ارشيف ل

في مداخلة عبرقناة الجزيرة الشيخ يقول: إصلاح التعليم موضوع له أهمية كبرى لا بسبب ضجته الآن ولكن لأنه أساس من أسس التجديد.

عبد الصمد ناصر: شيخ عبدالله بن بيه هل تسمعني؟

عبدالله بن بيه – وزير التعليم العالي سابقاً في موريتانيا:السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام فضيلة الشيخ كنت أسألك عن رؤيتك لسبل وأساليب إصلاح التعليم الديني الآن؟

عبدالله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اسمح لي أولاً أن أوجه تحية لأخي الدكتور طه جابر العلواني.

عبدالله بن بيه: الذي أعتبره عقلية اجتهادية فذة ذا رؤية شرعية شمولية وتوجهات مقاصدية كلية وهو صاحب مشروع كبير أسأل الله له التوفيق.

طه جابر العلواني: جزاك الله خير وبارك فيك.

عبدالله بن بيه: بالنسبة لإصلاح التعليم إنه موضوع له أهمية كبرى لا بسبب ضجته الآن ولكن لأنه أساس من أسس التجديد والتجديد فرض على هذه الأمة، ثم إن ما نشاهده من خلل واضح في مناهجنا يتجلى في انكماش مساحة الاجتهاد الفقهي مما نتج عنه عجز عن مواكبة مستجدات العصر في المعاملات وضحالة في الإنتاج الفكري في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية ومن باب أولى بالتكنولوجيا كل هذا يبرر إجراء عمليات كبيرة عمليات جراحية إن صح التعبير لمناهجنا ولتعليمنا.

بالإضافة إلى ما ذكره فضيلة أخي الدكتور طه من أن التراث في أصله فيه عيوب كثيرة تحتاج إلى ملاحقة وملاحظة، لكن المسألة فيها صعوبة كبيرة هو أن إصلاح التعليم لا يمكن إلا أن يكون بعقليات إسلامية وهي عقليات يجب أن تكون متفتحة لأن الإصلاح والتجديد ليس مرادف للتدمير عقليات متفتحة واعية بعصرها وفي نفس الوقت متجذرة في تاريخها. لأن الإصلاح عندنا ليس كالإصلاح الديني عند الغربيين الإصلاح عندنا ينطلق من أساس شرعي وهو يتناول علوم شرعية من تفسير وحديث وأصول ونحو ولغة ومنطق أيضاً الذي كان يعتبر معيار للعلوم لكن الشرعية وهي شاملة لا يمكن أن نقوم بإصلاح فيها إلا بناء على استراتيجية تربط ربط واصب بين ثوابت الشريعة وبين الواقع الذي نعيش به، هذا الربط الواصب هو الذي أسميه تجديداً، الآليات أو الأدوات التي تقوم على الإصلاح هي الجامعات والمراكز والمجامع الفقهية فإذا توفرت هذه الإرادة عند الأمة أو عند بعض الجهات النافذة في هذه الأمة أعتقد أنه يمكن نضع قدمنا على بداية الطريق.

ولهذا فإني أشد على يده وأؤيد ما ورد في كلامه من أهمية الإصلاح الذي هو إصلاح يربط بين المصالحة الكلية والجزئية يرى الجزئيات في ضوء المقاصد الكلية ويرى الجميع في ضوء الواقع الذي نعيشه..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: شكراً لك فضيلة الشيخ..

عبدالله بن بيه [متابعاً]: ولدينا فقر كبير في الفلسفة لدينا فقر كبير في العلوم الإنسانية لدينا فقر في التواؤم بين مفاهيمنا وبين هذه العلوم وأشكرك.

المصدر:الجزيرة .نت . الشريعة والحياة (تاريخ الحلقة: 4/12/2005)

بن بيه يدعو لإطلاق سراح الصحفية الفرنسية بالعراق

دعا الشيخ عبد الله بن بيه رئيس لجنة الحوار ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى إطلاق سراح الصحفية الفرنسية المحتجزة في العراق فلورانس أوبيناس وسائقها حسين حنون.

وقال الشيخ بن بيه في بيان صادر عن اللجنة -تلقت شبكة “الإسلام اليوم” نسخة منه-، ” إن لجنة الحوار التابعة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين امتثالاً لأوامر ديننا الحنيف التي تمنع الاعتداء على المسالمين وتأمر بالبر والإقساط لغير المعتدين” مؤكداً نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء.

وطالب البيان المقاومين الشرفاء في العراق بإطلاق سراح الرهينة الفرنسية فلورانس أوبيناس وسائقها حسين حسون، منوهاً إلى موقف فرنسا المعروف والمشرف في القضايا الإسلامية لاسيما في قضية العراق.

وناشد البيان رجال المقاومة في العراق بضمان حياة الرهينة الفرنسية وإيصالها إلى مأمنها في أسرع وقت ” لما في ذلك من مصلحة للإسلام والمسلمين والإنسانية وبخاصة مسلمي فرنسا وأوروبا الذين قد يتضررون من هذه الأعمال أشد الضرر.

كانت الصحفية بصحيفة “ليبيراسيون” قد اختفت مع مترجمها العراقي في بغداد مطلع شهر يناير الماضي وذلك بعد أسبوعيين فقط من الإفراج عن الصحفيين الفرنسيين كريستيا شينو وجورج مالبرونو بعد احتجاز استمر أربعة أشهر.

المؤسسات الخيرية لا بديل عنها

إن الجمعيات الخيرية هي عبارة عن جمعيات ترعى العمل الخيري للمجتمعات البشرية بشكل منظم وطوعي من منطلق أخلاقي وليس بغرض ربحي هذه هي المميزات والأوصاف التي تميز الجمعيات الخيرية عن مؤسسات الضمان الاجتماعي الحكومية وغيرها من الهيئات التي تخدم المجتمع .

إن الخدمات التي تقوم بها الجمعيات الخيرية تهدف إلى الصالح العام للإنسانية وتقدم المساعدة للفقراء والمعوزين وتوفر الرعاية الصحية للمرضى ويواسي العجزة وتوفر المساكن للمساكين والمدارس لطلبة العلم والورشات لتشغيل العاطلين وترصد الأوقاف لتشجيع الاكتشافات العلمية وتشجيع العلماء .

إن هذه الأعمال تعتبر رافداً لا غنى عنه في المجتمعات المتحضرة لمواجهة ضرورات المجتمع وحاجات التنمية إلى جانب دور الحكومات .


هذه مقدمة ضرورية لفهم وظيفة الجمعيات الخيرية بصفة عامة أما بالنسبة للجمعيات الخيرية في الإسلام فإنها جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع الإسلامي لأنها متجذرة في تراثه ومنبثـقة عن قيمه ومبادئه وانطلاقاً من هذا فإن المؤسسات الخيرية لا بديل عنها .

وللأسباب التالية :

أولا : إن المسلمين ملزمون أفراداً وجماعات بنص القرآن الكريم بتقديم جزء من أموالهم في أوجه الخير كل سنة سواء كانت هذه الأموال تجارية أو ثروة زراعية أو حيوانية أو معدنية( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) سورة المعارج .

فهو حق واجب عليهم وليس أمراً اختيارياً فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام بعد شهادة التوحيد والصلاة .

ذلك هو المعطى الأول الذي يجب أن يفهمه من يضع علامات استفهام أمام عمل الجمعيات .

وتطبيقياً فإنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنشأوا أوقافاً لفائدة المحتاج وابن السبيل.

كما يقول مالك رحمه الله تعالى : هذه أوقافهم مشيراً إلى أوقافهم في المدينة المنورة.

واقتفى إثرهم المسلمون على مر التاريخ فتنوعت الأوقاف وبنيت أكبر الجامعات والمشافي منها وقامت على الأيتام والأرامل والمعوزين وهذا أمر معروف في التاريخ الإسلامي ومنه عرف الأوربيون الوقف “الترست” عند احتكاكهم بالمسلمين في القرون الوسطى .

ثانياً: لقد نشأ عن ذلك علاقات تضامنية بين طبقات المجتمع أغنياء وفقراء أبعدت شبح الثورات التي عرفتها مجتمعات أخرى لا تقيم وزنا للأعمال الخيرية .

ثالثا: إن الأعمال الخيرية عريقة في التاريخ الإسلامي وكانت عامل توازن واستقرار في المجتمعات الإسلامية .

رابعاً: إن الجمعيات الخيرية تعمل في شفافية كاملة وهي جمعيات تتعامل مع الجمهور في وضح النهار فلا يمكن أن تنحرف كما لا يمكن للخير أن يكون شراً .

خامساً: لقد قامت الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية وفي بعض البلاد الأخر بخدمات جلى لصالح المسلمين وغير المسلمين في مداواة المرضى وتعليم الجهال وتنظيم ورشات العمل للعاطلين وتعاونت مع الهيئات الخيرية الغربية التي شهدت لها بالنجاح في العمل الإنساني في البوسنة وافغانستان وأفريقيا .

وهذه الخدمات الإنسانية لا يمكن أن تصبح بين عشية وضحاها متهمة ولو فرض أن فرداً أو أفرادا انحرفوا فإن مسئولية ذلك تقع عليهم وحدهم وليس على المؤسسات الخيرية الإسلامية فضلا عن الأمة الإسلامية والإسلام بذاته .

إن هذه النظرة التعميمية السريعة لا يمكن إلا أن تكون ظالمة لأنها لا تبنى على معطيات دقيقة وحقيقية بل إنها نوع من الرجم بالغيب والتخمين وممارسة هواية التجريح في الإسلام والمسلمين من جهات لا تخفى مراميها ولا تجهل مقاصدها ومغازيها .

وإن الرد على ذلك لا يكون في التقاعس عن عمل الخير أو التجافى عن المعروف وإنما في تكوين المؤسسات الخيرية الواضحة الأهداف البناءة النافعة للمجتمع .

وفي تقديري : أن المؤسسة الخيرية للأمير عبد الله لوالديه لتوفير السكن اللائق للمواطنين ومدينة الأمير سلطان للخدمات الإنسانية وغيرهما إنما تمثل الرد العملي على الحملة المغرضة الجائرة على المملكة العربية السعودية .

وأخيراً فكيف يتهم العمل الخيري الإسلامي من الدول الغربية التي تتباهى زعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية بأنها رائدة العمل الخيري وأنها مركز العمل الخيري( foundaTion center )

وفي سنة989 1م بلغت المؤسسات الخيرية أكثر من 32 ألف مؤسسة خيرية بلغت ممتلكاتها 137مليار دولار من أعرقها مؤسسة روكفلر 1902م ومؤسسة كارنيجى 1906م ومؤسسة فورد 1936م ومؤسسة جونسون 1936م إلى غيرها من المؤسسات التي تعمل في شتى أوجه العمل الإنساني من التعليم والرعاية الصحية والتبشير وتشجع الحكومة الفيدرالية هذه المؤسسات بإعفائها من الضرائب وهي مؤسسات مجال عملها هو العالم كله.

