ارشيف ل

التكفير: الوجه الثاني للحرب على الأمة الإسلامية (2 ـ 2)

 

وقع التكفير لطوائف من المسلمين يكّفر بعضها بعضًا، فالأشعري يكفّر المعتزلي زاعمًا أنه كذّب الرسول في رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات وفي القول بخلق القرآن، والمعتزلي يكفّر الأشعري زاعمًا أنه كّذب الرسول في التوحيد، فإن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء.


قال: والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق، ووجهه أن كل من نزل قولاً من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي لا تحقق نقصًا فهو من التعبد، وإنما الكذب أن ينفي جميع هذه المعائر ويزعم أن ما قاله لا معنى له إنما هو كذب محض، وذلك هو الكفر المحض، ولهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازمًا لقانون التأويل؛ لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر».


وكلام الغزالي الذي لا يسلمه له بعض من العلماء هو نموذج من التشديد على من يستسهل إطلاق الكفر على الناس.


«وفي جامع الفصوليين روي الطحاوي عن أصحابنا: لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة إسلام المُكره».


أقول: قدمت هذا ليصير ميزانًا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل، فإنه قد ذكر في بعضها أنه كفر مع أنه لا يكفر على قياس هذه المقدمة، فليتأمل أحد ما في جامع الفصوليين.


وفي الفتاوى الصغرى: «الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر».


وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينًا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: «إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتار خانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه».


«والذي تحرر أنه لا يفتي بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكور لا يفتى بالتكفير فيها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها». أ.هـ كلام البحر ـ باختصار ـ .


ومثله نص عليه في تنوير الأبصار مع شرحه رد المحتار، وعلق ابن عابدين على قوله: ولو رواية ضعيفة بقوله: قال الخير الرملي: أقول: ولو كانت الرواية في غير أهل مذهبنا، ويدل على ذلك اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعًا عليه».


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفًا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاعا في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع ـ والمقصود هنا ـ أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».


 

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط( الخميس 13 ربيـع الثانـى 1427 هـ 11 مايو 2006 العدد 10026)

 

التكفير: الوجه الثاني للحرب على الأمة الإسلامية (1 ـ 2)

 

لقد ابتليت الأمة بحروب يشنها عليها أعداؤها متذرعين بمختلف الذرائع ومتوسلين بشتى الوسائل، تارة بسبب جريمة سفيه ـ لم تثبت ـ يهلك من أجلها فئات من الناس، وتارة من أجل دعوة أسلحة دمار لم توجد، وتارة من أجل إيجاد ديمقراطية بالإكراه تشن حرب يحرق فيها الأخضر واليابس. إنها حرب أو حروب تفتقر إلى حد أدنى من المنطق وقد أوضحنا ذلك في مناسبات عدة وفي حوارات عديدة في أكثر من عاصمة غربية.

لكن الذي يهمنا اليوم هو حرب أخرى تشنها طوائف من هذه الأمة على الأمة الإسلامية لتخريب بيوتها من الداخل ليست أقل ضراوة ولا أقل منطقية من تلك التي تأتي من وراء البحار، تارة تحت عنوان الاختلاف في المذهب، وتارة تحت عنوان الولاء والبراء والعلاقة مع الكفار إلى غير ذلك من العناوين التي لا تقيم وزناً للمصالح والمفاسد ومآلات الأفعال ولا تدرك خطورة التكفير في الشرع الحنيف.


وفي هذه المقالة اليوم نستعرض بعض النصوص في خطورة التكفير:

قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[النساء: 94]. وفي الأحاديث الصحيحة النهي الشديد والوعيد لمن يرمي غيره بالكفر، فقد روى البخاري وأحمد: «من رمي مؤمنًا بكفر فهو كقتله». «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».

والأحاديث بمثل هذا المعني كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرها من البلايا والرزايا نعوذ بالله تعالى منها.

هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذّر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال الإمام السبكي: «ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتكفيره صعب».


وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: «لا أكفر إلا من كفرني».

قال الشيخ: وربما خفي لسبب ما هذا القول على بعض الناس وحمله على غير محمله الصحيح، والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك، رجع عليه الكفر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما»، وكأن هذا المتكلّم يقول: الحديث دلّ على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين إما المكفِّر أو المكفَّر، فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع بأني لست بكافر فالكفر راجع إليه.

وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفى الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 06 ربيـع الثانـى 1427 هـ 4 مايو 2006 العدد10019 )

جسر المصالح حينما يكون جسرا للحوار الحضاري

 

 

كنا تحدثنا في المقال السابق عن وجوب التركيز على دوائر الاشتراك بين حضارتنا الإسلامية والحضارات الأخرى، ومن ذلك دائرةُ القيمِ الدينية معَ أصحابِ الرسالاتِ السماويةِ «قلْ يَا أهلَ الكتابِ تعالَوا إلَى كلمةٍ سواء بينَنا وبينَكم», «وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون».


وقلنا ان الحضارة الغربية مسيحية، كما يرى هنتر ميد قائلاً: وحينَ نقولُ: المسيحيُّ فإننا نعني بالنسبة للفلسفة «التوحيدي»، فالإيمان بإلهٍ واحدٍ يحكمُ الكونَ الذِي خلقَه أساسٌ للتفكيرِ الدينِي للغربِ.. وهذهِ الأوامرُ أوامرُ الإلهِ شاملةٌ تنطبقُ على الناسِ جميعًا في كلِّ مكان.


وهذا الإيمانُ مشتركٌ، كما نبه عليه بعضُ رجالِ الدينِ المسيحيين المنصفينَ مثل هانس كيونج عندما يقولُ: بالنسبةِ لليهودِ والمسيحيين والمسلمين، فإنَّ الإيمانَ يعنِى أنَّ الإنسانَ هنا معَ كل ما أوتي من قوة ومن فكر، ملتزمٌ بدونِ قيدٍ أو شرطٍ بالتسليمِ والثقةِ باللهِ وكلماتِه.


ونختم هذه السلسلة عن أصول التحاور والالتقاء الحضاري بدائرة المصالح المتبادلة: كقضايا التجارةِ في الموادِ الأوَّليةِ والمصنَّعةِ والطاقةِ وحرية التبادل في نطاق منظمة التجارة والاتفاقات الدولية.


ولهذا فإنَّ التواصل سيكون متعدد الأبعاد متشعب الغايات، فمنه قيمي وثقافي ومنه مصلحي واقتصادي وسياسي، وقد يرفُد السياسيُّ الثقافيَّ، وقد تتضامن كل هذه الأبعاد للوصول إلى تفاهم حقيقي.


الخطوة الخامسة: التمرن على أساليب التخاطب وترتيب الحجاج:


إنَّ أهمَّ شيءٍ هوَ العقلانيةُ في الحوار. ولهذا يجبُ أنْ يكونَ كلٌّ من المتحاورينَ على درايةٍ بثقافةِ الآخرِ ومنطلقاتِه العقديةِ والفكريَّةِ. ليحسُنَ توظيفُ الكلمات، ولا نعنى باللغة ترجمةَ المفردات بمُرادفاتها وهو مهم حيث يتيه المتحاورون أحياناً في دهاليز المصطلحات، بل نعنى باللغة ما هو أبعد إنه الرسوخ في الثقافة التي تتجاوزُ الكلمات إلى رُوح تلك الحضارة ومبادئها الفلسفية وتطورها الاجتماعي والتاريخي. أذكر أني مرة في حوار مع بعض مسؤولي الغرب استشهدت على أهمية الشراكة «برقصة غربية» اعتقدت أن منشأها إيطاليا وأعجبهم الاستشهاد ولم يبدو أي اعتراض، لكني راجعت الموسوعة فيما بعد لأجد أن أصلها اسباني. إنها تفاصيل تافهة في حس المحاور العربي، وقد تكون كذلك لكنها نوع من التواصل الشكلي الذي قد يتطور إلى تواصل فعلي. إن إيجاد لغة تواصل تستوعب الخلفيات الثقافية والفلسفية ليس ترفاً بل ضرورة.


