ارشيف ل

مشاهد من المقاصد

عرض: محمد المنتار

صدر عن “مؤسسة الإسلام اليوم”

كتاب جديد للعلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بية بعنوان: “مشاهد من المقاصد”، ط1، 2010م،

الذي ألفه الشيخ مؤخرا بعد حوالي شهرين عن تأليفه لكتاب “مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات” .

ويعتبر هذا الكتاب، الذي خصصه المؤلف للمقاصد، مكملا لكتابه: “أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات” الذي سبق

وخصص المؤلف جزأه الأول لمباحث دلالات الألفاظ، والجزء الثاني لدلالات المعاني.

وأصل هذا الكتاب الوجيز محاضرة بمكة المكرمة نظمها مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، أراد صاحبه أن يقدم من خلاله ورقة تعريفية للمقاصد تعرف هذا الاسم بالجنس والفصل والرسم، وترسم مسيرة تشكل المقاصد، وتاريخ الاكتشاف والاستشفاف، الذي كان منطلقه دعوة ربانية قرآنية لإعمال العقل المركب في الإنسان في التفكير والتدبر وتنبيهه على طرق النظر في آيات الخلق ودلالات الأمر.

وقد جاء في 194 صفحة موزعة على مدخل وستة فصول، ثم خلاصة.

ناقش المؤلف في الفصل الأول تعريف المقاصد لغة واصطلاحاً، وتحديد الضابط الذي به يعرف مقصد الشارع، كما تحدث عن العلة ومسالكها المعلومة في أصول الفقه، وعن الأحكام غير معلومة العلة وكيفية التعامل معها، وحدد أنواع سكوت الشارع عن الحكم، التي جعلها ضرين اثنين، لينتقل إلى عرض مختصر مقارن للجهات التي بها تعرف المقاصد عند كل من الشاطبي وابن عاشور، ليختِم هذا الفصل بتعريف للمقاصد.

وعرض في الفصل الثاني مسيرة العمل والتعامل مع المقاصد وبها؛ حيث رصد تطور النظر إلى المقاصد واستشفاف حكمها عند السلف ابتداءً بالصحابة الكرام مروراً بالمذاهب الأربعة، مع تقديم نماذج وأمثلة تطبيقية تقرب المقصود.

وخصص العلامة بن بية الفصل الثالث لعرض أقوال علماء الأمة في ثلاث مسائل أساسية؛ صنفها تحت العناوين التالية: من يعرف المصلحة؟ العقل أم النقل؟ والعبادات بين المعقولية والتعبد؟ والكلي والجزئي أيهما يقدم؟ مع ما تبع ذلك من عرض للأدلة وتوجيهها.

وفي الفصل الرابع تحدث العلامة عبد الله بن بيه عن أصناف المقاصد: العامة الكبرى التي ترجع إليها الشريعة وهي المقصد الضروري، والحاجي، والتحسيني.

والمقاصد الخاصة التي تعنى بباب من أبواب الفقه، أو مجال من مجالاته.

والمقاصد الجزئية وهي مقصد الشارع في كل حكم على حدة. وقد مثل لكل صنف بأمثلة علمية. ولم يفته كذلك الإشارة إلى تقسيمات أخرى للمقاصد باعتبارات مختلفة؛ ومنها المقاصد القدرية أو الكونية؛ والمقاصد العامة والكلية، والمقاصد الأصلية والتبعية. مع العناية ببيان معيار الانتماء للمقصد الضروري، ومناقشة تذبذب الانتماء لبعض القضايا بين الضروري والحاجي.

وفي الفصل الخامس تعرض الشيخ بن بية لاستنباط المقاصد واستخراجها، وهو ما تعرض له الإمام الشاطبي في الضابط الذي يعرف به مقصد الشارع من عدة جهات: ـ مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. ـ اعتبار علل الأمر والنهي، المعلومة وغير المعلومة ومسالكهما وكيفية النظر فيهما. ـ اعتبار المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة لأحكام الشريعة العادية والعبادية. ـ السكوت عن شرعية العمل. وقد بسط الشيخ بن بيه القول وفصله تفصيلا في أنواع السكوت، وتطرق إلى ما يسمى “بدعة الترك” ووصفها بالأمور الدقيقة التي وقع فيها الالتباس واختصم فيها الناس مستدلاً ببعض القضايا التي اختلف فيها العلماء تبعاً لاختلافهم في النظر إلى موضوع المسكوت عنه.

وأرجع أصل الخلاف إلى أربعة أصول: 

1ـ هل البدعة صنف واحد أم أنها أصناف بحسب الدليل الذي يشملها؟

2ـ هل الترك مع قيام الداعي في التعبديات له دلالة على النهي أو لا دلالة له على ذلك؟

3ـ الفرق بين الموجب والمقتضى.

4ـ الفرق بين إضافة المتروك إلى عبادة محدودة واعتقاده جزءاً مكملاً لها فلا يشرع أو عدم إضافته فيرد إلى أصل الإباحة أو الاستحباب.

وأضاف العلامة بن بيه ثلاثة ضوابط:

1ـ أن لايعطى حكماً شرعياً إذا لم يكن مشمولاً بدليل كالأدلة المتعلقة بالذكر الدالة على استحبابه في كل الأحوال فلا يجوز لمن اختار تلك الأذكار أن يقول إنها واجبة مثلاً.

2ـ أن لا يحكم لها بثواب معين.

3ـ أن لا يشمل المتروك دليل نهي بالتحريم أو الكراهة. والمسألة في نظر الشيخ بن بيه مجالها فسيح وميدانها واسع فعلاً وتركاً، إعمالا وإهمالا؛ لذلك لا ينبغي أن ينكر البعض على البعض في مواطن الاجتهاد.

وفي الفصل السادس بحث الشيخ بن بيه موضوع الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها؛ وكيفية الحصول على الثمار المرجوة منها، شارحا لمجالات الاستنجاد بالمقاصد، وهي:

1ـ تفعيل أصول الفقه على ضوء إعمال المقاصد في بنيتها لتوسيع دوائر الاستحسان والاستصلاح واستنباط الأقيسة ومراعاة المآلات والذرائع…

2ـ اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية حتى ولو كانت مهجورة ما دامت نسبتها صحيحة وصادرة عن ثقة ودعت إليها الحاجة.

3ـ تفعيل النظرية المقاصدية في وضع فلسفة إسلامية شاملة تجيب على الأسئلة التي يطرحها العصر في مختلف القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان وشغلته منذ القدم في الكون والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتفسير مختلف الظواهر الإنسانية وتقديم قوانين عامة تنطلق من ثنائية الوحي والعقل.

وقبل تقديم خلاصات البحث ونتائجه تطرق الشيخ بن بيه كتابه بالحديث عن بعض المسائل المتعلقة بالأقليات الإسلامية في الغرب، منها: مسألة المرأة التي تسلم وزوجها نصراني التي قال فيها الجمهور بفسخ العقد، ذاكرا لبعض التفاصيل التي ناقشها المجلس الأوروبي في هذه الجزئية، بناءً على فقه المقاصد ومتغيرات العصر. وبهذا الصدد دعا الشيخ بن بيه إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار يقوم على: ـ فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة. ـ البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد مع فحص درجته. ـ إبراز المقصد الشرعي كلياً أو عاماً أو خاصاً. ليخلص إلى نتائج وخلاصات مفادها أن كتاب “مشاهد من المقاصد” أراده الشيخ بن بيه أن يكون وجيزا حسب الإمكان وملمعا إلى ما وراءه من بيان؛ لأنه كان منصبا على موضوع العلاقة بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة من زاوية تطبيقية من خلال تفعيل المقاصد عن طريق أبواب أصول الفقه في مناحي الاستنجاد مع ما اقتضته المنهجية من تعريف وتعرف وتصنيف.

1_926681_1_53.jpg

العقـــل الإسلامــي وتناقض الوعظ والتنوير

 

 

 استفزني الشيخ بن بيه وأنا أشاهد جزءاً من إعادة تسجيل لبرنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة والذي كان ضيفه سماحة الشيخ العلامة بحق عبدالله بن بيه، تحدّث فيه الشيخ عن هستيرية نظريات البناء التكفيري لدى فكر الغلو والتشدد، وطرح الشيخ الخلل المنهجي في هذا التسلسل إذ كيف يُبنى تكفير على تكفير؟ ثم تتخذ بموجبه قاعدة للقتال الفوضوي دون الرجوع على أصول التكفير الشرعي الذي يُسقط بالأدلة مشروعية التكفير المنحرف أو يُفصّل في التعامل معه ومع منازل الخلاف واستطرد بالتمثيل والتأصيل من قول ابن عباس رضي الله عنه في قاعدته ”كُفرٌ دون كُفر”.. لعل القراء الكرام أن يرصدوه في قناة الجزيرة تيوب. 


أمّا لماذا استفزني الشيخ فلأنني تذكرت مرة أخرى كم نحن نفرط في تلك القامات العظيمة حتى يُقال قد كان بيننا، ولماذا لا نستثمر هذه الطاقة الفكرية الجبارة وهو قد تجاوز السبعين أطال الله في عمره، وهناك أسئلة عديدة ملحة لجيل الشباب الإسلامي المعاصر لدى الشيخ الجليل أجوبة مهمة لها فلما لا يُيسر الطريق لهم فيما يُبتلى الشارع الدعوي بمن هم أدعياء على الدين ويفتئتون على منهجيته المؤسسة لثقافة الشرع الأصيلة ورسالة حضارته، وينزوي أولئك في ثياب الواعظين، وليس هذا معارضة لذلك الوعظ الصادق المتزن إنما نقصد تلك الجلبة التي تُدفع لدى البعض كوظيفة أو غرض خاص أو لردع الناس عن مقاصد الشريعة الكبرى من العدل والحقوق وفقه التعامل السلوكي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنقّل به بيانه الوعظي ليربط طريق الجنة والنجاة من النار بهذا التكامل المقاصدي العظيم، فيما يُتخذ بعض الوعظ المنحرف المعاصر أحياناً تجارة وتوظيف لنفوذ فيُبتلى الناس بمن يخاطبهم باسم الدين كما يبتلون بخصوم هذا الإسلام العظيم.


 أما التوقف الثاني أمام خطاب الشيخ فاني قد مضت بي الخواطر فيه بين تنوير الشيخ وبين تنوير -اللاعنفيين- والمقصود نبذ فكرة حق المقاومة المشروع والتزكية الضمنية للاستعلاء الغربي، فتنوير الشيخ هو من فلسفة التنوير لفهم مقاصد النص فيما الآخرين تنويرهم التنوير لإسقاط قطعيات النص وبينهما فرق كبير، وفي الغالب أنّ محركهم الأصلي هو هزيمتهم من العنفيين الأصليين (الاستبداد الدولي) ما جعلني اسميها -اللاعنف كوميديا الهزيمة- وثقافة الهزيمة هذه تخلط بين قواعد مهمة في البعد الفلسفي والتفريق بين الجوهر والعَرَض.

وهي إحدى الإشكاليات في الوصول إلى قاعدة حوار منضبطة للإجابة على السؤال الكبير؛ هل يوجد في الإسلام أسس مشروع حضاري وفقه دستوري إسلامي ونظامٌ للعدالة الراشدة.. سؤال مشروع غير أنّ مقدمات المناطقة المتفق عليها إنسانياً لا تُطبق في كثير من الجدل الدائر..

ويستبدل به القفز إلى الواقع المنحرف ووعاظ الوصاية والاستدلال. بل وحتى مثقفي الهزيمة داخل الانتلجستا الإسلامية يرددون ما يقوله الجوهر العلماني، فكيف تستمع مني الجواب وفي الأصل أنت مختلف معي في ترتيب قواعد الحوار لفهم المنهج التشريعي من جوهره.

 ثانياً وهو مهم للغاية لست أُسلّم لكَ بما اعتمدته كمعيار؛ فما هو التقدم الحضاري؟ وما هو الحكم الرشيد أين السمو الإنساني بين الروح والآلة؟ لا بد من تقعيد محايد حتى نصل للجواب.

هذه ليست طلاسم ولا تعويماً لكنني أيضاً لن اُسلّم عقلي لعهد بشري يرفض أن أخضعه لمعايير الإنسانية المطلقة في فهم العدل والأخلاق ويقول تعالَ نرجع إلى دستوري أنا لا دستورك، عفواً لم أصوت على دستورك فلماذا تحاكمني إليه!! هنا تبرز مشكلة رئيسية هل تريد فهمي وحواري أم قررت أن تقضي علي؟! إذاً لا جدوى للحوار..!! هذه الثقافة من خطاب الهزيمة جديدة وقديمة وقد أضحت تنتشر في الآونة الأخيرة كردة فعل وبديل عن خطاب الوعظ المنحرف أو التقليدي وليت شعري من يصحح لمن؟


 

الصومال دليل على انحراف الفتوى

 

 

مروة شاكر

 

 أكد فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين، فساد الفتاوى التي تحض على إهدار الدماء كما يفعل بعض طلبة العلم في الصومال، ويرفض أن تكون الفتوى بوابة للاقتتال والفتنة، حتى لو كان بتبرير الذود عن الشريعة والقتال دونها.

