ببعض الشروط، باعتبار أنَّ الخبر بمنزلة النظر، وهي قاعدة نادرة ذكرها الحافظ أبوبكر بن العربي في كتابه “القبس”، أي الإكتفاء بالخبر عن النظر، وبالتالي أجاز بيع الغائب بالوصف، والمغيب في الأرض من الثمار.

ولهذه الآراء الواردة في مذهب مالك أدلتها وأصلها في عمل أهل المدينة وليس هذا محل إيرادها. لكن المراد أنَّ هناك أسساً يمكن البناء عليها لتطوير معايير جديدة تخدم التمويل الإسلامي مع الإبتعاد عن المحاذير التي تتنافى مع التعاملات الاسلامية وهي الربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل أو الثلاثي النكد كما نسميه، والتي ذكرها الحافظ أبوبكر بن العربي وسبقه إليها القاضي عبدالوهاب في كتابه التلقين.

ولاشك أنَّ مثل هذه المقترحات قد تحتاج إلى ورش ولجان عمل لتطويرها وتعميق النظر فيها، لكن ذكرناها هنا للتنبيه على مكنونات الشريعة السمحة وإمكانات الفقه الواسعة.

 

أيها الحضور الكريم،

رابعاً وأخيرا: ضوابط التعامل مع هذه القضايا (محددات المنهج):

وهنا سنشير سريعا إلى بعض القواعد والضوابط التي ينبغي للمتعامل مع النوازل والمستجدات الأخذ بها وذلك بالتعامل مع النصوص من خلال المقاصد والقواعد والواقع والوقائع، فيفرق بين العبادات التي مبناها على التسليم وبين المعاملات التي مدارها على التعليل المعقول، والتصرف وفق روح القيم الناظمة للشريعة المطهرة وهي: الحكمة، والمصلحة، والعدل، والرحمة. ومن هذه الضوابط:

1- النظرة الشمولية التي تعتبر الشريعة كلها بمنزلة النص الواحد: ونحن هنا ننطلق من مسلمة أن نصوص الشريعة بمنزلة نص واحد في نظام الاستدلال والاستنباط.

وقد نبه الشاطبي على ذلك بقوله: وإنما يكون متشابها عند عدم بيانه، والبرهان قائم على البيان وأن الدين قد كمل قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لا يقتصر ذو الاجتهاد على التمسك بالعام مثلا حتى يبحث عن مخصِّصه، وعلى المطلق حتى ينظر هل له مقيد أم لا؛ إذ كان حقيقة البيان مع الجمع بينهما؛ فالعام مع خاصه هو الدليل، فإن فقد الخاص؛ صار العام مع إرادة الخصوص فيه من قبيل المتشابه، وصار ارتفاعه زيغا وانحرافا عن الصواب.

2- الجمع بين النصوص التي يوحي ظاهرها بالتعارض.

 3- الموازنة بين الجزئي والكلي: وهذه الموازنة ضرورية لتفادي صورة أخرى من صور الاجتزاء أي: الاكتفاء بالجزئي والإعراض عن الكلي، وعدم فهم التجاذب الدقيق بين الكلي والجزئي، فالشريعة ليست على وزان واحد، فلا هي مجموع الأدلة الجزئية، ولا هي مجرد كليات عائمة، أو قيم مجردة، وبالتالي لا ينظر إلى الجزئي إلا من خلال الكلي، كما لا قوام للكلي إلا بجزئياته، مع مراعاة أنه حال التعارض بينهما لا الكلي يقدم بإطلاق، ولا الجزئي كذلك، وذلك راجع إلى ميزان المجتهد الذي يستخدمه في كل موضوع.

4- عرض الخطاب الآمر “التكليف” على بيئة التطبيق “خطاب الوضع“:

وهذا ضمن البيئة الأصولية لعملية تحقيق المناط والمجال الناظم للدلالة التي تحوطها فالخطاب الشرعي قسمان: خطاب تكليف، وخطاب وضع. فالقسم الأول أحكام معلقة بعد النزول على وجود مشخص، هو الوجود الخارجي المركب تركيب الكينونة البشرية في سعتها وضيقها، ورخائها وقترها، وضروراتها وحاجاتها، وتطور سيروراتها، فإطلاق الأحكام مقيد بقيودها وعمومها مخصوص بخصائصها، ولذلك كان خطاب الوضع -الذي هو الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم والتقديرات- ناظما للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه: طلبُ إيقاع وطلبُ امتناع، وإباحة، وبين الواقع بسلاسته وإكراهاته.

وبعبارة أخرى، خطاب الوضع هو البيئة الأصولية لإنزال الحكم، وهو الذي يحوط خطاب التكليف ويكلؤه، ولهذا كان خطاب الوضع بالمرصاد لخطاب التكليف، ليقيد إطلاقه، ويخصص عمومه، فقيام الأسباب لا يكفي دون انتفاء الموانع، ولن تُنتج صحة أو إجزاء دون توفر الشروط سواء كانت للوجوب، أو شروط الأداء أو الصحة، فلا بد من تحقيق المناط للتدقيق في ثبوت التلازم طرداً وعكساً.

5- مراجعة سياقات النصوص

6- اعتبار العلاقة بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد.

7- مراعاة التطور الزماني والواقع الإنساني.

8- النظر في المئالات والعواقب: فالمآلات مسلك من مسالك معرفة الواقع والأدوات التي بإمكانها أن تكتشف المستقبل، بعد أن يكون الناظر قد عرف الواقع بكل تضاريسه ومتوقعاته ليضمن التوازن في تنزيل الحكم عليه ومعرفة توجه المستقبل من خلال معطيات الحاضر التي أفرزها الماضي، إنه توقع عقلاني بعيد عن التوهم أو عن معنى الاستباق وإن تقاطع معه، يتأسس على واقع يحقق ويثبت العلاقة بين الأحكام وبين الوجود المشخص، ولا يهمل فيه أي عنصر من عناصر العلاقة بينه وبين الدليل الشرعي الذي يقع التدقيق في شقيه: الكلي والجزئي، كما يدقق في تقلبات وغلبات الواقع والأثر المحتمل للحكم في صلاحه وفساده، بحيث لو تنزل بالفعل لكان محمود الغب جار على مقاصد الشريعة، والمقاصد قبلة المجتهد كما يقول الغزالي في تحصين المآخذ.

9- استحضار البعد الإنساني والإنتماء إلى الكون.

10- استغلال الإمكان المتاح في الشريعة.من خلال المصالح أو المقاصد أو من خلال مراعاة اختلاف العلماء.

11- التعامل مع مقصد التيسير مرجحاً عند تعارض الأدلة كما ذكر بعض الأصوليين. وكما فصلنا في كتابنا (صناعة الفتوى)- فاستعمال الرخص عند قيام الأسباب، مؤصل من الأصلين، ومن قاعدة إشفاق المفتي على أهل ملته، كما يقول الخطيب البغدادي لأن الإعنات مخالف لتيسير الشرع.

