ارشيف ل

الإمام ابن بيه || فقه الحياة || نحو أفاق إسلامية وسطية 2

حوار مطول اجرته قناة النيل الاخبارية مع معالي الإمام عبد الله بن بيه حول الوسطية في منهج الإمام ابو الحسن الأشعري ونظرة الى واقع المسلمين اليوم وكان عنوانها : نحو أفاق إسلامية وسطية

دورة علمية في المغرب

دورة علمية ينظمها المركز العالمي للتجديد والترشيد في مدينة الصخيرات بالمملكة المغربية وتمتد من 1-5 اغسطس2010

تكريم الإمام ابن بيه في المنامة – البحرين

تكريم معالي الإمام عبد الله بن بيه من قبل منظمة فور شباب العالمية في البحرين

مجموعة من البرامج عن الحوار الإسلامي بالتعاون مع اليونسكو- برشولونة

يلقي معالي الإمام ابن بيه مجموعة من المحاضرات والدورات بالتنسيق مع اليونسكو في مدينة برشولنة الاسبانية

معالي الإمام ابن بيه يشارك في فاعليات الجمعية العمومية للإتحاد العالمي لعلماء

معالي الإمام عبد الله بن بيه يشارك في فاعليات الجمعية العمومية للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين والتي تقام في اسطنبول بتركيا من 1- 3 من شهر يوليو2010م

الإمام ابن بيه في اسطنبول للمشاركة في جلسات المجلس الأوروبي للإفتاء

يشارك الإمام عبد الله بن بيه في فاعليات المجلس الأوروبي للإفتاء في اسطنبول – تركيا

زيارة بريطانيا || لقاء بولي عهد بريطانيا ومشاركة في مؤتمر الصكوك

يلتقي معالي الإمام عبد الله بن بيه الأربعاء القادم بولي عهد بريطانيا الامير تشارلز في لندن وذلك بدعوة من مركز اسفورد للدراسات الاسلامية الذي يترأسه -فخريا- ولي العهد البريطاني منذ سنة 1985. كما يشارك سماحة الإمام في مؤتمر الصكوك والمعاملات المالية الاسلامية

الإمام ابن بيه || فقه الحياة || نحو أفاق إسلامية وسطية 1

حوار مطول اجرته قناة النيل الاخبارية مع معالي الإمام عبد الله بن بيه حول الوسطية في منهج الإمام ابو الحسن الأشعري ونظرة الى واقع المسلمين اليوم وكان عنوانها : نحو أفاق إسلامية وسطية

أمالي الدلالات و مجالي الاختلافات (الجزئين في كتاب واحد)

166

دار المنهاج للنشر والتوزيع – جدة
06/04/2007 – 17:52
ط1
688
1
40 ريالاً سعودي
أصول فقه
الأسلوب المبتكر في عرض علم أصول الفقه في هذا الكتاب ..

كاد يكون مدرسة أصولية بمزايا منفردة لا تشاركها في ذلك أخواتها .

يعد هذا الكتاب تلبية لحاجة العصر في سطْر هذا العِلم العريق بلغة بديعة سلسلة ، لا يتشكى منها طلاب الأصول ومحبوه ، كما هو الحال المعهود مع كتب هذا العلم .

وعلم الأصول أصل لا غنى لطالب العلم عنه ، فمن أدرك الأصولَ والقواعد .. آلت إليه الفروعُ والفوائد .

وهذا هو ما تراه ماثلاً في هذا السفر المبارك ، الذي انبرى لتحرير الأصول الزكية ، بعباراتٍ سهلةٍ وجيزة ، وتراكيبَ رصينةٍ مفيدة . ليبين لنا تلك الأصول والثوابت التي انطلقت منها الشريعة الغرَّاء بكل فروعها وتطوراتها الحديثة التي لا تنتهي ؛ كما قال تعالى : ( كشحرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ). .

هذه الجماليات وغيرها نراها في كتابنا هذا منثورة

ضمن شقَّين رئيسيّين هما : – دلالات الألفاظ – ودلالات المعاني

وذلك بعد مقدمة شائقة ، واستهلالٍ بديعٍ ودقيقٍ حول حاجة الفقيه إلى اللُّغة العربية ، وأهميتها في الشريعة ، وارتباطها الوثيق باستنباط الأدلة والأحكام ، يعرضها بأسلوبٍ ماتع وتفصيل واضحٍ . إنّ في طيَّات هذا الكتاب وثنايا هذه الأمالي يجد طالبُ الفقهِ فقهاً مقارناً ، وطالبُ الأصول قواعدَ أصول الفقهاء والمتكلمين ، ودارسُ اللغةِ لغةً محكمةً وشجرةً وارفةَ الظِّلال ؛ كما سماها مؤلفها : « شجرة الدلالات ومناط الاختلافات » . هنا جمع لنا المؤلف خلاصة أصول فهم الفقهاء ؛ لينهل منه الطلاَّبُ ، ويرتوي من معينه الأعلام ، وليدركوا كيف فهم الأوائل مقاصد الشريعة ويقتدوا بهؤلاء الأعلام . كلُّ ذلك سبكه المؤلف بقلمه الناقدِ الخبيرِ ، وهو الذي خاض غمار الحياة وكانت له القدم الراسخة والمشاركة الباهرة في المدارس والجامعات ، والمحاكم والمؤتمرات ، والمجامع وأندية الحوار والمحاضرات .

مركز التجديد والترشيد(GCRG) || قمة ماردين ..دار السلام

نظم المركز العالمي للتجديد والترشيد (GCRG) قمة تاريخية حضرها لفيف من علماء المسلمين

الصومال ..صوت الحكمة والشرع \Bringing Peace to Somalia

انطلقت السبت 13-3-2010، في إمارة دبي الإماراتية أعمال مؤتمر إسلامي عالمي بعنوان “الصومال.. صوت الحكمة والشرع”، والذي ينظمه المركز العالمي للتجديد والترشيد .

تقرير عن محاضرة العلامة ابن بيه امام مدراء البنوك الفرنسية

بدعوة من وزيرة الإقتصاد الفرنسية قام معالي العلامة عبد الله بن بيه بإلقاء محاضرة مطولة حول الإقتصاد الإسلامي واهميته للعالم اليوم في خضم الأزمات المالية المتتالية.

في حوار مطول وخاص مع عكاظ : هربت من الرئاسة بجلدي لأطفئ حرائق الأمـة

 

حوار: بدر الغانمي 

لم أتوقع أن يخرج حديثي مع الشيخ عبد الله بن بيه (وزير العدل الموريتاني الأسبق) استثنائيا في ظل حالة التردد والرفض التي فرضها على نفسه، وتصريحاته منذ طلاقه السياسي بعد الانقلاب العسكري الناجح الذي أسقط حزب الشعب الحاكم والذي قاده الشيخ كأمين عام وصاغ فكره السياسي، وأطاح بأول رئيس موريتاني بعد الاستقلال الراحل مختار ولد دادة.. 

حاولت، على مدى يومين، أن أبتعد عن قضايا المسلمين في الغرب، التي أشبعها -معاليه- طرحا في مختلف وسائل الإعلام؛ بحثا عن تفاصيل الوزير، الذي تسبب إعلانه شخصيا عن تطبيق الشريعة في موريتانيا، في بدء حقبة الانقلابات العسكرية المتتالية على السلطة في بلاده، والذي خرج من زاوية والده الدينية، الرجل الذي قتل قائد الحملة الفرنسية على موريتانيا. 

اعترف بتهميش الجيش وعدم أخذ رأيهم في قرار تطبيق الشريعة الذي تسبب في انقلابهم على حكومة الرئيس ولد دادة، وأوضح أن انقلابهم كان متوقعا بعد حربهم ضد جبهة (البوليساريو)، وقال إن تفرد حزب الشعب بالسلطة ورفضه للتعددية السياسية في السبعينيات كانت مبررة، وإن محاكمته حاليا من بعض خصومه غير عادلة..