في الحلقة الماضية من برنامج “الشريعة والحياة” 15/11/2009 والتي كانت تحت عنوان: “صناعة الفتوى”، قدم الشيخ بن بيه توصيفا فقهيا لما يسود حالة الفتوى في العالم الإسلامي، مع تطبيق على نموذج الصومال، الذي قدمه بوصفه معبرا عن تراجع العقلية الإسلامية في فهم الشريعة، وفي منهجية تنزيل النصوص، واضطراب المحل الذي تتنزل فيها النصوص.


 طالع أيضا:
* الفتوى منتج صناعي
* بيان الشيخ بن بيه للصوماليون
* بن بيه يتحدث عن كتابه صناعة الفتوى

أكد بن بيه أن الصومال -مثلا- يقتلون ويتحججون بأنهم يقتلون من أجل مبدأ الولاء والبراء، ويضيف: “جهادكم هذا ليس صحيحا بناء على معطيات ونصوص شرعية؛ لأنكم جهلتم الدليل، وتجاهلتم التأويل، وأخطأتم في التنزيل”.

التوظيف الإفتائي

ويتابع بن بيه تحليله للنموذج الصومالي في التوظيف الإفتائي، على مستوى الاستخدام والتطبيق في مجال التكفير، وحالة الاستيلاد الذين يبنون عليها أحكامهم؛ حيث إنهم يقولون إن الحكومة تساند الكفار وهؤلاء يجب قتالهم، ويقولون أيضا إن كل من يوالي الحكومة فهو كافر؛ لأن الحكومة توالي الكفار، ويولدون من هذا أن الحكومة كافرة.

يرفض الشيخ بن بيه هذا المنطق ويصفه بالخطأ؛ لأنه ليس كل كافر يجب قتاله، وليست كل حكومة توالي كافرا هي كافرة مثله -على حسب قوله- وكل هذه مقومات فاسدة بالدليل الشرعي.

ويرى بن بيه أن الفتوى تقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي: الفتاوى التي تتعلق بقضايا الأمة، أي المختصة بالقتال والحروب والتكفير، ويجب أن تحول إلى المجامع الفقهية، كما أشار إلى أن هناك أمورا وفتاوى لابد أن تحال إلى أناس ثقات وهي قضايا المال والمصرفية الإسلامية وخصوصا ما يتعلق بقضايا الربا والفوائد، وغيرها من القضايا الاقتصادية المعاصرة.

كما أشار فضيلته إلى أن هناك قضايا مثل القضايا الشخصية والتي يمكن أن يفتي فيها فقيه القرية؛ وذلك لأنها نصوص ثابتة لديها صفة الثبوت والدوام؛ ولذلك يمكن أن يفتي فيها أناس عاديون.

صناعة الفتوى

كما أكد بن بيه أن الفتوى هي صناعة ولكن تحتاج لشيء من الإنصاف ولجملة من العناصر؛ حيث إن الفتاوى هي كالزمان، ووصف فضيلته الزمان بأنه زمان منفلت في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتماثله في هذا الفتاوى أيضا.

وتابع بن بيه أن “الفتوى ليست بريئة من هذا الانفلات”، وأشار إلى أن هناك بعض الفتاوى الجاهزة ومن يطلبها يجدها، ووصف بن بيه الفتاوى الجاهزة بأنها فتاوى جامدة، وأن الجمود على النصوص هو كالضلال.

وعن الفتاوى التي اعتمدها علماء وأئمة سابقون واستندوا فيها للكتاب والسنة، قال بن بيه: إن “هذه الفتاوى كانت مناسبة في وقتها؛ لأنها كانت ملائمة للزمان والمكان التي قيلت فيه”.

وأكد بن بيه أن الفتاوى لابد من تنزيلها على الواقع وتحقيق المقاصد، ووضعها في عين الاعتبار، وتحديد المصالح والمفاسد التي يتم إصدار الفتوى من أجلها، أي أن يتم تنزيل الفتوى تنزيلا سليما مستندا إلى الدليل والحكم الشرعي.

كما أضاف بن بيه أن هناك فتاوى منزلقة ومنفلتة وهي الفتاوى تحت الطلب والتي يكثر إصدارها في مجالات البنوك والمصارف، وهذه الفتاوى تأتي في غاية التيسير لدرجة أنها تخرج عن جلد الفتوى الأصلية.

وأشار بن بيه إلى نوع آخر من الفتاوى وهي الفتاوى التي تجمع بين الثبات والتغير، وأكد قائلا: “لابد أن تبنى هذه الفتوى على ثلاثة عناصر: النصوص، والمقاصد، أي: المصالح والمفاسد، وعنصر الزمان، أي: ملابسات وأحوال الزمان وهي: البعد الزماني، والبعد المكاني، والبعد الإنساني”، وتابع: “لابد أن تأخذ الفتوى في عين الاعتبار كل هذه العوامل، فإذا لم تأخذ بعين الاعتبار كل هذه العناصر فإنها تكون ناقصة بل تكون عرجاء”.

وأكد بن بيه أن الخلل في صناعة الفتوى اليوم يرجع إلى عدم احترام معايير الفتوى، والمتمثل في احترام الجزئيات في مقابل الكليات، ثم عقد مقابلة بين الاثنين حتى يكون بينهما تفاعل وتفاوض وتفاهم، وشدد على أن ضبط الفتوى يكون من خلال ضبط الفتوى بمنهجية، ومنهجية الفتوى تبدأ بأصول الفتوى المستمدة من الكتاب والسنة وما يستنبط عنهما.

وأكد بن بيه أن المراد من الفتوى هو تحقيق ثلاثة أمور هي: دلالات ألفاظ، ومقاصد، وواقع، حيث أكد أنه بدون هذا المركب لا يمكن للفتوى أن تكون سليمة ومكتملة من كل وجه وبخاصة إذا كانت في قضايا معقدة تحتاج إلى وجهات النظر المختلفة، ويضيف: “نخلص من هذا إلى أن الفقيه لا يمكن أن يستبد بالفتوى خصوصا في الأمور التي تحتاج إلى متخصص في مجال من المجالات مثل الطب وذلك في القضايا الطبية، أو خبير اقتصادي في الأمور الاقتصادية… وغيرها”.

سيولة الفتوى

وعن قضية سيولة الفتوى وكثرة إصدار الفتاوى التي يطلقها الشيوخ عبر الفضائيات وغيرها، أكد بن بيه أن هناك أصولا لابد أن يكون المسلم على دراية بها وألا يسأل فيها، مثل قضية الحرية، وبراءة الذمة؛ حيث وصف فضيلته مثل هذه الأمور بالأصول التي لابد أن يكون المسلم ملما بها وألا يسأل فيها.

وأضاف أن السؤال لابد أن يكون في الأشياء التي فيها تغيير فقط، وأرجع بن بيه كثرة السؤال في مجال الفتاوى إلى “تخلف العقلية المسلمة” والتي نالت كل المجالات من صناعية، وسياسية، وإعلامية، وغيرها.



المصرفية الاسلامية

وقد أكد بن بيه أيضا أن هناك الكثير من الفقهاء في مجال المصرفية الإسلامية أحسنوا صنعا في التعاطي مع المجال الاقتصادي ، لكنهم في الوقت نفسه أساءوا صنعا في قصورهم عن معاملات وأمور تجيدها الشريعة الاسلامية في مجالات المال والاقتصاد والبنوك ، ولاجتراءهم أيضا على معاملات تخرج النظام الاسلامي عن حقيقته وخصائصه مما يؤدي إلى فقدانه حصائصة التي تميزه.

كما أشار إلى ضرورة التدقيق والبحث والرجوع إلى أهل الاختصاص في مجالات الاقتصاد والبنوك والمال، حيث انها من القضايا الحساسة التي تثير الكثير من التساؤلات حولها مشددا على ضرورة  رجوع الفقيه  المفتي في مثل هذه الأمور إلى علماء الاقتصاد والخبراء في المجال المصرفي أي المختصين حتى يتمكن من  اعطاء الفتوى الصحيحة.

(منطلقات و كلمات وتوصيات) تعليقاً على تصويت الشعب السويسري على حظر بناء المآذن

29/11/2009.

الحمدلله و الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله،

 – إننا من منطلقات دينية و منطلقات إنسانية نتأسف لقرار الشعب السويسري بمنع رفع مآذن المساجد في الدولة السويسرية الفدرالية .

 – نحن نرى في هذا القرار عقبة جديدة في طريق التعايش و الاندماج الايجابي بين مختلف الطوائف العرقية و الدينية في هذا البلد الذي يمثل في أذهان و وجدان الكثير من المسلمين و غيرهم أنموذجا و مثالا للتعايش الإنساني السعيد العابر على الأحكام المسبقة و النمطية التي تضمرها بعض الشعوب لبعضها.

 – خيبة أمل في أرقى الديمقراطيات التي تدرس في الجامعات بوصفها الديمقراطية المباشرة الأفضل في العالم في مجال الممارسات الدستورية. أن تصدر هذه الديمقراطية قرارا غير ديمقراطي و غير دستوري. غير ديموقراطي باعتبار الديمقراطية تمثل نظام تكافئ الفرص للجميع و المساواة بين الجميع و تجاوز العرق و اللون و الدين في التعامل مع المواطن. وهو غير دستوري: باعتبار الدستور يكفل هذه المفاهيم (ويجعل منها سقفا للتعاون ).

 لقد كانت سويسرا تمثل كل ذلك و لعلها لا تزال كذلك ذلك أملنا و أمنيتنا . لهذا فاننا سنوجه اربع كلمات.

 1) إلى الشعب السويسري ذي التاريخ العريق في تسوية الخلافات العرقية و اللغوية لعله أن يراجع نفسه فقد قال حكيم عظيم : الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل و أن يتخذ قرارا آخر مشرفا يرفع رصيده الإنساني في المستقبل و لا يعيده إلى الوراء و يتناسب و تاريخه و يخدم مصالحه الحقيقية بعيدا عن فورة العاطفة و العنصرية .

2) إلى الحكومة السويسرية نوجه الشكر لموقفها المميز و إعرابها عن اختلافها مع التوجهات المتطرفة ودعوتنا للحكومة لاستعمال الوسائل الدستورية و القانونية المناسبة لمراجعة هذا القرار.

3) كلمة إلى أوروبا شكرا لأولائك الذين لا يزالون يتحلون بالمبادئ الأخلاقية و الإنسانية و الذين يدافعون عن حقوق الإنسان في ابسط تعبيراتها من منظمات و دول و بخاصة الاتحاد الأوروبي و الفاتيكان و الهيئات الأخرى و شكر خاص للقساوسة السويسريين. و اننا ندعو تلك المنظمات و الشعوب أن تلجم النزعات التي بدأت تطل برأسها في أوروبا من أطراف يمينية متعصبة تسعى لتأجيج الفتن و نشر الأحقاد التاريخية مما لا يساعد في انجاح مسيرة الحوار و إطفاء بؤر التوتر في العالم و هو ليس بحاجة الى إضافة بؤرة اخرى. و ندعوا ذوي النوايا الطيبة لإيجاد فضاء من التسامح و الوئام والتعايش البناء ليس في اوروبا و لكن في العالم كله، إننا ندعو العقلاء و الحكماء ان لا يكتفوا بالدعوات الخجولة بل أن يكونوا أكثر نشاطا وحيوية .

4) كلمة إلى المسلمين في سويسرا خصوصا و في أوروبا عموما نبارك في نضجكم و وعيكم و رشدكم و ندعوكم أن تتمثلوا قيم دينكم العظيم في الصبر و التسامح و المغفرة , (( ولمن صبر و غفر إن ذالك لمن عزم الأمور ))-سورة الشورى-

 

و لهذا فان توعية الأخوة و الأخوات بجملة من المبادئ يبدو ضرورة في الظرف الخاص و العام:

 1) التحرك الإعلامي العاقل و الحكيم الذي يعتمد المفاهيم الإنسانية و حقوق المواطنة .

 2) التحرك القانوني الذي يعتمد مبادئ العدالة و الدستور.

 3) التحرك السياسي والشعبي الذي يستنجد بكل المواطنين و بالمنظمات الإنسانية و الدينية .