هذه المنهجية التي ندعو إليها، هي منهجية من رحم الشريعة، كانت موجودة وممارسة في واقع الحياة، وإن كانت اليوم غائبة عن الذاكرة الجمعية فإننا نريدها أن تعود مرجعية للعلماء كما كانت من قبل، ولم يكن يشذ عنها إلا المنشقون الخارجون عن المجتمع وعن الأمة الذين لهم في الشرع وضع محدد وصفات معينة يتحقق بها المسلم من أمرهم كما بينتها نصوص الشريعة.

 

العنوان الأصولي لفقه الواقع هو تحقيق المناط:

تحقيق المناط يمثل التحقق من مناط معين وهو العلة لتنزيل الحكم عليه فتحقيق المناط بوصفه الاجتهاد الثالث كما يقول الشاطبي، لا ينقطع فيه الاجتهاد لانه مسايرة للزمان والمكان.

وفي ختام هذه الكلمة كان لنا في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي جهد واجتهاد معتبر في إصدار مجموعة من الفتاوى والبيانات خلال جائحة كورونا التي لم يكن منحى من مناحي الحياة بمنأى عن تبعاتها وآثارها لتوضيح الموقف الشرعيّ من عدد من القضايا المستجدة التي أثارتها الجائحة: كقضايا صلاة الجماعة والتروايح والعيدين، وكقضايا صوم الممرضين ومصابي كورونا، وتقديم الزكاة أو تأخيرها والحج،  وأصدرنا فتوى حول استخدام اللقاح المضاد لفيروس كورونا، وغير ذلك من الفتاوى التي اعتبر فيها المجلس تغيّر الواقع مؤثرا ومرجحا، وأعمل الاستحسان وهو العدول عن القياس إلى ما هو أرفق بالناس على حد عبارة بعض الأحناف.   كما نظم المجلس بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي مؤتمرا دوليا حول “فقه الطوارئ” جمع فيه العلماء من مختلف القارات لتحقيق المناط في واقع الجائحة ومناقشة ما أثارته من أسئلة فقهية في جميع المجالات من عقائد وعبادات ومعاملات، موضحين يسر الإسلام وسعة الشريعة وقدرتها على استيعاب مصالح الناس في مواجهة الجوائح والأزمات.

ولعلنا نهدي إلى جامعتكم الموقرة الكتاب الذي سيصدر متضمنا أعمال ذلك المؤتمر.

 

وختاماً، أشكركم جميعاً وأدعو الله أن يبقي بلدنا بلد خير ونماء وعطاء ونفع للناس، وأن يحفظه ويحفظ قيادتنا الرشيدة من كل ضر وبأس، وأن يصلح أعمالنا وأن يجعل اجتماعنا اجتماع خير وأن يكلّله بالنجاح إنّه ولي ذلك والقادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الشيخ عبد الله بن بيه في زيارة لمعرض السيرة النبوية بالمدينة المنورة

أدىى معالي الشيخ عبد الله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء ؛ زيارة لمتحف ومعرض السيرة النبوية والحضارة الإسلامية في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية.

وتابع فضيلة الشيخ بن بيه، شرحا مفصلا حول مجمل التقنيات المبتكرة التي تم اعتمادها في المتحف والمعرض؛ باعتبارها النواة الأولى لانطلاق سلسلة المتاحف الإسلامية المقرر تدشينها بإشراف رابطة العالم الإسلامي على مستوى عدد من عواصم العالم.

وكان الشيخ عبد الله بن بيه قد وجد في مقدمة مستقبليه عند مدخل المتحف والمعرض بجوار المسجد النبوي الشريف، وكيل العلاقات والتواصل الدولي برابطة العالم الإسلامي معالي الدكتور محمد سعيد المجدوعي رفقة جمع من القائمين على هذا المتحف.

الشيخ عبد الله بن بيه وعوامل بناء الشعوب

إستوقفتني كثيرا ردود العلامة الشيخ عبد الله ولد بي حفظه الله و بارك فيه، على أسئلة رئيس وزراء دولة باكستان، و مما خطف عقلي و قلبي قوله أن التغيير الكبير الذي جاء بالعرب البدو الأميين المتخلفين لقيادة الحضارة البشرية، بفعل إيمانهم بما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن بفعل خَلْقِ مهن جديد أو التوجه إلى حرف معينة أو إبتكار تكنولوجي تُقَلًلُ من مدخلات الإنتاج و تُكَثًرُ المنتوج….. إنما أقر ما كان من حرف و مِهَنِِ و تجارة و زراعة… ولكنه صلى الله عليه و سلم أحدث ثورة لم يشهد التاريخ لها مِثالا، و ذلك بإعتراف مفكري و فلاسفة الغرب أنفسهم و ذلك من خلال:
١- تحرير الطاقات الكامنة في الفرد من أغلال الوثنية و التخلف و التبعية، وجعله مرتبط بالله وحده، في أفعاله و أقواله، مدرك بأن لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، يعلم علم اليقين بأن الله يراه و يسمعه و أنه سبحانه و تعالى جعل عليه حفظة كراما يكتبون أفعاله و أقواله و أنه محاسب عليها، هذا الرقيب الذي أصبح كل فرد يستشعره، فجر الطاقات الكامنة و جعل المسلم يعمل بكفاءة و إخلاص؛
٢- العامل الثاني الذي ساهم في الإنجاز الحضاري العظيم الذي حققه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الدعوة إلى مكارم الأخلاق و التحلًي بها و ملازمتها( الصبر، الأخوة في الله، الصدق، الإنفاق، الإثار، التعفف، ترك الغيبة… ) فكان مجتمع المدينة مثالا على كل معاني مكارم الإخلاق، و أصبح أكثر وحدة و تماسكا و إستقلالا، و أكثر إنتاجا و إنتاجية؛
٣- العامل الثالث من عوامل البناء الحضاري الذي ساهم في بناء الحضارة الإسلامية التي ملأت الدنيا، فهو عامل الطاعة، فمجتمع مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا جميعا يتنافسون في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم و خدمته، و كان لهذا العامل الدور الكبير في توحيد العمل و توحيد الهدف، مما يمنع تشتت الجهد و الفرقة، و يستوجب الحصول على أكبر عائد معنوي و مادي.
يمكن القول بأن العوامل الثلاثة السابقة( الرقيب الرباني، التحلًي بمكارم الأخلاق، طاعة أولي الأمر )، هي عوامل البناء الحضاري السليم، و بالرجوع إليها يعم العدل و تتجسد الوحدة و تتعاظم الإنتاجية المادية و المعنوية.
عليكم بسنة رسول الله فيها الخلاص من التخلف و التبعية و النجاة من عذاب القبر و الفوز بالجنة.
بأبي و أمي أنت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم.
حفظ الله شيخنا العلامة عبد الله بن بي.و نفع الله الأمة بفهمه الواضح لنصوص الشرع و أفكاره العظيمة.
د محمد الأمين شريف أحمد.