في ضوء ما تقدم فأن العمل الخيري والمؤسسات الخيرية لا بديل عنها وعلى العكس من الإشاعات فإنها عامل توازن واستقرار وقبل ذلك عبادة لله تعالى وترجمة لرسالة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت لعبادة الحق بالحق والرحمة بالخلق وعلى هذه المؤسسات أن تظل نشطة في شفافية كاملة ووضوح لا يشوبه غموض حتى تبرهن للعالم أجمع عن أصالة العمل الخيري في هذه الديار وفي الديار الإسلامية بعيدا عن الشبهات والتهم الباطلة بالإرهاب التي تحاول الدعايات الكاذبة أن تعممها لا على المؤسسات الخيرية فقط ولكن على الإسلام والمسلمين.

إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف اعتذر.

لحظة تأمل مع كارثة : الإسلام دين الرأفة

 بعد زلزال آسيا المسمى «تسونامي» تداعت الإنسانية للتعاطف مع متضرري الزلزال ، لمساعدة الأحياء والرثاء للأموات . كان رد الفعل هذا طبيعيا ، ويجب أن يكون تلقائياً وعفوياً. 

والتعاطف أمر تزكيه الفطرة الإنسانية لأن الإنسان، في وقت من الأوقات، يشعر بالانتماء المشترك إلى هذه الأرض وإلى هذه الحياة، وأن حياة نفس واحدة كحياة جميع الناس ، وموتها كموت جميع الناس ، وذلك عبارة عن ماهية وحقيقة الحياة وحقيقة الموت ، فهي حقيقة واحدة لا يتغير جوهرها بالكثرة ولا بالقلة . وتلك حقيقة قرآنية «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً». 

وقد جاءت صحوة الضمير البشري هذه بعد أن تبلد أمام الكوارث التي يصنعها الإنسان بيده على هذه الأرض حيث «يفسد فيها ويسفك الدماء» حسب العبارة القرآنية. 

مهما يكن انتقادنا لذلك التبلد المأساوي للضمائر ، أمام فتك القنابل والصواريخ ، أياً ما تكون الذرائع ، فإن ذلك لن يمنعنا من الثناء على هذه الصحوة التي تمثلت في التضامن والتعاطف مع الضحايا ، والتي كما أسلفنا تمليها الفطرة وأيضا تزكيها الديانات السماوية ، وفي مقدمتها الدين الإسلامي الذي لا يقتصر طلب الإحسان فيه على المؤمنين، بل على غيرهم من أبناء البشر ، بل على كل الأحياء «في كل ذي كبد رطبة أجر». كما جاء في الحديث الصحيح. وتلك هي الاستعارة الجميلة لاستحقاق كل المخلوقات الحية العطف ومساعدتها على استبقاء الهدية الربانية التي هي الحياة.

فمجرد أن هذا الكائن يحمل بين جنبيه كبداً ، فإنه موضوع تعاطف ورأفة ، فالقطط والحيتان وأنواع الحيوان وعلى رأس الهرم الإنسان، هم سكان هذه المعمورة وهم الأهل والجيران. وإن الاختلاف في الدين ، كما يتوهم البعض ، لا يقف عائقاً دون هذا التعاطف في النكبات والأزمات ، التي كتبها الله تعالى على عباده ، وإن الحديث الآخر يعبر عن ذلك خير تعبير ، عندما قام النبي لجنازة ميت من اليهود، وقد نبهه أصحابه على أن هذا الميت ليس على دين الإسلام لأنه يهودي ، فأجابهم عليه الصلاة والسلام بقوله : «أليست نفساً ؟» مبرزاً بذلك أن احترام الأنفس البشرية والاهتمام بمصائبها ليس مقتصراً على أهل دين الإسلام ، بل يتجاوزهم إلى غيرهم من البشر.

ونحن المسلمين، بما شرعه ديننا الإسلامي الحنيف السمح ، جديرون بأن نبرز هذه القيم الفاضلة والمثل السامية ، وأن نتضامن مع هؤلاء الضحايا ، من مسلمين وغير مسلمين . تلك رسالتنا ورسالة الأديان السماوية من عهد آدم إلى النبي الخاتم. 

إن درس التضامن بين الأسرة البشرية هو الدرس الأول ، الذي يمكن أن يستفاد من هذه الكارثة ، لكن هذا الدرس يجب أن يترتب عليه فهم عميق لطبيعة العلاقة بين سكان هذا الكوكب، وأنهم أسرة واحدة.

ولكن ذلك لن يكون ذا صدقية بدون إعادة النظر في إدارة هذا الكوكب ، لتقوم على أسس أخلاقية أكثر صلابة . إذ من الغني عن القول إن الأرض تحولت إلى غابة كبيرة تتصارع فيها الحيوانات . وأن مبدأ المصلحة الأنانية ،«المتوهمة أحياناً»، والمستندة إلى القوة العمياء ، أصبح السائد وأصبح من يقتل أكثر هو الأفضل ، وهو الأنبل في ميزان سكان الغابة. ولم تعد للمواثيق الدولية أية إلزامية ، بل أصبح منطق اللامنطق مفروضاً على العقل البشري ، فصدقت مقولة الشاعر:

 

إنا لفي زمن لفرط جنونه     من لا يجن به فليس بعاقل

 

وأصبح أساتذة الحروب يعلمون الناس ثقافة القتل. 

هل يشمل هذا التضامن ضحايا الكوارث التي يصنعها الإنسان ؟

إنه تساؤل نوجهه إلى الإنسان، إلى القرصان الكبير والقرصان الصغير. أما الكوارث الطبيعة فهي سُنّة من سنن هذا الكون الفاني ، خلقها وقدرها الذي صنع هذا الكون بحكمة بالغة ، فهذا الزلزال ليس الأول ولن يكون الأخير.

وهي سنة كالحياة والموت والصحة والسقم والشباب والهرم والنوم واليقظة والصيف والشتاء والربيع والحر والقر. 

إن هذا الكوكب وسكانه معرضون لتقلب الأعراض وتداول الأحوال وتصريف الأكوان ، وعلينا أن نحترم هذا البيت الذي هو الأرض ، فهي بيتنا ومستقرنا ومستودعنا، كما هي العبارة القرآنية «فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون» ، بل هذه الأرض هي أمنا التي منها منشؤنا وإليها مرجعنا ، كما قال سبحانه وتعالى: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى».

إن هذا البيت قد انتهك من طرف الجشعين من سكانه على نحو لم يسبق له نظير ، فقد نهبت ثروات الارض غير المتجددة نهباً بليغاً ، ولوثت أجواؤها بمداخن المصانع تلويثاً شديداً ، فارتفعت سخونتها وذاب جليدها مما نشأت عنه ظاهرة الاحتباس الحراري. وبذرت النفايات السامة في كل مكان حتى أصيبت الحيتان في أعماق المحيطات بأذاها . وصدق الله العظيم وهو القائل :«ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس». 

نحتاج إلى وقفة تضامن مع الأرض والبيئة الكونية. ذلك هو الدرس الثاني، وهو حاجة الكون إلى ربط الصلة بالسماء. إن الإنسان وهو يقف متحيراً أمام فجاعة الحدث ، ومتسائلا عن أسبابه ، يطرح نوعين من الأسئلة، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع. 

أما النوع الأول من الأسئلة فيتعلق بالبحث عن سنن الكون ، كيف مادت الأرض وكيف يتعامل الإنسان مع الزلازل ببناء المساكن الملائمة ، واستشراف حدوثها ، وبالابتعاد عن المناطق الزلزالية . وليس في هذه الأسئلة شيء ينافي الاعتراف بقدرة الباري جل وعلا وقدره ، بل هو كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب : «أفر من قدر الله إلى قدر الله». 

أما الأسئلة غير المشروعة فهي من نوع ما تسمعه عند بعض الناس من محاكمة الباري جل وعلا على قوانين المخلوقات، من أمثال لماذا فعل ربنا وهو الرحيم هذا ؟ جهلاً من هؤلاء بحكمة الله البالغة ، فهو العزيز الحكيم. «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». 

فهو سبحانه قد يقدر ذلك تنبيهاً للبشرية على ضعفها ، وتحذيراً لها من غيها «وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً». وإيقاظ ضمائر الناس إلى التوبة ، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة». 

فعلى الإنسان أن يفزع إلى الدعاء ، وأن يتوب من الذنوب ، فقد يكون عقوبة «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير». وقد يكون تمحيصاً كما جاء في حديث الشهداء «والمغرق شهيد». وقد يكون تذكيراً بمصير هذا الكون الذي هو الفناء المحتوم :«إذا زلزلت الأرض زلزالها…». 

ومن شأن الرجوع إلى الفضائل وإقامة العدل والقسط بين الناس والتوقف عن التدمير والعزوف عن الأنانية المفرطة والغطرسة ، وإقامة نظام كوني على أسس صلبة من الأخلاق والقيم المثلى ، من شأنه أن يخفف على البشرية وقع الكوارث ، وأن يضبط النظام العالمي بضوابط الأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها الدين والفطرة السليمة ، بدلاً من الانحلال والشذوذ الذي يرادف التقدم الزائف والتطور الكاذب. 

باختصار : إن دروس الزلزال يمكن اختصارها في صحوة الضمير البشري إلى ثلاث حقائق :

* إن البشر عائلة واحدة يجب أن يتضامنوا ويتعاونوا.

* إن كوكب الأرض هو بيت الجميع يجب أن يتصالحوا معه. 

* إن الإنسان أمام القدرة الإلهية ضعيف، وأن عليه أن يتحلى بشيء من الفضائل لتكون خلافته في هذه الأرض راشدة ومسيرته صالحة.

وختاماً ، فليست هذه السطور محاكمة للنظام العالمي، ولا هجاء له ،

ولكنها حقائق ونصائح وذكرى : «لمن ألقى السمع وهو شهيد».

مشاركة المسلمين في العمل السياسي بالغرب ليست ولاء للكفر بل هي ضرورة مجتمعية

لطفي عبداللطيف- الرياض  

أكد الشيخ الفقيه عبدالله المحفوظ بن بيه ان مشاركة المسلمين الذين يعيشون في الغرب في العمل السياسي هناك سواء بالترشيح او الانتخاب لا تعني بأي حال من الاحوال ولاء للكفر, ولا خروجا عن الاسلام, بل هي مشاركة تقتضيها ظروف وجودهم في هذه البلاد, وحق من حقوق المواطنة المشروعة لهم, وهذا لا شيء فيه, وهناك احداث في السيرة النبوية تؤكد ذلك, وجائزية هذه المشاركة السياسية تنعكس حتما على مصالح المسلمين, وحتى لا يعزل المسلمون انفسهم في هذه المجتمعات, واجاز الشيخ بن بيه على المسلمين في الغرب العمل ضمن الاحزاب السياسية القائمة وفق مصالحهم, ولا يعني ان قادة هذه الاحزاب وغير المسلمين, لان اغلبية هذه المجتمعات غير مسلمة, والاقلية مسلمة, ولكن لها مصالح وقضايا.