بن بية الذي أنضجته السياسة وأنضجها بمواقفه، أبدى قلقه المتزايد من تصاعد الجدل وعنصرية الطرح الدائرة حاليا بين عرب الشمال وأفارقة جنوبي البلاد، وحذر إيران من مغبة التدخل في أفريقيا كدولة رسالية. الشيخ الذي اعتاد ألا يحمل نقودا ولا يلبس ساعة منذ طفولته، يروي لنا مراحل النشأة وخروجه للحياة في ظل وجود المستعمر الفرنسي وامتداد مخالب الفرانكفونية على ثقافة الشعب :


نشأت في بيئة دينية وعلمية، كانت نتاجا للتقسيم التاريخي منذ خمسة قرون بين العائلات التي تحمل العلم والأخرى التي تحمل السلاح. فتكون السيادة في البلاد إما للقلم والعلم أو للقوة والسيف في ظل عرف اجتماعي وتصالح جعل الاثنين يسيران معا.. فأسرتنا جزء من الجانب العلمي، ووالدي -رحمه الله- كان يرأس مؤتمر العلماء الموريتانيين الذي اجتمع بعد الاستقلال والذي كان قد طالب بمقاطعة عملية للمستعمرين، وقرر ألا يدرس أولاده -وأنا واحد منهم- في المدارس الفرنسية. أزعجت شدته في الحق، عندما كان يتولى القضاء، الفرنسيين؛ لأن أحكامه كانت نافذة في ظل المستعمر، وكان أشبه بالوالي أخذا بما قاله العز بن عبد السلام وغيره من أنه «إذا احتل قطر من أقطار المسلمين فإن عليهم أن يولوا قاضيا منهم يحكم بالشريعة»، فكانت أحكامه تنفذ بقدر ما تيسر في المعاملات والأحكام الشخصية؛ لأن المستعمر كان يحتكر القوانين العامة كقانون العقوبات والأمن وغيره. ولأن الإنسان حصيلة من التأثرات فقد تأثرت بالوالد (رحمه الله) كثيرا، كما كان هناك شيخي وشيخ والدي في اللغة العربية، الذي أعتبره (سيبويه زمانه) الشيخ أحمد بن سالم الشيخ، وزد على ذلك تأثير العالم الذي انفتح علينا فجأة حين كنا في حالة انعزال في الصحراء خصوصا بعد الاستقلال.

 

• الغريب أنك تعلمت الفرنسية دون مدرسة؟

ــ لم أذهب إلى المدارس الفرنسية نزولا عند رغبة الوالد في مقاطعة المستعمر، وتعلمتها عندما كانت بلادنا على وشك الاستقلال وبحاجة ماسة إلى نخبة من الشباب الذين يتولون المحاكم بعد ذهاب المستعمر، فاستدعيت مع مجموعة من العلماء بعد إجراء الاختبارات اللازمة، فكنت من أوائل الطلاب، وذهبنا إلى تونس لدراسة القانون في كلية الحقوق والتدريب في المحاكم التونسية، وعندما عدنا من تونس وتوليت القضاء في محكمة الاستئناف، بعد أن مررت في الوزارة كرئيس لمصلحة الشريعة الإسلامية، وكان الفرنسيون موجودين في هذه الفترة معنا في المحاكم، لم تكن هناك وسيلة لتدارس القانون والتعامل مع القوم والإدارة إلا باللغة الإدارية؛ وهي الفرنسية، فلم أجد عناء كبيرا في تعلمها بجهود ذاتية من خلال المطالعة بشيء من الاهتمام والتركيز. وعندما دخلت الحكومة لم يكن عندي إشكال في اللغة الفرنسية والحمد لله.


• وهذا يفسر الصراع الدائر -آنذاك- بين دعاة العربية والمتفرنسين من الفرانكفونيين؟

ــ من المؤسف، أن الشعب كله يتكلم العربية والحسانية لكن لم يكن لها رواج آنذاك. وكانت العربية هي لغة النخب المثقفة، وفي المقابل كانت هناك نخب فرانكفونية لا تتكلم العربية، وفي كل الدوائر لم يكن هناك شيء باللغة العربية. 

 

• ما التأثير الذي تركه عليكم حقيقة أن أحد تلاميذكم (الشريف ولد مولاي الزين) هو من قتل قائد القوات الفرنسية المحتلة؟

 

ــ كان عملا وطنيا كبيرا، والرجل من زاوية ينتمي إليها والدي، وكان تلميذا للشيخ محمد أحمد الخلف الموجود في منطقة أدرار، فأتاه وهو في طريقه لتنفيذ عملية قتل (كوبرلاند) القائد الفرنسي الأول الذي احتل البلاد، فقتله في مدينته الجون وكان معه مجموعة من الناس على الجمال وتحركوا في هذه البلاد الصحراوية الشاسعة حتى وصلوا إلى المدينة، فوجدوا الحراس على الطعام فقتلوه فورا.

 

• مع أن الموريتانيين لم يتعرضوا لنار الاستعمار الفرنسي، كما تعرض له الجزائريون والمغاربة؟

ــ علينا أن نعود إلى التاريخ لنفهم أسباب استعمالهم سياسة الأرض المحروقة في الجزائر، بينما لم يحدث ذلك في موريتانيا؛ لأنهم كانوا يريدون أن تكون بلادنا تأمينا لمعبر من أفريقيا السوداء إلى أفريقيا الشمالية، ولهذا تأخر احتلالهم لبلادنا كثيرا، وتم توقيع الاتفاق مع الفرنسيين عام 1912م في السنة التي وقع فيها المغرب أيضا اتفاق الحماية معهم. 


• يقال إن معارك الموريتانيين العسكرية انتهت مع خروج الفرنسيين، وبدأت أنت بحمل السلاح الفكري ضد الشيوعيين، ودخلت معهم في مواجهات طاحنة؟

ــ إشكاليات موريتانيا في تلك الفترة تمحورت أولا في التعريب، وتفاقمت في هذه الأيام مع الأسف الشديد، وكانت النخب الوطنية تريد التعريب وأنا منهم، وتشرفت بإلقاء أول خطاب في يوم المحاكم باللغة العربية، وعندما توليت القيادة السياسية في حزب الشعب الحاكم غيرت الأسلوب، فكان أول خطاباتنا باللغة العربية لدرجة ان أحد الصحافيين جاءني يطلب الأصل بالفرنسية، فأخبرته أن الأصل باللغة العربية، والإشكال الثاني مع الحركة اليسارية الشيوعية وكانت مواجهاتنا معها عندما دخلت الحكومة مواجهة فكرية وليست أمنية، فأحدثنا برنامجا أسميناه (المناضل المسلم) ومجلة أسميناها (البرهان)، وكان معي أخ جزائري من شباب الصحوة ويعمل كشعلة نشاط، وللأسف أنه ذهب مع تيار آخر. وفي تلك الفترة كانت علاقاتي مع الجزائر قوية جدا، خصوصا مع وزير الشؤون الإسلامية مولود قاسم (رحمه الله) وقدنا شبه صحوة فكرية وطنية لمواجهة تغريب المجتمع، وأظن مع الجهود التي قمت بها مع غيري استطعنا أن نبطئ من حركة اليسار بشكل مؤثر عندما واجهنا فكرهم بالإسلام الذي يمكن أن يقدم الحل من عام 1971م إلى أن تركنا الحكم عام 1978م بعد الانقلاب، وكان الرئيس مختار ولد دادة (رحمه الله) على استعداد لأن يقوم بالخطوات الضرورية، لدرجة أن الشباب اليساريين أنفسهم انضموا إلينا في النهاية في حركة وطنية واحدة، كما ساهمت جهود الملك فيصل (رحمه الله) ورابطة العالم الإسلامي التي عقدت أول مؤتمر لها في أفريقيا في ذلك الوقت في نواكشوط، وكان لي شرف ترؤس هذا المؤتمر، بدورها في ذلك، وجاءنا عدد من المحاضرين كالشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) والشيخ المبارك وأحمد محمد جمال وآخرين، فرفدونا فكريا ودعويا.


• توجهك السياسي، هل انطلق تضامنا مع الرئيس ولد دادة وانتهى معه، أم ماذا؟

ــ الموريتانيون يحبون السياسة، وهم سياسيون بطبيعتهم، وأنا كنت في حراك سياسي حتى قبل استقلال بلادنا عام 1960م؛ فقد تعاطفنا مع ما يجري في الجزائر ثم استقلال المغرب، وفي عام 1958م ذهبت مع أربعة آخرين تم اختيارهم من كل المناطق إلى الخارج، فأوقفنا الفرنسيون في داكار ورفضوا السماح لنا، فالحس السياسي لدي بدأ مبكرا، ثم جاءت تجربة حزب الشعب وكنت في موقع قيادة وصياغة للفكر وعلاقتي مع ولد دادة حميمة جدا، والتقينا لأول مرة عام 1958م واستمرت علاقتنا لتقارب الأفكار بيننا في الكثير من الأمور وحظيت بثقته لتولي القيادة المركزية للحزب عندما تولى رئاسة البلاد، إضافة إلى عدد من المناصب الوزارية.