 4) الابتعاد عن الإستفزاز بكل اشكاله مع التركيز على القضاء والإحتكام اليه و تذكير السويسريين بأن علم سويسرا يحمل أهم رمز ديني مسيحي هو الصليب و هو يرفرف في أنحاء العالم الاسلامي و لم يجد المسلمون حرجا في ذلك، و المسلمون يحبون الشوكولا و المناظر الخلابة السويسرية و لكن هذه المناظر قد تكون أجمل لو زاد عدد المآذن قليلا، فالمآذن لاترمز الى أي نية عدوانية و انما الى التوجه الى الباري جل و علا.

 5) إنها فرصة لإبراز قيم التسامح و الأخوة الإنسانية في الإسلام، فالإسلام دين السلام و إلاهُـنا –جل و علا- هو السلام و هو يدعو الى دار السلام و علينا أن لانيأس من يقظة الضمير الانساني لدى المواطنين و لهذا فإن التاريخ يحدثنا عن نماذج من الكراهية استحالت الى مودة فالوطن الأوروبي في وقت من الأوقات ضاق فيه الكاثوليك ذرعا بالبروتستانت فاضطهدوهم، و ضاق الجميع بعد ذلك ذرعاً باليهود و ياتي الدور اليوم على المسلمين لكن الفطرة السوية في الإنسان تتغلب، و ربنا جل و علا يمنحنا التفاؤل بقوله: (عسى الله أن يجعل بينكم و بين الذين عاديتم منهم مودة و الله قدير و الله غفور رحيم). سورة الممتحنة.

و يقول: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم). سورة فصلت

كذلك وصيتنا لكم بأن تدفعوا بالتي هي أحسن قولاً و عملاً في حراك دائم يقدم الحجة بالحسنى و الود بدل الشحناء. والسلام عليكم ورحمة الله


أ.د.عبدالله عمر نصيف رئيس مؤتمر العالم الإسلامي رئيس مجلس أمناء المركز العالمي للتجديد والترشيد- لندن

العلامة عبد الله بن بيه رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد- لندن نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أمراض زماننا طالت كل القطاعات بما فيها الفتوى

موقع الفقه اليوم.

أكّد الشّيخ عبد الله بن بيه– نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- أنّ الفتوى في هذا الزّمان أصبحت كالزّمان نفسه، حيث نعيش زمانًا منفلتًا وفي كل المجالات وفي الميادين، ليس هذا لخصوصية الفتوى، ولكن أيضا في مجالات أخرى، مجالات الإعلام والسياسة والاقتصاد، كلها مجالات فيها انفلات، والفتوى ليست بريئة من هذا الانفلات، و يمكن أن نصنفها إلى ثلاثة أنواع، هناك فتوى من نوع الملابس الجاهزة، يعني من جاء يجدها معلقة كما يقول ابن رشد سماها بالشّخص الذي ليس خفافًا، يبيع الأخفاف، ولكنه لا يصنع الأخفاف، فإذا جاءه من لا يطابق قدمه ولا يلائم خفًا عنده فإنه لا يستطيع أن يوجده، هذه فتوى وراثية، لا أقول معلبة، لكنها على كل حال جامدة،

وكما يقول القرابي: الجمود على النّصوص أبدًا ضلال وإضلال.

وقال: هذه يمكن اعتمادها عندما يقول بها، ولكن من لا يقول بها من أمثالنا، فإنه لا يمكن اعتمادها؛ لأنها لم تنظر إلى البعد الزماني والمكاني، حتى ولو اعتمدها أئمة وعلماء سابقون، واستندوا فيها إلى أدلة صحيحة من الكتاب والسنة ؟ ففي ذلك الوقت كانت ملائمة؛ لأن الزمان كان ملائمًا.

وأضاف لبرنامج ” الشريعة والحياة” الذي أذاعته فضائية الجزيرة في الحلقة التي أُذيعت تحت عنوان “صناعة الفتوى”، وهناك صنف آخر وهو فتوى منزلقة ومنفلتة، وهي أيضًا من نوع تحت الطلب، بمعنى أن المطلوب تقديم فتوى بحسب المطلوب، وهذا يقع في مجالات المصارف والبنوك، عادة تأتي فتاوى في غاية التيسير إلى حد أنها تخرج من جلد الفتوى الأصلية.

وقال: إن الصنف الثالث هو فتوى تجمع بين الثّبات وبين التّغير وهذا نرى أنه هو الوسطية الصحيحة؛ لأنّ الفتوى لابد أن تشتمل أو تُبنى على ثلاثة عناصر، عنصر النّصوص، وعنصر المقاصد، أي المصالح والمفاسد، وعنصر الزّمان، أي الملابسات وأحوال الزّمان، أحوال الزمان هي البعد الزماني، والبعد المكاني، والبعد الإنساني.. مشددًا على ضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار كل هذه، فإذا لم تأخذ الفتوى بعين الاعتبار كل هذه الأبعاد، فإنها تكون ناقصة وعرجاء.

وقال ابن بيه: إنّ الخلل اليوم في صناعة الفتوى، هو في عدم احترام المعايير. معايير الفتوى، نحترم جزئيات في مقابل الكليات، نحترم الدليل ونحترم التنزيل؛ لأنّ الدليل غير التنزيل، تنزيل الدليل على الواقعة ليس الدليل، الدليل قد يكون محايدًا، أو قد يكون حكمًا شرعيًا، ولكن هل هذا الحكم الشرعي يصلح لأن ينزل على هذه القضية أو لا يصلح أن ينزل عليها ؟ ولهذا هناك مرحلة الدليل ومرحلة التنزيل، الجهل بأي منهما أو عدم تطبيقهما أو عدم معرفتهما معرفة سليمة هذا يؤدي إلى خلل.

وعن ضوابط الفتوى وسط زخم الفضائيات، والمواقع الإلكترونية التي تتعاطى مع الشّأن الإسلامي، قال: ابن بيه من الصعب جدًا ضبطها إلا إذا ضبطت المنهجية، فعلينا أن نُروج لمنهجية الفتوى، هذه المنهجية تبدأ بأصول الفتوى، مشيرًا إلى أن أصول الفتوى هي الكتاب والسنة، وما يستنبط منهما حسب عبارة الشافعي، ولكن ما هي جوانب الاستنباط، وآفاق الاستنباط ؟ يجيب الغزالي، بأنها صيغتهما، منظومهما، وفحواهما، ومفهومهما، ومعناهما، ومعقولهما، ويجيب على هذا بدقة أيضًا الشاطبي عن كيف، يقول: إن الاجتهاد إذا كان في دلالات الألفاظ فإنه يحتاج إلى علوم اللغة العربية، دلالات الألفاظ هو ما تدل عليه ألفاظ الشارع، وهذه الدلالات كثيرة قد تكون حقيقة وقد تكون مجازًا، قد يكون حقيقة شرعية، قد يكون حقيقة عرفية، قد يكون حقيقة وضعية، ثم إنه قد يكون نصًا أو يكون مفهومًا أو يكون إشارة، قد يكون أمرًا قد يكون نهيًا، قد يكون مجملا قد يكون بيانًا، فلابد من معرفة دلالات الألفاظ بدقة وترتيبها وتمايزها ليجعل كل دلالة في مستقرها ومستودعها، وإذا كان في المصالح والمفاسد، فإنه يرجع إلى المقاصد فهذا علم آخر، علم المقاصد، لأن الفتوى تحتاج إذا كانت دلالة الألفاظ إلى معرفة اللغات ومعرفة مدلولاتها، إذا كانت في المقاصد والمفاسد أي في معقول النّص فإنه يرجع إلى المقاصد التي تتم بالمصالح والمفاسد، لكن الشاطبي يضيف بعدًا ثالثًا، أما تنزيلها على الواقع فإن هذا من باب تحقيق المناط وهو يحتاج إلى اجتهاد ثانٍ، هذا الاجتهاد لا يقوم به الفقيه شرطًا، قد يقوم به الطبيب، قد يقوم به الصانع .

وأضاف: فمثلا في التاريخ الفقهي، الحامل المقرب هي من المحاجير، يحجر علينا؛ لأنها مريضة مرضا مخوفا اليوم ماذا تقول إن كنت في سويسرا مثلا ؟ سيقولون ليس شيئًا، ليس حتى أخف من شوكة، إذاً الطبيب هو الذي يحقق المناط ليحكم الفقيه ليقول هذه تتمتع بصحتها كسائر الناس ولا يحجر عليها في مالها ولا في نفسها، المرض ذات الجنب أو السل كان مرضا مخوفا في نصوصنا الفقهية هو مرض مخوف وبالتالي صاحبه من المحاجير يحجر عليه، اليوم تحقيق المناط ترجع إلى الطبيب.

وأضاف: وهناك قضايا اقتصادية كانت ينظر إليها نظرة معينة، لكن اليوم بأوضاعه الاقتصادية الصكوك مثلا التي هي تقابل السندات لأن الصكوك تمثل الموجودات الحقيقية والسندات تمثل أموالا ربوية لأنها نقود تلد نقودا، ليتعرف الفقيه على هذا لا بد أن يحقق المناط الاقتصادي، فالواقع بكل تضاريسه وبكل ملابساته وكل أبعاده الزمنية والمكانية يحتاج إلى تحقيق مناط.

فهي ثلاثة أمور، دلالات ألفاظ ومقاصد وواقع، دون هذا المركب لا يمكن للفتوى أن تكون سليمة من كل وجه بخاصة إذا كانت في قضايا معقدة تحتاج إلى وجهات النظر المختلفة، إذاً الفقيه لا يمكن أن يستبد بها أو يرجع فقط إلى نصوص ليرى أن السل مرض مميت وأن صاحبه يحجر عليه ولا تجوز تصرفاته وكل أعماله مردودة، لا يمكن، ارجع إلى الطبيب اسأله ما الذي طرأ، البنسلين ما الذي أتى به ؟ المضادات الحيوية، هناك أشياء جديدة هذه طبعا مجالات فسيحة جدا وفي هذا المجال تحقيق المناط أمر في غاية الأهمية ويجب أن يلجأ عليه.

وأضاف: كثير من الفقهاء والمجامع الفقهية يقولون: إن التضخم لا يؤثر ما في ذمتي لكن التضخم أمر جديد والتضخم الجامح والنقود لم تعد هي الذهب والفضة وإنما أصبحت النقود لا قيمة لها بنفسها فيعني الليرة اللبنانية الذي ثبت في ذمتي منها هل يمكن أن نقدم له فقط الذي ثبت في ذمتي وهو لا يساوي شيئا ؟ هذه الأمور يحتاج فيها إلى أن نتعرف على مناخات التضخم وأنه أصبح مثل الجارحة .

وعن سؤال بعض الناس في قضايا ربما تكون معروفة بداهة أرجع ابن بيه السبب في ذلك إلى فضول في ناس يريدون أن يسألوا عن كل شيء، لكن من جهة أخرى يوجد جهل الأبجديات الشرعية، مثلا هناك ما يسمى بالاستصحاب، طهارة الأعيان أصل، الحرية أصل، براءة الذمة أصل، يعني هذه تسمى القواعد الأصلية، لا تكليف إلا بنص، هذه القواعد الأصلية المفروض أن كل أحد يعرفها المفروض أن الشخص لا يسأل عن مثل هذه الأشياء لأنها معروفة، يسأل عما وقع فيه التغيير من الأصل إلى غيره، فهنا نرى أن ثقافة الناس ناقصة، لكن هذا الانفلات أو هذه الأسئلة الكثيرة حقيقة ليست في مجال الفتوى فقط، بل إن الانفلات في كل المجالات وموكب التخلف يسحب عربات كثيرة منها هذا، وتساءل لماذا العالم الإسلامي لا يصنع طائراته، كل هذا العالم الإسلامي كل هذا المليار لا يصنع المراكيب التي يركب عليها، لا يصنع السيارات، هذه أمراض تطول كل القطاعات بما فيها قطاع الفتوى.

وقال ابن بيه: إنّ الجميع يتحملون هذه الأوضاع ولا يتحمله أحد، كما يقولون ( الجميع مذنبون ) والجميع أبرياء، هذه المرحلة من أوضاع العالم الإسلامي هي مرحلة حرجة وهي مرحلة يجب أن نتجاوزها، وهذا يطول كل العوالم، عوالم الأشخاص وعوالم الصناعة وعوالم العقل، فالعقل المسلم يحتاج إلى مهندس، إلى هندسة ليخرجه من التخلف، والتخلف كما قلت ليس مختصا بقطاع وليس مختصا بناحية من النواحي ولا بقضية من القضايا، وإنّما هو تخلف شامل.