وقال الشيخ عبدالله بن بيه إن الشباب المسلم في الغرب يواجه تحديات كبيرة, وان مستقبل هذا التحدي هو الذي سيشكل مصير الاسلام والمسلمين في ديار الغرب, لان الشباب اذا خرجوا عن انتمائهم الاسلامي وتركوا الاسلام بالكلية فهذا يعني ان الاسلام لن يكون له وجود, وان المسلمين سيذوبون في المجتمع الغربي وعلى العكس من ذلك لو تمسك الشباب بالاسلام ستكون البشرى والبشارة. وقال الشيخ بن بية ان الحديث عن قضية حق الاقليات قضية زائفة والخلاف في المصطلح هو خلاف ما ينبغي ان يكون, وان فقه الاقليات ليس فقها خارجا عن الفقه الاسلامي, فهو جزء من هذا الفقه ويرتكز على الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاصول الاربعة, والتي هي اصول الشريعة, وان المسلمين في الغرب لهم مشكلاتهم واوضاعاهم المشقة وهذه المشقة تدور بين الضرورة الفقهية الشديدة وبين الحاجة, ومن ثم فلا بد من معالجة قضاياهم وفق فقه (مقاصد التيسير) وهذا لا يعني وجود فقه جديد بل يعني النظر لظروف الواقع.

وقال الشيخ بن بيه: ان الواقع والأقضية التي تحدث للمسلمين في الغرب هي التي تجعلنا نتحدث عن (فقه الاقليات) والمجلس الاوروبي للافتاء هو مجلس رابطة علماء ودعاة وفقهاء ويلتزم بأصول الشرع وهو يفتي في قضايا الاقلية المسلمة في الغرب .

رأي شرعي حول الأعمال الإجرامية المجنونة التي تقوم بها فئة منحرفة مارقة

العمليات الإجرامية في العالم الاسلامي : ثلاث جرائم – ثلاثة أخلاق – ثلاث جهات 

إن صبيغاً طلب العلم فضل سبيله” 

تلك الكلمة التي أمر عمر رضي الله عنه بالنداء بها على ذلك الرجل الذي كان يخضع لعقوبة تعزيرية من أجل أسئلة منحرفة تبذر الشك وتورث الزيغ في قلوب المؤمنين فما ظنك بطائفة تزرع الموت والدمار في ديار المؤمنين. 

إذا كانت تزعم الإسلام والجهاد فقد ضلت سبيله وسلكت سبيل “الحرابة” و”البغي” والإفساد في الأرض. 

تلك هي الجرائم الثلاث التي تتجاذب سلوك هذه الفئة وتتداخل في وصف جرمها شرعاً. 

فالحرابة إخافة الطريق وإشهار السلاح لإبتزاز الناس سواء كانوا مسلمين أو مستأمنين من غير المسلمين. 

أما المالكية فاكتفوا بعنصر الترويع في وضع يتعذر فيه الغوث في الشوارع “الأزقة الضيقة” أو في البيوت. 

وهي من الجرائم الموجهة إلى المجتمع أو جرائم الحق العام ولهذا أسندت الآية فعل هؤلاء إلى محاربة الله ورسوله تشنيعاً لفعلة المحاربين وتنديداً بسوء تصرفهم فقال في آية المائدة ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله

وهناك نكتة : أن هذه الجريمة ترجع إلى تقدير ولي أمر المسلمين الذي يقرر نوع العقوبة من بين تلك العقوبات المنصوصة. 

والنكتة الثانية: أن الأفراد المتضررين من جريمة هؤلاء لا يحق لهم العفو وليس لهم شأن في الأمر لأن الأمر كله إلى ولي الأمر. 

إنه من الواضح أن عناصر جريمة الحرابة ماثلة في اعمال هؤلاء الإرهابيين. 

الجريمة الثانية: جريمة البغي وهي عبارة عن جماعة ذات شوكة تخرج عن طاعة الإمام بتأويل. 

هذا التعريف لأكثر العلماء. 


أما المالكية فلا يشترطون أن تكون جماعة بل الواحد يمكن أن يسمى باغياً ولا يشترط أن يكون متأولا قال خليل المالكي: الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق أو لخلعه”. 

ويقول شروحه لا مفهوم لفرقة فالواحد إذا خرج يعتبر باغياً. 

طبيعة الخروج: هل لا بد من أن يكونوا قد تعرضوا لحرمة الناس: دمائهم أو أموالهم أو تظاهروا على خلع الإمام أم أنه يكفي مجرد الخروج وإن لم يقع إخلال فعلي بالأمن هذا الرأي الأخير هو ما يراه الرملي الشافعي قائلا: إن بقاءهم تتولد منه مفاسد قد لا تدرك ما داموا قد خرجوا عن قبضة الإمام وتهيئوا للقتال.( نهاية المجتاج 7/386) 

قال تعالى( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله ) سورة الحجرات. 

الجريمة الثالثة : الإفساد في الأرض وهذه بنى عليها المالكية كثيراً من فروعهم بدون أن يضغوا لها حداً مانعاً جامعاً مثالها من يستبيح دماء الناس أو أموالهم ويكفر العموم ولو لم يقم بأي عمل مخل بالأمن.( تراجع تبصرة الحكام لابن فرحون


إن تعريف الإرهاب terrorism عند الغربيين لا ينئ كثيراً عن هذه المعاني ولذا فسنذكر تعريف الإرهاب مستقى من نبعه الأصلي ومقتطفاً من منبته الغربي فيعرفه معجم روبير الصغير الفرنسي بأنه: تيار يتخذ الإجراءات الاشتثنائية العنيفية بانتظام للوصول إلى أهداف سياسية وهو أيضا مجموعة الأعمال العنيفة : الاعتداء – التدمير ..إلى آخره التي ينفذها تنظيم سياسي لتخويف الناس وخلق جو من الرعب والإرهابي هو كل عضو في منظمة من هذا النوع. 

ويعرفه معجم لاروس الفرنسي بأنه عبارة عن جملة أعمال العنف التي ترتكبها منظمة من أجل خلق جو من الرعب أو من أجل قلب نظام الحكم. 

إذا كان ذلك هو وصف اعمال هذه الفئة المنحرفة الخارجة ثلاث جرائم من أغلظ الجرائم في الإسلام فإنها تتصف بثلاثة أخلاق يدينها الشرع وينكرها الشارع هي : التنطع والغلو والتشدد. 

فقد نهى الإسلام عن التشدد في حديث أنس :” لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم“. 

ونهى الإسلام عن الغلو في الدين وهو المعبر عنه بالتطرف ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه عليه الصلاة والسلام:” إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين“. 

ونهى عن التنطع وهو كالغلو التجاوز للحدود في الأقوال والأفعال ففي حديث ابن مسعود:”هلك المتنطعون قالها ثلاثاً. 

وهذه الألفاظ الثلاثة تعني الابتعاد عن الاعتدال في الأفكار والأقوال وكل ذلك يخالف منهج الوسطية ويؤدي إلى التعصب والفتنة وهي مصطلحات يقابلها التطرف والأصولية fundemantalism .

جهات ثلاث 

أما الجهات الثلاث التي لها مسئولية مباشرة في الوقاية والعلاج فهي الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام. 

أما الأسرة التي هي المحضن الأول المؤثر في سلوك الناشئة فلها دورها البارز في التنشئة الصالحة التي تحمى أبنائها من الإنحراف الفكري والسلوكي إذ من المعروف أن التصورات الفكرية هي محرك الأرادة التي سرعان ما تتحول إلى سلوك عملي يتجاوز الفكرة إلى الأثر الفعلي. 

إن الأسرة تتحمل مسئولية عظيمة عن اصلاح الخلل وسد الثغرات الفكرية التي يعاني فيها الشباب في عصر العولمة وتدفق الأفكار المثيرة والمثورة التي ترهق الأنفوس وتعرض الجرائم وتمجد القتل والقتال. 

فعلى الأسرة أن تعلم أولادها كيف يميزون بين الحق والباطل وبين الظلام والضياء وهنا تحضرني كلمتان لخلفتين راشدين يصفان حالة الفتنة التي تتغشى البصائر فتعمى الأبصار كلمة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما ثار عليه الغوغاء :” أراهمني الباطل شيطاناً“.

ومعناها أن الباطل غلب على عقول هؤلاء فرأوا في خليفتهم شيطاناً فاعتدوا عليه. 

أما الكلمة الثانية فهي لخليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه : يا هادي الطريق إنما هو الفجر أو البجر”. 

وذلك عند موته وقد خاف على الناس أن ينحرفوا عن طاعة من عهد إليه بالخلافة ومعناها أيها الهداة ليس أمامكم إلا الضياء أو الظلام. 

فالأسرة لها دور كبير في الوقاية وفي العلاج عندما تستشعر من ابنها نفوراً عن المجتمع ونبوّا عن الجماعة فعليها أن تسلكه في طريق الصواب وتستعين بالجهات المختصة لمعالجة وضعه قبل أن يفوت الأوان ويتيه في سراديب الظلام الحالكة .

أما المؤسسات التعليمية فلها دروها الفاعل في بلورة التصورات التي تمثل مقدمة لنشوء الإرادة للافراد والجماعات فبقدر ما تكون هذه المؤسسات إيجابية وفعالة ورائدة بقدر ما تخرج جيلا من الرواد ومن الأفراد الإيجابين والعقلانيين ويكتسب طلابها المناعة الفكرية والنفسية. 

وبقدر فشل العملية التربوية ووجود خلل في إيصال الفكرة السليمة والمعلومة الصحيحة يكون الضياع والفشل حليف خريجيها مما يجعلهم أكثر عرضة لتقبل الأفكار المنحرفة والانخراط في سلك المغامرات الإجرامية والممارسات العبثية.

والمنظومة التعليمية من الإبتدائي إلى الجامعي مروراً بالمعاهد الفنية عليها مسؤلية ولها مهمة يمكن اختصارها في أنها مهمة التواصل مع عالم الطالب النفسي والوجداني.

إن مشهد الطالب المنطوي الذي لا يطرح سؤالا ولا يحير جواباً ينسخ- في أحسن تقدير- للأستاذ في وقت الامتحان حرفياً ما في الكتاب دون تحليل قد يشعر الأستاذ بالراحة من عناء الحوار لكنه يحمل خطر تخرج شباب غير محصن فكرياً ضعيفاً أمام إغراء الأفكار المنحرفة. 

أما الجهة الثالثة 

فهي الصحافة الوطنية مكتوبة ومسموعة ومرئية إن هذه الجهة معنية بالتعاطي اليومي مع الحدث تقديماً وتعليقاً وتوضيحاً وشرحاً وتوجيهاً.