البيان الختامي للملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم

   
     

البيان الختامي للملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم

أبو ظبي 30 ربيع الثاني إلى 2 من جمادى الأول 1443 هـ / 05-07 ديسمبر 2021م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد

فانطلاقا من قول الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)، سورة فاطر).

واستجابة للتّحديات الوجودية التي تواجه الإنسانية جمعاء، جراء وباء كوفيد 19 المستجد (كورونا) الذي غيّر برامج وخطط البشرية، وأعاد ترتيب أولوياتها وساءلَ توجّهاتها القيمية.

ووعيا بأنّ الواقع الجديد قد ارتقى بالمواطنة إلى مرتبة كلي الزمان، مما يتقضي المزيد من البحث المنهجي بغرض التوصل إلى صيغة نموذجية تقدم مفاهيم جديدة للمواطنة الشاملة، مستمدة من النصوص الدينية ومراعية للسياق الحضاري المعاصر المتمثل في الدساتير الوطنية والمواثيق الدّولية.

 انعقد بأبوظبي الملتقى السنوي الثامن لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” حولالمواطنة الشاملة: من الوجود المشترك إلى الوجدان المتشارك من 30 ربيع الثاني إلى 2 من جمادى الأول سنة 1443 هـ الموافق لـ 05 إلى 07 ديسمبر 2021م برعاية كريمة متواصلة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله- وبإشراف ومتابعة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش بدولة الإمارات العربية متحدة، وبرئاسة معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.

وقد احتضن مئات المشاركين ما بين وزراءَ وممثلي منظمات أممية ومسؤولي منظمات إسلامية وسفراءَ وممثلي هيآت حكومية ومراكزَ ومنظماتٍ دولية ومفتين وعلماء وقضاةٍ وقياداتٍ دينيةٍ ومفكرينَ وشخصياتٍ أكاديمية ونواب برلمانيين وغيرِهم. كما حظي الملتقى بمتابعة الالاف لجلساته وأعماله عبر المنصات الالكترونية و مواقع التواصل الاجتماعي،

وقد افتتح المؤتمر في رحاب معرض اكسبو 2020 دبي بكلمة لمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان عضو مجلس الوزراء، وزير التسامح والتعايش، والمفوض العام لإكسبو 2020 دبي وجاء فيها ” أن دولة الإمارات العربية المتحدة ، وهي تحتفل في العام القادم ، بمرور خمسين عاماً على تأسيسها ، قد حددت لنفسها ، هدفاً رئيسياً في الخمسين عاماً القادمة ، وهي أن تظل هذه الدولة دائماً ، وهي الدولة التي تتخذ من القيم والمبادئ الإنسانية ، أساساً قوياً ، لمسيرتها ، وعلى نحوٍ تتأكد فيها دائماً ، قيم التسامح والتعايش والتكافل والعدل ، والسعي إلى تحقيق الخير للجميع ، دونما تفرقةٍ أو تمييز “.

 كما شارك في الجلسة الافتتاحية أصحاب المعالي الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، والشيخ نور الحق قادري وزير الشؤون الدينية والوئام بين الأديان بجمهورية باكستان.

وقد تناولت جلسات الملتقى محاور مختلفة، من أهمها: تحديد مفهوم «المواطنة الشاملة» من خلال نقاش سياقات نشأته ومسارات تطوره، ومدى راهنيّته والحاجة إليه، والإجابة عن أسئلة المقومات القيمية للمواطنة، وإفساح المجال للتأصيل الشرعي، وإبراز دور الدين الإيجابي في بناء المواطنة، ومناقشة التحديات التي تواجه البشر كمواطنين على كوكب الأرض.

وتدارس المشاركون نماذج إيجابية في التعايش والتسامح والمواطنة الشاملة في كل من الامارات وفنلندا وسنغافورة ومصر.

وخصصت الجلسة العلمية الأخيرة لنقاش فرص وإمكانات صنع عالم أفضل (كيف يمكن أن تسهم المواثيق والاعلانات في بناء مستقبل أجمل).

وقد خلص المشاركون في الملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم بعد تبادل وجهات النظر في القضايا المدروسة، مستحضرين خصوصية الظرفية العالمية وانفتاح مآلات المجتمع الإنساني على كل الاحتمالات المرجوة والمخوفة، إلى ما يلي:

أولا- النتائج:

1- كانت المواطنة في المفهوم التاريخي تقوم على العرق أو الدّين أو الذاكرة المشتركة أو على عنصر نقاء النسب، الذي يؤدي إلى تقسيم المواطنين إلى درجات كمـا كان عند الرومـان أو العرب في عصر ما قبل الإسلام.

2- في العصور الحديثة، وفي سياق ما شهدته البشرية من التمازج والتواصل وغلبة سمة التنوع في كلّ أقطار المعمورة؛ صارت المواطنة اختيارا طوعيا على نحو تعاقدي يضمن لأحدث مواطن نفس الحقوق التي كانت لأقدم عضو، فلا فرق بين الأول والأخير والأصيل والدخيل.

3- استقر مفهوم المواطنة على كونه رباطا أو رابطة اختيارية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور، يتسامى على الفئوية والقبلية، لكنه لا يلغيها بالضرورة، وإنما المطلوب أن يتواءم معها ويتعايش معها تعايشاً سعيداً.

4- أحدثت العولمة المعاصرة وعيا عميقا بدرجة التشابك بين مصائر الشعوب وأوضاعها، وبما استجدّ في العالم المعولم من أسباب التمازج الحضاري والعيش المتصل، وهو ما أوجب التفكير في المواطنة المحلية في أفق المواطنة الكونية.

5- أثبت الواقع أن مبدأ المواطنة في حاجة إلى مزيد من البحث المنهجي بغرض التوصل إلى صيغة نموذجية تقدم مفاهيم جديدة للمواطنة الشاملة، مستمدة من النصوص الدينية ومراعية للسياق الحضاري المعاصر.

6- يقوم مفهوم المواطنة الشاملة على أساس السمو على مجرّد الاعتراف إلى التعارف، وبه يتم تجاوز ضيق الذّوات إلى فُسحة المشترك، وينتقل من الهويات الحرجة إلى الوحدة الواسعة، وحدة مجتمع الإنسانية الكبرى.

7- يرتبط مفهوم المواطنة الشاملة بروح ركاب السفينة، ويضمن جعل ثمرات العقول مبذولة لفائدة الجميع ويخلق التنافس الإيجابي بين مكونات العائلة الإنسانية في تقديم الضيافة الإبراهيمية المستندةِ إلى الكرامة الإنسانية.

8- يستند مفهوم المواطنة الشاملة على تأصيل مبدأ المواطنة الحاضنة للتنوع بالفهم الصحيح والتقويم السليم للموروث الديني والممارسات التاريخية وباستيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم.

9- لا ينافي الدين ما وصلت إليه التجربة الإنسانية في مفهومها الحديث للمواطنة، وإن زاد عليها بالروح الأخلاقية التي يصوغها بها.