وقال: الصوماليون يقتتلون يقولون نقتلهم نريد الجنة إذا كنتم تطلبون الجنة فقد ضللتم سبيلها، يعني يقولون نقاتلهم على أن يطبقوا الشريعة، يطبقون الشريعة على أحياء أم على أموات؟ الناس يموتون، رحم الله عمر لما أوقف الحدود عام الرمادة لأن الناس جياع، لافتا إلى أن هذا النوع من الفتاوى المشددة التي تؤدي إلى سفك الدماء دليل كبير على تخلفنا عقليا، تخلف ديني، تخلف في فهم مقاصد الشريعة، في فهم النصوص لأن هذه النصوص لا يمكن تنزيلها إلا لمن عرف مقاصد الشريعة حتى يمكن أن ينزل النصوص على محلها.

وقال ابن بيه: إن بعض المفتين قد لا يعي تماما الوضع الحالي للعالم الذي أصبح قرية صغيرة، وأصبحت المنتجات التي ينتجها الآخر يصدرها إليك ليس فقط تصدير سلع ولكن معها نظمها وقوانينها التي تحكمها، فإذا صدرت طائرة تصدر معها الإيجار (leasing) ويصدر معها التأمين ويصدر الإيجار المنتهي بالتمليك، هو لا يصدر السلع وإنما يصدر مع السلع أيضا النظم، نظم التبادل والتعامل التي توجد في أرضه وبالتالي قد يكون العالم أو الفقيه قد يكون عاجزا عن استيعاب هذا، فيجيب بما سنح له ولكن قد يكون أيضا عالما بذلك الحق أن عندنا في مجالات متعددة ظهر بعض الفقهاء وبخاصة في مجال المصرفية الإسلامية هؤلاء أحسنوا صنعا بإنشائهم للصكوك، لهندسة الصكوك ولكثير من المعاملات التي قدموها ولكن أساؤوا صنعا في قصورهم أحيانا عن معاملات تجيزها الشريعة، وأحيانا أخرى في اجترائهم على معاملات تخرج النظام الإسلامي عن حقيقته وعن خصائصه وبالتالي يفقد خصائصه، فهناك شطط و إفراط وتفريط، فعلينا أن نحاول أن نقف في الوسط حتى لا نقع في الإفراط ولا في التفريط. وعمّا يفعله المسلم العادي أمام سيولة الفتاوى وأمام تناقض الفتاوى،

قال عبد الله بن بيه: المسلم عليه أن يقلد العالم الذي يرى أنه أهل للتقليد؛ لأن الفتوى هي تبيين حكم شرعي عن دليل لمن سأل عنه وزاد بعضهم أن تكون أهله عن دليل. هذا يجعل المسلم عليه أن يسأل عن الدليل إذا كان لا يثق بالمفتي. ثانيا: على المسلمين أن يتعلموا أمر دينهم حتى يستطيعوا التمييز بين الطيب والخبيث وبين الغثّ والسمين، وكما قال علي رضي الله عنه، تزعم أنك على الحق وفلان وفلان على الباطل، قال يا هذا إنك رجل ملبوس عليك، اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف من يأتيه، فلو تعلم الناس وكانت لهم ثقافة لعلموا من يتوجهون إليه، لتعرفوا على العالم الذي بإمكانه أن يجيبهم ولتجنبوا الدجاجلة إذا كان هناك دجاجلة، ولاستطاعوا من خلال دراستهم لسيرة الناس ولعلمهم ولأعمالهم أن يميزوا العلماء .

وأضاف: طبعا هذا إشكال بالنسبة للعوام في ظل هذا التضخم الفتوى – إذا صح التعبير – أو الانفلات خلال القنوات فهذا ذنب الإعلام وذنب هذا الزمان لكن مع ذلك علينا أن نتحرى، علينا أن نحاول إبراز شخصيات من أهل العلم، نطلب من الناس أن يرجعوا إليها وأن تكون مصدرا للفتوى كما كان في الزمن الأول، كما كان مالك وأحمد وأبو حنيفة والشافعي هؤلاء برزوا في الفتوى، برّزهم الناس، لم يكن تبريزا من الحكومات ولكن من الناس، شهد لهم الناس بأنهم من أهل العلم، وبالتالي لا ينفلت عالم دون أن تكون له هذه الشهادة من الناس، وأضاف قال مالك لتلميذه ما أفتيت حتى شهد سبعون شيخا لي، قال أجسرت عليها، يقول لابن القاسم أجسرت على الفتوى، فهذا النوع من الشهادة ومن القبول العلمي يجب أن يكون حاضرا في أذهاننا. وعن تأثير الإعلام الفضائيات في صناعة وجوهر الفتوى؟

قال ابن بيه: المفروض ألا تؤثر لأنها وسائل ولكنها في الحقيقة أثرت، الوسائل أصبحت كأنها أهدافا وكأنها مقاصد، يريدون طبخا سريعا، وبالتالي هذا الطبخ السريع يمر بهذه الفتاوى التي أحيانا تكون من أجل معارضة شخص ما، يفتي واحد في الإنترنت ويشيع ويعتبر أن الكذبة إذا كبرت وتكررت أصبحت أقرب إلى الحق كما كان يرى هتلر، فيرى هذا وينشر الفتاوى، هي أثرت لا شك في ذلك لكن الأمر هو في تعليم وتثقيف الناس.

وعن كيفية تحرير الفتوى من المصالح السياسية والشخصية، قال عبد الله بن بيه: علينا أن ننظر إلى الفتوى كفتوى، أنا ضربت مثلا بالصومال لأنه أسهل أن أضرب مثلا بالصومال، فالناس الآن يقتتلون يقولون لأنهم لا يطبقون الشريعة من أجل مسألة الولاء والبراء، وهم يطلبون الرئاسة – وهذا حقهم – لكن أن يقولوا باسم الدين فعلينا أن ننظر إلى الفتوى باسم الدين، وأن نقول إن جهادكم هذا ليس صحيحا بناء على معطيات وعلى نصوص شرعية؛ لأنهم جهلوا الدليل وتجاهلوا التأويل وأخطؤوا في التنزيل.

وعن الفتوى والتاريخ، قال ابن بيه: ” في هذا المجال في مجال الفتاوى بعض الفتاوى كان تاريخا، بمعنى أنها كانت مواقف في التاريخ، فتوى الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، فتوى الإمام مالك في مسألة أيمان البيعة، وهذه الفتاوى كانت مواقف أثرت في التاريخ، في هزيمة المعتزلة بجهة الإمام أحمد وفي أيضا إيقاف شطط السلطان الذي كان يحلف الناس بالمصحف.

هناك فتاوى كثيرة جدا في التاريخ كانت تمثل تاريخا، هناك فتاوى كانت تعكس التاريخ كانت مرآة للتاريخ، مثلا عندنا في بلاد الأندلس لما أراد يوسف بن تاشفين أن يفرض الضرائب قال في مدينة اسمها مرسية قالوا، فوضوا عالما يتكلم عنهم فقال لا بد أن تحلف هنا على المنبر بأن بيت المال ليس فيه شيء فتعفف يوسف ولم يحلف، رضي الله عنه، وهناك فتاوى كثيرة منها الوقف الذي كان في قرطبة وكان يستفيد منه المسافرون فجاء أناس فأرادوا أن يستفيدوا من الوقف، وقف المرضى فقالوا أنتم لستم من أهل قرطبة، ترافعوا إلى القاضي، القاضي أفتى بأن هؤلاء لما أقاموا أربعة أيام يستفيدون من الدنانير التي كانت تعطى .. يعني هذا ضمان اجتماعي بمعنى أن قرطبة في ذلك الزمن عندها ضمان اجتماعي لمرضاها من مواطني قرطبة وأن المواطنين الآخرين إذا أقاموا أربعة أيام لهم الحق في الاشتراك بهذا، وأضاف والعملة التي كانت ترد إلى تونس في القرن الثامن وهي عملة مغشوشة اختلف العلماء.

وسيد عيسى الأوغاديني، أفتى بأن هذه العملة تبقى على غشها حتى لا تضيع أموال الناس وأفتى نظيره ابن عرفة بأن هذه العملة تزال حتى تكون العملة صحيحة فرجح قول ابن عرفة.

وعن السبب في التجرؤ على الفتوى أرجع ابن بيه: السبب في ذلك إلى عدم الورع، لأن “أجرأكم على الفتية أجرأكم على النار” كما ورد في الحديث المرسل وبالتالي مالك كان يخاف من هذا ولهذا قال له كيف أقول للناس جئت إلى عالم المدينة، قال قل لهم عالم المدينة لا يدري، فالإمام مالك كان شديد الحرج في هذا وكان يوجه الفتية إلى غيره، وأبو حنيفة كان يناقش في تلاميذه أرأيت لو وقع ثم في النهاية ينتهون إلى نتيجة لم يكن يستقل برأيه دونهم، فالفتوى لها خطر كبير؛ لأنها تعتدي على الأموال، وعلى الأعراض، وبالتالي يمكن أن تعتدي ويمكن أن تصلح، فالفتوى هي ميزان إذا أحسنا الوزن.

وعن الفتوى والمصرفية قال ابن بيه: أرى أنّ المصرفية الإسلامية الآن في هذه الفترة بالذات، تجعلنا أمام تحدٍّ وأمام فرصة تاريخية؛ لأنّ الغربيين وأنا كنت بفرنسا قبل أسبوع، وكنا مع وزير الاقتصاد الفرنسي، الغربيين الآن يبحثون عن التّعامل بالمصرفية الإسلامية في ديارهم ويفتحون لها الأبواب، فتحت لبريطانيا وفرنسا تدرس، عندها مشكلة الرقابة الشرعية تريد رقابة موحدة (standard) لأنها لا تريد رقابات مختلفة، في نفس الوقت وجدنا أن المصرفية الإسلامية قدمت خدمة أو الفقهاء قدموا خدمة بتقديمهم للمصرفية الإسلامية، ولكن في نفس الوقت أوجدوا إشكالات فادحة؛ لأن المعايير التي قدموها فيها أخطاء شرعية فيما يتعلق بما يسمى بالنشاط الأساسي للشركة، معناه أن الشركة تكون لها نشاطات غير شرعية نشاطات ربوية فيما يتعلق بمعيار الكثرة والقلة وهو معيار ليس صحيحا، يعني قدموا وحتى في التورّق بعضهم أجاز التورق ولم يجز التورق فقط بل أجاز التورق أيضا للطعام وهذا مخالف لإجماع المسلمين يعني المعايير التي قدمها الإخوان جزاهم الله خيرا لم يستشيروا فيها كل الناس بل كانت الحاجة الملحة للمؤسسات التي يعملون فيها دافعا لهم أن يقدموا هذه الأقيسة التي قدموها هي أقاييس منقوضة، النقض هو أن تتخلف بالجزئيات وهذه هي تخلف فيها كل الجزئيات، فالأشكال التي ركبوها ليست صحيحة، نحن في الحقيقة عندنا منهجية جيدة في التعامل مع النصوص في التعامل مع المقاصد في التعامل مع الواقع، وفي معقول النص في التعامل مع الأسس.

مكانة المرأة في الإسلام

إن الفكرة التصادمية الغربية التي تشكل هجوماً على فكرة المجتمع الإنساني ومفهوم الإنسانية المشتركة ، بحيث ينظر إلى الإنسان بشكل مفكك وتصادمي ؛ فالمرأة ضد الرجل ، وهي مضطهدة ويجب أن تدافع عن حقوقها خارج السياق المجتمعي ، والشواذ جنسياً أقلية لها حقوقها التي يجب أن يُدافع عنها ، ومن يسب الدين يجب أن يدافع عن حقوقه ، بمعنى أنه لا توجد معيارية ولا ثوابت لدى المجتمعات ، وهي مجتمعات يستند في انقطاع أمرها على أساس عقد اجتماعي ديني أو دنيوي ، يمثل الإطار المشترك لكل شعب له هويته وثقافته ، وإن الحقوق الفردية المطلقة بدون ضوابط تؤدي إلى فوضى معرفية وأخلاقية.

 

وفي هذا النطاق مرت الدعوة النسوية في الغرب بأطوار كانت في بداية أمرها مطالبة بحقوق المرأة وهي : العدالة ، والمساواة ، والأجر المتساوي مع الرجل . أما الآن فقد أصبحت الدعوة النسوية الجديدة لا تدعو إلى حقوق للمرأة ، وإنما تدعو إلى تغيير الجنس وإيجاد جنس جديد ، وإعادة النظر في الإنجاب و وسائله ؛ حيث يرى بعضهن أنه يجب أن يكون عن طريق المختبر الذي يتلقى بويضة الأنثى وال***** المنوي للرجل بدون ضرورة لقيام علاقة بين الاثنين ، إلى غير ذلك من النظريات العبثية التي أصبحت تمارس في قطع سبل الإنجاب باستغناء النساء بالنساء والرجال بالرجال ! إنه إهدار لكل القيم الإنسانية والانخراط في دوامة اللامعقول . 