وهنا أشيرُ منْ واقعِ التجربةِ إلى أنَّ الطرفَ الإسلاميِّ غالباً ما يفتقرُ إلى الكفاءةِ فِي القضايا الفلسفيةِ والقانونيةِ، لإيصالِ رؤيتِه إلى الطرفِ الآخَر. وكذلكَ فإنَّ الاطلاعَ على الأسسِ الدينيةِ مِن مصادرها لدى الآخرِ، قدْ يكونُ مفيداً في جولاتِ الحوارِ الديني.


 

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط( الخميـس 29 ربيـع الاول 1427 هـ 27 ابريل 2006 العدد 10012)

 

 

بحثا عن المشترك مع الآخرين(6)

 

اذا كان عقلاء العالم اليوم يشكون من غلبة منهج المواجهة بين الحضارات على منهج الاتصال، وتهدم الجسور، فإن من ضمن ما يجب ابرازه، والتأكيد عليه، قطعا لنهج الصدام، هو جلاء مشتركات الحضارات. وهي الخطوة التي نتحدث عنها هنا، ضمن احاديثنا السابقة عن مشكلة التواصل والانقطاع بين الحضارة الاسلامية وغيرها.

وهنا نقول إن من اسباب هذا الاتصال الحضاري هو إبراز المشترك بين الطرفين الذي قد يكونُ خافياً أو خافتاً أو قد يكونُ إطلاعُ الطرفين بعضِهم بعضاً عليه يسهِّل عمليةَ التواصل والانطلاق منه إلى آفاق المختلف فيه لتسهيل عملية التواصل.

ولهذا يجب توظيف المشترك في ثلاث دوائر:

دائرة القيم الإنسانية: فكلُّ الناسِ يبحثونَ عن العدلِ والسلامِ ويبغضونَ الجورَ والطغيانَ فما لا يرضاهُ لنفسِه لا يرضاه لغيرِه، إنَّه الضميرُ الإنسانيّ الذي يجب أن ننبهه من خلال القيمِ التي يؤمنُ بها الناسُ ـ كل الناس ـ فهناك معايير لا يختلف عليها الناس لأنها ترجع إلى العقل وهو كما يقول ديكارت أفضل الأشياء توزيعاً بين الناس ومبادئ الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي المسألة المعروفة في الفلسفة الإسلامية بالتحسين والتقبيح فقد قالَ القاضي عبدُ الجبار المعتزلي: إنَّ قبحَ القبيحِ وحسنَ الحسنِ مِن العلومِ الضروريةِ التِي يخلقها اللهُ في الإنسان».


وقد قال ابنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيم: إنَّ الأفعالَ حسنةٌ في نفسها أو قبيحة، وإن العقلَ يدركُ هذا الحسنَ والقبحَ في بعضِها دونَ الآخر.

فقد قال ابن القيم في مدارج السالكين: إنَّ قولَه تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) الأعراف:157.

يؤكدُ أنَّ هذا الدينَ الذي جاءَ بهِ يأمرُ بما تشهدُ العقولُ الصحيحةُ بحسنِه، وينهَى عمَّا تشهدُ بقبحِه.


واختارَ القولَ بالحسن والقبح العقليين الأحنافُ، وهو مرويٌّ عن أبي حنيفةَ نفسِه، واختارَه أبو الخطابِ الكلوذانيِّ وأبو الحسنِ التميميِّ منَ الحنابلة، ومنَ الشافعيةِ أبو علي بنُ أبي هريرةَ وأبو بكر القفالُ الشاشيُّ الكبير.


واختارَ إمامُ الحرمينِ القولَ بالتحسينِ والتقبيحِ العقليينِ في أفعالِ العبادِ دونَ أفعالِ اللهِ تعالَى، وتبعَه الغزاليُّ، ويتداخلُ في نظرةِ المسلمينَ إلَى حدٍّ كبيرٍ الحسنُ والخيرُ.

وبالجملة: فإنَّ مَن يقولُ بالتحسينِ والتقبيحِ العقليينِ يجعلُ أساسَ القيمِ العقلَ، وهو أمرٌ مشتركٌ بينَ الإنسانيةِ جمعاء: فالعدلُ حسنٌ، والجورُ قبيحٌ … إلى آخر قائمة القيم. فكما قالَ ديكارت: إنَّ العقلَ هوَ أحسنُ الأشياءِ توزُّعًا بالتساوي بينَ البشرِ كلهم».


والوثيقةُ الدولية لحقوق الإنسان تمثِّلُ أهمَّ محاولةٍ لتوظيفِ المشتركِ الإنسانِي.

دائرةُ القيمِ الدينية: معَ أصحابِ الرسالاتِ السماويةِ ؟ قلْ يَا أهلَ الكتابِ تعالَوا إلَى كلمةٍ سواء بينَنا وبينَكم؟؟ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون؟.


والحضارة الغربية مسيحية كما يرى هنتر ميد قائلاً: وحينَ نقولُ: المسيحيُّ فإننا نعني بالنسبة للفلسفة «التوحيدي»، فالإيمان بإلهٍ واحدٍ يحكمُ الكونَ الذِي خلقَه أساسٌ للتفكيرِ الدينِي للغربِ.. وهذهِ الأوامرُ أوامرُ الإلهِ شاملةٌ تنطبقُ على الناسِ جميعًا في كلِّ مكان».

وهذا الإيمانُ مشتركٌ، كما نبه عليه بعضُ رجالِ الدينِ المسيحيين المنصفينَ مثل هانس كيونج عندما يقولُ: بالنسبةِ لليهودِ والمسيحيين والمسلمين فإنَّ الإيمانَ يعنِي أنَّ الإنسانَ هنا مع كل ما أوتي من قوة ومن فكر ملتزمٌ بدونِ قيدٍ أو شرطٍ بالتسليمِ والثقةِ باللهِ وكلماتِه (بنقل جاك نيرنيك في حواره مع طارق «هل يمكن أن نعيش مع الإسلام؟» ص14 ).

وللحديث صلة…


 

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط

(الخميـس 22 ربيـع الاول 1427 هـ 20 ابريل 2006 العدد 10005)

 

 

نظام مفهومي موحد للبشر(5)

 

 استكمالا للحديث حول حدود الحرية في التعبير، وفلسفة الحرية، واثر هذه الحرية في دعم أو عدم دعم مسألة الحوار بين الحضارات، والتي أشرنا الى طرف منها اثناء نقاشنا لفكرة وجود نظام عام للحريات بين البشر، نقول: إن مجموعَ الحريات لا يمكنُ أن تكونَ مطلقة، فلو كانتْ كذلكَ لأدَّت إلى فوضَى منْ كلِّ نوع. ومن هنا تبرزُ فكرةُ «النظام العام».

ووظيفةَ النظامِ تنحصرُ في ثلاثة أمور: أداة لتحديدِ الحرياتِ ـ هذه هي وظيفتها ـ ومعيار لأهليةِ السلطات للتدخل، ووَسيلة لرقابةِ المجلسِ الدستوري.