10لا بدَّ أن نتجاوز النظرة الإقصائية للإسهام الديني في بناء نموذج إبداعي للمواطنة يتسق مع طبيعة البيئات التي يراد تنزيلها عليها، على ضوء متغيرات البنية الاجتماعية في العالم، وما أصبح يعرف بعودة الدين.

11- الهوية الوطنيّة أداة تُعبّر عن الشراكة الإنسانية والمصلحة المشتركة بين أبناء الوطن الواحد. أمَّا سائر الانتماءات كالدين، والإثنيّة، والعائلة، فهي انتماءات تُعبّر عن شراكةٍ بين أبناء الجماعة الواحدة، ولكن لا تُبرّر تصنيفهم إلى فئات متنازعة، وخاصة عندما يتعلّق الأمر بالانتماء الديني.

12- الأديان لا تدعو إلى التضامن العصبي مع أبناء الدين الواحد، على حساب التضامن مع أبناء المجتمع (القريب، والجار)، بل تدعو إلى التضامن مع سائر البشر تحقيقًا لشمولية الإيمان والأخوة البشرية.

13- لا بد من ترجمة لغة الدين إلى لغة الفضاء العمومي، لغة الحياة المدنية والقانون، والاستعارة من نصوص التاريخ لإنزالها على العصر الحاضر، مع الاحتفاظ لكل عصر بلغته وببيئته الزمانية والمكانية، واستنطاق النصوص وجمع متفرقاتها والمقارنة بينها وبين ما وصلت إليه البشرية من آراء ومبادئ تخدم المصالح الإنسانية.

14- وجب توجيه كل الجهود التأصيلية إلى جعل الانتماء الديني حافزا لتجسيد المواطنة وتحييد سلبيات تأثير عامل الاختلاف الدّينيّ عليها.

15- تعتمد المصالحة بين الهويتين الدينية والوطنية على إبراز الإحالة المتبادلة بين الديني والدنيوي في الاديان، أي بين المصالح الإنسانية والقيم الدينية.

16- للدولة الوطنية الحاضنة للتنوع باختلاف أشكالها وصورها، نفس المشروعية التي كانت قائمة في التاريخ للدولة الإمبراطورية بناء على قانون جلب المصالح ودرء المفاسد. 

17- المواطنة الشاملة هي الجواب المنتظر على سياسة الهويّات المأزومة والمتقاتلة، وتمثل نموذجًا مزدوجًا للإيمان المنفتح على رحابة رحمة الله الشاملة لجميع مخلوقاته، وللالتزام الوطني الهادف لخير الإنسانية جمعاء.

18- الحقوق التي تمنحها المواطنة للجميع، لتكون راسخة، يلزم أن تقدم في إطار عقد اجتماعي يقوم على تحقيق مجموعة من الموازنات ليس فقط من الناحية القانونية بل من الناحية الروحية والنفسية كذلك.

19- المواطنة أكثر من كونها معرفة تتعلّم أو مبادئ تُلَقّن هي سلوك وممارسة تكتسب، من خلال التربية، التي تعنى بتهذيب السلوكيّات وتقويم التصرفات وتحسين الأخلاقيات. فبالتربية يكتسب الإنسان طرق العيش في الجماعة، وتتجذّر في شخصيته قيم المواطنة.

20- يحتاج تفعيل المواطنة الشاملة مقاربة دقيقة تقوم على البحث الواصب عن الملائمة والموائمة بين مقتضيات الواقع الجديد، واقع قيم العولمة وعولمة القيم، واقع التمازج الحضاري والعيش المتصل، وبين مقتضيات الخصوصية ومتطلبات المحلية.

21- إن كل مقاربة ضامنة لسلامة تنزيل مبدأ المواطنة الشاملة لا بد أن تحقّق التوازن بين محدّدات ثلاث: السياق العالمي والمعيارية الكونية، والسياق المحلي، واستراتيجية السلم بوصفها الإطار الذي ينبغي أن يقع فيه كل تحقيق للمواطنة.

22- في عصر التمازج الحضاري، لا بد من الوَعْي العميق بكلي الزمان الجديد الذي يرجّح المقاربات التشاركية، ويفرض القطع مع المنظور الصدامي الذي يُركِّز على الخصوصيات ويلغي دوائر المشترك بين بني البشر.

23- أظهرت جائحة كورونا أن الدَّولة الوطنية هي الملاذ الطبيعي والضروريُّ لدى الأزمات، فهي الخط الأول في وضع الأطر المناسبة للتصدّي لهذه التحدّيات.

24- إن الوعي بالطبيعة المعولمة للعالم المعاصر ينبغي أن يستوعب ويتسامى على الفروق المجتمعية والتباينات التاريخية والثقافية، والخصوصيات المحلية دون أن يلغيها أو يتجاهلها.

25- لا يمكن أن نؤسس لمواطنة متينة متجذرة في نسيجها المجتمعي إلا بالحرص على ربط مفاهيمها بثقافتها الموروثة، فلا يغترب الناس عن موروثهم وتلتبس عليهم المفاهيم مما قد يكون ذريعة للإخلال بالسلم الأهلي.

26- الحقوق المقوّمة للمواطنة لابد عند تنزيلها من مراعاة سياقاتها المكانية والزمانية ومآلاتها، بحيث يحرص على تحقيق الموازنة بين الحقوق الجمعية والحقوق الفردية وبحيث يحافظ على النظام العام. 

27- لا سبيل إلى تحقيق مواطنة شاملة، توائم بين إطلاقية المبدإ ونسبية التنزيل إلا من خلال استراتيجية السلم، فبدون سلام لا حقوق.

28- وتتويجا لهذا المسار، صدر عن ملتقانا هذا العام “إعلان أبو ظبي للمواطنة الشاملة”، إعلانا مؤسسا على وثائق التسامح الكبرى، مثل إعلان مراكش لحقوق الأقليات، وإعلانات أبوظبي للسلم، ووثيقة الأخوة الإنسانية، ووثيقة مكة المكرمة، ووثيقة حلف الفضول الجديد. وكذلك الحوارات المتعددة مع مؤسّسات محليّة ودوليّة ذات خلفيّات دينيّة وثقافية متعدّدة ومنظّمات عالميّة وشخصيّات بارزة وخبراء داعمين ضمن حلقات النقاش الدورية التي أدارتها وكالة “ويلتون بارك” بين أعوام 2018 و2021م.

ثانيا – التوصيات

1- أشاد المؤتمرون بنموذج دولة الإمارات في تجسيد المواطنة الشاملة فعلى أرض هذه الدولة المباركة تتعايش عشرات الأديان والثقافات والأعراق المختلفة ومئات الجنسيات في أمن وأمان ومودة واحترام.

2- ينبه المؤتمرون إلى جدارة النموذج الإماراتي بالدراسة لما يمثله من فضاء رحب للإنسانية والتسامح والمواطنة الشاملة.