 

وقد أصبحت بعض الجهات الغربية تدق ناقوس الخطر ، فقد ورد في التقرير السنوي للمعهد الوطني للدراسات الديموغرافية المقدم للبرلمان الفرنسي في 1999/12/6 أن فرنسا تأتي مباشرة بعد فيلندا والنرويج والسويد ، وهي دول أصبح عقد الزواج فيها يقل ويتضاءل مفسحاً المجال للعلاقة ” الحرة ” بدون زواج ؛ حيث يرتبط سنوياً 450،000 زوج بهذا الشكل من الرباط الحر ، وتتم المعاشرة المستديمة بدون عقد زواج من الجنس الواحد رجال مع رجال ، ونساء مع نساء ؛ ليصل سنوياً في فرنسا إلى 30،000 .

وإن الغرب يتدحرج في هذه الهاوية التي تتمثل – للتذكير – في انتشار أولاد بلا آباء ، وإجهاض ، وإعراض عن الإنجاب ، وأسرة من جنس واحد ، وعنوسة وتعاسة . 

والإشكال الكبير الذي يعاني منه الغرب أن هذه الحالات النفسية التي يفتح لها الباب على مصراعيه لتجريب التغيير المجتمعي لا نهاية لها . 

فعلى المنادين في العالم الإسلامي بتقليد الغرب أن يدركوا ما يدعون إليه ، وأي امرأة يريدون ؟ وفي أي محطة من محطت التطور الغربي سيتوقفون ؟ هذه هي المقدمة الأولى . 

أما المقدمة الثاني : فإن قضية المرأة ليست قضية المرأة فقط ولكنها قضية الأسرة ، بل المجتمع بأسره ؛ لأنها تدخل ضمن منظومة قيمية وأخلاقية دينية ، لها مرجعية حضارية هي حصيلة سلسلة من التراكمات التاريخية الموروثة ، فبدون الانطلاق من هذه المرجعية لا يمكن تبين مواقع التغيير المقبولة ، ورسم الأهداف السليمة الملائمة للمجتمع والمنسجمة مع الفطرة والصيرورة الاجتماعية في سلاسة ، بعيداً عن فكرة الصراع المرير الذي يقوم على أساس التناقض بين الجنسين . 

أما الفكرة الإسلامية فتقوم على التكامل بين الجنسين في أدوارهما ، مع مراعاة ما فضل الله به بعضهم على بعض والإسلام يدعو إلى السكينة والرحمة في بيت الزوجية ؛ وهو ما ينعكس إيجاباً على الأولاد ، ويسمح بنقل القيم بين الأجيال . تلك هي الأرضية التي ينبغي البناء عليها للتجديد ، طبقاً للتعاليم الإسلامية التي مثلت باتفاق الباحثين نقلة مدنية وتشريعية لا مثيل لها في التاريخ للمرأة ، وكان خطاب الإسلام الموجه إلى المرأة ثَرّاً ومتعدد الجوانب ومتسع الأرجاء ، كما أن الممارسة الفعلية للنساء المسلمات اللاتي يعتبرن مرجعاً تقدم نماذج غنية . 

إنه لابد من الإشارة إلى هذين الاعتبارين قبل الولوج في تفاصيل بعض فروع حقوق المرأة في الإسلام .ونحن هنا لا ندافع عن ممارسات قد تتعرض لها المرأة في بيئة معينة ، وقد تكون متأثرة بالعوائد والتقاليد ؛ إنما دفاعنا – وهو أمر لا نخفيه – عن منظومة القيم والأخلاق بمعناها الواسع في الدين الإسلامي ، وهي منظومة نعتقد أنها تسمح بتحقيق الطموح العاقل النافع للمرأة والمجتمع بكامله ، وأن هذه المنظومة هي التي تلائم فطرة الإنسان وتتناغم مع مكانته في الكون ، وأن الفروق بين الإسلام وحقوق الإنسان في الغرب هي : 

أولاً : أن الإسلام وحي الله تعالى على نبيه – صلى الله عليه وسلم – ، فمصدره الله ، وكان الإسلام ثورة بالنسبة لأوضاع المرأة في كل العالم ، وبخاصة عند العرب الجاهلية الذين كانوا يعدون الأنثى عاراً على والدها ؛ حيث يلجأ والدها إلى وأدها حية ، وقد نعى القرآن الكريم عليهم هذا السلوك : ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ” . 

ولم يكن للمرأة حظ من الميراث ، وقضية زوجة سعد بن الربيع التي جاءت تشكو إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أن عم بناتها أخذ ما تركه والدهم من المال ، فنزل القرآن يورث النبات ، وذلك معروف في الأحاديث الصحيحة .

وكان الرجل يتزوج ما استطاع من النساء دون حد ، كما ورد في حديث غيلان الذي كان له عشر نسوة ؛ فتصرف الإسلام في كل هذه الحالات فمنع قتل البنت منعاً باتاً باعتباره جريمة ، وباعتبار نفسها كأي نفس لا فرق بين الذكر والأنثى ، ثم ورث البنات وحدد لهن مقداراً في الميراث بحسب وضع الورثة ، وحدد المسموح به من الزوجات بأربع زوجات مشروطاً بالقدرة على العدل ، وباستطاعتها أن تشترط عدم قبول التعدد عند العقد ، كما هو مذهب مالك ، ولها شرطها . 

أما السبب الثاني : فهو اختلاف المصدر والمرجعية ، فالإسلام دين سماوي ، نزل من خالق البشر : ” ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ” . 

وقانون حقوق الإنسان قانون بشري يتأثر بالصراعات البشرية والأفكار الفلسفية التي تمثل في بيئتها مرجعية . 

والتفرقة بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق في الإسلام ليست ناشئة عن عدم المساواة في مبدأ الكرامة ، فالكرامة والتكريم للرجل والمرأة معاً ، والخطاب في الشريعة للاثنين دون تمييز : ” من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ” ، وقوله تعالى : ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ” . 

فأثبت الولاية المتبادلة بين الجنسين ، وأثبت الأمر والنهي لهما دون تمييز ، وجاء في الحديث : ” إنما النساء شقائق الرجال ” ( رواه أبو داود ) . 

ولكن يجب أن يبحث عن الوظيفة الخاصة التي تقتضيها كل منهما ، فتوزيع الأعباء والواجبات وترتيب الحقوق وظيفي وليس نظرة دونية ؛ ولهذا قال أبو إسحاق الشاطبي : ” وأيضاً فإن الرجل والمرأة مستويان في أصل التكليف على الجملة ، ومفترقان بالتكليف اللائق بكل واحد منهما كالحيض ، والنفاس ، والعدة ، وأشباهها بالنسبة للمرأة ؛ والاختصاص في هذا لا إشكال فيه ” .

ولهذا فإنه بنظرة فاحصة ومنصفة نجد أنه يوجد تكافؤ وتكامل بين الجنسين ، فالميراث في بعض الحالات يستوي فيه الذكر والأنثى كما هو في إخوة الأم ، يستوي ذكورهم وإناثهم وأحياناً كثيرة يفضل الذكر بناء على مسؤوليته في القيام على بيت العائلة ، فالمرأة تجب نفقتها على زوجها إن كانت زوجة ، وعلى ابنها إن كانت أماً ، وعلى أبيها وهي صغيرة ، وتوزيع الأعباء اقتضى توزيع الحقوق شرعاً وعقلاً ، وفي الشهادة قد تكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين في بعض الحقوق ، وقد تكون شهادة المرأة بشهادة رجلين في القضايا المتعلقة بالنساء : كالشهادة على المولود والرضاعة عند بعض العلماء . فهذا توزيع وظيفي . 

أما توثيق الأخبار فالرجل والمرأة سواء في نقل الشريعة ، فلا يشترط في الحديث الذي ترويه امرأة أن تكون معها أخرى ، بل هي والرجل على قدم المساواة ، مع أن أهل صناعة الحديث حكموا بأن كل النساء اللواتي روين الحديث صادقات ، فلم تجرح امرأة واحدة ، بينما جرح عدد كثير من رواة الحديث للرجال ؛ فقد نص الذهبي على أنه لا يوجد في النساء متروكة ولا من اتهمت لاسيما في التابعيات .

والنساء كُنّ يخرجن في الغزو مع النبي – صلى الله عليه وسلم – يداوين الجراح ، وربما شاركن في القتال ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – راضٍ عن ذلك . 

وفي حديث أم حرام بنت ملحان في صحيح البخاري طلت دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – لتذهب في غزو البحر فدعا لها بذلك ، وفي حديث أنس في غزوة أحد : رأيت عائشة ونسيبة – رضي الله عنهما – وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما تنزان القرب على متونهما ، ويقذفانها في أفواه القوم . 

وفي حديث الربيع بنت معوذ قالت : ” كنا نغزو مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فكنا نسقي القوم ونخدمهم – وفي رواية : ونداوي الجرحى – ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ” ( رواه البخاري ) . 

وقد شاركت نسيبة في القتال يوم أحد كما هو معروف ، وهكذا كانت خولة بنت الأزور في الفتوحات الإسلامية . 

وفي أبي داود بسند حسن أن أم ورقة بنت عبد الله استأذنت النبي – صلى الله عليه وسلم – أن تتخذ في دارها مؤذنا ، فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها . وأخذ من هذا الحديث جواز إمامة المرأة أهل دارها ، وإن كان فيهم الرجل ، وذهب إلى جواز ذلك أبو ثور والمزني والطبري خلافاً لجمهور العلماء ، وعن بعض أصحاب أحمد تؤم في النافلة وتتأخر . 

فيجب أن ننظر إلى مبدأ ” المرأة حبيسة البيت ” بأنه مبدأ غير صحيح في الإسلام ، وقد تخرّج من المدرسة النبوية عالماً شاعرات ومجاهدات . 

وقد أعطى الإسلام للمرأة حق تربية الولد ، وهو ما يسمى الحضانة في الفقه ، وهي وظيفة لا يشاركها فيها الرجل إلا نادراً . 

وكانت وظيفة التعليم والتدريس من أهم الوظائف التي قامت بها المرأة في الصدر الأول من الإسلام ، كما كانت النساء مسؤولات حسبة في الصدر الأول ، فيحدثنا أبو عمر بن عبد البر عن أسماء بنت نهيك الأسدية أنها أدركت النبي -صلى الله عليه وسلم – وعمّرت ، وكانت تدور في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبيدها عصا . 

كما يذكر القرافي في الذخيرة أن أم سليمان كانت تقوم بولاية السوق في عهد الصحابة – رضي الله عنهم – . 

وقد أختلف العلماء في توليها للقضاء ، فذهب الجمهور إلى أنها لا تتولى القضاء ؛ لأن القضاء يستدعي خبرة لا تتم إلا بالخلطة بالناس . 

وذهب أبو حنيفة إلى إمضاء قضائها في كل القضايا : كالأحوال الشخصية ، والمعاملات من بيوع وإجارات وغيرها ، إلا أنها لا تتولى الحدود والقصاص ، وأجاز الإمام ابن جرير الطبري أن تتولى كل شيء . 

واختلف العلماء في تزكيتها للشهود ، والذي يقيس عليه البعض انتخابها للمرشح ، فذهب الأحناف إلى أنها إذا كانت امرأة تخالط الناس فيمكن أن تزكي الشهود ، وهكذا نرى المرأة في صدر الإسلام في كل مكان في الغزو وفي المسجد وفي التعليم والتعلم مع صيانة الأخلاق وطهارة العلاقة . 

ومن القضايا المطروحة في هذا الزمان انتخابها كنائبة ورئيسة حكومة أو دولة ، وهو أمر يدخل تحت قول الخليفة عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – : ” تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا من فجور ” . 

ويقول الحافظ ابن رشد في فتاواه ما معناه : ” إن لله أحكاماً تنشأ عن أسباب لم تكن موجود في الصدر الأول ، فإذا وجدت هذه الأسباب ترتبت عليها مسبباتها ” .

والأصل ألا تتولى المرأة وظيفة الإمامة الكبرى إذا كانت الرئاسة إمامة كبرى على حد قول ابن حزم : “ تتولى كل شيء إلا الخلافة ” . 

وإذا أوصلت لعبة الانتخابات في بلد ما أو بيئة ما امرأة إلى هذا المنصب فإن قاعدة ” درء المفسدة ” تقتضي إقرارها خلافاً لابن عابدين في الحاشية ؛ إذ يقول : ” إنها لا تقر على الإمامة ” . ونسب من يقول بإقرارها عليها بالجهل . 