• لكنكم رفضتم التعددية السياسية، وظللتم تحكمون كحزب أوحد في البلاد؟

ــ هذه الفترة لها ظروفها الخاصة في ظل انقسام العالم إلى شطرين؛ غربي وشرقي، فالدول العربية والأفريقية المستقلة مالت في التنظيم إلى الجانب الشرقي الذي لا يفتح كثيرا مجالات التعددية، ثم إنها دول حديثة العهد، فلو سمحت بالتعددية في وجود إثنيات وتيارات مختلفة لانفجرت، وهذا من أسباب ألا يكون في الجزائر -في ذلك الوقت- إلا حزب التحرير وفي موريتانيا حزب الشعب وفي السنغال الحزب التقدمي الذي سمح بوجود حزب آخر فكانت السنغال سباقة في هذا المجال، وعلى الناس أن يفهموا الأشياء في محيطها؛ لأن هناك من يريد أن يحاكم تلك الفترة، بل يوجد في موريتانيا من يتخاصم معها إلى الآن، والتاريخ في ذلك الوقت خلاف لتاريخ هذا الوقت.


• ما الذي دعاكم إلى اقتراح إنشاء وزارة للشؤون الإسلامية في تلك الفترة التي كان فيها التحسس عاليا وصداميا من كل ما هو ديني؟

ــ هذا الأمر تم في ظل ظروف داخلية ودولية، عندما بدأت تظهر معالم منظمة المؤتمر الإسلامي، وكنت في الوفد الذي مثل موريتانيا عام 1969م لأول اجتماع لوزراء خارجية الدول الإسلامية، وكان السيد عمر السقاف (رحمه الله) وزيرا للدولة للشؤون الخارجية في المملكة، فعندما غادر وزير الخارجية الموريتاني ترأست أنا وفد بلادي ولم أكن قد دخلت الحكومة بعد. فاقترحت أمورا عدة واتفقت مع وزارة الخارجية السعودية فيها عندما اقترحت لبنان وتركيا أن يكونا (دولا مشاركة) لا (دولا أعضاء)، وفي ذلك الوقت فعلا كان هناك نوع من الحذر والقلق من شيء اسمه (الدين) فقلت: إن هذا الأمر ليس مقبولا، ووافقني السيد عمر السقاف (رحمه الله) على ما قلته، لا بصفته رئيسا للمؤتمر إنما بصفته رئيسا للوفد السعودي. وأنشئت بعد ذلك الأدوات المساعدة للمنظمة؛ كالبنك الإسلامي للتنمية، فجاءت الدول للانضمام تباعا بعد ذلك، والحمد لله. في هذه الأجواء كنت نائبا لرئيس المحكمة العليا في موريتانيا التي كان يرأسها فرنسي في ذلك الوقت، فاستدعيت لمفوضية الشؤون الدينية برئاسة الجمهورية، وكانت عبارة عن مكتب واحد فقط، حيث لم تكن هناك وزارة للشؤون الدينية، وكانت أمور الدين منوطة بيد الفرنسيين في وزارة الداخلية، ففكرت في الموضوع وكانت علاقتي جيدة مع الرئيس ولد دادة (رحمه الله) ودعاني لأحضر معه أول اجتماع لرؤساء الدول الإسلامية في الرباط ولم أكن في الحكومة وقتها، وبدا وكأننا نتأهب لشيء، فجمعت الأفكار التي كانت عندي وعرضتها على الرئيس، فوافق عليها فورا وتم إنشاء الوزارة، وكنت أكتب لأمين عام رئاسة الجمهورية طريقة تنظيم الوزارة مع أن المعتاد أن تنظم رئاسة الجمهورية هذه الوزارات، فبدأت بالتعليم الأساسي والشؤون الإسلامية، ثم انتقلت بعد ذلك لوزارة العدل ثم وزارة الدولة للتوجيه الوطني ثم طبقنا نظام القطاعات فانتقلت لوزارات التعليم والشباب والرياضة.


• ماسر علاقتك المتميزة بالملك فيصل (رحمه الله)؟

ــ علاقتي بالملك فيصل (رحمه الله) بدأت عندما رافقته في زيارته لموريتانيا عام 1972م، وأفتخر بمنحي وسام الملك عبد العزيز من قبله، هو شخصية فوق مستوى الكثير من رؤساء الدول في عهده؛ قليل الكلام وإذا تكلم أنصت له الناس. في إحدى القمم في المغرب دار حديث عن طموحات لإنشاء صندوق استثمار في الدول العربية الفقيرة، وكانت اليمن الجنوبي -في ذلك العهد- دولة مستقلة، فتحدث الرؤساء عن تقديم مساعدة لها، فأشار الملك فيصل إلى خطورة الانحراف الفكري الموجود في اليمن الجنوبي آنذاك، وأنه لا يريد المساعدة لتكريس هذا الأمر، ورغم دفاع رئيس اليمن الجنوبي في المؤتمر، إلا أن الرؤساء اقتنعوا بأهمية ما قاله الفيصل للالتزام بالقيم والدين، وتأثرنا بكلمته في موريتانيا، وقد أعطاه الله مهابة ومحبة ومكانة بين الناس خصوصا في أفريقيا، وأتذكر عند قدومه إلى داكار أن بعض السنغاليين لبسوا ملابس الإحرام وكانوا يلبون في المطار من شدة إعجابهم بمواقفه الإسلامية معهم، وكانت جولته على القارة الأفريقية جولة مباركة وتركت أثرا تجديديا للإسلام في كل بلد، إضافة إلى المساعدات الكبيرة التي قدمها لكل الدول المسلمة في القارة السوداء. 


• توليتم عددا كبيرا من الوزارات حتى بلغتم مرتبة نائب رئيس الدولة، لكن يلاحظ أنك متمسك في أغلب توقيعاتك بمنصب وزير العدل الموريتاني الأسبق، لماذا؟

ــ لأنني قبل أن أكون وزيرا كنت قاضيا ومن قطاع العدل، ووالدي كان قاضيا ومشرفا على القضاء أيضا، وانتمائي كبير وممتد بهذا القطاع. 


• ألا يعني أن يكون ابن رئيس مؤتمر العلماء الموريتانيين وزيرا للشؤون الإسلامية، سيطرة لأسرة واحدة على الشأن الديني في البلد؟

ــ لم يكن الأمر بهذه الصورة، ففي ذلك الوقت كنت قاضيا ونائبا لرئيس المحكمة العليا، وكنت في تلك الفترة أتفق مع الرئيس ولد دادة في فهم بعض الأطروحات المعاصرة فهذه ناحية، إضافة الى العلاقة الجيدة التي كانت تجمع الرئيس ولدادة بالوالد أيضا. 


• من المواقف التاريخية، إعلانكم شخصيا تطبيق الشريعة الإسلامية في موريتانيا الذي جاء على إثره الإنقلاب العسكري، كيف حدث ذلك؟ 

ــ تطبيق الشريعة حكم شرعي، وبالتالي شعرنا -في ذلك الوقت- أن الظروف مواتية لاتخاذ مثل هذا القرار، خصوصا أن دستور البلاد ينص على أن الإسلام هو الدين وكل ما يستتبع ذلك من تطبيق الإسلام في حياة الناس، بالإضافة إلى أن الموريتانيين بطبيعتهم وحكم تاريخهم الاجتماعي، بعيدون عما أفرزته الحضارة المعاصرة من الخمور وغيرها، فالأرضية موجودة والمجتمع مهيأ والرغبة موجودة لدى الناس كافة، ومن أجل ذلك أعلنت شخصيا هذا الأمر وأسأل الله أن يكون ذلك خاصا لوجه الله تعالى. 


• هل شاورتم في الأمر قبل إعلانه؟

ــ شاورنا مختلف القطاعات، خصوصا الشباب والنساء، وهذا يعني أنه لم يكن قرارا مرتجلا ولا متعصبا، بل هو الشريعة في سماحتها ويسرها وسعتها، حتى إننا قلنا في ذلك الوقت إننا نريد أن يتسع قانوننا لكل المذاهب الإسلامية، فلم نكن متعصبين وتمسكنا بالشريعة قلبا وقالبا.