إن دورها حاسم لأن الخبر أصبح كالخبز اليومي للأفراد إلا أن وضع الصحافة الوطنية في غاية الصعوبة بسبب سيل الإعلام الجارف الذي يبث الغث والسمين والخبيث والطيب والإفتراء والحقيقة. 

إنها مزيج يجعل المتلقي يعيش في دوامة من الاحباط وفي بعض الأحيان من المغالطات إلا أن ذكاء الصحافي وإخلاصه لدينه ووطنه وقدراته ومواهبه وخبراته تسعفه في التعامل مع جمهوره وضمان الفوز في حلبة المنافسة الإعلامية التي لا ترحم …….. 

هذه الجهات الثلاث باختصار شديد بالإضافة إلى منابر المساجد ومنصات النوادي الثقافية الفكرية يمكن أن تشكل منظومة متناغمة متعددة الوسائل والآليات متحدة الأهداف والغايات لإيصال الرسالة الصحيحة والتصور السليم إلى أذهان الشباب حتى يستقيم سلوكهم ويعتدل ميلهم ويرشد زايغهم ويهتدي ضالهم. 

ذلك هو الرهان الذي يجب أن نربحه ل تربح الأمة وينجح الشباب . 

وأخيراً فهناك جهتا إسناد هي المجامع الفقهية ومؤسسات الإفتاء التي عليها أن تدحض بالحجة والبرهان الفكر المنحرف والسلوك المتطرف وترد على فتاوى الباطل وسفسطة المفتي الخفي . 

أما الجهة الثانية : فهي الجهات التي لا يختلف دورها في هذه القضية عن مهمتها في كل قضايا الإجرام فوظيفتها حماية المجتمع من الإجرام والمجرمين بالبحث عن المجرم وجمع أدلة الجريمة وجلب المجرمين أمام القضاء . 

وفي الختام فإن ما قدمته في هذه الورقة قد لا يكون مجهولاً ليتعلم ولا غائباً ليطلب لكنه إسهام في الإهابة بضال ليهدي وبسقيم ليشفى وبسليم كي لا يعدي( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

وهو سبحانه وتعالى ولي التوفيق وأهل التقوى وأهل المغفرة. 

 

 

حوار أم صدام.. تعاون أم خصام؟

 

 

لطم باي الجزائر قنصل فرنسا، فاحتلت فرنسا الجزائر مائة وثلاثين عاماً، ولم تخرج إلا بملايين الضحايا.

 

لقد ارتكب عمل شنيع في أمريكا، ورغم ما قيل أن مرتكبيه مسلمون فقد تبرأ منه المسلمون. وعلى الرغم من تلك الحقيقة الساطعة، إن الإعلام الغربي ظل مصراً على اتهام المسلمين والدين الإسلامي بالعنف والإرهاب، وكما يقول المثل الفرنسي: من أراد أن يعدم كلبه فليتهمه بداء الكلب! 

ان المواجهة اليوم تتخذ بعداً فكرياً وثقافيا وقيمياً، ويتم التنظير لها بمثل أطروحة صدام الحضارات الذي يتكيء على مقولات برنارد لويس المستشرق اليهودي، مثل قوله: إن صدام الحضارات مزاج وحركة يتجاوزان كثيراً من مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تنتجها، ولا يقل عن كونه صداماً بين الحضارات ربما غير عقلاني، لكن بلاشك انه رد فعل تاريخي لخصم قديم لتراثنا اليهودي العلماني وحاضرنا العلماني والتوسع العالمي لهما معاً. 

ومن الواضح أنه لا توجد حرب أبدية بين الحضارات كما لا يوجد سلام أبدي بين البشر حتى لو كانوا أبناء حضارة واحدة. 

يصبح الحوار واجباً مقدساً في هذه الظروف، لانقاذ أنفسنا وانقاذ الغرب من نفسه ومن سوء التفاهم والحقد الذي تمتليء به قلوب البعض. 

إذا قامت جماعة منا باعتداء فكأنما أخطأ الزمان والمكان، وإذا وقع القتلى في فلسطين قيل إن هؤلاء إرهابيون. 

الحوار ينبغي أن يتوجه إلى هذا الواقع الظالم، وإلى الأوامر المقدمة في الجهات المختلفة إلى العالم الإسلامي مناهجنا الدراسية وأوضاع المرأة وحقوق الانسان. انهاأوامر تشعرنا بالمهانة. 

الحوار الذي ندعو له يمكن أن يقوم من خلال تحالف ثقافي بين المثقفين المسلمين والمثقفين الغربيين الذين يجاهرون بآرائهم في بلادهم في موضوعية وعقلانية. 

وعلينا اكتشاف الآفاق لحوار طويل المدى، وأود لو أن الأموال المرصودة لتعليم الديمقراطية وترقية المرأة، تتوجه لتمويل مشروع تعارفي حواري، والبحث عن المشترك بيننا، وتوظيف هذا في تأسيس علاقة مبنية على الاحترام المتبادل.

 

بيان بخصوص الأوضاع الأمنية الأخيرة في كندا

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

الإسلام دعوة إلى السلام

قال الله تعالى ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ﴾ القرآن الكريم

قد بلغنا من خلال وسائل الإعلام ما أعلن في دولة كندا من العثور على مجموعة إرهابية كانت تنوي القيام بأعمال تخريبية في كندا ، وقيل إن هذه المجموعة تنتمي إلى الديانة الإسلامية

 

ونود أن نؤكد على ما يلي:

أولاً: إننا نستنكر بشدة هذه الأعمال والأفكار والدوافع التي تنشأ عنها ونعلن أنها مخالفة للقيم الإسلامية التي تدعو إلى التعايش البشري والتسامح ، وتحرم تحريماً قاطعاً كل اعتداء على الأنفس والممتلكات.

ثانياً: ننوه بجهود الحكومة الكندية في تعاملها مع مواطني كندا من الديانة الإسلامية وتقدر لها ذلك.

ثالثاً: نشيد بالتعايش والتسامح الذي يطبع العلاقة بين مختلف مكونات الشعب الكندي من مسلمين وغير مسلمين في شعب ودولة واحدة وأمة واحدة لا تميز بين مواطنيها على أساس ديني أو عرقي كما لاحظنا خلال زياراتنا لكندا.

رابعاً: ندعو المسلمين أن يدينوا هذه الأفكار والأعمال والسلوك بكل قوة ، وأن يقفوا صفاً واحداً ضد هذه الأقلية الإرهابية الشاذة التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين ، كما ندعو الحكومة والشعب الكنديين أن يتجنبوا التعميم في خطابهم ، وأن يتأكدوا أن المسلمين مواطنون جيدون باعتبار أن دينهم لا يشكل أي مشكلة في التعايش والاندماج في ظل القانون والاحترام المتبادل وأخيراً.. نعرب عن تضامننا مع الشعب الكندي بمختلف فئاته ومكوناته من كافة الديانات ضد أي سلوك يدعو إلى العنف والكراهية والإخلال بالأمن وبالسلام الاجتماعي.

 

عبد الله بن بيـّه

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

 

نحو ترشيد الفتاوى على الإنترنت 2 ـ 2

 

تحدثنا في الحلقة الماضية من المقال عن نهي العلماء عن تسلق غير المؤهلين على جدار الفتوى، ونكمل فنقول انه من اجل ذلك ضمن العلماء غير المجتهد إن انتصب أي ضامناً لما أتلفه من نفس ومال قال الزرقاني في شرحه لخليل: لا شيء على مجتهد أتلف شيئا بفتواه ويضمن غيره إن انتصب وإلا فقولان وأغلظ الحاكم على غير المجتهد وإن أدبه فأهل إلا أن يكون تقدم له اشتغال فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا.


قال ابن القيم: الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتي بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بان خطؤه قال أبو إسحاق الاسفرائني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلا للفتوى وخالف القاطع وإن لم يكن أهلا فلا ضمان عليه لأن المستفتي قصر في استفتائه وتقليده. ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب: «آداب المفتى والمستفتي» له ولم أعرف هذا لأحد قبله من الأصحاب ثم حكى وجهاً آخر في تضمين من ليس بأهل قال: لأنه تصدّى لما ليس له بأهل وغر من استفتاه بتصديه لذلك.


وفي المسألة كلام طويل نكتفي منه بما ذكرنا وهو يدل على ما وراءه إلا أنه يمكن أن نستخلص:


أن المفتي لا بد أن يكون عالماً مستبصرا وأن يكون ذا ديانة.ومن شروط الكمال أن يكون ذا أناة وتؤدة متوخياً الوسطية بصيراً بالمصالح وعارفاً بالواقع متطلعاً إلى الكليات ومطلعاً على الجزئيات موازناً بين المقاصد والوسائل والنصوص الخاصة، ذلك هو الفقيه المستبصر.وأن على الجهات المختصة أن تردع وتمنع غير الأهل من الفتوى، وأن ضمان المفتي قد يكون وجيهاً، إذا أصر على الفتوى، وألحق الأذى بالناس، وكان لا يرجع إلى نص صريح بفهم صحيح، أو إجماع، أو قياس عار عن المعارضة، أو دليل راجح وليس مرجوحاً في حالة التعارض كما أشار إليه الأصوليون قال في مراقي السعود :


تَقْويةُ الشَِّق هِيَ التَّرْجيحُ   *********   وَأوْجَبَ الأَخْذَ بِهِ الصَّحيحُ


 وإذا عمل بالمرجوح فلا بد من توفر شروط العمل من مصلحة تبتغى أو مفسدة تنفى. فهل عرض مفتو الشاشات والمواقع ـ وما أبرئ نفسي ـ أنفسهم على هذه والآداب ؟


ثانيا ـ صفة المفتي المجتهد:


قال إمام الحرمين: المفتى مناط الأحكام وهو ملاذ الخلائق في تفاصيل الحرام والحلال ولم ينكر واحد ولو سبق إلى إنكاره من لا اعتبار به اتهم في دينه كيف والصحابة رضي الله عنهم كانوا يفتون فيتبعون ويقضون فينفذون وكذلك من لدن عصرهم إلى زماننا هذا. ثم مقاصد الكتاب يحصرها فصول.


فصل: في صفات المفتي والأوصاف التي يشترط استجماعه لها. وقد عدّ الأستاذ فيه أربعين خصلة ونحن نذكر ذلك في عبارات وجيزة فنقول:


يشترط أن يكون المفتي بالغاً فإن الصبي وإن بلغ رتبة الاجتهاد وتيسر عليه درك الأحكام فلا ثقة بنظره وطلبه فالبالغ هو الذي يعتمد قوله.