ولكن نقول : إن اختيارها لهذه الوظيفة لا يجوز في الأصل لأسباب شرعية ونفسية ؛ ولكن إذا وقع وكان خلعها سيؤدي إلى دماء فالأولى القبول ، ومعالجة الأمر بالحكمة حتى تزيحها رياح الانتخابات . 

ومن هنا ندرك أن الإسلام كان ثورة تاريخية في حقوق المرأة ، وأن حقوقها مكافئة لحقوق الرجل ، وأن المنهج المتوزان الذي سنَّه الدين يلائم طبيعة الأشياء ، وهو يتلخص في الكرامة الإنسانية والتوزيع الوظيفي للأدوار والحقوق والأعباء ، وأن الفطرة السليمة تفرض الاعتراف بأن ما جاء في الإسلام هو الملائم لوظائف المرأة الخلقية ، وهو الذي يصون كرامتها ويحمي أنوثتها ويجنب المجتمع خطر التفكك الأسري ، والتحلل الأخلاقي مصدر كثير من الأمراض النفسية والجسدية التي لا تزال تكشف مع الزمن . 

فعلى المسلمين أن يقدموا موضوع حقوق المرأة بصياغة واضحة تساعد المجتمعات الإسلامية ، بل والمجتمعات الإنسانية .

وقد حاولت منظمة المؤتمر الإسلامي التي أوصلت بعقد ندوة لدراسة موضوع المرأة ، وقد عقدت هذه الندوة تحت عنوان “ دور المرأة في تنمية المجتمع الإنساني ” ، وأصدرت بياناً حددت فيه الخطوط الكبرى لخطة إدماج المرأة في التنمية ، وقد عدلته لجنة الفتوى في المجتمع الفقهي الإسلامي التابع للمنظمة بعد إحالته عليها من طرف وزراء خارجية الدول الإسلامية ، إلا أن مجمع الفقه لم يستطع الموافقة على هذا النص لاختلاف أعضائه ، وسننشر بيان الدورة وتوصياته وتعديل لجنة الفتوى في الملحق . 

 

وبالجملة : فإن حقوق المرأة مصونة ، ومبدأ قوامة الرجل نص قرآني لا غبار عليه : ” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ” ، والقوامة إنما هي لصالح النساء قبل كل شيء ، ولصالح البيت والأسرة ؛ حيث يقوم الرجل بواجب النفقة ؛ لأن المرأة لها مسؤوليات في البيت و واجبات ، ولقد طرح النساء في الغرب مسألة أجرة العمل المنزلي ، والإسلام يسمو بالعلاقة الزوجية أن تقدم على أساس استئجار ، وإنما هي تعاون . 

 

ولا تعني القوامة استبداداً ولا تحكماً ولا ظلماً واضطهاداً ، فإذا كان في كل خمسة أيام يقتل إسباني زوجته فإن الإسلام يشيع روح التعاون والتشاور بينهما في شؤون البيت بنص القرآن حتى في فطام ولديهما فقال تعالى : ” فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما ” ، فإذا اتفقا على فطام ولد فإن ذلك يكون بتراض من الزوجين وتشاور . 

ومن حيث الممارسة الفعلية في التاريخ فقد شهد العالم الإسلامي عالمات فقيهات ، ومحدثات ، ومدرسات ، وشاعرات ، ومحسنات كبيرات أنشأن أوقافاً وجامعات . 

إن الأنموذج الغربي هو أنموذج بائس ، وبحاجة إلى مراجعة على ضوء الفطرة الإنسانية في غياب الدين الإلهي عن حياة الغربيين ، ولعل أكبر مشكلة يواجهها العالم الإسلامي هي كيف يدمج المرأة في التنمية دون أن تمر بسبيل المرأة الغربية الوخيم النتائج ؟ 

 

 

المرجع : حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام 

لـ معالي الشيخ : عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه 

ص : 49-59 . 

العبيكان / الرياض 

 

الرقابة الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

                               ورقة معالي الشيخ عبدالله بن بيـّه

 

“الرقابة الشرعية”

 

أيها السادة الكرام

ها هو التشريع الإسلامي وبخاصة في مجال المعاملات المالية يتقدم اليوم للوساطة بين الغرب والعالم الإسلامي، لقد كانت الرياضيات مع الخوارزمي والفلسفة الإسلامية –ويجوز أن أقول اليونانية بأيد إسلامية- مع ابن رشد تقوم بالوساطة بين العالمين وبين عدوتي البحر الأبيض المتوسط، ولعل ابن رشد يحيا مرة أخرى مع كتابه البديع والذي يعتبر فقها مقارناً في التشريع الإسلامي وبخاصة في الأبواب التي خصصها للمعاملات المالية والذي بدأه بأنواع الخلل الشرعي الذي يعتري العقود حيث قسمها إلى خمسة في تقنين رائع يستمد من نصوص الكتاب والسنة ومن نتائج العقول والتجارب ومراعاة مصالح الناس.   

 

وهنا قد يكون من المناسب أن أقول كلمة عن الشريعة الإسلامية، التي يمكن أن توصف بأنها: سلسلة من القواعد والضوابط والمبادئ والأحكام التفصيلية مغطية الأخلاق والسلوك والمعاملات في كل أبعادها، فكانت إيماناً وعبادات مقرونة بالعمل الصالح مما جعل القيم أساساً لقوانين المعاملات، والتكافل والتضامن أساس العلاقات الإنسانية.  

 

ولهذا فإن الفقه الإسلامي الذي يعتمد على نصوص ومبادئ من الوحي: الكتاب والسنة ويعتمد كذلك على الاجتهاد البشري –على مر القرون- مستعملا أفضل الوسائل لتفسير النصوص وليس تفسيرا هيرمينوطيقياً للكتب المقدسة بالوسائل اللغوية والألسنية، وإنما هو تعامل بالوسائل الأرسطية المعقدة أحيانا من خلال القياس الاقتراني Déduction     والاستقراء Induction     والقياس التمثيلي Analogie   .وكل الأدوات العقلية.  فقد أدمج الفقهاء في القرن الثامن الميلادي الموروث اليوناني بأصول الفقه وكان للجدليات الفلسفة مكانها واعتبار مصالح العباد واعراف الأقوام وعوامل الجغرافيا مما جعل الفقه يصل إلى مدونات تمثل جهدا قانونياً رائعاً، وأوجد موسوعة محكمة مختلفة اختلاف المذاهب؛ لكن أصولها ترجع إلى المبادئ والقيم الدينية والخلقية بدون إهمال لضرورات الحياة وحاجات الناس.

 

إن التشريع الإسلامي بوضوح مبادئه وصرامة معاملاته وانفتاحه ومرونته في نفس الوقت ،، يوفر رديفاً ينافس منافسة جيدة الاقتصاد الوضعي لأنه يتكامل معه. ومن تلك المنطلقات تنطلق الرقابة الشرعية التي يمكن أن ينظر إليها من خلال ثلاث مراحل أو في ثلاث مستويات:

يمكن أن يعبر عنها برقابة قبلية سابقة، ورقابة مرافقة، ورقابة لاحقة.

  

أهداف الرقابة هي:

 

 أولا: المحافظة على التزام المصارف والهيئات بأحكام الشريعة طبقا الخيارات المعتمدة لدى تلك الجهات.

ثانياً: اشعار المتعاملين بأن معاملاتهم شرعية كسباً لثقتهم بالمؤسسة.

ثالثاً: إيجاد وسائل ترفع عن المؤسسة الحرج في استعمال أدوات الاستثمار وخلق منتجات جديدة.

الرقابة تعتمد اللوائح والنظم التي تحكم المؤسسة، وتشترك في وضع سياسات المؤسسة.

وليست هذه الهيئات اختيارية أو ترفاً فإن المؤسسات التي تنص قوانيها على الالتزام بالشريعة لا بد أن تعتمد على مرجعية شرعية سواء سميناها رقابة أو فتوى لتجسيد هذا الالتزام.

يجب أن أنبه هنا إلى أن عمل هيئة الرقابة القبلية الذي قد يبدأ في طور إنشاء المؤسسة مهمة دقيقة؛ فعند المبادرة بإنشاء مؤسسة فإن القائمين عليها يفكرون في البحث عن هيئة شرعية ليس فقط لمساعدتهم في إبراز المؤسسة طبقاً للمواصفات الشرعية ولكن أيضا لجذب العديد من المساهمين المحتملين للانضمام إليهم؛ ولهذا فهم يعمدون إلى أسماء فقهاء لهم شهرة في الاستشارات المالية ليعرض عليهم كتابة أسمائهم على ورقة التأسيس وقد يكون هؤلاء ممن تتكرر أسماؤهم في عشرات البنوك والمؤسسات.

وعمليا يتقدم المؤسسون بنماذج لتكون أساس العمل لمؤسسات سابقة وأحياناً نماذج لمؤسسات تقليدية لا صلة لها بالمالية الإسلامية وهنا يبدأ التفاوض مع الهيئة الرقابية وفي الهيئة نفسها حول ما هو مقبول وما ليس بمقبول وحول الشروط التي ينبغي أن تضاف.

وهكذا تبدأ مهمة هيئة الرقابة أو هيئة الإفتاء حسب المسمى الذي يصطلح عليه لترافق المؤسسة حيث تقدم لها شهادة بحسن السلوك وهي نفس الشهادة التي تصدرها في نهاية كل سنة مالية من خلال تقرير سنوي قد يكون مختصرا لكن هذا التقرير الذي يعرض على مجلس إدارة المؤسسة يعتبر ضرورة لتأكيد محافظة المؤسسة على اختياراتها وعدم إخلالها بالتزاماتها الشرعية، فهي تشبه إلى حد ما تقرير محكمة الحسابات الذي تصادق فيه على حسابات خزينة الدولة.

       

هيئات الرقابة :

 

1 – هيئة الفتوى والرقابة الشرعية : وهي التي تقوم بالإفتاء والإجابة عن الاستفسارات التي ترد إلى الهيئة من قبل كافة الجهات التابعة للمؤسسة المالية. كما تعنى بالنظر في أعمال المؤسسة وأنشطتها المالية المختلفة وإصدار الرأي الشرعي حيالها، والنظر في العقود وصيغ الاستثمار والمنتجات المالية التي تعلن عنها تلك المؤسسة.

 

2 – الرقابة الشرعية الداخلية : حسب مفاهيم الرقابة الحديثة فإن الرقابة الشرعية الداخلية تعني أساسا نظام الرقابة الشرعي، وليس الجهاز الإداري أيا كان مستواه قسم أو وحدة إدارية. والمسؤول على وضع هذا النظام هي المؤسسة المالية في المعايير والضوابط التي تعتمدها الهيئة الشرعية. أما ما يمثل جهازا إداريا، وحدة أو قسما ضمن الهيكل التنظيمي للمؤسسة فهي المراجعة الشرعية التي تعتبر أحد مكونات الرقابة الشرعية الداخلية.

ويقصد بالرقابة الشرعية الداخلية في هذه الحالة جهاز يتبع إدارة البنك ويتولى مهمة تطبيق توجيهات هيئة الفتوى والرقابة الشرعية ومتابعة تنفيذ قراراتها وفحص العقود والاتفاقيات والتعهدات التي تنفذها المؤسسة مع عملائها من خلال دليل إجراءات يتم إعداده بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة في البنك وتصادق عليه الهيئة الشرعية.

 

3-الهيئة العليا للرقابة الشرعية : وهي جهة شرعية عليا تتبع غالباً البنك المركزي وتقوم بالإشراف على المصارف الإسلامية على مستوى الدولة بالتنسيق مع هيئات الرقابة الشرعية لكل مصرف.

وهناك شكل جديد من الرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بدأ في الظهور وهو ينمو شيئا فشيئا وهو ما يعرف بشركات الاستشارات والرقابة الشرعية الخاصة المستقلة عن المؤسسات المالية وعن الجهاز المصرفي الحكومي، وهي شركات لا تزال في خطواتها الأولى، وتعود في نشأتها إلى الخمس سنوات الأخيرة، وتتركز بشكل كبير في منطقة الخليج.

وعلينا أن ننبه على قيام اختلافات فقهية لم يتم تجاوزها على الرغم من ندوات عديدة أسفرت عن جملة غير قليلة من المعايير وبخاصة في البحرين وماليزيا؛ إلا أنه لا يختلف في الموجهات الكبرى المتمثلة في التالي:

 

المعيار الأول : يجب أن لا تحتوى الأنشطة الأساسية للشركة على الربا -بمعنى الفوائد الناشئة عن ودائع أو عن اقراض نقود يؤدي إلى أن تلد نقود نقوداً دون توسيط سلع أو مواد أخرى-، فيحترز بهذا المعيار من كل ما يجري في المؤسسات المالية التقليدية من أنشطة ربوية كالمصارف التجارية، والشركات المالية.