• لماذا لم تأخذوا رأي الجيش والقوات المسلحة في الأمر كذلك؟

ــ الجيش كان يحضر مراقبا في الحزب مع القضاء لا منتسبا له.


• ألم تشعروا بإمكانية انقلابهم عليكم في أية لحظة؟

ــ مسألة الانقلاب ظلت مطروحة إلى حد ما بسبب الحرب ضد جبهة (البوليساريو) التي كانت مدعومة من بعض الجيران. والجيش في الدول المتخلفة إذا دخل حربا يكون خطرا من جهتين؛ فإن كان منتصرا قال أريد أن آخذ نتائج انتصاري، وإن كان منهزما فإنه يريد أن يعوض عن الهزيمة بنصر داخلي عبر الاستيلاء على الحكم ليقول إنه لم ينهزم، إنما كانت القيادة إلى آخره. وأنا لا أتهم جيشنا لا بهزيمة ولا بنصر، لكن كانت الظروف من هذا القبيل.


• هل لمستم وجود عدم ارتياح لقرار تطبيق الشريعة من دول خارجية؟

ــ الحقيقة لم نكن أنا والرئيس مختار ولد دادة (رحمه الله) نقدر نفور بعض الجهات في الخارج من مثل هذا التوجه، ولم تظهر في ذلك الوقت تمايزات شديدة في قضية تطبيق الشريعة.


• أين كنت عندما حصل الانقلاب عليكم؟ 

ــ كنت موجودا في مهمة رسمية في ليبيا، فطلب مني أن أقيم في فيلا على البحر، لكنني رفضت وأصررت على العودة أيا كانت النتائج، وتم اعتقالي بعد عودتي ولم أمكث في المعتقل كثيرا ولكن بقيت مدة في الإقامة العادية وليس الجبرية لعدم وجود جواز سفر، ثم سمح لي بعد ذلك، فقررت أن آتي إلى المملكة وبقيت فيها إلى الآن.


• تعرضتم للتعذيب؟

ــ ليس من عادة الموريتانيين أن يفعلوا ذلك فلم نتعرض لأي تعذيب.


• ألم تصلكم أية رسائل إنذار مسبقة عن الانقلاب؟

ــ وصلتنا معلومات من فرنسيين وجهات مختلفة بشيء من هذا القبيل، وأشياء لا أريد أن أذكرها كاملة.

 

• الغريب أن الانقلابيين اتهموا الرئيس المختار ولد دادة بأنه كان دكتاتورا وعميلا للفرنسيين، وأنه أثرى من خلال وجوده في الحكم؟

ــ أما الإثراء فهي مسألة يكذبها الواقع وكل شيء، ودائما البيان الأول كما يقول المثل الفرنسي «من يريد أن يقتل حيوانه يتهمه بالكلب» فلا بد من مبررات تساق، لكن ظهر أن ليس هناك شيء، حتى هم أنفسهم لو سألت شباب ذلك الوقت الآن لقالوا لك إنه لم يكن هناك شيء، عدا أن بعضهم كان يشكو من عدم كفاية الإمكانيات المادية في مواجهة حرب عصابات في ذلك الوقت وشيء من هذا القبيل.

 

• كيف هي علاقتك الآن بمن انقلبوا عليك في تلك الأيام؟ 

ــ الموريتانيون -بحمد الله- أرواحهم طيبة وعلاقتي طيبة معهم وهم إخواننا، حتى أنني عندما عقدت مؤتمرا في السنة الماضية هناك حضره العقيد مصطفى الرئيس الذي استولى على الحكم في الانقلاب علينا وهو صديقي. وفي موريتانيا تزول مثل هذه الأمور بعد فترة وتذوب، خصوصا أنها لم تكن دموية عندما حدثت.


• وهل كان هذا سببا لرفضك الترشح للرئاسة بعد ذلك الانقلاب بسنوات، رغم وجود مناصرين لك؟

ــ اتصل بي بعض الإخوة ليطلبوا مني خوض انتخابات الرئاسة أيام حكومة ولد الطايع فاعتذرت لهم.

 

• لماذا يا شيخ؟

ــ لأن كل ميسر لما خلق له، وأنا أجد أن مجالات العلم والإصلاح أهم بكثير من السياسة التي بقيت فيها فترة كبيرة؛ لأن السياسة في العالم الثالث كأفريقيا والعالم العربي غير المستقر تظل مجالا محدود التأثير على المدى البعيد وهذا لا يعني أنها لا تؤثر، خصوصا إذا جاء لها أناس صالحون، لكن يظل تأثيرهم مؤقتا، وأحمد الله أن أنقذني من السياسة ونفذت منها بجلدي ويسر لي طريق العلم في هذه الديار المباركة، وأنا أحاول أن أمحو هذه الذكريات من رؤوس الأبناء، وللأسف لم أنجح لأن ابني الأكبر التحق بها فأصبح وزيرا، والآن سفيرا في الرياض.


• أين تقف من تكرار الانقلابات العسكرية على حكم البلاد، التي جعلت من موريتانيا (دولة الانقلابات)؟

ــ عدم الاستقرار يؤدي إلى حدوث شيء من الطموح الذي يمتزج فيه الشخصي مع المثالية.

 

• هل للبداوة والقبلية دور في هذه التطورات؟

ــ الجغرافيا -كما يقولون- عنيدة، ونحن بين أفريقيا الشمالية وغربي أفريقيا نتأثر -بالتالي- بالرياح الصحراوية الكثيرة، مما يجعل الاستقرار الدائم صعبا.


• بمعنى أن البلاد تدار من الخارج؟

ــ لا، ليس لهذه الدرجة ولكن التأثير موجود، وهناك جدال الآن وحوار حول مراجعة مسألة التعليم من جديد، وأتمنى أن توفق النخب المثقفة في تبريد هذا الحوار حتى على مستوى الإشكال العام الذي بدأ يثار ويثير النزعات بين الجنوب الأفريقي والشمال العربي، بحيث نتضامن جميعا؛ فنحن مسلمون واللغة العربية لغة القرآن الكريم ولا تمثل عنصرية، وهذا الأمر يقلقني أكثر من القضايا الاقتصادية في البلاد. 


• وكيف ترى الأوضاع السياسية في موريتانيا حاليا؟

ــ الحمد لله أن هذه السنة أفضل من التي قبلها بعد أن تم الاعتراف بشرعية النظام محليا ودوليا أيضا، لكن يظل التخلف الاقتصادي مؤثرا في البلاد رغم وجود الثروات، وكما تعرف أن النمو يتركب من التنظيم ورأس المال والأرض والبشر ونحن نحتاج لتضامن كل هذه العوامل لتنمو البلاد وتخرج من تخلفها، وأعتقد أن أهل البلاد جميعا؛ سواء من كان في الحكومة أو المعارضة، في أذهانهم هذه الخطة وبدأت الآن خطط جيدة لمساعدة الضعفاء وإزالة قرى الصفيح، وهناك جهد نسأل الله أن يوفق فيه الجميع.


• في الستينيات والسبعينيات عصفت بالعالم العربي أفكار ثورية كالناصرية والشيوعية ومن ثم جاءت ثورة الخميني، هل كان لهذه الأفكار أثر في موريتانيا؟ وكيف تعاطيت معها شخصيا؟

ــ بالــتـأكـيـد أنـها أثرت، فالحــركـــة اليسارية كانت نشطة في موريتانيا وتغلغل هذا التيار حتى في الحكومة، خصوصا في فترة ما نسميها بإصلاحات الحركة الوطنية -إذا صح التعبير- من تأميم للشركات وسك العملة والخروج عن الفرنك الفرنسي ودول غرب أفريقيا، لكن هذه التوجهات اليسارية خمدت بعد ذلك وأصبحت تتناهى مع غيرها.