وينبغي أن يكون المفتي عالماً باللغة فإن الشريعة عربية وإنما يفهم أصولها من الكتاب والسنة من بفهمه يعرف اللغة ثم لا يشترط أن يكون غواصاً في بحور اللغة متعمقاً فيها لأن ما يتعلق بمآخذ الشريعة من اللغة محصور مضبوط. وقد قيل: لا غريب في القرآن من اللغة ولا غريب في اللغة إلا والقرآن يشتمل عليه لأن إعجازه في نظمه وكما لا يشترط معرفة الغرائب لا نكتفي بأن يعول في معرفة ما يحتاج إليه على الكتاب لأن اللغة استعارات قد يوافق ذلك مآخذ الشريعة وقد يختص به العرب بمذاق ينفردون به في فهم النظم والسياق ومراجعة كتب اللغة تدل على ترجمة الألفاظ فأما ما يدل على النظم والسياق فلا. ويشترط أن يكون المفتي عالماً بالنحو، والإعراب، فقد تختلف باختلافه معاني الألفاظ، ومقاصدها.

ويشترط أن يكون عالماً بالقرآن. فإنه أصل الأحكام، ومنبع تفاصيل الإسلام، ولا ينبغي أن يقنع فيه بما يفهمه من لغته. فإن معظم التفاسير يعتمد النقل. وليس له أن يعتمد في نقله على الكتب، والتصانيف. فينبغي أن يحصل لنفسه علماً بحقيقته. ومعرفة الناسخ والمنسوخ لا بد منه. وعلم الأصول أصل الباب. حتى لا يقدم مؤخراً، ولا يؤخر مقدماً، ويستبين مراتب الأدلة والحجج.


وعلم التواريخ مما تمس الحاجة إليه، في معرفة الناسخ والمنسوخ. وعلم الحديث، والميز بين الصحيح والسقيم، والمقبول والمطعون.


وعلم الفقه وهو معرفة الأحكام الثابتة، المستقرة الممهدة. ثم يشترط وراء ذلك كله، فقه النفس فهو رأس مال المجتهد. ولا يتأتى كسبه. فإن جُبل على ذلك فهو المراد ، وإلا فلا يتأتى تحصيله بحفظ الكتب.


ولكن لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه في حالة واحدة ولكن إذا تمكن من دركه فهو كاف.


ويشترط أن يكون المفتي عدلاً لأن الفاسق وإن أدرك فلا يصلح قوله للاعتماد كقول الصبي.


قال في الدر المختار: المفتي عند الأصوليين هو المجتهد أما من يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ وفتواه ليست بفتوى بل هو ناقل.


ثالثا ـ الفتوى صناعة مركبة من عناصر، كل عنصر منها يفتقر الي شروط وضوابط .


أولا ـ النازلة أو الواقعة: وهي الأمر المطلوب الحكم عليه، ماهي طبيعتها سياسية اقتصادية اجتماعية محلية دولية، ما هو زمانها ومكانها شخوصها مآلات حكم الفقيه. كل هذه العوامل تحدد نوع الحكم الذي يصدره المفتي ان ذلك هو العلم بالواقع.

ثانيا ـ الحكم الشرعي: الإباحة الكراهة الندب الوجوب والتحريم لكل واحد من هذه الاحكام تفريعاته فالواجب قد يكون لذاته وواجب لغيره، والحرام قد يكون محرما تحريم مقاصد اوتحريم وسائل ولكل هذه الانواع مرتبته ومسقطاته ومرجحاته.

ثالثا ـ الدليل: هل هو من دلالات الالفاظ نصا أو ظاهرا أو اشارة او مفهوما… الخ.أو هو من أدلة المقاصد قياس، مصلحة مرسلة استحسان استصحاب…. هل هو كلي او جزئي. المتصرف في هذه العناصر والمهندس لهذا البناء هو المفتي الذي يجب أن يكون واضح الفكرة دقيق الملاحظة مستوعباً بالإضافة إلى المادة الفقهية في تنوعها وثرائها تفاصيل الواقع وتضاريس خريطته ملاحظاً الطبقة التي تنتمي إليها فتواه محققاً مناط دعواه.


كل ذلك يدل على ان الفتوى صناعة اذ ان من يفتي على المواقع والشاشات قد لا يحترم المرجعيات وادبيات هذه الصناعة.


فمتى يقف مفتو المواقع المجهولون عند حدهم؟


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 19 جمـادى الاولـى 1427 هـ 15 يونيو 2006 العدد 10061)

 

وما هي الغاية من التواصل؟ (2)

 

تحدثنا في المقال السابق، وسنتحدث في بعض المقالات اللاحقة، عن هموم وشجون التواصل بين الحضارة الاسلامية والحضارات الاخرى.


وفي هذا المقال نسأل: ما الغاية من التواصل؟!


إن الغايةَ من هذَا التواصلِ هو البحثُ عن نقاطِ الالتقاءِ عن طريقِ المنطقِ والعقلِ والفهمِ ، للوصولِ إلى أرضيةٍ مشتركةٍ تعتمد على المصالح المتبادلة، تكشف عن زيف رواسب التعصب التي تشوه صورة الإسلامِ والمسلمين.


والغاية الأخرى هي المثاقفة، والتلاقح الفكري الذي يسمح بالتأثُّر والتأثير، وليحلَّ التسامح محلَّ نظرة الاستعلاءِ والتفوقِ لدى قطاعٍ كبيرٍ من قادةِ الفكر في الغرب، وهي نظرة تتلخص في إقصاء الآخر، كما شرحتها الكاتبة الفرنسية صوفي بسيس في كتابها «الغرب والآخر».


كما أن من شأنه أن يخفف غلواء دعاة صدام الحضارات ويزيل النظرة الغالية لدى قطاع من المسلمين يعتبر الغرب كله شيطاناً ميئوساً من صداقته مردوداً على كل أطروحاته حتى ولو كانت مفيدة للإنسانية.


ونتيجة لهذه النظرة الاستعلائية يحاول الغرب جاهدًا أن يفرض رؤيته على الآخرين، ولا يعترف بحقِّ التنوعِ والاختلافِ، ومن لم يقبلْ بذلكَ فهوَ من معسكر الشرِّ ، لأنَّ العالمَ ينقسم إلَى أخيار وأشرار.


وعلى هذا الأساس تقوم فكرة صراعِ الحضارات التي تعتبر الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي لا تزال العصيَّة على الاحتواء الغربي وعلى الحداثة. كما يقول فوكوياما، وهو لا يختلف في ذلك عن صاموئل هانتنغتون.


إنَّ الإيحاءَ بحتمية الصدامِ نتيجةَ تنوُّع الحضاراتِ إنما هو دليل على فشلِ إحدى الحضارتينِ في أنْ تدركَ أهميةَ الاعتراف بحّق التنوع وهو الحق الذي سيكونُ أساسًا للحوارِ ووسيلةَ التعارف.


وهكذا فإنَّ مفهومَ التواصل يتقدَّم ليواجه مفهوم الصِّدام، ولقد اخترعت بعض الدوائرِ الغربية ما سمَّته «الحوارِ النقدي» مع بعض الدول الأخرى.


فالهدف الأسمى من الحوار والتواصل هو إيجاد خرْقٍ في جدار هذا التصور الغالي المتطرف، الذي لن يؤدِّي إلاَّ إلى تطرِّف وغلوٍّ وصدام، ففي المثل: من يزرع الريح لن يحصد إلاَّ العاصفة.


إنَّ أوضح مثالٍ على هذا التباينِ هوَ موقفُ الكثيرِ منَ المثقفينَ في الغرب منَ الرسومِ الراميةِ إلى الإساءةِ إلى صورةِ سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنَّهم إذَا لمْ يؤيدوا الإساءةَ صراحةً فإنَّهم يمتعضون منْ ردِّ فعل العالمِ الإسلاميِّ، ويعتبرون أنَّ ما تقوم به الصحيفة أمرٌ طبيعيٌّ يدخل في حرية التعبير.


كما أنَّ سلوك بعضِ المسلمين في هذه الحادثة المتسم بالعنف لا يخدم قضية التواصل.


إن عمليةَ التواصلِ ستحاول تجاوز الحاجزِ النفسيِّ والثقافيِّ ومدِّ الجسورِ بين الحضارات، لتقديم البدائل المتاحةَ عنِ الصراع الدائمِ والعقيمِ في نفسِ الوقت.


ما هي الخطوات: تتمثل هذه الخطوات في خمس، نتحدث عنها في المقال المقبل.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 22 صفـر 1427 هـ 23 مارس 2006 العدد 9977)

 

من أجل فهم أعمق للحاجة والضرورة في الإسلام

إذا كنا قد نوهنا في مقالات سالفة عن حدود توظيف الحاجة في الفتوى، فينبغي أن نوضح اليوم أن بحث الحاجة يندرج تحت عنوان كبير هو اعتبار مقاصد الشريعة في صناعة الفتوى بإزاء دلالات الألفاظ؛ وهو موضوع له تداعياته على صناعة الفتوى.

ففي السنوات الأخيرة كثر الحديث عن أهمية مقاصد الشريعة لا في الفتوى بمعناها الاصطلاحي؛ وهو: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه.

بل في عملية تجديد الفكر وعلاقة الموروث بالمعاصرة.

ونكتفي هنا بالعمل بالمقاصد في الفتوى، منبهين على أنه محفوف بالمخاطر الراجعة إلى الضوابط التي لا يتمكن من تطبيقها إلا من ارتاض في الشريعة فعرف مصادرها ومواردها ومداخلها ومخارجها،

ذلك أن العلماء في تعاملهم مع نصوص الشريعة انقسموا إلى ثلاثة اتجاهات:

فأولاً: الاتجاه الظاهري الذي لا يهتمُّ بالمعانِي، وإنما يقتصر على ظواهر النصوص، وهم يحصرون مظانَّ العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص، كموقف أهل الظاهر من الأصناف الزكوية والأنواع الربوية في المطعومات والنقود، فيقتصرون على مورد النص ولا يجرون حكم العلة على المماثل، فلا زكاة في الرز ولا في الذرة ولا ربوية في غير الأصناف المذكورة في الحديث.

والاتجاه الثاني: يرى أنَّ مقصدَ الشارع ليس في الظواهر، ويطردُ هذا في جميع الشريعة، فلا يبقى في ظاهرٍ متمسَّك، وهؤلاءِ همُ الباطنة، وظهر هذا الاتجاه في القرن الأول مع الجعد بن درهم أيام الخليفة هشام بن عبد الملك، فكان أول من أنكر خلة إبراهيم عليه السلام وتكليم موسى عليه السلام متمسكاً بالباطن، وهو أن ظاهر الآية ليس مقصوداً، وقد أقام عليه الحدَ خالد بن عبد الله القسري أمير العراقين من قبل هشام يوم الأضحى في القصة المشهورة، وألْحَقَ بهؤلاء مَن يُغرقُ في طلبِ المعنى بحيثُ لو خالفتِ النصوصُ المعنَى النظريَّ كانتْ مطَّرحة.