ولهذا فالنظامُ العام يختلفُ بحسبِ الحضاراتِ والمصالحِ والأخلاقياتِ لكلِّ قوم، فمِن الطبيعيِّ أنْ يختلفَ بين الإسلام وبين الحضارة الغربية.

ولأزيد الأمر وضوحاً أقدِّم مثالاً هو منعُ الحكومةِ البريطانيةِ عرضَ فيلمٍ يمسُّ شخصيةَ المسيحِ عليه السلام في بريطانيا بحجةِ أنَّه يسيءُ إلى النظامِ العامِ؛ حمايةً لمشاعرِ المسيحيينَ منَ الإساءة. وعندما رَفعتْ بعضُ الجهات المهتمة بحقوق الإنسان دعوى أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد قرارِ الحكومةِ البريطانيةِ باعتبارِ هذا الحظرِ منافيًا لحقِّ الإنسان في التعبير عن رأيِه ونشر رأيه…إلى آخر الحقوق المكفولة؛ أصدرت المحكمةُ قرارَها في القضيةِ المعروفة «وفقروف والمملكة المتحدة» أيدت المحكمة موقف الحكومة البريطانية، وذلكَ في 25 نوفمبر 1996 لاشتمالِ الفيلمِ على الشتمِ والوقاحة. ومحكمةُ حقوقِ الإنسانِ الأوروبية أيدتْ قرارَ السلطاتِ التركيةِ الذي يحظرُ حزبَ الرفاهِ الإسلامي، وذكرتْ في حيثياتِها أنَّه يدعو إلى تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وذلكَ ما لا يتفقُ ومنظومةَ القيمِ الأوروبية، وبمعنى آخر «النظام العام الغربي».

والمحكمة في كلتا الحالتين تحترمُ منظومةَ القيم الغربية التي تعتبر المسيحَ مقدسًا، وبالتالِي فإنَّ التضييقَ على حريةِ التعبيرِ مشروعٌ إذا كانَ يمسُّ تلك القدسية، انطلاقًا من مبدأِ النظامِ العام، بينما تُعتبر شريعةُ الإسلامِ غيرَ مقدسةٍ طبقًا لنفسِ القيم الغربية، فيجبُ تضييقُ نطاقِ حريةِ التعبيرِ على منْ يطالب بها.

وما موقفُ كثير من قادة الرأي في الغرب من الرسومِ السيئةِ السمعةِ ببعيدٍ.

ذلك هو منطق النظام العام الغربي، ولا يعنينا هنا أن نناقش الغربيين أو نبرز تناقض موقفهم نتيجةَ التعصُّب والاستعلاءِ، بلْ نعتبرُ أنَّ موقفهم ينسجمُ مع نظرتهم الخاصة؛ ولكن عليهم أنْ يحترموا الآخرَ، وإذا كانوا قد مارسوا حقَّهم في التعامل مع مبدأِ نظامِهم العامِّ، فلا أقلَّ من أنْ يعترفوا لغيرهم بحقه في ممارسة نفس المبدأِ، وأن يعترفوا في النهاية بالنسبية في مبدأِ النظام العام، فلكلِّ أمةٍ نظامُها العام ومنظومتها القيمية.

وهكذا فإنَّ المادةَ «27» من الإعلانِ العالمِيِّ لحقوقِ الإنسانِ عندما تنصُّ على تقييدِ الحرياتِ المنصوصِ عليها في الإعلانِ، عندما تتعارضُ مع «النظام العام» وهو يختلفُ من بيئةٍ إلى بيئةٍ وثقافةٍ إلى ثقافةٍ؛ قد يعتبرُ ذلكَ اعترافًا ضمنيًّا بتأثير التنوع الثقافي في حقوق الإنسان.

وهناكَ اختلافاتٌ في قوانينِ الأسرةِ، وفي البيوع والمعاملات، وتجريم بعض السلوكيات؛ ترجع إلى اختلاف القيم.

إنَّ الاعترافَ بالاختلافِ يشعرُ الفرقاءَ بجديِّة الحوارِ، وأنَّه ليسَ استحواذاً يُنكرُ فيهِ الآخرُ على مقابِله حقَّه الطبيعيَّ في الاختلافِ، ويطلبُ منه أنْ يتماهَى معهُ وكأنَّه يشترطُ ذلكَ مسبقاً لقبولِ التواصلِ معَه.

إنَّ شعارَ التواصلِ هو أنْ يقبلَ الفرقاءُ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ كما هو، لا كما يتمناه.

ولعلنا نختم بهذه الفقرات لفيلسوف غربي، فأفضلُ ما يعبِّرُ عن النسبيةِ واعتمادِ القيم على البيئةِ هذه الفقراتُ لوايتهيد في كتابه «مغامرات الأفكارِ» حيثُ يقولُ: «وتفاصيلُ هذه المقاييسِ الخلقية تتعلقُ بالظروفِ الاجتماعيةِ الخاصَّةِ بالمحيطِ المرافقِ للحياةِ في زمنِ معيَّن على الجانبِ الخصبِ منَ الصحراءِ العربيةِ، والحياةِ على المنحدراتِ السُّفلَى منْ جبالِ الهملايا، والحياةِ في سهولِ الصينِ أوْ سهولِ الهندِ، والحياةِ في دلتا أي نهر عظيم.

كما أن معنى المقاييس متغيرٌ وغامضٌ، فهناكَ مثلاً مفاهيمُ الملكيةِ والعائلةِ والزواجِ والعقل والله سبحانه وتعالى، فالسلوكُ الذي ينتجُ في محيطٍ ما وفي مرحلةٍ ما مقياسُه المناسبُ من الإشباعِ المتوافقِ، قد يكونُ في محيطٍ آخرَ وفي مرحلةٍ أخرَى منحطًّا انحطاطًا مدمِّرًا، ولكلِّ مجتمعٍ نمطُه الخاصُّ من الكمال، وهو يحتملُ صعوبات معينة حتمية في مرحلته.

وهكذا، فإنَّ المفهومَ القائلَ بوجودِ مفاهيمَ تنظيميةٍ معينةٍ مضبوطةٍ ضبطًا كافيًا لإيضاح تفاصيلِ السلوكِ لكلِّ الكائناتِ العاقلةِ على الأرض، وفي كلِّ كوكبٍ آخر، وفي كلِّ مجموعةٍ شمسية، هوَ مفهومٌ يستحقُّ الإهمالَ، فذلكَ هوَ مفهومُ نمطٍ واحدٍ منَ الكمالِ يهدفُ إليهِ الكونُ كلُّه»( مغامرات الأفكار: وايتهيد، ترجمة أنيس زكي حسن، ص439). وللحديث صلة.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط( الخميس 15 ربيـع الاول 1427 هـ 13 ابريل 2006 العدد 9998)

هل هناك نظرية قيمية عامة تصلح للجميع؟ (4)

تحدثنا في المقال السباق عن الخطوة الثالثة من خطوات نجاح التواصل وهي : الاعترافُ بالاختلافِ للوصولِ إلى التعارفِ والائتلاف ِ واشرنا الى بعض نقاط الاختلاف القيمي كاختلاف المصدر ووعدنا بشرح «نظرية النظام العام» في القضايا الفكرية المتنازع فيها وما يترتب عليه من نتائج .