 

المعيار الثاني : أن لا تتعامل الشركة بالقمار في أنشطتها التجارية الأساسية.

 

المعيار الثالث : يجب أن تكون الأنشطة الرئيسية للشركة لا علاقة لها بالأمور التالية:

1-     إنتاج الخمور وتسويقها أو المخدارت.

2-     توزيع الأطعمة المحرمة شرعاً كالخنزير أو المضرة بالصحة.

3-     تقديم خدمات غير مشروعة مثل إنشاء أو إدارة الأماكن غير الأخلاقية.

 

المعيار الرابع : أن لا تحتوي الأنشطة التجارية الأساسية للشركة على الغرر الفاحش مثل عقود التأمينات غير التعاونية، وبيع الديون النقدية، ونقل ملكية سلع غير مملوكة للمتعامل لا يمكن تسليمها.

 

وبصفة عامة يراعي في المعاملات مبدأ الشفافية وأن الغنم بالغرم والاشتراك في الربح والخسارة.

 

وانطلاقاً من هذه المبادئ تقترح المصرفية الإسلامية جملة من المنتجات المربحة بعناوين: “المشاركة” “المضاربة” “الاستصناع” “الإجارة” “المرابحة” “السلم”. إنها تقترح آليات للتمويل غير تقليدية وربما تكون معقدة بعض الشيء في البداية وربما تنظر إليها بأنها قديمة ولا تتلائم مع حركة ودينامكية الاقتصاد المعاصر وهو انتقاد مفهوم إلا أنها تمثل ملجأ فيه شيء من الأمان لرأس المال الذي لا يربح دائماً في المخاطرة لأنها تعتمد على الاقتصاد الحقيقي ووراءها سيولة نقدية معتبرة؛ ولأنها قد تمثل نوعاً من الكوابح اعترف بعض الخبراء بضرورته لسرعة مذهلة في خلق أوراق مالية بدون أساس في ظل رقابة مسترخية لتسير بالمالية إلى أفق مجهول.

 

وباختصار:  إن تجربة المالية الإسلامية تستحق أن نعيشها وأن تعيشها فرنسا لتلحق بالذين سبقوها أو تسبقهم.                     

ولعلنا نسمح لأنفسنا بأن نطمع بشراكة حقيقية في العلاقة الجديدة وأن لا تكون فقاعة تغوص في رمال الصحراء عندما تشح الآبار النفطية على الخليج العربي أو تذوب السيولة في الغرب مع جليد جبال البيرينيه عندما تسطع شمس الربيع بل شراكة باقية لتبادل التكنولوجيا والسلع الأخرى والتبادل الثقافي والبشري الدافئ على ضفاف البحيرة الخالدة البحر الأبيض المتوسط.

ولهذا فإنا ندعو الدارسين الغربيين والفرنسيين أن يثروا موضوع المالية الإسلامية بأبحاثهم وتفكيرهم وأن يبذلوا أقصى جهد مع فقهاء الشريعة لصياغة أنظمة المؤسسات الإسلامية صياغة حديثة تتماشى مع أحدث النظم لتطوير أدائها ورفع كفاءتها.

لأنها تعتمد أفضل التقنيات للمعلومات والإدارة والمحاسبة حتى تكون بحق مؤسسات معاصرة وأداة للاستثمار لمصلحة الجميع على أن لا يؤدي ذلك لفقدان هويتها وخصائصها.

 

وأخيراً:  فإن الاقتصاد الإسلامي يمكن أن يكون رافعة لانهاض الاقتصاد العالمي ومحفزا يسهم في “إعادة تشكيل الاقتصاد الرأسمالي” حسب دعوة الرئيس الفرنسي ساركوزي. إن ذلك يرجع إلى مجهود الجميع.       

 

أشكركم

 

 


 

شرح بعض المصطلحات :

1- المشاركة: تعني مشاركة المودع للبنك في الربح مما يعني أن البنك سيكون مشاركاً للمستثمر الذي سيحصل على النقود من البنك لتنفيذ مشروع.

2-   المضاربة: علاقة بين المتاجر في المال وصاحب المال حيث يتشاركا في الربح.

3-   الاستصناع: عقد مع جهة صناعية لصناعة منتج معين.

4-   الإجارة: عقد على منافع عقارية أو منقولة

5-   المرابحة: بيع  يكون غالباً في مقابل في مقابل أجل

6-   السلم: ثمن عاجل في سلعة مؤجلة.


ترقيع غشاء البكارة جائز شرط التوبة وابلاغ المتقدم للخطبة

السؤال
صحيفة عكاظ – نعيم الحكيم

هل يجوز للفتاة ان تجري عملية ترقيع غشاء البكارة؟

الجواب
أجاز نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووزير العدل الموريتاني السابق وعضو المجمع الفقهي الإسلامي الشيخ الدكتور عبد الله بن بيه،

أن تقوم الفتاة بعملية ترقيع غشاء البكارة سواء فقدته في حادث أو نتيجة وقوعها في خطأ، شريطة أن تتوب توبة نصوحا وتخبر خطيبها بذلك حتى لا تخدعه وتحتال عليه فتأثم بهذا التصرف.

وعلل إجازته لذلك بضرورة تحسين حال الإنسان لنفسه وأن يكون في وضع لائق ظاهرا وباطنا، كما أنه من الزينة التي أمر بها الله (قل من حرم زينة الله التي أخرجت لعباده والطيبات من الرزق)، مشيرا إلى أن هذه العملية من التداوي الذي دعا إليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

 

لبس النقاب امر خلافي

تهاني السالم – جدة يؤكد العلامة الشيخ عبد الله بن بيه أن منع النقاب في أوروبا ينظر إليه من عدة زوايا

فيقول: قد ينظر لهذا المنع بما يُسمى بكراهية الإسلام أو ما يسمى بفوبيا الإسلام أو قد ينظر إليه من زاوية عدم الأمن وعدم الاطمئنان إليه والانزعاج من هذه المظاهر ورفضها والأمر الآخر هو الانزعاج من الإسلام فهذا من الممكن أن يكون مخلاً بحرية الإنسان أن يرتدي ما شاء، وبالتالي يمكن أن القضايا الأمنية تثار في أوروبا لكن بالنسبة للقضايا الأمنية فلا يوجد مانع إذا لم تطمئن للإنسان أن تطلب منه بأن يقدم صورته وهويته، لكن لا يكون بسن قوانين لأن القوانين الأمنية كافية في أن تجعل الشرطة تطلب ممن لا تطمئن إليه هويته وبياناته الشخصية.

وأضاف قائلاً: النقاب مختلف فيه بين العلماء فهناك بعض الفقهاء يرون جواز كشف الوجه حتى عند بعض أصحاب المذهب الحنبلي فمثلاً ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية يقول يجوز النظر إلى وجهها بدون شهوة، وهناك أيضا من المالكية فيقول القاضي عياض بأنه يجب على الرجل أن يغض بصره ولا يجب على المرأة تغطية وجهها، وهناك من يرى أن الوجه عورة وهو روي عن الإمام أحمد، و فيه أقوال من مناهج أخرى توضح أن هناك اختلافًا في النقاب، فإذا أدى إلى إشكال فهناك ترتيب أولويات لذلك على المسلمين أن يستمروا في الحوار وتبيين أن هذه القطعة لا تؤذي ولا تهدد أحدًا وبالتالي يتعود الناس في المشهد الأوروبي بمثل هذه المظاهر التي يفعلها المسلمون، ففي هذه المسألة اختلاف للعلماء وهناك أدلة متقابلة في الاستدلال بكشف الوجه سواء في الحج أو غير ذلك فهو ممكن أن لم يُخش منه فتنة أو تكون في بيئة بها إشكالية فالأمر فيه سعة لكن مع ذلك لا نأمر المسلمات اللاتي ينتقبن في أوروبا بكشف النقاب فهذا أمر يرجع إليهن بل علينا أن نذكر أن في الأمر اختلاف فقهي.

العلامة ابن بيه : التقسيمات الفقهية للعالم اجتهاد فقهي توصيفي،

 

أكد الدكتور عبد الله بن بيه ـ نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ـ أن التقسيمات الفقهية للعالم اجتهاد فقهي توصيفي، يقوم على واقع وليس توقيفا من الشارع إلا بقدر ما يتعلق ببعض الأحكام الشرعية ، موضحا أن هذا التقسيم يعتمد على ظواهر من الكتاب والسنة ، وهو تقسيم وظيفي ، بمعنى أنه يراعي وظائف العالم في ذلك الوقت ، أي يصف واقع العالم ؛ لذلك فهو وظيفي توصيفي ؛ ولهذا فهي ظواهر وليست نصوصا قطعية من الشارع،وهذه الظواهر منها أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالهجرة {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ..}[النساء:100] ترغيبه في الهجرة، ، والوعيد الذي كان في شأن المستضعفين الذين لم يهاجروا وبقوا مع الكفار ، واستثنى الله منهم أولئك الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

و في السنة بعض الأحاديث التي فيها “وليتحول وليتحولوا إلى دار المهاجرين” وأن النبي “صلى الله عليه وسلم” كان يأمر بذلك أمراء السرايا،و لكن القضية أساسا محتوى هذا المصطلح وبالتالي تطبيقات هذا المصطلح، والتي تظهر في قضية الإقامة في منطقة معينة من الأرض في مسألة الهجرة ، أي خروج من هذه المنطقة ، وفي معاملات أخرى يختلف العلماء في أحكامها، فهذا هو المضمون وهو مجال تطبيق هذا التقسيم.

مفهوم المصطلح
وقال ابن بيه في برنامج “الشريعة والحياة” الذي تعرضه قناة الجزيرة الفضائية بعنوان ” الفقهاء وتقسيم العالم ” : إن العلماء لهم اجتهادات متعددة حول مصطلح تقسيم العالم ، فبعضهم يقول:” دار حرب ودار إسلام ودار عهد” ، أي أن دور الكفر تنقسم إلى قسمين: إلى دار حرب، أهلها يحاربون، وإلى دار عهد وأمان أو عهد وموادعة أو عهد وهدنة، يسمونها كل هذه الأسماء. الأحناف عندهم الدار داران دار إسلام ودار حرب.

دار مركبة
وتابع : هناك دار مركبة عن الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وهى دار لا دار حرب ولا دار إسلام، فهي واسطة بين دار الحرب ودار الإسلام ، أو بين دار الكفر ودار الإسلام؛ لوجود جنود من التتار لم يكونوا مسلمين ، وإن كانت عبارة الفتوى قد يفهم منها غير ذلك، ووجود شعب وجود ناس من المسلمين يقيمون في هذه الديار، فهذه الفتوى جعلت الدار مركبة.

و الدار المركبة وجهتها فريدة ؛ لأن العلماء جروا على دارين أو على ثلاث دور، والتقسيم سببه هو الأحكام المترتبة عليه ، هل تجب الهجرة من دار غير المسلمين إلى دار المسلمين؟ هل تجوز الإقامة في دار غير المسلمين؟ هل تجوز المعاملات الفاسدة التي لا تجوز شرعيا في هذه الديار كما هو مذهب الأحناف؟

طبيعة الحياة
وأوضح أن هذه الأحكام الشرعية المتعلقة بالدور كرست لهذا الانقسام ، لكن السبب التاريخي هو أنه لم يكن العالم محكوما بمعاهدات ، حيث كانت العلاقة بين الدول بل بين القبائل عندما بعث رسول الله “صلى الله عليه وسلم” كانت هذه العلاقة إما عداء أو حرب أو غلبة أو أن تغلب دولة دولة أخرى كما بين الروم وفارس، أو أنها تخضع لها ، بمعنى لا تقبل منها غير ذلك، حيث لم تكن الصدور متسعة في ذلك الوقت للإمبراطوريات إلا للقتال أو لغلبة أحد الطرفين التي لا بد أن يكون مغلوبا والآخر يكون غالبا، فهذا الواقع الذي كان في حياة القبائل في حياة الدول المنظمة مثل الفرس والروم.