والذي نرتضيه هو الاتجاه الثالث الذي شرحه الشاطبي بقوله: «والثالث: أن يقالَ باعتبارِ الأمرينِ جميعاً، على وجهٍ لا يخلُّ فيه المعنى بالنَّص، ولا بالعكس؛ لتجريَ الشريعةُ على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهو الذي أمّه أكثرُ العلماءِ الراسخين؛ فعليه الاعتماد».

قلت: وهو مذهب الأئمة الأربعة الذين أجروا علل الأحكام المعللة على أمثالها، فشبيه الحلال حلال وشبيه الحرام حرام، وفرقوا بين المعاملات والعبادات فتوسعوا في اعتبار المقاصد في الأولى وضيقوا حدود المقاصد في الثانية، وإن كان قد نقل عن بعضهم التعليل في العبادات كما أجاز الأحناف أخذ القيم في الزكاة والكفارات بدلاً من الأنواع المنصوصة اعتباراً للمعنى والمقصد. لكنَّ بحرَ المقاصدِ لاَ يزالُ زاخراً يتجددُّ عطاؤُه وبخاصة فِي القضايَا المتجدِّدة، وذلكَ فِي اتجاهينِ: قضايَا لمْ يقمْ موجبُها فِي الزمنِ الماضِي، ولمْ تظهرْ الحاجةُ إليهَا: فقامَ فِي هذَا الزمانِ كمَا أشارَ إليهِ الشاطبيُّ فِي إحداث الصحابةِ أحكاماً فِي قضايَا لمْ يكنْ مقتضاهَا قائماً فِي زمنِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ ولمْ يكنْ مِن نوازلِ زمانِه كمَا يقولُ الشاطبيُّ، كجمعِ المصحفِ وتدوينِ العلمِ وتضمينِ الصناع. حسبَ عبارتِه. وقضايَا قامَ موجبُها فاختلفَ فيهَا العلماءُ، لكنَّ مقتضياتِ رجحانِ المصالحِ أوِ ترجُّحِ المفاسدِ في هذَا الزمانِ اقتَضَت الأخذَ بالقولِ المرجوحِ.

وهذا مذهبٌ واضحٌ وطريقٌ لاحبٌ نجدُه عندَ العلماءَ مِن مختلفِ المذاهبِ يأخذونَ زماناً بقولٍ هوَ أرجحُ مِن حيثُ الدليلُ والأخذُ بهُ عزيمةٌ واحتياطٌ، ثمَّ يهجرونَه فِي وقتٍ لاحقٍ لعمومِ البلوَى وعسرِ الاحترازِ والمشقَّةِ وفواتِ المصلحةِ ودرءِ المفسدةِ.

كمَا فعلَ الأحنافُ فِي أخذِهم ردحاً مِن الزمنِ بقولِ الأئمةِ، وعدلُوا عنْ ذلكَ لمقتضياتِ الزمانِ، كجوازِ الاستئجارِ علَى تعليمِ القرآنِ والعلومِ الشرعيةِ، وإجازتِهم امتناعِ المرأةِ مِن الارتحالِ معَ زوجِها؛ لأنَّ أهلَ الزمانِ قدْ فسدُوا وكثيراً مِن قضاياهُم مِن هذَا النوعِ، وجعلوا بعضَ الخلافِ خلافَ زمانٍ لا اختلافَ دليلٍ وبرهانٍ. أمَّا المالكيةُ فإنَّهمْ أصَّلوا لقاعدةِ جريانِ العملِ فراجعُوا مذهبَ مالكٍ علَى ضوئِها فِي بلادِ الغربِ الإسلامِي، فكانَ لكلِّ قُطرٍ عملٌ يختلفُ فِيهِ عَنْ عملِ القطرِ المجاورِ كعملِ فاسٍ وقرطبةَ وتونُس، فأعملُوا ضعيفَ الأقوالِ وأهملُوا راجِحَها إذَا ترجَّحتِ المصالحُ وماسُوا مَعَ رياحِ المقاصدِ الغوادِي والروائحِ، وحكمُوا بتقديمِ الضعيفِ علَى القولِ الصحيحِ لعروضِ سببٍ مِن جلبِ مصلحةٍ أوْ درءِ مفسدةٍ.

وسنسوقُ أمثلةً لهذِه المجالاتِ:

أولاً: تفعيلُ النظرية المقاصدية فِي ميدانِ النظمِ؛ كالشورَى والديمقراطيةِ وانتخابِ المجالسِ النيابية وأنواع التمثيل المباشر وغير المباشر.

وفي القضايا الاجتماعية والسياسية؛ كمشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية،

وفي القضايا الاقتصادية: كالاشتراك في الشركات العملاقة عابرة للقارات، مع ما يشوبُ معاملاتِها من أوجه الفساد الشرعية، والانخراط في اتفاقات التجارة العالمية.

وذلك من خلال ميزان المصالح والمفاسد، وهو ميزانٌ قد يجورُ ويحيفُ إذا لم نحسنْ وضعَ الصنجةِ فِي الكفَّة.

ثانياً: ترجيحُ قولٍ ضعيفٍ علَى قولٍ قويٍّ بسبب ظهور دليله أو كثرة القائلين به، فيرجح عليه القول الضعيف وهذَا الترجيحُ يعتمدُ علَى قوَّةِ المقصدِ فِي الوقتِ الحاضرِ.

ولهذَا فإنَّي أقولُ لطلبتِي إنَّ مكانةَ القولِ الراجحِ محفوظةٌ، وحقوقُه مصونةٌ؛ لكنَّ المقاصدَ تحكُم عليهِ بالذهابِ فِي إجازةٍ، ولاَ تحيلُه إلَى التقاعدِ، ريثمَا تختفِي المصلحةُ التِي مِن أجلِها تبوَّأ القولُ الضعيفُ مكانَه. ولكنَّ الأمرَ يحتاجُ إلَى ميزانٍ يتمثَّلُ فِي النظرِ فِي الدليلِ الذِي يستندُ إليهِ القولُ الراجحُ الذِي قدْ لاَ يكونُ إلاَّ ظاهراً أوْ قياساً أوْ فعلاً محتملاً. هذا مِن جهةِ الدلالةِ.

وأيضاً مِن جهةِ الثبوتِ قدْ يكونُ خبرَ آحادٍ ونحوَه. ثمَّ إنَّ القائلَ بالقولِ الضعيفِ يجبُ أنْ يكونَ مِن أهلِ العلمِ الذينَ عُرفتْ مكانتُهم، وأنَّهم أهلٌ لأنْ يُقتدَى بهِم. وبذلكَ يكونُ الترجيحُ بالمقصَد متاحاً، بلْ ومعيناً.

ولدينا عشراتُ المسائلِ مِن هذَا النوعِ فِي مختلف أبوابِ الفقهِ، ولا سيَّما فيمَا نسمِّيه بفقهِ الأقلياتِ الذِي يستندُ إلى الضروراتِ والحاجات المنزَّلةِ منزلةَ الضروراتِ.

ولأطبَّقَ هذِه المعاييرَ سأضربُ أمثلةً مِن عدةِ أبوابٍ.

لأبدأَ بالعباداتِ: ففِي الحجِّ مثلاً مسألةُ الرمِي قبلَ الزوالِ قولٌ مخالفٌ لقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وقدْ قالَ بهِ بعضُ العلماءِ مِن الصحابةِ والتابعينَ والفقهاءِ الآخرينَ؛ فهوَ منقولٌ عَن ابنِ عباسٍ عندَ ابنِ أبِي شيبة، وعنْ ابنِ الزبيرِ عندَ الفاكِهي، وقولُ طاووس وعطاءٍ فِي إحدَى الروايتين، والإمامِ محمدِ الباقرِ رضيَ اللهُ عنه، والروايةُ المرجوحةُ عَن أبِي حنيفةَ، وهوَ قولُ ابنِ عقيلٍ وابنِ الجوزيِّ مِن الحنابلةِ، والرافعيِّ من الشافعية. القولُ الراجحُ يستندُ إلى فعلِ الشارعِ الذِي يدلُّ على الوجوبِ فِي هذا الوقت؛ أيْ بعدِ الزوالِ.

وفعلُ الشارعِ مجملٌ؛ لأنَّ أفعالَ الحجِّ منها الواجبُ، ومنها السنَّة، ومنها الجائزُ، كالتحصيبِ مثلاً، وقدْ خالفَ بعضُهم أفعالَه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فِي الترتيبِ، وأقرَّهم علَى ذلكَ قائلاً: افعلْ ولاَ حرجْ. بالإضافة إلى أن الرمي سنَّةٌ عندَ بعضِهم نسبه ابن جرير إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ودلالةُ «خذوا عني مناسككم» علَى وجوبِ الأفعالِ ضعيفةٌ مِن وجهينِ أولاً: لمَا فِي دلالةِ الأمرِ مِن الخلافِ ففيهِ اثنا عشرَ قولاً: الوجوبُ والندبُ والوقفُ والقدرُ المشتركُ والتفصيلُ.. إلخ.

و«مناسككم» عامٌّ مخصوصٌ بسننِ الحجِّ ومستحباتِه.

أما الواقع: فكثرةُ الحجاجِ فِي عصرِ وسائلِ المواصلاتِ فيهِ ضيقتِ المكانَ وقاربتِ الزمانَ فأدَّت لزحامٍ هلكتْ فيهِ الأنفسُ وتضاعفتْ المشقةُ.

المقصدُ الشرعيُّ: المحافظةُ علَى الأنفسِ إحدى الضرورات «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما».

المقصدُ الشرعيُّ الآخرُ: التيسيرُ «ومَا جعلَ عليكُم فِي الدينِ مِن حرَج» الآيةُ مِن سورةِ الحجِّ، ولا سيَّما فِي فريضةِ الحجِّ بدليلِ «افعل ولا حرج» وأدلةٌ كثيرةٌ لا تحصى. النتيجةُ: القول المرجوح عند الأحناف جَعله المقصدُ الشرعيُّ راجحاً ومتعيناً فيجوزُ الرميُ قبلَ الزوال. هذَا هوَ الفقـه.

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط( الخميـس 30 رجـب 1427 هـ 24 اغسطس 2006 العدد 10131)

نحو ترشيد الفتاوى على الإنترنت 1 ـ 2

 

في هذا الأسبوع فرضت مرجعية الفتوى نفسها على برنامجي أولا برنامج حواري في قناة «المجد» مساء الأحد، وثانيا في الكويت يوم الاثنين مع مستخدمي شبكة الانترنت حيث اشتركت اهم المواقع الخاصة الى جانب مواقع القنوات بالإضافة الى مواقع بعض الوزارات الاسلامية وكان الهم المشترك هو ترشيد المواقع من خلال تحديد مرجعية، حتى ولو كانت فضفاضة، لكنها ضرورية لعزل المواقع «الطفيلية» التي لا تلتزم بمنهجية المذاهب الفقهية المعتمدة بدعوى الاجتهاد واللامذهبية التي اتخذت جسرا يعبر عليه من يريد ان يفتي بما شاء متعلقا بظاهر آية او حديث ضاربا عرض الحائط بأقوال العلماء العارفين وتأويل الفقهاء الراسخين ومرجعيات الإفتاء المعتبرة.