فنقول: إن النظام العام يُعتبر مبدأ قانونياً غامضاً وفلسفياً وقد لا يبعد عن هذا المفهوم ما نسميه في الإسلام بـ«المعروف»، أو «قاعدة المصلحة» على اختلاف في المدلولين، وقد أشار إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كشرطٍ من شروط التطبيقِ الميدانِي لمقتضياتِ الإعلانِ في المادة التاسعة والعشرين: «يخضع الفرد في ممارسة حقوقهِ وحرياتهِ لتلكَ القيودِ التي يقررها القانونُ فقط ؛ لضمانِ الاعترافِ بحقوقِ الغيرِ وحرياتهِ واحترامها، ولتحقيقِ المقتضياتِ العادلةِ للنظامِ العامِ والمصلحةِ العامةِ والأخلاقِ في مجتمع ديمقراطي».


وقد فسر القانونيون النظامَ العامَّ بأنَّه :«أمرٌ يتعلقُ بتحقيقِ مصلحةٍ عامةٍ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ أوْ اجتماعيةٍ تتعلقُ بنظامِ المجتمعِ الأعلى، ولا نستطيعُ أنْ نحصرَ النظامَ العامَّ في دائرةٍ دونَ أخرى، فهو أمرٌ متغيرٌ يضيقُ ويتسعُ حسبما يعدُّه الناسُ في حضارةٍ معينةٍ مصلحةً عامةً، ولا توجد قاعدةٌ ثابتةٌ تحدِّد النظامَ العامَّ تحديدًا مطلقًا يتماشَى معَ كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لأنَّ النظامَ العامَّ شيءٌ نسبيٌ، وكلّ ما نستطيعُه هو أن نضعَ معيارًا مَرِنًا يكونُ معيارًا للمصلحة العامة، وتطبيق هذا المعيارِ في حضارةٍ معينةٍ يؤدِّي إلى نتائجَ غيرِ التِي نصلُ إليها في حضارةٍ أخرى».. هذا ما يراه السنهوري.


إن تعريفَ السنهوري هو تعريفٌ دقيق للنظام العام مِن كونِه مبدأً يختلفُ من نظامٍ إلى آخر، ومن حضارةٍ إلى أخرى؛ باعتبارِه راجعًا إلى النظامِ الأعلى للمجتمع؛ ولهذا عبَّر عنه بعضُ القانونيين الغربيين بأنَّه مبدأٌ غامض، وأنَّ هذا الغموض متعمَّد ليتيحَ للسلطاتِ المعنيَّة تقديرَ الحاجةِ إلى التدخل مثلاً، فهو غموضٌ يؤسِّس للمرونة التي يَقصدُ المقننُ إليها لتحقيقِ المصلحةِ المتوخَّاة.


ويرَى السنهوريٌّ في كتابه «مصادر الحق» أنَّ النظامَ العامَ يرادفُه في الفقهِ الإسلامي «حقُّ اللهِ تعالى» في مقابلِ الحقِّ الخاص، وهو حق لا يمكن إسقاطُه ولا العفوُ، وبني على ذلك كثير من المسائل الفقهية والقانونية مقارنة .


ومن أمثلةِ ذلكَ في الشريعةِ أنَّه لا يمكنُ أنْ يتنازلَ الشخصُ عنْ نسبِه ليُنسبَ إلى غيرِ أبيهِ، وكلُّ العقودِ التي يعترض فيها الشرعُ على إرادة المتعاقدين: كالعقودِ الربويةِ، والعقدِ على المحرمات: كالخمر ، والخنزير. (1/86 ).


إنَّ النظامَ العامَّ قد يرادفُ العرفَ، وهذا حيثُ يوجدُ فراغٌ تشريعي، وهو أكثرُ «النظام العام» عند الغربيين؛ ولكنَّه قد يكون تطبيقاً لنصٍّ أو قاعدة ، وحينئذٍ يكونُ قريبًا من حقِّ اللهِ تعالى، الذي أشار إليه العلامةُ السنهوري .


وقدْ أشارَ القانونيُّ الفرنسي هنري كابتان إلى أنَّ «النظام العام» قد يكونُ ناشئًا عن مبادئَ غير مكتوبةٍ، ومبادئ مكتوبة ؛ حيثُ يقولُ: إنَّ النظامَ العام هوَ مجموعةُ المبادئِ المكتوبةِ وغيرِ المكتوبة، التي تُعتبرُ في النظامِ القضائيِ أساسيةً؛ ولهذَا فإنَّها تلغِي أثرَ الإرادةِ الفرديةِ ومفعولَ القوانينِ الأجنبية».


ويقولُ كريستوفُ فينبر أيضاً، وهو المحاضرُ في جامعة روان بفرنسا،: إنَّ مبدأَ النظامِ العام مبدأٌ غامضٌ لأنَّه يختلفُ بحسبِ الوقائعِ والظروفِ والوضعِ المجتمعِي وأصولِ وأهدافِ المجموعةِ تبعاً للفلسفاتِ والأخلاقياتِ والسياسيات».

( راجع بحثه القيم في دورية القانون الدستوري تحت عنوان: النظام العام في فقه قضاء المجلس الدستوري ـ باللغة الفرنسية)

وللحديث صلة.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(لخميـس 07 ربيـع الاول 1427 هـ 6 ابريل 2006 العدد 9991)

هذه شروط النجاح للتواصل (3)

 

كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن أن عملية التواصلِ تحاول تجاوز الحاجزِ النفسي والثقافي ومدِّ الجسور بين الحضارات ؛ لتقديم البدائل المتاحةَ عنِ الصراعِ الدائمِ والعقيمِ في نفسِ الوقت.

وأشرنا الى ان ذلك يحتاج الى خطوات خمس، نمر على بعضها في هذه الحلقة، من المقالات المخصصة لعلاج مشكلة التواصل بين الحضارة الاسلامية وغيرها من الحضارات.

ما هي الخطوات ؟ نجملها في التالي:

ـ الخطوة الأولى: إيجاد قناعة لدى الأطراف الراغبة في التواصل أو التي لا تزال مترددة بأنه لا بديل عن التواصل والحوار وأن الحروب والكراهية المتبادلة يمكن أن تكون فرصة للسلام والوئام إذا أحسن الحكماء التصرف إزاءها وصرف نتائجها في قنوات التواصل عندما تستيقظ الضمائر من الطغيان وتصحو النفوس من الغرور لتستغل العولمة أفضل استغلال في تبادل المنتجات المصنعة وغير المصنعة وكذلك المنتجات الفكرية والأدبية والقانونية والفلسفية.

وفي هذا العصر، عصر انكماش المسافات وعولمة وسائل الاتصال والمواصلات وعولمة التقنية، لن يربح أحد من الحروب وعملية الزعزعة والتهديد، فالمنتصر هو أيضا منهزم.. إن الوعي بهذه الحقيقة سيكون الخطوة الأولى للحوار.

ـ الخطوة الثانية: الأهداف والغايات.. إنَّ ضبطَ وربطَ التواصلِ والحوارِ بأهدافٍ وغاياتٍ يضبطُ المسيرة ويوضح الدرب حتى ولو التوت السبل وتعرجتْ المسالك، وبالعكس؛ فإنَّ الحوار الهائمِ العائمِ الذي ليس له هدفٌ ولا غايةٌ هو حوار من أجلِ الحوارِ قد يكون مقبولاً في بداياتِ الطريقِ لاستكشاف ساحات التواصل واستيضاحِ مناحِي المشاكلِ، ولكنَّه لا يجوز أن يكون أبدياً بل لا بد أن يضع المتحاورون نصب أعينهم محطات يسعون للوصول إليها وتجذبهم إلى الأمام وتشدهم إلى الأهداف فتهون في سبيلها الصعاب وتذلل العقبات.