3-  تشكيل لجان الخبراء لدراسة ومراجعة مناهج التربية الدينية والمدنية، وتطويرها؛ حتى تأخذ في الاعتبار البعد الإنساني والأخلاقي في مجال التربية على المواطنة الشاملة

4- تأسيس منصة إلكترونية لمتابعة التوصيات والاقتراحات وبلورة الأفكار.

5- تأسيس فرع لمنتدى تعزيز السلم يُعنى بتعزيز السلم وبث قيم المواطنة الشاملة في بعض مناطق العالم كبلاد إفريقيا جنوب الصحراء.

6- تشجيع وتكثيف لقاء القيادات الدينية بغية إبراز أن الدين يبني الجسور بين الثقافات، ويمكنه أن يكون قوة للسكينة والمصالحات.

7- تكوين لجان تربوية لإعداد برامج تعليمية للتربية على المواطنة.

8- تأسيس مركز بحثي ضمن منتدى أبوظبي للسلم يتخصص في قضايا المواطنة والهوية وفق رؤية المنتدى للتعددية والتنوع.

9- إصدار مجلة أكاديمية محكمة خاصة بقضايا المواطنة تجمع بين التخصصات الدينية والإنسانية، وتبني الجسور بين المختصين في الدين والفلسفة.

10- عقد شراكات بين المنتدى والمؤسسات الدينية والجامعية الحكومية والخاصة، المحلية والدولية لتفعيل مضامين إعلان مراكش وحلف الفضول الجديد وميثاق المواطنة الشاملة.

كما يبارك المشاركون في الملتقى للمنتدى إطلاقه لهويته الجديدة وحمله لاسم عاصمة السلام والتسامح وفضاء التعايش والمحبّة، ليكون اسمه “منتدى أبوظبي للسلم”، ليبني على النجاحات السابقة ويعبر إلى فضاءات الإبداع السامقة، بتوفيق الله وعونه.

ويطيب للمشاركين في الملتقى الثامن لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” أن يعبروا عن صادق تهانيهم لدولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبة اليوبيل الذهبي لخمسينية تأسيس الاتحاد، ويعربون عن فائق شكرهم وجزيل ثنائهم لدولة الإمارات العربية المتحدة على تيسيرها انعقاد هذا الملتقى في أوانه المعتاد وبمستواه المعهود بأفضل السبل المتاحة في هذه الظروف الاستثنائية، وأن يرفعوا أسمى مشاعر الامتنان لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وبارك في عمره، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، وإلى أصحاب السمو حكام الإمارات؛ حفظهم الله جميعا. وإلى راعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله.

ويضرع المشاركون في هذا الملتقى إلى العلي القدير أن يشمل بواسع رحمته وسابغ كرمه الشيخَ زايد بن سلطان آل نهيان الذي كان ملاذا في الأزمات للقريب والبعيد، وأن يديم على الإمارات العربية المتحدة نعمة اليد العليا ويحفظها من شر كل وباء وبلاء وسائرَ بلدان العالمين.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وحرر بأبو ظبي في 03 جمادى الأولى 1443 هـ / 07 ديسمبر 2021م

لجنة البيان الختامي

 

 

 

نص كلمة العلامة عبدالله بن بيه في إكسبو2020

   
  بسم الله الرحمن الرحيم  
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
  مؤتمر “مستقبل المالية”  
مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي
كلمة معالي الشيخ عبدالله بن بيّه
رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

 

معالي خالد محمد بالعمى التميمي -محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي،

الاخوة المشاركون في هذه الجلسة،

أيها الحضور الكريم، كل باسمه وجميل وسمه.                      

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

اسمحوا لي أولاً أن أشكر تشريفكم لي بالدعوة لهذا المؤتمر الدولي حول ” مستقبل المالية” والذي ينظمه مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي ضمن فعاليات معرض اكسبو 2020 دبي.

 

وبهذه المناسبة أشيد بالطموح الكبير والتطلع الدائم للأفضل الذي يطبع عمل دولتنا ورؤية قيادتنا والذي نجني من ثماره تنظيم هذا المعرض الدولي العظيم بمشاركة أكثر من 190 دولة من أرجاء العالم ليكون بذلك أكبر أحداث هذا العام وأكثرها قدرة على مد الجسور بين البشر وحشد الطاقات لكل ماينفع الناس ويؤلف بين مختلف الأجناس. إن هذا برهان على التسامح وعنوان للتعايش بين الجميع.

 

أيها الحضور الكريم،

إنّ هذا الاجتماع ينعقد وقد مرت البشرية وتمر بجائحة غير مسبوقة في التاريخ الحديث­­، أزمةٌ من النوع الذي يختبر أخلاقنا وقيمنا وإيماننا. إنها تختبر أخلاقنا في التعامل فيما بيننا، في بيوتنا ومع جيراننا، هل نصبر وننشر قيمة الصبر والتضامن بيننا أم نخضع لليأس والقنوط؟

تختبر قيمنا هل نُعلي قيمة الإحسان والمحبة والإيثار مع القريب والغريب. إن هذا الاختبار ليس على مستوى الأفراد فقط وإنما على مستوى الدول أيضاً التي عليها مسؤولية مساعدة تلك الأقل ثروة وقوة والتي لا تتوافر لديها وسائل مواجهة الجائحة المادية والصحية.

وفي هذا الصدد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بدور ريادي حيث سارعت بتقديم يد العون والتضامن مع البلدان المتضررة من هذا الوباء دون النظر إلى دينها أوعرقها، جاعلة من إغاثة الإنسان حيثما كان البوصلة والهدف الأسمى لجهودها ومجسدة التضامن الذي تدعو له الأديان والأخلاق النبيلة.

 

إنه ما من منحى من مناحي الحياة بمنأى عن تبعات هذه الأزمة وآثارها، فقد تَسَلَّلَتْ إلى أدقِّ تفاصيل الحياة الإنسانية، وشملت كل النواحي، ومن ناحية المعاملات فقد أدّت الحاجة إلى الإغلاق الكامل أو الجزئي إلى تعطّل قطاعات كبيرة من الاقتصاد وفقد الملايين لأعمالهم كما أدت إلى تهديدِ قطاعاتٍ كاملةٍ بالانهيار. ونتيجةً لذلك فقد تأثّرت العقود المُبرمة بين القطاعات المختلفة فيما بينها وبين الشركات والأفراد مثل عقود المقاولات والتوريد والتوظيف. وقد أثارت هذه التغيرات أسئلةً فقهيةً حول إمكان تأخير الزكاة عن وقتها لصالح أرباب المال جراء نقص السيولة وكساد السلع أم يكون تعجيلها لفائدة المساكين وجيها بسبب تفشي البطالة جراء إنهاء خدمة العمال وتسريحهم من وظائفهم. مما يوجد اجتماع المانع والمقتضي لا بالمعني الفقهي الأصولي ولكن من الناحية العملية مما يدعو إلى الإجتهاد وتنويع الحلول.