ولهذا فيجب، لإرساء عملية الترشيد على أسس صحيحة، أن تترسخ لدى الجمهور والخاصة ايضا ثلاثة أمور:


اولا ـ التشديد على ان الفتوى وظيفة خطيرة دينا ودنيا حتى تستقر في النفوس هيبتها وفي القلوب رهبتها.


ثانيا ـ صفات المفتي المجتهد، لأن من يريد أن يتجاوز أقوال علماء سلف الأمة ليفتي برأي يخصه عليه ان يكون متصفا بتلك الصفات.


ثالثا ـ ان الفتوى صناعة، فمن لا يحسن هذه الصناعة لا يمكن أن يتعاطاها.


وسنشير هنا بشيء من الإيجاز الى كل واحد من هذه الامور الثلاثة.


اولا ـ خطر الفتوى ومسؤولية المفتي: حكم الفتوى الوجوب كفائياً فهي فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن البعض الآخر شأن فروض الكفاية ولكنها تجب عيناً إذا كان الفقيه مؤهلا ولم يوجد مفت غيره.


قال السيوطي في كتاب آداب الفتيا: باب وجوب الفتيا على من يتأهل لذلك وتحريم أخذ العوض عنه، أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة وإنه لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت ؟إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاّعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم?. فالفتوى لها شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم ولهذا ورد الوعيد.


ففي حديث رواه «الدارمي» عن عبيد الله بن جعفر مرسلاً: «أجْرَؤُكُمْ عَلَى الفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ».


وأخرج الدارمي ايضا والحاكم عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ أَفْتَى بِفُتْيا مِنْ غَيرِ تَثَبُتِ فَإِنَمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ».


وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوأْ بَيْتاً فِي جَهَنَم ومَنْ أَفْتَى بِغَيَّرِ عِلْمِ كَانَ إِثْمُه عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ ومَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرِ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» سنن البيهقي الكبرى.


وأخرج الشيخان عن ابن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ الله لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمُ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُساً جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيرِ علْمِ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا».


وأخرج سعيد بن منصور في سننه و الدارمي و البيهقي في المدخل عن ابن عباس قال: «مَنْ أفْتَى بِفُتْيا وهُو يٌعْمِي فيها كان إِثْمُها عَلَيه».


وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَشَدُ النَّاسِ عَذَاباً يَومَ القِيامَةِ رَجُلُ قَتلَ نَبِياً أو قَتَلَهُ نَبِيُّ أو رَجُلُ يُضِلُ النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمِ أو مُصَورُ يُصَورُ التَّمَاثِيلَ».


وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمِ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ ومَلائِكَةُ الأَرْضِ».


وكان المفتون الصالحون يخافون الفتوى فيستخيرون ويدعون قبل أن يفتوا. ذكر ابن بشكوال في كتابه الصلة في تاريخ أئمة الأندلس أن عبد الله بن عتاب كان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها في الآخرة ويقول:


من يحسدني فيها جعله الله مفتياً، وإذ رُغِب في ثوابها وغبط بالأجر عليها يقول: وددت أني أنجو منها كفافاً لا علي ولا لي ويتمثل بقول الشاعر:


تُمَنُونِيَّ الأَجْرَ الجَزِيلَ ولَيْتَنِي نَجَوْتُ كَفَافاً لا عَلَيَّ ولا لِيَا


وقال أحمد بابا التنبكتي عن نفسه إنه في فترة مقامه بمراكش بعد محنته: .. وأفتيت بها لفظاً وكتباً بحيث لا تتوجه الفتوى فيها غالباً إلا إليَّ وعينت إلي مراراً فابتهلت إلى الله تعالى أن يصرفها عني. وكان ثابت البناني يقول إذا أفتى: قد جعلت رقبتي جسراً للناس. ثم ترك الفتوى. ذكر ذلك الزمخشري في ربيع الأبرار.


أخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي عن ابن مسعود قال: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون.


قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله عن المفتين الجهلة: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مُداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟


قال ابن القيم: الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً.


وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ فقلت له يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟


ولهذا قال العلامة ابن نجيم ما نصه: ومن هنا يعلم كما قال ابن الغرس رحمه الله تعالى إن فهم المسائل على وجه التحقيق يحتاج إلى معرفة أصلين:


أحدهما: أن اطلاقات الفقهاء في الغالب مقيدة بقيود يعرفها صاحب الفهم المستقيم الممارس للأصول والفروع وإنما يسكتون عنها اعتماداً على صحة فهم الطالب.


والثاني: أن هذه المسائل اجتهادية معقولة المعنى لا يعرف الحكم فيها على الوجه التام إلا بمعرفة وجه الحكم الذي بني عليه وتفرع عنه وإلا فتشتبه المسائل على الطالب ويحار ذهنه فيها لعدم معرفة المعنى ومن أهمل ما ذكرناه حار في الخطأ والغلط.


وقال في البحر من كتاب القضاء عن التتارخانية: وكره بعضهم الإفتاء والصحيح عدم الكراهة للأهل ولا ينبغي الإفتاء إلا لمن عرف أقاويل العلماء وعرف من أين قالوا فإن كان في المسألة خلاف لا يختار قولاً يجيب به حتى يعرف حجته وينبغي السؤال من أفقه أهل زمانه فإن اختلفوا تحرى.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 12 جمـادى الاولـى 1427 هـ 8 يونيو 2006 العدد 10054)

 

.. وماذا عن فقه الأقليات المسلمة؟!

 

حضرت في هذا الأسبوع في العاصمة البريطانية لندن مؤتمر الوسطية الذي دعت إليه وزارة الأوقاف الكويتية والمركز العالمي للوسطية بالكويت، وهو مؤتمر تميز بتنوع المشاركين فيه جغرافياً وفكرياً حيث وفدوا من مختلف مناطق أوروبا الشرقية والغربية من مختلف المراكز


والجمعيات، وكان الهدف تدارس أوضاع المسلمين الثقافية على ضوء مبدأ الوسطية الذي يجب أن يحكم حياة المسلم بعيدا عن الغلو والانحلال والإفراط والتفريط.


ومن بين المحاور التي عرضت للبحث تأصيل فقه الأقليات، وهو فقه ينكره البعض ويتجاوز به البعض حدوده، فهو إذن مجال للوسطية ولهذا احتاج إلى تأصيل، فتأصيل فقه الأقليات ينقسم إلى مقاصد وقواعد.


أما المقاصد فهي:


أولاً: مقصد عام وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقلية المسلمة على مستوى الفرد أو الجماعة.


ثانياً: التطلع إلى نشر دعوة الإسلام في صفوف الأكثرية مع ما يستتبع ذلك من تمكين تدريجي للإسلام في الأرض.


ثالثاً: التأصيل لفقه العلاقة مع الغير في الواقع الحضاري والعالمي، وهو أمر قد لا يختص بالأقلية لتداخل الأوضاع العالمية لإيجاد حالة من الثقة المتبادلة والقبول.


رابعاً: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية بمعنى الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية.


أما القواعد فإنها لا تعني إحداث قواعد أصولية أو فقهية بقدر ما تعني التركيز في الاتجاه البحثي على قواعد موجودة في الموروث الأصولي والفقهي أكثر التصاقاً وأقرب وشيجة بواقع الأقليات لتمحيصه من جديد واستكشاف إمكاناتها في التعامل مع أوضاع الأقليات.


فقه الأقليات كسائر فروع الفقه يرجع إلى مصدري الشريعة: الكتاب والسنة إلا أنه عند التفصيل يرجع أولا: إلى كليات الشريعة القاضية برفع الحرج وتنزيل أحكام الحاجات على أحكام الضرورات، واعتبار عموم البلوى في العبادات والمعاملات وتنزيل حكم تغير المكان على حكم تغير الزمان ودرء المفاسد وارتكاب أخف الضررين وأضعف الشرين مما يسميه البعض فقه الموازنات والمصالح المعتبرة والمرسلة دون الملغاة.


«فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد». كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين.


وهي كليات شهدت الشريعة باعتبار جنسها فيما لا يحصر ولا يحصى من النصوص.


ثانياً: يرجع فقه الأقليات إلى نصوص جزئية تنطبق على قضايا وموضوعات ماثلة في ديار الأقليات وتشاركهم في حكمها الأكثريات المسلمة.


ثالثاً: يرجع فقه الأقليات إلى أصل خاص ببعض العلماء يعتبر حالة المسلمين في أرض غير المسلمين سبباً لسقوط بعض الأحكام الشرعية مما عرف بمسألة الدار التي نعبر عنها بحكم المكان وهو منقول عن عمرو بن العاص من الصحابة وعن أئمة كالنخعي والثوري وأبي حنيفة ومحمد ورواية عن أحمد وعبد الملك بن حبيب من المالكية.


وهو مؤصل من أحاديث كالنهي عن إقامة الحدود في أرض غير المسلمين أصله حديث أبي داود والترمذي وأحمد بإسناد قوي: «لا تقطع الأيدي في السفر».


فانطلاقا من هذه الأسس ومن الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية وآراء أهل العلم يكون اجتهاد العلماء ترجيحاً انتقائياً أو إبداعياً إنشائياً، وإن كنت شخصياً أميل إلى النوع الأول ولا أجسر على النوع الثاني إلا بشاهد أي بنوع من التخريج لأن النوع الأول اختيار من أقوال العلماء لمصلحة اقتضت هذا الاختيار أو لدرء مفسدة قد يؤدي إليها تطبيق القول المتروك وبصفة أكثر دقة فسيكون الاجتهاد هنا على ثلاثة أضرب: اجتهاد جديد لإحداث قول في قضية جديدة قياسا على المنصوص في الأصلين؛ الكتاب والسنة. واجتهاد في تحقيق المناط، وهو اجتهاد لا ينقطع أبدا كما يقول الشاطبي لأنه تطبيق القاعدة المتفق عليها على واقع جديد تنطبق عليه هذه القاعدة وليس كالاجتهاد الأول الذي يختص به المجتهدون بل يستوي فيه المجتهد والمقلد.


أما النوع الثالث، فهو اجتهاد ترجيحي، وهو اختيار قول قد يكون مرجوحاً في وقت من الأوقات، إما لضعف المستند ـ وليس لانعدامه ـ فيختاره العلماء لمصلحة اقتضت ذلك، وهذا ما يسمى عند المالكية جريان العمل.


ولهذا فتسليط الأنواع الثلاثة للاجتهاد يكون في ضوء العناصر الثلاثة التي تحكم الفتوى، وهي واقع الأقلية والأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية.