ولهذا فإنَّ هذا الضابط يعتبر مركزياً في عملية التواصلِ والتبادلِ التي تسود على الساحة العالمية.

ـ الخطوة الثالثة: الاعتراف بالاختلاف للوصولِ إلى التعارفِ والائتلاف، إنَّ الاعتراف بالاختلاف يمثل أهم منطلق لحل الخلاف، ولهذا فقد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض نقاط الاختلاف القيمي كاختلاف المصدر، واختلافِ مفهومِ النظامِ العام، وهو المعروف أو العرف الذي يتلقَّى الرضا العامَّ أو النكير المطلق في أيِّ مجتمع.

ولأهمية نظرية النظام العام في القضايا الفكرية المتنازع فيها وما يترتب عليه من نتائج فسنشرحها بإيجاز في المناسبة المقبلة إضافة لبقية الخطوات.


*المصدر: جريدة الشرق الأوسط

(الخميـس 29 صفـر 1427 هـ 30 مارس 2006 العدد 9984)

 

وما هي الغاية من التواصل؟

تحدثنا في المقال السابق، وسنتحدث في بعض المقالات اللاحقة، عن هموم وشجون التواصل بين الحضارة الاسلامية والحضارات الاخرى.


وفي هذا المقال نسأل: ما الغاية من التواصل؟!


إن الغايةَ من هذَا التواصلِ هو البحثُ عن نقاطِ الالتقاءِ عن طريقِ المنطقِ والعقلِ والفهمِ ، للوصولِ إلى أرضيةٍ مشتركةٍ تعتمد على المصالح المتبادلة، تكشف عن زيف رواسب التعصب التي تشوه صورة الإسلامِ والمسلمين.


والغاية الأخرى هي المثاقفة، والتلاقح الفكري الذي يسمح بالتأثُّر والتأثير، وليحلَّ التسامح محلَّ نظرة الاستعلاءِ والتفوقِ لدى قطاعٍ كبيرٍ من قادةِ الفكر في الغرب، وهي نظرة تتلخص في إقصاء الآخر، كما شرحتها الكاتبة الفرنسية صوفي بسيس في كتابها «الغرب والآخر».


كما أن من شأنه أن يخفف غلواء دعاة صدام الحضارات ويزيل النظرة الغالية لدى قطاع من المسلمين يعتبر الغرب كله شيطاناً ميئوساً من صداقته مردوداً على كل أطروحاته حتى ولو كانت مفيدة للإنسانية.


ونتيجة لهذه النظرة الاستعلائية يحاول الغرب جاهدًا أن يفرض رؤيته على الآخرين، ولا يعترف بحقِّ التنوعِ والاختلافِ، ومن لم يقبلْ بذلكَ فهوَ من معسكر الشرِّ ، لأنَّ العالمَ ينقسم إلَى أخيار وأشرار.


وعلى هذا الأساس تقوم فكرة صراعِ الحضارات التي تعتبر الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي لا تزال العصيَّة على الاحتواء الغربي وعلى الحداثة. كما يقول فوكوياما، وهو لا يختلف في ذلك عن صاموئل هانتنغتون.


إنَّ الإيحاءَ بحتمية الصدامِ نتيجةَ تنوُّع الحضاراتِ إنما هو دليل على فشلِ إحدى الحضارتينِ في أنْ تدركَ أهميةَ الاعتراف بحّق التنوع وهو الحق الذي سيكونُ أساسًا للحوارِ ووسيلةَ التعارف.


وهكذا فإنَّ مفهومَ التواصل يتقدَّم ليواجه مفهوم الصِّدام، ولقد اخترعت بعض الدوائرِ الغربية ما سمَّته «الحوارِ النقدي» مع بعض الدول الأخرى.


فالهدف الأسمى من الحوار والتواصل هو إيجاد خرْقٍ في جدار هذا التصور الغالي المتطرف، الذي لن يؤدِّي إلاَّ إلى تطرِّف وغلوٍّ وصدام، ففي المثل: من يزرع الريح لن يحصد إلاَّ العاصفة.


إنَّ أوضح مثالٍ على هذا التباينِ هوَ موقفُ الكثيرِ منَ المثقفينَ في الغرب منَ الرسومِ الراميةِ إلى الإساءةِ إلى صورةِ سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنَّهم إذَا لمْ يؤيدوا الإساءةَ صراحةً فإنَّهم يمتعضون منْ ردِّ فعل العالمِ الإسلاميِّ، ويعتبرون أنَّ ما تقوم به الصحيفة أمرٌ طبيعيٌّ يدخل في حرية التعبير.


كما أنَّ سلوك بعضِ المسلمين في هذه الحادثة المتسم بالعنف لا يخدم قضية التواصل.


إن عمليةَ التواصلِ ستحاول تجاوز الحاجزِ النفسيِّ والثقافيِّ ومدِّ الجسورِ بين الحضارات، لتقديم البدائل المتاحةَ عنِ الصراع الدائمِ والعقيمِ في نفسِ الوقت.


ما هي الخطوات: تتمثل هذه الخطوات في خمس، نتحدث عنها في المقال المقبل.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 22 صفـر 1427 هـ 23 مارس 2006 العدد 9977)

طبعة جديدة من الرسوم المسيئة!

 

لم تمض إلا أشهر يسيرة على الرسوم الدنماركية السيئة السمعة حتى ظهرت طبعة جديدة لهذه الرسوم، لكن الرسام في هذه المرة لم يكن صحفياً مغموراً بل كان رجلاً مشهوراً بل هو أكبر رجل دين في الغرب فهو رئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا بنديكت السادس عشر الألماني الأصل الذي طلع على العالم في محاضرة في جامعة بالمانيا باقتباس لكلام الامبراطور مانويل الثاني البيزنطي ينال فيها من الإسلام ونبيه ويكيل الاتهامات جزافاً، مركزاً على مفهوم الجهاد الذي ادعى أنه إكراه للناس على اعتناق الدين الإسلامي. مؤكداً منافاة ذلك للعقلانية بطبيعة الرب.

مضيفاً إلى ذلك مقولة المشيئة المطلقة للرب جل وعلا والتي بمقتضاها حسب زعمه واستشهاده بكلام منسوب لابن حزم الظاهري بأنه يجوز أن يأمر الباري بعبادة الأوثان.


هذه الفقرات من المحاضرة أثارت ما كان يتوقع أن تثيره من ردود فعل ساخطة في العالم الإسلامي ومتأسفة أحياناً في العالم الغربي وأثارت الكثير من الدهشة والاستغراب والتساؤلات.


لكن التساؤل لم يكن موجهاً إلى المضمون بقدر ما كان موجهاً إلى الدوافع والغايات بالنظر إلى ما يكتنف المحاضرة من بيئة عالمية مأزومة وقرائن حافة تجعل للكلمة الأثر والخطر وبخاصة إذا صدرت عن مرجع من أكبر المراجع الدينية في العالم وأكثرها أتباعاً وحضوراً في صياغة العلاقة بين الدين والسياسة على الساحة الدولية.


مما يرجح فرضية اندراج تصريحات رئيس الكنيسة الكاثوليكية في سياق الحروب التي تشنها قوى غربية في مناطق من العالم الإسلامي تحت عنوان مكافحة الإرهاب بل يوفر بُعداً دينياً لهذه الحروب وإنها لا تعدو أن تكون نسخة من الحروب الصليبية مكررة بوجوه أخرى وتبريرات تخفي النوازع والدوافع الحقة لها وأن البابا يحي سيرة سلفه البابا بربان الثاني آمر الحروب الصليبية الأولى 1096م.