أما الثورة الخمينية فتم النظر إليها عندما بدأت على أنها ضد توجهات الاستعمار، لكنني أراها تتمدد الآن بشكل أخطر من خلال الأشكال الجديدة التي بدأت تظهر للتموقع الشيعي في غربي أفريقيا، وأرى أن هذا ليس في مصلحة إيران؛ لأنه سينشئ أوضاعا تؤدي إلى خلل أمني وفكري في هذه البلاد وبالتالي ســـيـجـلــب لــهم عداوات، فالسنة من المســتـحيل أن تزال ولا يمكن القــضـاء عـلـيـها في هذه المنــاطق، لكن هذا التموقع الذي تقوده دولة رسالية -إذا صح التعبير- يمكن أن يجلب أشخاصا من نيجــيـريا والسنغال وقبل فترة قيـــل من موريتانيا، وهو أمر سنستوضحه، وفي المغرب أيضا، وهذا الأمر فيه خطورة مؤسسية لما نســمـيه الفترة النجادية؛ لأنه أصبح نوعا من الوصاية غير المرحب بها، وهو أمر ليس في مصلحة إيران ولا مصلحة أحد أيضا.


• كيف ترون المصلحة مع إيران من جهتكم؟

ــ أن تقوم علاقات ودية وطيبة مع الجميع دون أن يكون لها شكل دعوي أو مذهبي. 


• ماسر توجهكم نحو حل قضايا الأمة السياسية كعلماء في الفترة الأخيرة، خصوصا قضية الحوثيين مع الحكومة اليمنية وقضية الصومال؟

ــ أنا جزء من الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي يترأسه الدكتور يوسف القرضاوي، والعلماء يجب أن يكونوا مسكونين بهم الأمة ولست بدعا في هذا الاتجاه، وعندي قناعة بأن الأمة تعاني من إشكال ثقافي وفكري، ومن منطلق التجديد والترشيد علينا أن نهتم كعلماء أن نكون إطفائيين لحرائق الأمة وألا يكتفي العالم بمجرد الكلام، بل عليه أن يبذل جهدا مع ذلك. وعلى العلماء أن يكونوا ردءا وعونا للحكام وهذه القطيعة معهم يجب أن تنتهي. 


• ما طبيعة نشاطك السياسي غير المعلن مع الاتحاد الأوروبي تحديدا؟

ــ هو نشاط فكري ويشتمل على شيء من السياسة بالمعنى النبيل لهذه الكلمة وليس سياسة السياسيين، وكنا قد أنشأنا مركزا في بريطانيا أسميناه المركز العالمي للتجديد والترشيد مع الرجل الفاضل النير الدكتور عبد الله نصيف عندما حضرنا اجتماعا في ويلتون بارك؛ وهو مركز للتفكير وجهت لنا الدعوة للحضور فيه مع مجموعة من المسلمين من قبل ألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي للنقاش معهم ومع رجال كبار في الغرب، وأكثر من نعتمد عليهم شباب وشيوخ من الغرب. والتقيت مع توني بلير أكثر من مرة ومع وزيرة الخارجية البريطانية وكثير من زعماء الغرب، ونحن نظن أن كلمة المسلمين إذا اتفقت يمكن أن تؤثر في النخبة الغربية تأثيرا كثيرا والترشيد الذي ندعوا إليه في اتجاه داخل المسلمين وفي الاتجاه الآخر أيضا.

 

• ما قصة نقضك لفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية بشأن الولاء والبراء؟

ــ فتوى ابن تيمية التي قالها في مدينة ماردين التركية قبل 700 عام واشتهرت بها، حرّفت في المطبعة، 

خاصة في الجزء الأخير منها عندما قال ابنُ تيمية: «.. بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»، فأنا أعتقد أنها (يُعامل الخارج..) وليس يُقاتل.

وبالتالي، فإنه كان لا بد من النظر إلى هذا الرأي في سياقه التاريخي حين كان المغول يغِيرون على أراضي المسلمين، وكان لا بد لنا من تجاوز الرأي القديم الذي يقسم العالم الإسلامي إلى دارين؛ (دار إيمان ودار كفر) وإعادة تفسير الإسلام في ضوء الظروف السياسية المتغيرة.


• هل مورست عليكم ضغوط لإعادة النظر في فتاوى الجهاد في ظل الحرب الحالية على ما يسمى بالإرهاب؟

ــ العالم ينبغي ألا يؤمر بل عليه أن يتحرك بنفسه، وأولياء الأمور يشتكون أحيانا من أن العلماء لم يقوموا بدورهم، ونحن وجدنا أن فتوى (ماردين) انبنى عليها قضايا تتعلق بالجهاد والولاء والبراء فقلنا علينا أن نجعلها منطلقا.


• هل معنى هذا أنكم ستعيدون النظر في كل فتاوى القتال والجهاد والولاء والبراء من الكفار؟

ــ علينا أن نعيد النظر في تراث الأئمة المقتدى بهم؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ الغزالي، خصوصا في النصوص المجتزأة التي يأخذ بها الشباب.


• هناك من قال بأنك جاملت الصوفية عندما حضرت مؤتمرهم في المغرب؟

ــ هذه قناعتي وليست مجاملة، فأنا أرى أن التصوف من المجالات التي يجب أن نراجعها لتصحيحها وتوضيحها، وشيخ الإسلام ابن تيمية تكلم عن التصوف وقال الصوفية المحققون وكان يثني عليهم كثيرا، وكان مجددا في هذا المجال والشيخ ابن القيم في مدارج السالكين. فأنا أعتقد أن هذه القطيعة لا ضرورة لها، فالناس تتحاكم للمصادر نفسها، وكنت قد قلت للشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله) عندما كنا نجتمع في رابطة العالم الاسلامي: إن كل من يتحاكم على كتب السنة فهو من أهل السنة، وإن اختلف تأويلا أو تعليلا أو تنزيلا فنرده إلى الطريق السوي. وقد قدمت لهم عشر مسائل في اجتماع مراكش وطلبت منهم الوسطية في أمورهم ولم أكن مجاملا لهم. 


• لماذا تخفي شعرك الجيد يا شيخ؟

ــ لا أشتغل به كثيرا في هذه السن لانشغالي بالبحث في المشكلات المعاصرة، خاصة في مجال الاقتصاد المعاصر والحوار مع الآخر، فانصرفت عن مجال الخيال الشعري الذي لا يخلو من كذب وتزويق وأصبحت فيه مطالبات الجسم للهدوء والراحة كثيرة.


• لكنك تشدد على نفسك؛ فلا تلبس ساعة ولا تحمل نقودا ولا تستعمل الجوال؟

ــ اعتدت منذ طفولتي ألا أحمل نقودا في جيبي ولا أدري هل هو ذم أم مدح، فقد كنت مع الوالد في التدريس والعلم وشيء من التربية الروحية، وحتى لا أتهم بالصوفية فقد كان التلاميذ يتولون هذه الاشياء فاعتدت على ذلك وظل أولادي من صغرهم يضحكون ويتندرون إذا رأوا معي نقودا وكأنها ظاهرة جديدة، لكن مع ذلك فأنا أحب النقود مثل كل الناس ولا يفهم أحد أنني غير عادي.


• إلى أي مدى تأثرت بوفاة أم أبنائك وبقائك وحيدا دون زواج بعدها؟

ــ لا شك أن الإنسان إذا عاش مع شخص فترة طويلة من حياته ثم مات فإنه يتأثر لفراقه، فكيف والحال بأم أولادي ورفيقة عمري، فقد أشعرني وفاتها بأن علي أن أتهيأ لفراق نفسي مع أن شؤون الحياة لا تتركني، وقد قلت في قصيدتي السنة الماضية:

حنانيك فارحل قبل يوم الترحل
    

 

ومن قبر ضيف مقبل غير مؤتل

 

مقر يحث الخطو يدني لبرزخ
     

 

كيوم حساب بالعجائب مثقل

 

أحاديث أحداث ثقيل سماعها
  
 

 

فكيف بها إذا أناخت بكلكل

 

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل
 
   

 

وسرت إلى محبوب أول منزل

 

ونادتني الأشواق أهلا فهذه
  
 

 

منازل من تهواه عندك فأنزل

مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات

ahkamBIGRESUMER

مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، التابع لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، – لندن
01/26/2010 – 14:39
الطبعة الأولى 2010،
ويقع الكتاب في 516 صفحة
1
من الحجم الكبير
المقاصد , المعاملات المالية
عرض: منتصر حمادة.