 

وفي هذا السياق كان لنا في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي جهد واجتهاد معتبر في إصدار مجموعة من الفتاوى والبيانات لتوضيح الموقف الشرعيّ من عدد من القضايا ذات الصلة بالعبادة من صلاة وصيام وزكاة وأصدرنا فتوى حول استخدام اللقاح المضاد لفيروس كورونا، كما نظم المجلس بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي مؤتمرا دوليا حول “فقه الطوارئ” أوضحنا فيه يسر الإسلام وسعة الشريعة وقدرتها على استيعاب مصالح الناس في مواجهة الجوائح والأزمات.

 

وحيث لا يسمح المقام ببسط الكلام، ولا إيراد التقريرات وروم التحريرات، فسأكتفي في هذه السانحة بكلمات موجزات:

 

أيها الحضور الكريم،

 

وفي ظل هذه الظروف والتغيرات العميقة ينعقد هذا المؤتمر ليناقش مستقبل التمويل في العالم ومستقبل التمويل الإسلامي على وجه الخصوص. ولاشك أن سؤال المستقبل دائما سؤال حاضر خصوصاً في ظل الظروف المتغيرة ولكنه أيضا سؤال صعب المراس، بعيد الغور. ومع ذلك فهناك توجهات عامة ومتغيرات مشهودة يمكن البناء عليها لتصور المستقبل ورسم خارطته.

ومن أهم العوامل المؤثرة في مستقبل المالية هو التطور التكنولوجي الذي ليس وليد اليوم فما نشاهده هو تراكمات لقفزات هائلة في مجال إدماج التقنية في قطاع المال على مدى العقود الماضية، لكن الجديد هو التسارع الذي شهدته السنوات الأخيرة وزادته الجائحة حضورا وهو تقدم ما يسمى التكنولوجيا المالية (فينتِك-Fintech) والتي أصحبت مجالا متسارع النمو متنوع المنتجات، بالإضافة الى الضيف الجديد غير المرحب به حتى الآن على مائدة القطاع المالي وأعني بذلك العملات الرقمية والتي تنمو بسرعة مذهلة وحجم مدهش يتناسب طردا مع حجم تردد المؤسسات المالية في التعامل معها وعجز المؤسسات الرقابية عن سن تشريعات منظمة لها.

ومن العوامل الأخرى الملحة عامل الإستدامة والحاجة إلى الاستثمار في القطاعات البيئية الخضراء بالإضافة إلى صعود توجه التمويل غير المركزي الذي بدأ ينافس في بعض القطاعات التمويل التقليدي. 

 

وأمام هذه المتغيرات والتحديات نتساءل كيف يمكن للتمويل الإسلامي أن يحقق أهدافه التنافسية ويبقى وفيا لمنبعه الأصيل وقيمه العليا وفي جاذبية المقاصد والنصوص الشرعية.

 

وإزاء ذلك نرى أن مستقبل التمويل الإسلامي يكمن في التركيز على ثلاثة عوامل هي الموائمة والملائمة والإبتكار. ونعني بالموائمة التعايش المسالم وبالملائمة التفاعل الملائم وبالإبتكار مجاوزة القديم إلى الجديد والتطوير والتجديد. ومن خلال ذلك يمكن للإقتصاد الاسلامي تلبية الحاجات الحقيقية للإقتصاد والتعامل مع الواقع الجديد للحركة الإقتصادية التي لا تعرف سكوناً والنشاط التجاري الذي لا يعرف راحة والمنافسة المحمومة التي لا ترحم خاملا ولاكسولا.

 

إنَّ نظرتنا لمستقبل التمويل الإسلامي، تنطلق من الوعي بأهمية التجديد والاجتهاد في الاحكام والنوازل إذ يجب ألا نغفل التأثيرات الحاصلة في الواقع، فالواقع شريكٌ في تنزيل الأحكام وتطبيقها، كما دلت على ذلك النصوص والأصول وأبرزته ممارسات السلف الراشد الاجتهادية وتنزيلاتهم الوقتية.

 

ولهذا فإن على المتعاطي مع فقه المعاملات أنْ يتعلم التعامل مع النصوص من خلال المقاصد والقواعد والواقع والوقائع، وأنْ يقتحم عقبة الفقه، فيفرق بين العبادات التي مبناها على التسليم وبين المعاملات التي مدارها على التعليل المعقول، ويتصرف وفق روح القيم الناظمة للشريعةَ المطهرةَ وهي: الحكمة، والمصلحة، والعدل، والرحمة. كما يقول بحق ابن القيم. وباختصار، اعتبار المصلحة المتقاضاة بالعقل قبل النقل كما يقول العز بن عبدالسلام في كتابه قواعد الأحكام.

 

وعلى كل حال، فإننا نرى أنَّ القيمة المضافة للإقتصاد الاسلامي هي قربه وارتباطه بالإقتصاد الحقيقي وبالتالي حفاظه على السوق وخاصة في وقت الأزمات الناشئة عن مغامرات السوق كما ظهر في الأزمة المالية الأخيرة أي أزمة الرهون العقارية، وذلك من خلال بعده عن الغرر الكثير والجهالة. وكذلك استعماله مبدأ الغنم بالغرم أي الاشتراك في الربح والخسارة والمشاركات بشكل عام. وانطلاقاً من هذه المبادئ اقترحت المصرفية الإسلامية جملة من المنتجات المربحة بعناوين: “المشاركة” و”المضاربة” و”الاستصناع” و”الإجارة” و”المرابحة” و”السلم”. إنها تقترح آليات للتمويل غير تقليدية وربما تكون معقدة بعض الشيء في البداية وربما ينظر إليها بأنها قديمة ولا تتلائم مع حركة ودينامكية الاقتصاد المعاصر وهو انتقاد مفهوم إلا أنها تمثل ملجأ فيه شيء من الأمان لرأس المال لأنها تعتمد على الاقتصاد الحقيقي ووراءها سيولة نقدية معتبرة؛ ولأنها قد تمثل نوعاً من الكوابح اعترف بعض الخبراء بضرورتها في مقابل السرعة المذهلة في خلق الأوراق المالية بدون أساس وفي ظل اجراءات رقابية قد تكون في بعض الحالات متراخية مما يؤدي بالمالية إلى أفق مجهول. ولذا فإنَّ هذه المزايا المنبقثة عن القيم ينبغي الحفاظ عليها في وجه إغراءات الربح السريع وحركة السوق المستمرة.

 

وفي سياق  الحديث عن المستقبل ، نعتقد أنه من الضروري في النظر الفقهي التعامل مع المذاهب الإسلامية جميعاً كمجموعة واحدة وبالتالي الإستفادة من الثروة الفقهية الكبيرة التي تزخر بها هذه المذاهب دون تعصب ولا انغلاق على مذهب واحد. آملين أنْ توفر هذه النظرة المرونةَ المطلوبة للتعامل مع التحديات التي يشكو منها المتعامل مع الإقتصاد الإسلامي في ظل حركة الأسواق السريعة بحيث يمكن صناعة معايير تكون قريبة من الإقتصاد الوضعي الذي يقوم على حرية الأسواق موكلا أمره إلى اليد الخفية حسب أدم سميث وفي نفس الوقت ليست منفصلة عن الإقتصاد الحقيقي الذي عليه اعتماد الاقتصاد الإسلامي.