ذلك واحد من بين تفسيرات أخرى لا تنأى كثيراً عن إشكالية العلاقة بين الإسلام والغرب ومنها أن تزايد أعداد معتنقى الديانة الإسلامية في ديار الغرب يقلق البابا ولذلك لابد من توتير العلاقة مع المسلمين وشيطنتهم في أعين المسيحيين لكبح تطلعهم إلى هذا الدين الذي لا يفقد حيويته على كر الزمان ويستعصى على الادماج والذوبان فيكون خطاب البابا موجهاً إلى العلاقة بين الغربيين والأقليات المسلمة في هذه الديار.

إذا كانت هذه الاعتبارات غائبة عن ذهن البابا الذي أكد فيما بعد أنه لم يكن يريد الإساءة إلى الإسلام فإنها لا يمكن أن تغيب عن أذهان العالم الذي يتابع وتابع أحداث استعمال الذخيرة الحية من حدود باكستان إلى فلسطين.


وإذا افترضنا أنه لم يكن يريد الإساءة إلى الإسلام فماذا كان يريد؟ هل كان البابا يجهل مآلات تصريحاته على التعايش بين المسلمين والمسيحيين في اندونيسيا ـ أكبر بلد مسلم ـ التي اعتنقت الإسلام منذ مئات السنين بالدعوة الحسنة دون أن يرفع فيها سلاح وعلى لبنان حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون منذ ألف واربعمائة سنة وعلى نيجيريا وكل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.


لقد شجبنا دائماً تلك الفتاوى المتعصبة التي تدعو إلى الكراهية وتصب في جدول الإرهاب من شيوخ مسلمين لا ينظرون في مآلات فتاواهم وعواقب أقوالهم فنحن اليوم أمام فتوى شيخ الكنيسة الأكبر وهي فتوى لا تعالج داء الإرهاب ـ الذي ندينه بكل قوة ـ بالتأكيد ولا تشجع على الحوار الذي لاحظنا تراجع أسهمه منذ اعتلى الباب بنديكت كرسي البابوية وقد اشتركنا في بعض دورات الحوار بعد توليه سدة الفاتيكان فواجهنا منطقاً غير مقبول مما حملنا على الاعتذار عن اجتماع دعت إليه منظمة سانت جيديو النشطة في شهر فبراير الماضي.


عواقب هذه التصريحات يمكن أن تكون كارثية على أولئك المساكين في آسيا وإفريقيا من المسلمين والمسيحيين الذين يرغبون في السلام والعيش الهادئ المشترك..

ويؤجج روح التعصب والصراع فهل كان البابا يجهل هذا أم كان يعرف ويتصرف لإحداثه كلا الافتراضين صعب القبول. إن ذلك حتماً ينافي وظيفة رجل الدين ورجل السلام الذي يفترض أن يكونه البابا. هذا عن سياق التصريحات وتداعياتها التي لم تنته بعد والتي نتمنى من كل قلوبنا أن تنتهي بسلام وندعو المسلمين أن لا يرتكبوا أي أخطأ أو خطيئة في حق جيرانهم ومواطنيهم المسيحيين كما نطلب من المسيحيين بالمثل في ديار الأقليات المسلمة.


أما عن مضمون ذلك الاستشهاد والاقتباس فإنه لا يعدو أن يكون دعوى تفتقر إلى دليل ونحن نثبت عكس ذلك لعظيم الكنيسة الكاثوليكية بالدليل الشرعي وبوقائع التاريخ وبشهادة المنصفين من الغربيين الذين كان الاستشهاد بهم أجدى من الاستشهاد بإمبراطور يمثل طرفاً في الحرب مع المسلمين.


أولاً: الدعوى بأنه عليه الصلاة والسلام لم يأت إلا بالشرور فهي دعوى لا تستحق الرد فهو قد هدى البشرية إلى عبادة الله الواحد الأحد والتوحيد الخالص والإيمان بالرسل والأنبياء وجاء بتبرئة مريم البتول مما أتهمها به اليهود وأن عيسى رسول الله وعبده وروح الله وكلمته. وجاء بإقامة العدل والأخوة بين الناس والتكافل والتضامن وإعانة الفقير وإغاثة الملهوف والمساواة بين الناس.


فهل هذا هو الشر؟


وسنواصل الرد، في المناسبات المقبلة، على الشبهات الأُخر وهي: مفهوم الجهاد وإكراه الناس على اعتناق الإسلام. ومسألة المشيئة المطلقة للباري جل وعلا وتعلقها بالشر، والإسلام والعقل.


 


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 06 رمضـان 1427 هـ 28 سبتمبر 2006 العدد 10166)

 

تعليق على نقد المتدينين من خلال الكوميديا

قال سماحة الشيخ عبد الله بن بيه، عضو المجمع الفقهي في مكة المكرمة،- في جواب لجريدة الشرق الأوسط عن


هل يجوز نقد ممارسات جماعات منسوبة للدين في إطار ساخر وكوميدي كما يحصل من خلال الدراما العربية؟

إنه من حيث المبدأ، فإن نقد الدين الصحيح أو الاستهزاء والسخرية منه، من الأمور المحرمة قطعا، وعلى فاعلها إثم عظيم، وأما في ما يتعلق بنقد لممارسات غير دينية، أي ليست من الدين الصحيح، أو إدخال ما ليس في الدين بالدين فالظاهر أنه أمر جائز. وأضاف الشيخ بن بيه أن انتقاد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي ليست معصومة عن الخطأ كما ذكر، لا يجوز أن يكون إلا بأسلوب رصين، وعقب التحري من المصداقية في بعض القضايا للابتعاد عن خطيئة القذف والتشهير. وأوضح أن الانتقاد لا يكون إلا لتقويم الأفعال وليس لإشاعة الفوضى في المجتمعات، معتبرا أن اللجوء للنمط الكوميدي الساخر لنقد تصرفات منسوبة للدين أمر لم تعتده المجتمعات الإسلامية، مما قد يترتب عليها مفسدة تخرج النقد عن سياقه ليصبح نوعا من التجريح. وشبه الدكتور ابن بيه النقد في هذه الحالات كالسير على الأشواك، وقد يشتم منه «خضوع لبرنامج دولي يحاول النيل من الإسلام وبعض مؤسساته»، وهذه الرائحة هي ما قد «يثير الإشكاليات ويؤججها.

أوهام حول الإسلام

تحدثنا في المقال السالف عن بعض الاوهام التي تطوف بأذهان القوم في الغرب عن شخصية رسولنا الكريم، وكذلك حول حقائق وتصورات ديننا العظيم، وفي السياق التالي سنواصل الحديث في هذا الاتجاه، فنقول: أولاً: مسألة إكراه الناس على اعتناق الديانة الإسلامية وعلاقة ذلك بالجهاد.


سنقدم الرد في ثلاثة سياقات،

أولاً: إثبات عدم الإكراه من النصوص الدينية، وتفسير الجهاد وكيف شرع شهادة التاريخ، مقارنة مع نصوص توراتية.

قد يكون من المناسب أن أذكر بأن إسلام المكره غير مقبول لأن شريعة الإسلام تقوم على حرية الاختيار، وبدون هذه الحرية لا تترتب آثار على أي تصرف، سواء تعلق الأمر بالاعتقاد القلبي أم بالعقود والالتزامات. وهذا أمر مؤصل في عشرات النصوص من القرآن الكريم ومن حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

ففي القرآن آية (لا إكراه في الدين) وهي آية محكمة من سورة البقرة وهي سورة مدنية نزلت بالمدينة والمسلمون في عز حكمهم – خلافاً لما أشار إليه البابا من أنها نزلت كما يقول في حالة ضعف، ومن المؤسف أن يدعي هذه الدعوى التي تخالف أبسط المعلومات ـ نزلت في فتية من الأنصار تربوا عند اليهود فأراد أولياؤهم إكراههم على الدين فنهاهم سبحانه وتعالى عن ذلك مقرراً عدم الإكراه.