ما حكم البيوع التي تتم في السوق الإلكترونية بين أناس لا يرون بعضهم؟ وبنقود ليست ذهبية أو فضية أو ورقية؟ بل هي أيضا إلكترونية؟ وما هو مقصد تحريم الربا؟ وكيف نفهم مبادئ الحرية والشفافية في التصرف والتعاقد في الشريعة الإسلامية؟ وهل نحن على استعداد للإسهام في إيجاد نظام مالي جديد لإنقاذ الاقتصاد العالمي؟ وهل البنوك الإسلامية اليوم تمثل الأنموذج المطلوب؟ وما حكم التضخم الذي تتغير فيه قيمة العملة تغيرا كبيرا، يحدث أحيانا بين عشية وضحاها؟ وما هو حكم الشرع في تعديل ما ترتب بذمة للدائن في حالة التضخم؟ وإذا بطل التداول بعملة كانت رائجة في جميع البلدان، هل لذلك تأثير على العقود التي وقعت بها؟ وكيف نتعامل مع الأوضاع الجديدة التي سوف تسفر عنها الأزمة الاقتصادية الحالية؟ نحسب أن عدد العلماء والفقهاء المعنيون بالرد الفقهي التأصيلي على هذه الأسئلة، قلّ عددهم، لأن المسألة ليست هينة بالمرة، كما أنها ترتبط بتحصيل مسبق لعدة فقهية رصينة من جهة، موازاة مع تحصيل عصري بمستجدات قضايا وملفات اقتصادية، قلّما تطرق إليها العلماء والفقهاء خلال العقود الأخيرة.

تأسيسا على هذه الأرضية الاستفسارية، يحق لنا التنويه بصدور الكتاب القيّم الذي حرّره فضيلة الإمام عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، ويحمل عنوان “مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات”. (صدر الكتاب عن مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، التابع لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، الطبعة الأولى 2010، ويقع الكتاب في 516 صفحة من الحجم الكبير)

حيث أبدع فضيلته في الإجابة على بعض الأسئلة سالفة الذكر، انطلاقا من تأسيس نظري وتأصيل دقيق بدأ به في كتاب متوسط الحجم، عظيم الفائدة، وبليغ الأسلوب، ويعتبر إضافة تجديدية مقاصدية هامة.

يُبيّن الكتاب كيف يمكن للمجتهد أن يتخذ من المقاصد الشرعية المتعلقة بالمال منطلقا ملزما لتقرير الأحكام، وذلك وفق قواعد منهجية تربط الأصول المقاصدية بالتقريرات الاجتهادية بيانا بالأخص؛ لكون قضايا المعاملات المالية لا ينبغي أن تقتصر على مجرد جرد للمقاصد وكشف عن علل أحكام معروفة، بل عليه أن يرمي إلى توسيع الأوعية المقصدية لتشمل مجالات أخرى من القضايا المستجدة لاستنباط واستنبات أحكام في تربة المقاصد الخصبة، ولكن ذلك لن يكون متاحاً إلا من خلال تفعيل العلاقة بين المقاصد وقواعد أصول الفقه لضبط عملية الاستنباط وتأمين سلامة نتائج صيرورتها؛ لأنها جاءت وفق مقدمات مسلمات لتكون النتيجة كذلك.

جلّي أن القصد من تأليف هذا العمل القيّم، يكمن في إبراز مقاصد معاملات الأموال مما استدعى عند الشروع تقديم كلمة ووضع طليعة؛ أما الكلمة فعن كيفية معالج القضايا المعاصرة من التشخيص والتكييف وانتهاء بإصدار الأحكام.

وأما الطليعة فعن الأزمة المالية العالمية، أسبابا ونتائج باختصار، مقارنة بالمنهج الإسلامي فيماي تعلق بعناصر الأزمة، مع “المراهنة” في هذه الطليعة على بيان أهمية موضوع مقاصد المعاملات المالية.

 

واعتبر أحمد زكي يماني، رئيس مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، في تقديمه للعمل، أن فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، من علماء هذا العصر المالكية البارزين، وفقهاء المقاصد المجددين، الذين جمعوا بين العلم المستوعب للتراث الفقهي الإسلامي الواسع، والإدراك العميق للواقع، والاستشراف الواعي للمستقبل، وعناية الشيخ بن بيه بفقه مقاصد الشريعة وإبداعه فيه معروف ومشهور، ويظهر جليّا في هذا الكتاب كما ظهر في غيره من مؤلفاته القيمة. ومعلوم أن فقه مقاصد الشريعة يُعتبر من أهم آليات تجديد الفقه وتطويره، إن لم يكن أهمها، خاصة في قضايا البيوع والمعاملات، وهي القضايا التي يدور حولها هذا الكتاب، ذلك أن الفتاوى في هذا المجال تتغير تغيرا معتبرا، بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وتستدعي هذه التغيرات اجتهادات وتجديد، والتجديد الذي يتحدث عنه مقدم العمل في هذا المقام، ليس معناه التبديل، من منطلق أن “الثوابت باقية ملزمة، والخمر والزنا والربا من المحرمات، وبر الوالدين والحكم بالعدل والشورى من الواجبات، وفتح باب الاجتهاد أصبح من الواجبات، خاصة في ظل المتغيرات المعاصرة والأسئلة المهمة التي تطرحها”

 

(حري بنا التذكير أن المؤلف حدّد مقاصد الشرع في الأموال عبر خمسة أمور: رواجها ووضوحها وحفظها وإثباتها والعدل فيها) 

يرى المؤلف أن معالجة القضايا المعاصرة في الاقتصاد والمعاملات، كالإيجار المنتهي بالتمليك وقضايا النقود الورقية وغيرها، تحتاج إلى جهد من الباحث يتمثل في مرحلتين: تشخيص المسألة المعروضة من حيث الواقع، وهذه المرحلة لا غنى عنها للفقيه، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبدون هذا التصور والتصوير يمكن أن يكون الحكمُ غير صائب، لأنه لم يصادف محلا.

من الأهمية بمكان أن يبذل الاقتصاديون الوضعيون لإيصال كل العناصر التي يتوفرون عليها إلى زملائهم الشرعيين، فإذا تم ذلك فإن مرحلة أخرى تبدأ وهي: مرحلة المعالجة الفقهية لإصدار حكم شرعي، وهي المرحلة فيها صعوبة كبيرة تبدأ بما يمكن أن يكون تحقيقا للمناط. جاء العمل موزعا على “مقدمة حول المال والمالية”، وتمهيد حول “وظيفة وأسباب الملكية”، إضافة إلى خمسة فصول توزعت على العناوين التالية: “تعريف المقاصد”، “مقاصد المعاملات المالية”، “مقاصد منهيات البيوع وميزان درجات النهي”، “نماذج معاصرة للاجتهاد المقاصدي”، ثم الفصل الخامس: “بحوث فقهية في قضايا معاصرة”، وتوزع بدوره على ثمان مسائل، وجاءت كالتالي: الإيجار الذي ينتهي بالتمليك، موقف المؤجر من تصرفات المستأجر غير الجائزة شرعا، المشاركة في شركات أصل نشاطها حلال إلا أنها تتعامل بالحرام، التعامل مع شركات تقوم بأعمال مشروعة وتتعامل مع البنوك بالفوائد، أحكام النقود الورقية وتغيُّر قيمة العملة، تبرئة الذمة في مسألة الربا الملمة، التعويض عن الضرر الناتج عن تأخير الديون المستحقة، حكم الشرع في تعديل ما يترتب بذمة المدين للدائن في حالة التضخم،

(وتضمنت هذه المسألة ملاحق: النقود الشرعية وتطورها (من خلال الترحال مع نصوص للمؤرخين والفقهاء)، الأعواض والمعايير الشرعية، الشروط، تطبيق مبدأ وضع الجوائح على حال تغير قيمة النقود محل الدين والالتزامات، وأخيرا، نسبة التضخم المعتبرة في الديون)،

 

وأخيرا، التأمين التعاوني والتأمين التجاري. وواضح أننا إزاء فصول تستحق وقفات استطلاعية نوجزها في النقاط التالية، ما دمنا نتحدث عن قيّم جاء في 516 صفحة، متضمنا ما يفوق 200 مرجعا. ففي البحث الخاص بالإيجار الذي ينتهي بالتمليك، عالج المؤلف الموضوع من حيث التكييف القانوني لهذا العقد وفقا لمراحل تطوره، قبل أن ينتقل إلى عرض وُجهة النظر الفقهية مرتّبة على الفروض القانونية مبنية على مسائل الشروط عند الفقهاء، ويصل البحث في النهاية إلى تقديم جملة من البدائل التي لعلها إذا حلّت محلّ العقود القانونية في بُنيتها ونيتها الحاضرة، ترجّح جانب الحِلّ. وفيما يتعلق بموقف المؤجر من تصرفات المستأجر غير المشروعة، فنحن إزاء قضية تنزل ببعض ملّاك العمائر والعقارات، حيث يؤجرونها لشخصية طبيعية أو معنوية قد تستغلها استغلالا يخالف مبادئ الشريعة، وقد فصّل البحث في ذلك بين أن يكون المؤجر عالما حين العقد بتلك التصرفات وبين أن يكون جاهلا أو غافلا عن جهة تصرفات المستأجر، وقد بيّن المؤلف خلاصته على اختلاف العلماء في قاعدة سدّ الذرائع بين مالك وأحمد من جهة، والشافعي وأبي حنيفة من جهة أخرى.