تقسيم تاريخي
ونوه : أن هذا الواقع انعكس على واقع الفقه عندما أراد الفقهاء النظر في العالم في هذا الوقت فهو عالم من جهة إما أن يكون محاربا وإما أن يكون مسالما داخلا تحت حكم الإسلام بما يسمى بالذمة أو معاهدا وهذا له أحكامه الخاصة فيه، فهو تقسيم تاريخي يعتمد على ظواهر من النصوص ويعتمد على بعض التطبيقات المتعلقة بالأحكام الشرعية

جوانب الخلل
ونوه أن هناك خللا كبيرا في فتوى الدار المركبة ، كما ذكر شيخ الإسلام أن هذه الدار فيها معنيان، وأنه يجب أن يعامل المسلم بما يستحقه ، وأن يعامل الخارج عن الشريعة بما يستحقه ويقاتل، لذلك فالخلل هو أن نسخا مطبوعة من فتاوى ابن تيمية فيها “ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه”،
واستطرد قائلا : والحقيقة عندما قرأتها لم أستسغها ، وقلت: إن الصياغة والسياق لا يقتضيانه، بل يقاتل هذه هي يعامل، لأنه كيف تقول يقاتل بما يستحقه؟ القتال ليس فيه درجات، يقاتل يقاتل، ثم إن السياق يدل على وجود مصانعة ومعايشة بين الطرفين، وهذا سياق فتواه؛ ولأجل هذه قلنا : إنه يعامل ، ولكن لحسن الحظ ، وجدنا ابن مفلح في كتابه “الآداب الشرعية” ينص على هذه الفتوى، ويقول: إن شيخ الإسلام قال : ويعامل، ويعامل الخارج عن الشريعة بما يستحق؛ لأن يقاتل فيها خطورة كبيرة تلقفها بعض الناس وترجمت في اللغات الأجنبية مع الأسف ، وقال : يُقاتل !! من الذي يقاتل مبني للمجهول، ثم من يقاتل؟ ثم ما هي درجة الخروج عن الشريعة التي تؤدي إلى المقاتلة؟ ومما يستحقه ؟ وما هو هذا الاستحقاق؟ إشكالات كبيرة ، ووجدت ابن مفلح ساق الفتوىـ وهو تلميذ ابن تيمية ـ صحيحة ، وكذلك محمد رشيد رضا قبل قريب من مائة سنة ، وكذلك الفتاوى الأجوبة النجدية، وفيها أيضا على الصحة، لم يبق لنا إلا أن نحصل على المخطوطة الموجودة في المكتبة الظاهرية في دمشق التي يمكن أن تبين الحقيقة في هذه المسألة؛ لأن في الحقيقة “يقاتل” فيها خطورة كبيرة جدا ، وهذه الخطورة أثرت في بداية السبعينيات ، وبخاصة في بعض الكتابات التي تتحدث عن الدار ككتابات محمد خير هيكل الذي يتحدث عن الدار ويقول: إن دور الإسلام الآن هي كلها دور كفر وليست دور إسلام.

آثار العولمة
وأشار إلى أن هذا التقسيم لم يعد صالحا بسبب المواثيق الدولية و العولمة التي لم يبق بلد الآن إلا وفيه مجموعة من المسلمين، قلت أو كثرت، والعلاقات التي تحكمهم مع السلطات الموجودة هي علاقات إنسانية علاقات بشرية علاقات فضاء تسامح، ولأجل هذا وانطلاقا من الرسالة النبوية التي هي رسالة شاملة كاملة للعالم كله “إني رسول الله إليكم جميعا”، فالعالم المعمورة هي إما أن تكون من أمة الإجابة ، وإما أن تكون من أمة الدعوة ، وكل أمة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” على اختلاف في من استجاب لهذه الدعوة ومن لم يستجب لها.

ثم إن هناك أحاديث تؤيد هذا فيما يتعلق بالهجرة في حديث فديك، وفديك هذا رجل أسلم ، ولكن قومه قالوا له “دن بما شئت وابق معنا”، أريد أن نهتم بكلمة “دن بما شئت”، الحرية الدينية، فلما توفرت له الحرية الدينية بقي مع قومه حتى وفد إلى النبي “صلى الله عليه وسلم” فلما وفد إليه في سنة ست قال: يا رسول .. يقال : إن المهاجر.. قال النبي “صلى الله عليه وسلم”: “يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء واسكن من أرض قومك حيث شئت”.

اختيار فقهي
وأوضح ابن بيه أنه قال : من أرض قومك ، ولم يقل من دار قومك. فالدار هي لغة تقال للأرض التي يسكنها الناس، تقال للمنزل تقال للمسكن لكن الفقهاء أخذوها كمصطلح. الشريعة لا تقول البلد، وإنما تقول: “البلاد” وتقول:” الدور” ، والدار لغة كل ما يسكن وكل ما ينزل به، لأن ً المصطلح نفسه هو اختيار فقهي، و لأن الدار سميت بها المدينة {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ..}[الحشر:9] ؛ لأنها كانت دار هجرة ، وهي ستظل ؛ ولذلك سماها عبد الرحمن بعد ذلك قال لعمر : “حتى ترجع لدار الهجرة” لكن هذا الاسم أو هذه العهدية التي ترجع إلى المدينة ليس لازما أن تعين بدار الإسلام، مكة سميت قرية {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ}[محمد:13] سماها قرية، سمى مكة قرية وهي أم القرى إذاً هذا الإطلاق وكونها قرية هذا لا يعطي حكما شرعيا.

العلامة ابن بيه في محاضرته لعلماء المستقبل بالقاهرة : تراجع دور المرجعيات الدينية شجع الدخلاء على الإفتاء

حذر الشيخ عبدالله بن بيه نائب رئيس الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين ورئيس المركز العلمي للترشيد والتجديد من تراجع دور المرجعيات الدينية مما أدي إلي تضارب الفتاوي وتناقض الآراء والمواقف ولهذا لابد من تقوية دورها لحماية عقيدة وأفكار أهل السنة والجماعة من أي مخالفة لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية. جاء ذلك خلال محاضرته التي ألقاها بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لمجموعة كبيرة من علماء المستقبل من الجنسين عن “صناعة الفتوي” باعتباره موضوعاً لأشهر كتبه التي يتم تدريسها في العديد من المؤسسات العلمية والأكاديمية في العالم الإسلامي ويتم تدريس كتابه “صناعة الفتوي” ضمن البرنامج الدراسي لعلماء المستقبل الذي ينظمه الاتحاد.
في البداية أوضح الدكتور فتحي أبو الورد مدير الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن بن بيه يعد من العلماء الموسوعيين الذين تعددت كتبهم في مختلف المجالات العلمية ومنها كتاب “صناعة الفتوي” الذي يقوم بتدريسه لعلماء المستقبل الدكتور محمد المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم وتفاعل معه الدارسون نظراً لما في الكتاب من آراء جريئة واجتهادات جديدة في قضية من القضايا الحيوية في حياة المسلمين وهي الفتوي وكيفية صناعتها والمخاطر التي تهدد الأمة إذا أهملت صناعة الفتوي وذهب الناس إلي أنصاف العلماء وأدعياء العلم ليتعرفوا منهم علي أحكام دينهم ولهذا لابد من التصدي للدخلاء وإعداد البدلاء القادرين علي سد الفراغ الموجود في الساحة من خلال التسلح بالعلوم الشرعية والعربية والوعي بفقه.
وتحدث الشيخ عبدالله بن بيه فقال: ان مصطلح “صناعة الفتوي” الذي أطلقته أردت به أن أنبه وأيقظ ضمائر العلماء وحتي المستفتين وكذلك العامة بأن الفتوي صناعة وليست أمراً بسيطاً وهيناً وبالتالي فإن الاعتراف بمبدأ صناعة الفتوي يقتضي صناعة ومصنوعاً وأدوات لهذه الصناعة ومن ثم لا يجوز لمن لم يتدرب علي هذه الصناعة أو من لا يملك أدواتها أن يتسور جدارها وأن يبيح حماها بل عليه أن يسأل أهل الصناعة وهم أهل الذكر ويدخل في صناعة الفتوي العلاقة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية هي علاقة حميمة.
وطالب بوضع ضوابط للمفتين سواء في الفضائيات أو غيرها لحمايتها من الدخلاء ومن الضروري أن توضع معايير وحواجز دون الإفتاء المنفلت بخاصة القضايا الكبري كقضايا الجهاد والتكفير والقضايا التي تهم الأمة ولا ينبغي أن يترك فيها الحبل علي الغارب لمن يتعرف علي المقاصد الشرعية وعلي الواقع لأن الجدلية بين الواقع والنصوص جدلية يجب علي الفقيه أن يحسنها وكذلك قضايا تهم الشركات والاقتصاد الإسلامي وهي قضايا لا يحسن الخوض فيها كل أحد تبقي القضايا الجزئية التي تهم العبادات والمعاملات البسيطة فهي يمكن للفقيه المتمكن أن يفتي فيها فالأمر ليس علي ميزان واحد كما يقول الشاطبي. وليست علي حد واحد فبعض القضايا فيها غرر وفيها خطر فبالتالي لا يفتي فيها من لا يبدئ ولا يعيد وهناك قضايا توجد حلولها في بطون الكتب بغض النظر عن الواقع لأن الواقع لا يختلف من زمن إلي زمن ومن مكان إلي مكان وهذه يمكن للفقيه العالم الذي له معرفة بما في الكتب أن يفتي فيها.
وأشار إلي أن التردي ليس في وضع الفتاوي بل هو في خط عام للأمة في كافة المجالات وبالتالي لا يجب أن نحمل طرفاً ولا ننظر بشكل شمولي والفتوي في الأصل يجب ألا تتأثر بها وسائل الإعلام لأنها وسائل وليست غايات ولكن من المؤسف أن البعض حولها إلي غايات وبالتالي أثرت في عملية تكوين الفتوي بشكل كبير التي تحولت إلي

دورة علمية في اسبانبا

دورة علمية يقيمها المركز العلمي للتجديد والترشيد بالتعون مع مجموعة دين انتنسف ويشارك فيها عشرات الطلبة من انحاء العالم

اخوانيات …العلامة ابن بيه والسيد عبدالعزيز الرفاعي

سنة 1989م- جدة

 

الح الدكتور السيد عبد العزيز الرفاعي – رحمه الله-

على مولانا الإمام ابن بيه في حضور مجلسه الادبي الاسبوعي الذي يقام بعد العشاء بدارته ..

فاعتذر الشيخ بهذه الابيات

 

 

معالي السيد الشهم الرفاعي

مكانك في اليراع على اليفاع

وغيرك في تلاع خاشعات

وأنى بالميافع للتلاع

حبوت بعسجد وبنظم درّ

ومن يزن الجواهر بالسياع

أخا بالشعر أولع في زمان

وولى ظهره بعد انصياع

هجرت الشعر بل هجر القوافي

قتير الشيب منقطع الدواعى

كلانا هاجر ولكل خلِّ

قطيع الوصل في الهجران داع

فذاك الهجر أن هجرت سليمى

وحبل القينتين إلى انقطاع

عزفت عن المعازف إن إدّاً

سماع الشيخ يا لك من سماع

وعن تلك المثالث والمثانى

ثنيت العزم موصول الزماع

وصرت اليوم عماً لا ابن عم

تركت سبيلهن بلا وداع

وأن قالوا : فقيه مالكي

يقول الشعر حسبك من شناع

ويزرى بالفقيه برأي قوم

يصونون الفقيه عن الرَّعاع

فما علموا بأن الشعر منه

شعاع في دجى الهم الشّعاع

وإني بالبداوة ذو ولوع

وحسن البدو قدماً في الطباع

ضجيج في الحضارة ليت منه

هزيم القرم في الشول الرتاع

وأسقام عن السمار صدت

وشدت مئزري ولوت ذراعي

أويت مع الطيور بجنح ليلي

وما نيل البكور بمستطاع

وذي خمسون مع خمس تقضت

فأرست مركبي وطوت شراعي

فذاك العذر للأدباء يزجى

بمجلس شيخنا البدر الرفاعي

 

ملك المغرب يمنح جائزته للفكر والدراسات الاسلامية لسماحة العلامة عبدالله بن بيه

سلم ملك المغرب جائزة محمد السادس التنويهية التكريمية للفكر والدراسات الاسلامية للأستاذ العلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه من الجمهورية الاسلامية الموريتانية، مكافأة له على ما قدمه من بحوث ودراسات وخدمات علمية في مجال العلوم الانسانية. والإسلامية سواء كانت مؤلفات او محاضرات. يشار الى ان جائزة محمد السادس لتنويهية التكريمية، تمنح لمكافأة العلماء الذين قدموا بحوثا ودراسات علمية في مجال العلوم الإسلامية . كما يشترط في المرشح لنيل الجائزة التنويهية التكريمية، أن يكون من الشخصيات العلمية البارزة التي خدمت الفكر الإسلامي خدمة جليلة صادقة، ويقدم أعمالا علمية قيمة في المجال الإسلامي.