وقال سبحانه وتعالى في سورة يونس (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

وقال في سورة الكهف (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)

وفي سورة الغاشية (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ).

ومن ترك دين الإسلام بناء على إكراه فلا يعتد بتركه (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (سورة النحل).

كما أن الإكراه يعتبر من عيوب الإرادة التي تمنع صحة العقود والالتزامات في الفقه الاسلامي، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد وضع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه».

ثانياً: مفهوم الجهاد: إن هذه الكلمة الجميلة «الجهاد» كلمة بالغ فيها البعض إفراطا وتفريطا، فما هو مفهوم الجهاد لغة واصطلاحا ومبرراته في القرآن الكريم؟

الجهاد هو مصدر من جاهد جهادا ومجاهدة ومعناه استفراغ الوسع أي بذل أقصى الجهد للوصول إلى غاية في الغالب محمودة. وهو في الإسلام كما يقول الراغب في مفرداته على ثلاثة أضرب حسب عبارته:

1ـ مجاهدة العدو الظاهر. 2 ـ مجاهدة الشيطان. 3 ـ مجاهدة النفس.

والمعنيان الأخيران وردا في أحاديث منها ما رواه الأمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أنه قال: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل».

وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال، عند عودته من آخر غزوة له «تبوك»: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. وفسره بمجاهدة الهوى.

وخدمة الوالدين جهاد قال عليه السلام: «ففيهما فجاهد».

وقد عرف ابن تيمية الجهاد بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال.

أما المعنى الأول وهو جهاد الناس فهو المعنى الأكثر انتشارا وهو جهاد غير المسلمين الذي يعني عمليات القتال والحرب، والذي وردت فيه آيات كثيرة وأحاديث في فضله وشروطه وضوابطه وكانت له ممارسات في التاريخ بين المسلمين وغيرهم، لا تزال أصداؤها تتردد في أسماع التاريخ، ومازالت إلى يومنا هذا موضوع أخذ ورد، إفراطا وتفريطا وإعجابا وشجبا، فكم من أناس برروا حروبا عدوانية ومطامع دنيوية بدعوى الجهاد، وكم آخرون فرطوا في الجهاد فتقاعسوا عن ردِّ العدو ونكصوا عن مقارعة العدو، فكانت النتائج وخيمة وكم حركات غير منضبطة بضوابط الجهاد شوهت سمعة الإسلام وأورثت المسلمين عنتا وضياعاً.

وكم متجنٍ على الإسلام معتبرا أن الجهاد لا ينتظر مبرراً وأنه دعوة إلى القتال الدائم ضد غير المسلمين كما يقول القس هانز فوكنج كما يحكيه مراد هوفمان.

وأمثال هذا في المقالات الاستشراقية كثير وهم بذلك يبررون حرباً عدوانية ضد المسلمين لتمدينهم وجعلهم مسالمين.

والحق أن مفهوم الجهاد في الإسلام ليس مرادفا دائما للقتال. فالجهاد مفهوم واسع، فهو دفاع عن الحق ودعوة إليه باللسان وهذا هو المعنى الأول قال تعالى: «وجاهدهم به جهاداً كبيراً» في سورة الفرقان أي بالقرآن الكريم، أقم عليهم الحجة وقدم لهم البرهان تلو البرهان.

ومعلوم أن تلاوة القرآن لا تتضمن أعمالا حربية. فليس كل جهاد قتالا وليس كل قتال جهادا والجهاد دعوة إلى الحرية. إلا أن الجهاد قد يكون أعمالاً حربية كما أن هناك أعمالاً حربية ليست جهاداً ولهذا قسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام نوعان منها حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع) وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة.

ونوعان عادلان: حرب غضب لله تعالى ودينه وهي جهاد.

وحرب على الخارجين عن السلطان وهي حرب للعناية بالملك كما سماها.

وفي المقال المقبل، نكمل حول الاوهام المتعلقة بمفهوم وحكم الجهاد في الاسلام.

 

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط

(لخميـس 13 رمضـان 1427 هـ 5 اكتوبر 2006 العدد 10173)

هل الإسلام سيف مسلول ورمح مشرع؟!

في هذا المقال نوضح جانبا من أحكام الإسلام الصحيحة تجاه مفهوم الجهاد، وتطبيقاته العملية.


من ذلك أن الجهاد قد يكون أعمالاً حربية، كما أن هناك أعمالاً حربية ليست جهاداً، ولهذا قسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع، وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام، نوعان منها حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع)، وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة.


ونوعان عادلان: حرب غضب لله تعالى ودينه وهي جهاد.


وحرب على الخارجين عن السلطان، وهي حرب للعناية بالملك كما سماها.


والحق أن مفهوم الجهاد في الإسلام ليس مرادفا دائما للقتال، فالجهاد مفهوم واسع فهو دفاع عن الحق ودعوة إليه باللسان وهذا هو المعنى الأول قال تعالى: «وجاهدهم به جهاداً كبيراً» في سورة الفرقان أي بالقرآن الكريم أقم عليهم الحجة وقدم لهم البرهان تلو البرهان ومعلوم أن تلاوة القرآن لا تتضمن أعمالا حربية فليس كل جهاد قتالا، وليس كل قتال جهادا والجهاد دعوة إلى الحرية.


زعم قوم أن الإسلام سيف مسلول ورمح مشرع، إلا أن من يراجع أسباب النزول وتاريخ تطور النزاع بين الإسلام وخصومه، يمكن أن يفهم أنه لا تعارض بين الآيات الحاثة على القتال كقوله تعالى «وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»، والتي وردت في سياق حرب قائمة بالفعل، وبين الآيات التي تحدد هدف القتال بأنه دفاعي؛ إذ أنه لا يجوز اقتطاع الآيات عن سياقها الكلي كما يحاول المستشرقون وتلاميذهم أن يفعلوه.


وبهذا المنطق يمكن اعتبار المسيحية دين حرب، إذا حكمنا عليها من خلال الفقرة 24 الواردة في إنجيل متى الإصحاح العاشر مما نسبه إلى سيدنا عيسى عليه السلام: «لا تظنوا أني جئت لألقى سلاماً على الأرض، ما جئت لألقى سلاما بل سيفاً».


فالحرب في الإسلام، إنما هي حرب دفاعية وليست لإجبار الناس على الدين. كما يرى ابن تيمية في رسالة القتال حيث يقرر أن: «حروب النبي صلى الله عليه وسلم التي خاضها ضد المشركين (27 غزوة) كان المشركون فيها هم المعتدين أو المتسببين بأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وهذا يؤكد أن الأصل مع الكفار السلم لا الحرب، ولو كان الأصل معهم الحرب لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدؤهم بذلك والمتواتر من سيرته أنه لم يبدأ أحداً بالقتال».


وبذلك يكون مفهوم الجهاد عند ابن تيمية دفاعيا فقط، وهو الذي تشير إليه الآيات القرآنية العديدة مبينة أسبابه، وهو الظلم المتمثل في الطرد عن الديار والحجر على الحرية الدينية:«أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا».