وبخصوص المشاركة في شركات أصل نشاطها حلال إلا أنها تتعامل بالحرام، فنحن نتحدث عن بحث صُنو الذي بعده ومكمل له ويتعلق بالاشتراك في شركات تتعامل بالربا مع إيضاح الفرق بين الشركة والتعامل، وتأثير هذا الفرق في الحكم الرعي. وفيما يتعلق بالتعامل مع شركات تقوم بأعمال مشروعة وتتعامل مع البنوك بالفوائد، فقد ارتحل هذا البحث مع مقتضيات الحكم الشرعي في التعامل مع شركات تتعامل بالربا، فهو بحث يتعرض للمعاملة مع الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشوب ماله الربا أو يختلط فيه الحلال بالحرام، ويستعرض البحث أقوال العلماء بين الحرمة والكراهة والجواز، وبعد عرض هذه الأقوال بناء على مجموعة من القواعد الفقهية يستخلص في النهاية القول الراجح.

أما البحث الخاص بأحكام النقود الورقية وتغيُّر قيمة العملة، فقد استعرض المؤلف عبره مسألة تغيّر العملات حيث يعرض أقوال العلماء تفريعا وتأصيلا، ليصل القارئ إلى رؤية واضحة يقترح فيها الحل الأمثل من جملة حلول بُنيت فيها الفروع على الأصول. وفيما يخص الزيادة في القروض البنكية، ارتأى المؤلف طرق باب التفصيل في موقع هذه الزيادة من آية الربا كما وردت في القرآن الكريم، وهل هي داخلة في ربا الجاهلية أو صورة أخرى تدخل في ربا الديون، وما هو مستند الإجماع الذي أطلقه العلماء على حرمة هذه الزيادة، هل هو عموم النص أو القياس؟ وهل حجية الإجماع تفترض قيام مستند؟ وهل يوجد فرق بين قرض الاستهلاك وقرض الاستثمار؟ وقد اجتهد المؤلف في الإجابة على مجمل هذه الأسئلة باختصار مع الإشارة إلى أن تحريم ربا النسيئة من محرمات المقاصد التي لا تبيحها الحاجة وإنما تبيحها الضرورات.

وعن التعويض عن الضرر الناتج عن تأخير سداد الديون المستحقة، فهو بحث مختصر يوضح فيه المؤلف أنه لا فرق بين الصيغة المقترحة وبين ربا الجاهلية المجمع على تحريمه لا بالذات ولا بالعرض وأن تغيُّر الظروف لا يرقى إلى تغيير الحكم، وأن وسيلة التوثيق عند العقد تشكل ضمانا شرفيا فيه غنى. وأخيرا، وفيما يتعلق بحكم الشرع فيما رتبت بذمة المدين للدائن في حالة التضخم، فقد فصّل المؤلف في هذا البحث القول في نازلة لا تزال محل خلاف وأخذ وردّ بين من يرى تأثير التضخم على ما بذمة المدين سلبا وإيجابا، وبين من يرى بأن ليس للدائن إلا أصل ماله بغض النظر عن انخفاض القيمة، وقد عرَّف المؤلف التضخم لغة واصطلاحا وعرضا لأقوال العلماء في المذاهب الأربعة، مؤصلا الرأي الفقهي مع بيان أسسه بإظهار أن المسألة اجتهادية، وانتهى إلى اعتبار التضخم الجامع دون غيره، معتمدا العرف معيارا والجائحة أصلا للقياس والمصالح المرسلة أساسا آخر عند القدح في الأول مع ذكر جملة من الملاحق.

 

يتذكر المشاركون والمتتبعون لآخر محاضرات فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، ونتحدث عن محاضرة ألقاها في أشغال مؤتمر الإقتصاد الإسلامي لدول غرب إفريقيا بالعاصمة السينغالية دكار، وجاءت تحت عنوان: “توازنات الشريعة يمكن أن تسهم في علاج الأزمة المالية العالمية”، أنه اختتم محاضرته بطرح لائحة من الأسئلة الحرجة والرصينة: “هل فقهاؤنا مستعدون لاختراع أدوات الاستنباط لتوسيع أوعية الاستثمار ولإيجاد صياغات كفؤة تستوعب كلما دلت عليه هذه الشريعة المباركة – نصوصا ومقاصد وجزئيات وقواعد- لتعميق الفهم وتوسيع دائرة الفقه، محافظة على الخصوصية والميزة الشرعية، وانفتاحا على الأدوات المعاصرة، والفنيات الاقتصادية والمالية لضمان النجاعة والفعالية”. ذلك بحق، هو التحدي اليوم أمام الجميع، ونرى أن العمل الذي بين أيدينا، يندرج ضمن الاجتهادات الفقهية المعاصرة والمجددة، والتي تترجم انخراط عالِم اليوم في مقتضيات الساعة والساحة على حد سواء. جدير بالذكر، أن فضيلة الإمام عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، يشغل منصب رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد، وهو نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشغل أيضا منصب وزير العدل في موريتانيا سابقا، وعضو المجامع الفقهي، وصدرت له العديد من المؤلفات والأبحاث، نذكر منها على وجه الخصوص: “صناعة الفتوى وفقه القليات”، “أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات”، “حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام”، ” الإرهاب:التشخيص والحلول”، “فتاوى فكرية”، علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه”.

الرسالة تنفرد بأول حوار مع العلامة عبد الله بن بيه حول كتابه الجديد “مشاهد من المقاصد”

 

 ومن وحي الكتاب و مشكلات العصر وعلاقاتها بفقه المقاصد

كان هذا الحوار مع الشيخ بن بيه حول بعض الإشكاليات المتعلقة بالمقاصد.


·شيخنا لوحظ أن آخر كتابين لك صدرا مؤخراً تتعلق بالمقاصد. هل هناك فعلاً حاجة ماسة للكتابة في المقاصد، وهل هضم حقها مقارنة بسائر العلوم الشرعية؟

o كما تفضلت آخر كتابين لي عن المقاصد أحدهما عن المقاصد في المعاملات إثر الأزمة المالية العالمية والآخر عن “مشاهد من المقاصد” ذكرت فيه جملة من الموضوعات التي تفتقر إلى رؤية مقاصدية في الوقت الحاضر، ولا أقول إن المقاصد هضم حقها لكن الأحداث في العصر الحديث طرحت موضوعات، وقدمت إشكالات تحتاج إلى رؤية مقاصدية، فهذا هو السبب في تأليف هذه الكتب.


·يلاحظ توقف الاجتهاد والتجديد في باب أصول الفقه والمقاصد. هل يمكن أن تتجدد الأصول والمقاصد؟

o المقاصد تجدد أصول الفقه بعلاقة تفاعلية بينهما، والمقاصد هي روح الأصول.


·وهل يمكن أ ن تتجدد المقاصد؟

o المقاصد على نوعين: مقاصد الشارع في وضع التشريع جملة وفي وضعه تفصيلاً وهذه ثابتة يتجدد الاكتشاف لها، ومقاصد المكلفين وهذه بالطبع متغيرة، ومن خلال العلاقة بين المنظومتين تتجلى مظاهر التجديد.