 

وقد يقتضي هذا الأمر مرافعة طويلة لا يتسع المقام لها وقد قامت المجامع الفقهية مشكورة ببعض ذلك، ولكن سأتطرق في هذا الصدد إلى مقترح واحد وهو تطوير معيار التوازن والتوسط الذي يقوم على الموائمة بين الثبات والتغير. الثبات الذي هو القرب من الإقتصاد الحقيقي والتغير الذي هو القدرة على مسايرة السوق مع الانضباط المطلوب. فيكون بذلك هذا المعيار طريقا ثالثا أو مذهبا ثالثاً.

فيُفرق فيه بين الجهالة والغرر الكثير والمتوسط والقليل في المعاملات والعقود، كما يفرق فيه بين المشقة والحرج يسيره وكثيره المترتب على فوات هذه المعاملات. فهل يلحق الغرر المتوسط بالكثير أم بالقليل وهل تضم المشقة المتوسطة الى المشقة العظمى أم تلغى مع المشقة اليسيرة وهنا مَجَرُّ عوالى اجتهاد العلماء و مجرى السوابق من خيولهم. والرأي أن يُمنع الغرر الكثير في المعاملات ويسمح بالغرر المتوسط والقليل. وتُلحق المشقة المتوسطة بالكثيرة فتنزل الحاجات منزلة الضرورات وتُلغى المشقة اليسيرة فلا تؤدي الى ترخص ولا إباحة لمنهي عنه وأصل الكلام للقرافي بتصرف اقتضاه المقام . وبهذا الشكل يمثل هذا المعيار وما ينبثق عنه من معاملات وعقود المرونة المتوخاة، في مقابل الانضباط والحرفية الذي يمثله الإبتعاد عن الربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل.

 

وبهذا الخصوص يمكن الإستفادة من بعض مفردات مذهب مالك بن أنس الذي وسّع البيع بمعنى من المعاني فجعل مفهوم البيع هو العقد دون القبض  على المشهور من المذهب وضمّر الربا في تعامله مع قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرّم الربا) مع الاستدراك على مسائل سد الذرائع التي تمثل الممنوع من الدرجة الثانية، ليكون ذلك منبها على ما تختزنه المذاهب الإسلامية المتعددة من إمكانات هائلة ومرونة عالية تسمح بالتعامل مع العصر.

 

وفي هذا السياق، يمكن العمل على معيار لبيع الديون يراعي الانضباط المطلوب ويسهم في مواجهة التحديات التي تطرحها السوق مثل عقود البترول والسلع المختلفة في الأسواق الدولية وذلك وفقا لمذهب مالك الذي يجيز ذلك مع شيء من الانضباط تمثله الشروط الخمسة لبيع الدين ومنها ثبوت الدين وإمكانية الحصول عليه في وقته لأنه يعتبر الدين مالاً موجوداً ويقدر المعدوم موجوداً.

وابتداء الدين بالدين الذي نعني هنا ليس هو بيع الكالئ بالكالئ، فبيع الكالئ بالكالئ عند ماللك هو فسخ دين في دين، وأما ابتداء الدين بالدين فهو جائز عنده بشروط معلومة في السلم ومذهب سعيد بن المسيب جواز ذلك مطلقا. حيث نقل عنه ابن يونس في كتابه “الجامع لمسائل المدونة” جواز تأجيل البدلين، وسعيد بن المسيب كما يقول الشيخ ابن تيمية أفقه الناس في البيوع، وهو عند أحمد بن حنبل أفضل التابعين.

 

كما يمكن الأخذ ببيع الغائب الذي يجيزه مالك ببعض الشروط، باعتبار أنَّ الخبر بمنزلة النظر، وهي قاعدة نادرة ذكرها الحافظ أبوبكر بن العربي في كتابه “القبس”، أي الإكتفاء بالخبر عن النظر، وبالتالي أجاز بيع الغائب بالوصف، والمغيب في الأرض من الثمار.

 

ولهذه الآراء الواردة في مذهب مالك أدلتها وأصلها في عمل أهل المدينة وليس هذا محل إيرادها. لكن المراد أنَّ هناك أسساً يمكن البناء عليها لتطوير معايير جديدة تخدم التمويل الإسلامي مع الإبتعاد عن المحاذير التي تتنافى مع التعاملات الاسلامية وهي الربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل أو الثلاثي النكد كما نسميه، والتي ذكرها الحافظ أبوبكر بن العربي وسبقه إليها القاضي عبدالوهاب في كتابه التلقين.

 

ولاشك أنَّ مثل هذه المقترحات قد تحتاج إلى ورش ولجان عمل لتطويرها وتعميق النظر فيها، لكن ذكرناها هنا للتنبيه على مكنونات الشريعة السمحة وإمكانات الفقه الواسعة.

 

وباختصار، فإننا نهيب بإخواننا في الهيئات الشرعية بالمؤسسات المالية أنْ ينفتحوا على الأقوال في المذاهب الاسلامية المتنوعة التي لها اعتبارها ودليلها المعتبر ولايمنعهم مذهب سبق إليهم، من النظر في مذهب آخر قد يكون أسعد بالدليل وأقرب إلى التأصيل وأسهل في التنزيل، وليس في المراجعة والتغيير عيب ولا نقص ولا تثريب.

وختاما، فإنَّ الحاجة ملحة لنظرة جدية ورؤية متجددة فيما يتعلق بالمعطيات الاقتصادية المعاصرة، بحيث يهتم الإقتصاد الإسلامي بتحديث الأدوات الإجتهادية والمعايير التنظيمية ليكون اقتصاداً منافساً وقيمة مضافة، محافظاً في خضم عمله التجاري على قيمه الأساسية، بما في ذلك الإنضباط والشفافية وصيانة حقوق المتعاملين حتى تبقى شجرته شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

 

أشكركم جميعاً وأدعو الله أنْ يحفظ أوطاننا ويصلح أعمالنا وأنْ يجعل اجتماعنا اجتماع خير وأنْ يكلله بالنجاح والتوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

العلامة عبدالله بن بيه في إكسبو2020 : على التمويل الإسلامي أن يحقق التنافسية ويبقى وفيا لمنبعه الأصيل وقيمه العليا.

   
     

أشاد رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي الشيخ عبدالله بن بيّه، بالطموح الكبير والتطلع الدائم للأفضل الذي يطبع عمل دولة الإمارات ورؤية قيادتها الرشيدة، والمتمثل في نجاحها في تنظيم معرض إكسبو 2020 الدولي الكبير، الذي تشارك فيه أكثر من 190 دولة من مختلف أنحاء العالم.