من كل ذلك، تنشأ الفتوى في جدلية وتداخل وتكامل وتفاعل ينتج منه توازن بين الدليل والواقع يضبط به الفقيه طبيعة الفتوى ويرى به الحكم من خلال مرتبة الحاجة ومرتبة الدليل ومرتبة الحكم وكذلك من خلال التعامل بين الكلي والجزئي وهو تعامل دقيق لا يجوز فيه إهمال أي منهما بل يعطى كلا منهما قدر ما يستحق من الحكم، ولذا أصل المالكية لما سموه بالقاعدة البينية وهي إعطاء قضية واحدة ذات وجهين حكمين مختلفين باعتبار وجود دليلين.


وسترى هذه الأنواع من الاجتهاد من خلال مطالعة مشهد أوضاع الأقليات فيما يتعلق بأنكحتهم ومعاملتهم المالية وعوائدهم في الأكل واللباس والتعامل مع الناس في تهاني الأفراح والتعازي في الأحزان والأتراح والانخراط في الأحزاب والترشح والانتخاب إلى آخر القائمة.


فالأقليات تواجه تحديات عنيدة على مستوى الفرد الذي يعيش وسط بيئة لها فلسفتها المادية التي لا مجال فيها للوازع الديني وعلى المستوى الأسرة التي تحاول التماسك في خضم مجتمع تفككت فيه الروابط الأسرية واستحالت فيه العلاقة الزوجية بين الزوجين والأبوية بين الأبناء والأبوين علاقة غير قائمة على أسس من القوامة الإيجابية.


أما على مستوى المجتمع المسلم الصغير الذي يساكن هذه المجتمعات فهو مبعثر لا ينتظمه ناظم ولا يجمع شتاته جامع فالتحديات تطال العقيدة التي نعني بها أن يكون المرء مسلماً مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله وليس بالضرورة أشعرياً ولا سلفياً ولا معتزلياً وغير ذلك من التفسيرات التي تشوش على العامي.


ولعل العقيدة التي كتبها محمد بن أبي زيد القيرواني في صدر الرسالة والتي ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة لا تختلف عليها طوائف أهل السنة هي أفضل شيء يتعلمه المسلمون في المهاجر لبساطتها وسلامتها من الجدل والتشويش.


كما تطال ممارسة العبادة مع ما يتطلبه من تكوين الجماعة المسلمة والمؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومراكز.


كما تطال العلاقة بالآخر وإيجاد وسائل التعايش التي تجنب المسلم الذوبان الثقافي. وكذلك تحرسه من التقوقع والعزلة ليصبح في النهاية عضواً فعالاً في المجتمع، أسوة بنبي الله يوسف عليه السلام عندما خاطب ملك مصر بقوله؟ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم؟.


كل ذلك، يحتاج إلى فقه نفس يوازن بين الدليل والواقع مع ورع لا تشوبه وسوسة وجسارة لا ينغصها تهتك ولا جرأة.


*المصدر:جريدة الشرق الأوسط( الخميـس 05 جمـادى الاولـى 1427 هـ 1 يونيو 2006 العدد 10047)

 

التكفير.. لماذا وكيف الخلاص؟! (2 ـ 2)

كنا قد أشرنا في المقال السابق الى النقاش حول تعريفات التكفير، واستعرضنا شطرا منها،

ونكمل فنقول ان من هذه التعريفات تبرز العناصر التالية:

أولها: وهو أساس التعريف وحقيقة الحد المتمثل في الجنس والفصل هو ما عرف به ابن عرفة المالكي، فإن قوله: «كفر» هو جنس للردة، ويدخل فيه الكفر الأصلي والطارئ، وقوله: «بعد إسلام تقرر» هو الفصل أخرج به الكفر الأصلي، وما إذا لم يتقرر الإسلام أي لم يثبت.

أما تعريف صاحب تنوير الأبصار وصاحب المغنى فهو تعريف لاسم الفاعل وهو المرتد أي الراجع، فالرجوع هو الجنس وكونه عن «دين الإسلام إلى الكفر»، هو الفصل، وهذه التعريفات متقاربة إلا أنها لا توضح كيفية الخروج، غير أن ملحقات الحد بينت ذلك.

فقال تنوير الأبصار: «وركنها إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الإيمان»، ويجعل التعريف مركبًا إذ كونه ركنًا يدل على أنه جزء لماهية، ولكن ابن عابدين قال: «هذا بالنسبة للظاهر الذي يحكم به الحاكم وإلا فقد تكون بدونه، كما لو عرض له اعتقاد باطل أو نوي أن يكفر بعد حين».

وهذا الكلام يجعل الاعتقاد ركنًا إلى جانب الكلام. أما ابن عرفة فقد جعل الكلام ونحوه وسيلة فقط لظهور الردة وليس جزءًا من الماهية فقال: عن ابن شاش: «ظهور الردة إما بتصريح بالكفر أو بلفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه».

وهكذا فإن هذه الثلاثة هي مظاهر الردة، وقد نقل ابن عرفة كلام ابن شاش في عقد الجواهر الثمينة فيما تظهر به الردة ولكنه لم يتبعه في التعريف، فابن شاش عرّف الردة بأنها: «عبارة عن قطع الإسلام من مكلف»، وبهذا تكون الردة أمرًا قلبيًا مظهرها الخارجي الذي يحكم به قول صريح أو مقتض أو فعل متضمن.

وقد اقتصرت الأحناف على القول فيما مر إلا أنهم أضافوا الفعل، فقد قال ابن عابدين في الحاشية: «وكما لو سجد لصنم ووضع مصحفًا في قاذورة فإنه يكفر وإن كان مصدقًا؛ لأن ذلك في حكم التكذيب، كما أفاده في شرح العقائد».

أما تعريف الزركشي الذي نقلنا فهو تعريف للكفر وهو أعلم من الردة وجعل الجنس فيه الإنكار والفصل فيه هو ما عظم من الدين ضرورة، وهذا التعريف للرازي وهو مثل تعريف الأحناف الذي يعتبر إجراء كلمة الكفر عن اللسان ركنًا للردة، وقد ناقشه الزنجاني قائلا: «إن الإنكار يختص بالقول والفكر قد يقع بالفعل».

ولكن الزركشي بعد نقله لاعتراض الزنجاني على الرازي ناقشة قائلاً: «وما أورده من التكفير بالأفعال كلبس الزنار ونحوه على الضابط فجوابه أنه ليس على الحقيقية كفرًا لكن لما كان عدم التصديق باطنًا جعل الشرع له معروفات يدور الحكم الشرعي عليها. والظاهر أن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي بهذا ونحوه فلم يخرج الكفر عن أول التصديق».

بعد هذه المناقشات يبدو أن الردة مردها إلى القلب وأن وسيلته هي اللسان، أما الأفعال فقد تعطي حكم التصريح إذا كانت واضحة، وقد بالغ بعض العلماء بالتمسك بالعقد القلبي كأساس فريد للكفر،

فقال الشوكاني: «فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشر، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه». وإذا كان الأمر مردودًا إلى القلب لأن الكفر نقيض الإيمان، والإيمان محله القلب، فإن العلامات التي تترجم عن القلب يجب أن تكون واضحة شارحة غير غامضة ولا مشتبهة ولا محتملة لخطورة أمر الردة.

لما تقدم نرى أن ترسيخ ثقافة التسامح وقبول الاختلاف أمر ضروري لإطفاء نار فتنة التكفير التي تحرق الأخضر واليابس وتصيب القائم والجالس.

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 27 ربيـع الثانـى 1427 هـ 25 مايو 2006 العدد 10040)

التكفير.. لماذا وكيف الخلاص؟! (1-2)

 

 

التكفير لا يجوز أن يكون حكما جماعياً على جماعة من الناس من أجل أن شيخهم قال كذا أو الكتاب الفلاني من كتبهم اشتمل على مخالفات، قد تكون خطيرة، لما يؤدي إليه مثل ذلك من الأحقاد والفتن كما يقول أبوحامد الغزالي في كتابه «الاقتصاد في الاعتقاد»: فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ.

والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.


وقد قال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فإذا قالوا فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.


وهذه الفرق منقسمون إلى مسرفين وغلاة، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر.

وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول ثم يثير الفتن والأحقاد، فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يحركهم التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلاً ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه ، وثبت أن العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعاً، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع.

وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان فإن البرهان إما أصل أو قياس على أصل، والأصل هو التكذيب الصريح ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلاً فيبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة.


فالردة أمر شخصي يحكم به قاض عالم مستكمل الشروط على شخص معين بإقراره أو بينة وليست فتوى تصدر ضد جماعة أو طائفة فإذا كان الأمر كما ذكر فما هو تعريف الردة ـ أعاذنا الله منها ـ قال في القاموس ـ ممزوجًا بالتاج ـ: والردة بالكسر اسم من الارتداد، وقد ارتدَّ عنه تحول، والاسم منه الرِّدِّة”.


وذكر العلماء عدة تعريفات منها قول ابن عرفة المالكي: الردة كفر بعد إسلام تقرر. وقال في تنوير الأبصار: المرتد هو الراجع عن دين الإسلام، وركنها إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الإيمان.


قال ابن قدامة: المرتد هو الرجع عن دين الإسلام إلى الكفر.

وقال الزركشي الشافعي في المنثور في تعريفه للكفر: هو إنكار ما علم ضرورة من دين محمد (صلى الله عليه وسلم)، كإنكار وجود الصانع، ونبوته، وحرمة الزنى ونحوه، وهذا كما أن الإيمان تصديق الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في كل ما عليم بالضرورة مجيئه به.


وإنكار ما يثبت بالإجماع قد يخرج عن الضروريات، وهو كفر في الأصح، وأيضًا فإننا قد نكفر المجسم والخارجي وبطلان قولهم ليس من الضروريات، وأيضًا فالطاعن في عائشة ـ رضي الله عنها ـ بالقذف كافر إجماعًا وبراءاتها تثبت بالقرآن، والأدلة اللفظية عنده غير موجبة للعلم فضلاً عن الضروري، وشرط الحد أن يكون منعكسًا. قال: ولا يخفي أن بعض الأقوال والأفعال صريح في الكفر وبعضها في محل الاجتهاد.


ومن الأئمة من بالغ فيه وجعل يعد ألفاظًا جرت بها عادت العوام سيما الشطار منها ما يساعد عليه ومنها ما لا.


وفي الجملة تعداد الصور مما يتعذر أو يتعسر حتى قالوا: من أنكر مسألة الشرع فهو كافر، وهو خطأ عظيم وجهل ظاهر، وأما المسائل المجتهد فيها ينكرها المخالفون فلا شك أنّ أحد الطرفين شرع فليزم أن يكن أحد المجتهدين كذلك بالجملة، فالتكفير والتضليل والتبديع خطر والواجب الاحتياط، وعلى المكلف الاحتراز عن مواقع الشبهة ومكان الزلل ومواضع الخلاف.


 

*المصدر:جريدة الشرق الأوسط(الخميـس 20 ربيـع الثانـى 1427 هـ 18 مايو 2006 العدد 10033)