·القياس والإجماع يعتبران من أصول الاستدلال لدى بعض المذاهب الفقهية، هل يمكن أن تكون المقاصد كذلك من أصول الاستدلال؟

o المقاصد ليست شيئاً مستقلاً عن القياس والإجماع هما من الأدلة التي تدخل فيها المقاصد أي أنهما دليلان يكشفان عن المقصد أحياناً وأحياناً يكشفهما المقصد، وبخاصة في مجال القياس لأن القياس هو مفردة من مفردات المقاصد.


· لكن كأداة لاستنباط الأحكام الشرعية؟

o بطبيعة الحال لو نظرنا إلي المقاصد الشرعية بنوعيها الجزئية والكلية، فالقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان،… كل هذه الأبواب من جملة الأبواب التي تستثمر المقاصد، فهي روح أصول الفقه. ومحاولة عزل المقاصد عن أصول الفقه لا تبدو لي صحيحة بل هي ستخل بالمقاصد وتجعلها غير منضبطة. وأنا أختلف مع بعض الأساتذة الكرام والطاهر بن عاشور كان هو أصل هذه الفكرة والأمر عند التدقيق عن كثب وكما أوضحته في كتبي وبخاصة في كتاب “مشاهد من المقاصد” هي كالروح في الجسد وكالمعدود في العدد.


· بعض العلماء يرد أسباب عدم التوسع في النظر إلى المقاصد إلى القياس والإجماع.

o المقاصد لا تهدم الإجماع المطبق خاصة ما كان عليه الصحابة بل هو الذي يبين المقصد ويكشفه، أما إذا كان إجماعاً ضعيفا كإجماع السكوت الذي اختلف فيه العلماء فالمقاصد هنا لها قول ومكانة في الترجيح. أما القياس فإن الشيء لا يهدم نفسه فالمقاصد هي الآلية للقياس. 


. البعض عزا ضعف النظر إلى المقاصد بسبب التمسك بظاهر الأحكام والنصوص.

o نعم هذا صحيح، ونحن أمام مدرستين مدرسة ضيقت النظر إلى المقاصد وعملت بظاهر النصوص، وهي مدرسة قديمة: المدرسة الظاهرية، ومازالت موجودة مع تفاوت في ضيق الأفق واتساعه، ومدرسة يمكن أن نقول أنها انفلتت وقالت بالمقاصد في كل شيء، وبالتالي أهملت النصوص أو تعاملت معها تعامل غير سليم؛ فأولت ما لا يصلح للتأويل، وعللت ما لا مجال فيه للتعليل، وهذا النوع ينتسب إليه بعض العلمانيين الذين قالوا باعتبار المقصد الأعلى وهو المصلحة وبالتالي لا يقيمون وزناً للنص ولو كان متواتراً ولو كان أيضاً قطعي الدلالة، هذا أيضاً من وجوه الاجتهاد الفاسد. وهناك مدرسة متوسطة قالت بالمقاصد وفي نفس الوقت راعت النصوص والقواعد وهذه المدرسة يمكن أن نعتبرها مدرسة المذاهب الأربعة مع تفاوت بينها؛ فهناك من هو أقرب للحرفية وهناك من توسع في المقاصد كأبي حنيفة الذي علل عدداً من العبادات.


·هل يمكن أن نعتبر الموقف من الفلسفة والعقل أثر على المقاصد؟

o الفلسفة هي البحث عن الحقيقة، والأدوات الفلسفية والمنطقية هي أدوات للاستكشاف، ويمكن أن تستكشف بها المقاصد لأن المقاصد تستكشف وتستثمر.


· لكن في الثقافة الإسلامية هناك موقف سلبي من الفلسفة والعقل هل أثر ذلك على إثراء المقاصد؟

o بعض المدارس ربما عممت حكماً على الفلسفة لأنها رأت بعض الباطل أو ما اشتبه عليه فيها، أما المسلمون من القرن الثالث وحتى في أواخر القرن الثاني استعملوا الأدوات الفلسفية، وعلماء المسلمين استخدموا الفلسفة والمنطق وإن شئت اقرأ كتباً لأبي حامد الغزالي وغيره لتعرف أن الفلسفة ليست منبوذة بالكلية، وإن كانت الفلسفة اليونانية في بعض التطبيقات ليست صحيحة دينياً ولكن مع ذلك هي أدوات وكل الأدوات هي محايدة؛ فالقياس التمثيلي أو القياس الشمولي أو الاستقراء هذه أدوات يستعملها العالم من الذرة إلى المجرة، وهي أدوات تصلح للفقه كما تصلح للتجريب والعلوم؛ لذلك هذه الأمور يجب أن نقترب منها عن كثب حتى نفهمها ولا نرمي الأمور جزافاً هكذا بدون أن نراجع أنفسنا في مثل هذه القضايا.


·شيخنا أطلقت مصطلحاً جديداً أسميته “المقاصد القدرية الكونية” كالاختلاف والرحمة. هل يمكن أن يكون الاختلاف مقصداً بذاته؟

o في الحقيقة هذا سؤال جيد، نعم الاختلاف مقصد كوني لقوله تعالى “ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” إذا أخذنا بقول من قال “ولذلك” أي للاختلاف وبعضهم قال للرحمة، ويمكن أن ننظر إليه على أنه مقصد شرعي إذا نظرنا إليه من باب التوسعة والتيسير كان أحدهم يؤلف في اختلاف العلماء فقال له الإمام أحمد بن حنبل اجعله (كتاب التوسعة) أي جعله توسعة ورحمة، ويمكن من هذا الوجه أن نعتبره من المقاصد الشرعية. والمقاصد الكونية يمكن أن يطلق عليها المقاصد الخلقية أي أن الله خلق الخلق عليها.


·هناك مقاصد كبرى مثل الاستخلاف وعمارة الأرض وكرامة الإنسان وحريته، برأيك لماذا غابت هذه المقاصد عن الأطروحات الفقهية؟

o لكل عصر مشكلاته وأولوياته لذلك يجب أن لانحاكم العصور الماضية بقضايا العصور الحالية، لكن بصفة عامة أصولها موجودة فمثلاً في كرامة الإنسان يقول تعالى:”ولقد كرمنا بني آدم”، وعلينا أن نحاول استكشافها على ضوء أسئلة العصر، وهو عصر فريد من نوعه لم يسبق في التاريخ أن كانت البشرية على هذا النحو سواءً من ناحية العلوم الكونية أو من ناحية الأوضاع الاجتماعية والعلاقات البشرية والاتصال والتواصل، كل هذه أمور جديدة لها أسئلتها فعلينا أن نحاول الإجابة عليها من خلال النصوص والقواعد ومن خلال الكليات والمقاصد.


·غياب المقاصد والتخلف هل من علاقة بينهما؟

o هذا سؤال في محله، تخلف الأمة في الحقيقة يرجع إلى كثير من العوامل؛ عوامل دنيوية، عوامل في التزام الناس بدينهم، عوامل في الأولويات وتركيبها، عوامل في العقل، كل هذا يوجب على الأمة أن تدرك المقاصد وتفهمها وتتحلى بها سلوكاً في ميادين العمل، وأن تفهم المقاصد الكلية والجزئية، والجماعية والفردية، وهذا يحتاج إلى عقول كبيرة ونهضة شاملة.


·نختم شيخنا بسؤال: كيف يمكن أن تكون المقاصد التي يزخر بها ديننا أن تكون ثقافة لدى النخب والعامة وممارسة سلوكية وعملية؟

o هذا يقتضي العمل باتجاهات متعددة منها الاتجاه التأصيلي بمعنى أن نستكشف المقاصد أولاً ونقيم منها قوانين كلية ومفاهيم عامة، وقد تحدثت عن الشورى والديمقراطية والاستخلاف في الأموال وإن كان حديثي عنها كمقدمات لفتح الشهية لبحوث ودراسات أخرى، كما كتب بعض الإخوة عنها كالشيخ الريسوني وغيره ممن كتب في المقاصد؛ لذا علينا أن نستكشفها ونوضحها ونؤصلها، وكما نقوم بالتأصيل علينا أن نقوم بالتوصيل؛ نوصلها للنخب والعامة لتكون ثقافة، وتتحول إلى سلوك. ثم علينا أن ننظر في المقاصد على ضوء الفلسفات والمستجدات المعاصرة وما يجري في العالم من سنن الله وحكمه علينا أن نتعامل معها أيضاً، وليس معنى ذلك أن نتخلى عن ديننا وإنما أن نتحلى بديننا.