وهذه الآية يعتبرها المفسرون أول آية نزلت في القتال يقول ابن هشام في سيرته في شرحه لسبب نزول هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائيّ عن محمد بن إسحاق المطلبي: وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل بيعة العقبة لم يُؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتـنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فراراً منهم. منهم من بأرض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه فلما عتت قريش على الله عز وجل وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه عليه السلام وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عز وجل لرسوله عليه السلام في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم فيما بلغني عن عُروة بن الزبير وغيره من العلماء

قول الله تبارك وتعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور».


أي أني إنما أحللت لهم القتال؛ لأنهم ظلموا ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.


والسبب الآخر هو إنقاذ المستضعفين وإسعافهم وهذا ما تشير إليه آية سورة النساء: «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا».والسياق الثالث: رد العدوان في سورة البقرة «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».


وقد اعتبرها ابن جرير أول آية نزلت في القتال ومعناها أنه ليس لك أن تشن حرباً على عدوك وإنما عليك ردُّ عدوانهم وذلك في سبيل الله؛ لأنك تدافع عن نفسك وأنت مظلوم فأنت على حق.


وفي هذا المعنى من رد العدوان وإيقاف الظالم عند حده دون زيادة »وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين».

«ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور».


نلاحظ في الآيتين الأخيرتين الإشادة بفضيلة الصبر والتسامح بعد الإذن بالدفاع ضد الظالم.


وهذه الحرب تخضع لكل معايير الفضيلة ـ ردّ على العدوان.لا إفراط فيه في استعمال القوة. إسعاف للضعفاء. إفساح المجال للحرية الدينية ـ لها ضوابطها الشديدة في الحفاظ على المدنيين والضعاف والعمال الفلاحين والأجراء ورجال الدين والنساء.


والمحافظة على الأشجار المثمرة وعلى الحيوانات والمنع من حرق الغابات وإيذاء غير المقاتلين، واحترام المعاهدات احتراما شديدا حتى ولو كانت في بعض الأحيان تبدو مجحفة إنها حرب نظيفة ـ فيها قيادة واحدة وليست لعبة دموية يقوم فيها الجيش بقتل من يشاء وينهب ما يشاء ويهجم ويغير على من يشاء ـ إنها حرب ضرورة إنها بلغة العصر حرب يؤيدها القانون الدولي والمعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة وبخاصة المادة 51.


واتفاقيات حلف شمال الأطلسي في المادة الخامسة ينص على ما يلي: «تعتبر أطراف الاتفاقية أن أي هجوم عسكري ضد أي منها يقع في أوروبا وأمريكا الشمالية موجهاً ضد جميع الأطراف، وتعتبر في حالة وقوع ذلك أن كل واحد منها يمارس حق الدفاع المشروع فردياً وجماعياً المعترف به «الدفاع الشرعي» في المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة يساعد كل منهم الآخر فرديا أو باتفاق الأطراف».

ما أكثر الاغاليط المتعلقة باسلامنا، والتي نواصل الحديث حولها في المقال التالي، بعون الله.


 

 


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(لخميـس20 رمضـان 1427 هـ 12 اكتوبر 2006 العدد 10173)

سماحة العلامة ابن بيه : «رسالة العلماء» لم تتضمن قبول اعتذار البابا

طالب بن محفوظ(جدة)

نفى سماحة الشيخ عبد الله بن بيه ان تكون الرسالة الموجهة للبابا من 38 عالما قد قبلت اعتذاره عن اساءته للاسلام في محاضرته الشهر الماضي في جامعة راتيسبون الألمانية.

وأوضح العلامة الشيخ الدكتور عبدالله بن بيه ان بعض وسائل الاعلام غالطت الحقائق عندما ذكرت ان الرسالة قبلت اعتذار البابا مشيرا الى ان الرسالة لم تكن موجهة فقط للبابا انما الى الطبقة الأكاديمية الثقافية والنخبة في المجتمع لذا صيغت بأسلوب علمي اكاديمي .

* المصدر: جريدة عكاظ السعودية

مبدأ المساواةأساسي في ديننا والمرأة ثغرة في المجتمع والبعض يريد القضاء على هويتها

على مدى 3 حلقات من برنامج ” رحلة مع الشيخ حمزة يوسف” والذي تبثه قناة ال إم بي سي في شهر رمضان المبارك تحت عنوان ” النساء مالهن وماعليهن” تحدث الشيخ عن هذا الموضوع مجليا نقاطا هامة وملحة.

ففي الحلقة الأولى اكد الشيخ -حفظه الله- على ان.. مبدأ المساواةأساسي في ديننا ..وعلى اننا نريد الوسطية ولا نقبل غيرها .كما انبه الشيخ الى أن المرأة ثغرة في المجتمع والبعض يريد القضاء على هويتها … وحذر من ان الدعاية للمرأة ليست حبا في المرأة ولكن نكاية في الإسلام …واقر الشيخ.. نعم هناك تهميش للمرأة ليس من الشرع وإنما من العادات والتقاليد التي ليس لها مكان في هذا الزمان.

أما الحلقة الثانية فقد تناولت موضوعا يتعلق بقيادة المرأة للسيارات .

حيث راى الشيخ انه موضوع اخذ اكبر من حجمه وانه ليس ليس مسألة فقهية ، وإنما تحتكم إلى ولاة الأمور وضوابط المجتمع … كما نبه الشيخ الى ان السعودية لها مكانة جغرافية وتاريخية خاصة حيث أنها تحتضن الحرمين الشريفين وبالتالي يجب على سكانها أولاََ والعالم ثانياََ أن يتعاملوا مع المملكة على أساس هذه الخصوصية.

ومن ثم اجاب سماحة العلامة على بعض الأسئلة

تعليقا على اتفاق مكة معالي الشيخ بن بيه :أتمنى أن يكون هذا الاتفاق فاتحة خير لاتفاقات عديدة

قال فضيلة العلامة الشيخ الدكتور عبد الله بن بيه

وزير العدل الموريتاني الأسبق وعضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

في تعليق لجريدة “المدينة”على “اتفاق مكة” : نحمد الله سبحانه وتعالى على أن أتاح لنا في هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة قادة مخلصين من أمثال خادم الحرمين الشريفين ليحيلوا اليأس الى أمل والخوف إلى رجاء وليقدموا عملا ملموسا ونصر مبينا في فترة تكالبت فيها الأمم على أمتنا الإسلامية وأعانت هذه الهجمة العالمية على نفسها بحراب داخلي تحيط به الطائفية والحزبية مما جعلت الأمة الإسلامية أسيرة تحت ضغط عالمي فكانت هذه المبادرة الطيبة على يد خادم الحرمين الشريفين من نتائج الفتح في هذه الفترة متمنيا أن تكلل هذه الاتفاقية بالنجاح وألا ينحرف أقطابها عن جادة الصواب وأن يظلوا على العهد بما اتفقوا عليه أمام الكعبة المشرفة وفي أطهر البقاع وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله وأن تسير الأمة على هذا الطريق وتتأسى بهذا الفعل الذي ساهم في حقن دماء المسلمين ووحدة صفهم وهو ما يفوت الفرصة على الأعداء للنيل من أمتنا،

وأضاف بن بيه قائلا : أتمنى أن يكون هذا الاتفاق فاتحة خير لاتفاقات عديدة تتلو هذا الاتفاق لحل كافة مشكلات العالم الإسلامي والتي تحتاج لهذه الروح والإخلاص التي سادت أجواء الحوار بين فتح وحماس وهذا كله في موازين خادم الحرمين الشريفين الذي سن سنة خيرة سوف تنقذ الأمة من الضعف والتفكك .