وتحدث خلال مشاركته في أعمال مؤتمر «مستقبل النظام المالي»  عن النظام المالي من المنظور الفكري والشرعي وأن أهم العوامل المؤثرة في مستقبل النظام المالي، هو التطور التكنولوجي الذي جاء نتيجة لإدماج التقنية في قطاع المال على مدى العقود الماضية، مشيراً إلى السرعة المذهلة التي تنمو بها المعاملات الرقمية اليوم، إضافة إلى صعود توجه التمويل غير المركزي الذي بدأ ينافس في بعض القطاعات التمويل التقليدي، مبيناً الحاجة إلى الاستثمار بالقطاعات البيئية الخضراء.

 

وأوضح معالي الشيخ ابن بيّه أن النظرة السليمة لمستقبل التمويل الإسلامي يجب أن تنطلق من الوعي بأهمية التجديد والاجتهاد في الأحكام والنوازل المستجدة في الواقع المعاصر، وتسترشد بالمقاصد الشرعية وروح القيم الناظمة للشريعة المطهرة.

 

وبيّن أن السؤال الملّح في ظل المتغيرات والتحديات التي يفرضها الواقع، هو كيف يمكن للتمويل الإسلامي أن يحقق أهدافه التنافسية ويبقى وفياً لمنبعه الأصيل وقيمه العليا وفي جاذبية المقاصد والنصوص الشرعية، مشيراً إلى أن مستقبل التمويل الإسلامي يكمن في التركيز على ثلاثة عوامل هي المواءمة والملاءمة والابتكار، ومن خلال ذلك يمكن للاقتصاد الإسلامي تلبية الحاجات الحقيقية للاقتصاد والتعامل مع الواقع الجديد للحركة الاقتصادية.

 

وأكد معالي الشيخ ابن بيّه أنه من الضروري التعامل مع المذاهب الإسلامية جميعاً كمجموعة واحدة، وبالتالي الاستفادة من الثروة الفقهية الكبيرة التي تزخر بها هذه المذاهب، وتطرق إلى مقترح لتطوير معيار التوازن والتوسط الذي يقوم على المواءمة بين الثبات والتغير.

 

ودعا الهيئات الشرعية بالمؤسسات المالية إلى الانفتاح على الأقوال في المذاهب الإسلامية المتنوعة، والوعي بالحاجة الملحة لنظرة جدية ورؤية متجددة في المعاملات الاقتصادية المعاصرة، والعمل على تحديث الأدوات الاجتهادية والمعايير التنظيمية في الاقتصاد الإسلامي، بما يراعي الحفاظ على قيمه الأساسية التي منها الانضباط والشفافية وصيانة حقوق المتعاملين.

 “منتدى تعزيز السلم” يدعو الأفغان لبذل السلام والعالم لمساعدة أفغانستان

 منتدى تعزيز السلم” يدعو الأفغان لبذل السلام والعالم لمساعدة أفغانستان

 

   
     

 

دعا منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الأطراف الافغانية إلى تغليب السلام  والجنوح إلى المصالحة والوئام امتثالا للنصوص الشرعية الصريحة وتطبيقا للتجربة الإنسانية الراشدة كما دعا العالم إلى مساعدة أفغنستان في الوقت الصعب في التنمية وجهود الاعمار.

جاء ذلك في بيان شامل أصدره المنتدى اليوم الأحد بعنوان “دعوة لبذل السلام والتعاون من أجل الوئام” وذكّر البيان بجملة من الوصايا في هذا السياق من بينها:

  • أفشوا السلامَ بينَكم، أهمية السلم والمحافظة عليه كما دلت على ذلك النصوص الشرعية الصريحة وزكته التجربة الإنسانية الراشدة.
  • بذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، إن هذه العبارة الواردة في قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة عظيمة تستحق التوقف عند مفرداتها الكثيفة، فما الذي يعنيه بذل السلام للعالم؟
  • نقدر أنَّ العالم ينتظر من أفغانستان تسهيل الحركة للخروج الآمن لكل من أراد من المقيمين في تلك الديار غير مضار بأفغانستان ولا بأمن أفغانستان،
  • العالم ينتظر من أفغانستان أن تكون موطنا للسلام ومن عرف الحرب أحب السلام،
  • العالم ينتظر من أفغانستان سلاما في القلوب وسلاما في الكلام والأعمال.
  • فما الذي تنتظره أفغانستان من العالم؟ نقدر أنَّ أفغانستان تنتظر من العالم سلاماً واحتراماً، تنتظر مساعدة في التنمية وجهود الاعمار. كل ذلك لن يكون الا في جو من السلام الشامل.
  • إبراز الصورة الحسنة للإسلام، إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على الصورة الحسنة للإسلام عندما أجاب من طلب أنْ يقتل من يُتهم بممالأة العدو فقال: “لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ”. إنَّ ذلك يُوضح حرصه الشديد عليه الصلاة والسّلام على نقاء صورة الإسلام.
  • أهمية التواصل مع العصر مع التمسك بالأصل
  • الحاجة إلى تفعيل الأدوات الفقهية الاجتهادية التي تزخر بها المذاهب الإسلامية
  • إدراك تأثير الزمان وتغير الواقع الذي جعل الصّاحبَيْنِ يخالفان الإمام أبا حنيفة في بعض النوازل وجعل المشايخ بعد ذلك يخالفون الأئمة في بعض الأحكام.
  • الأخذ بمقصد التيسير في الشريعة الغراء، والذي هو من خصائص هذا الدين، كما ورد في النصوص الشرعية ، وهو قاعدة فقهية كما عبر عنها الفقهاء بقولهم: «المشقة تجلب التيسير»، كما أنه مقصد أعلى من مقاصد الشريعة كما يقول الشاطبي.
  • لقد أظهرت جائجة كورونا-كوفيد 19 هشاشة الجنس البشري والحاجة إلى التعاون والتضامن بين البشرية، فساكنة هذا الكوكب كركاب السفينة الواحدة على حدّ تعبير الحديث الصحيح، محكومين بمسار واحد ومحكوم عليها بمصير واحد، فلانجاة للبعض دون الآخرين.

وختم البيان بإبداء استعداد منتدى تعزيز السلم لمشاركة تجربته مع الأخوة العلماء في أفغانستان والمساعدة في كل ما من شأنه أنْ يعود بالنفع والأمن ومزيد الإستقرار.

يذكر أن منتدى تعزيز السلم ومقره أبوظبي تأسس في عام 2014 وقد جعل منذ تأسيسه مركز اهتمامه العمل على السلم تأصيلاً وتوصيلاً انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية السلم بصفته مقصداً أعلى يحمي الكليات الخمس الواجب حفظها. كما اشتغل في السنوات الماضية على دوائر متعددة، بدءا من الدائرة الإسلامية ثم دائرة الأديان السماوية وصولا إلى الدائرة الانسانية المشتركة في حلف الفضول الجديد  في برامج ومبادرات لا تجافي الإسلام ولاتنافي حقائق الواقع الكوني الراهن.