ارشيف ل

خطاب الأمن في الإسلام و ثقافة التسامح والوئام

اكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية
01/01/1999 – 02:11
ويتكون هذا الكتاب من مقدمة عن سبب تأليفه و خمسة فصول يشتمل كل واحد منها على فقرات

ينتظمها كل عنوان على النحو الآتي:

الفصل الأول: تعريف مصطلح الأمن ويتناول نصوصا تشيد بالأمن و تقدمه كنعمة من نعم الله تعالى وتربطه بالإيمان كما يتناول الأمن كمقصد من مقاصد الشريعة و شرط تكليف بالعبادات و شرط سلامة المعاملات.

الفصل الثاني: الأمن الثـقافي في الإسلام عوامله: أخلاق و مبادئ و قيم تحكم حياة المسلم تحمله على لين الجانب و المحبة والتسامح في علاقته مع المسلم و غير المسلم و تشيع المودة في المجتمع و الوسطية مع تعريف الوسطية عند الشاطبي و يتناول : تعريف الأصولية و التطرف و يرادفهما الغلو و التنطع. مكانة ولي الأمر في الإسلام. تيارات ثقافة العنف.

الفصل الثالث : التشريع الجنائي الإسلامي مميزاته و خصائصه مع تعريف جريمة الإرهاب عند الغرب و اقتراح تسمية جديدة ووصف جديد لهذه الجريمة على ضوء البغي و الحرابة.

الفصل الرابع: الحيز الجغرافي الآمن في الشريعة ويتناول: الحرمان الشريفان وما حولهما الحج عبادة لا تقوم إلا بسلطة نافذة . ثوابت المملكة العربية السعودية أساس أمن الحرمين الشريفين .

الفصل الخامس : صعوبة الأمن في العالم المعاصر و يتناول : تطور أدوات تنفيذ الجريمة و أفكار العنف. المجهود الانفرادي للدول لم يعد كافيا – الأمن الجماعي. نماذج إجراءات غريبة متضامنة تتمثل في ثلاثة أنواع من الاتفاقات ثم خاتمة.

واسمع الشيخ يقول فيه:(وهذه الشريعة المباركة تتسع لوصف كل جرم وتطبيق العقوبة الملائمة وهى بعموماتها وتفاصيلها وتفريعاتها محكماتها ومؤولاتها بالإضافة إلى آراء مختلف المذاهب التي تشكل ثراء وتكاملا وكمالا تشكل مصدرا فقهيا لا يفنى ومعينا لا ينضب ولا يذوى من قبل عزائمها بذلت له رخصها ومن آمن بوعيدها قدمت له وعدها في ظلال الأمن والأمان ذلك ما يجب أن يعيه أبناؤها ليعودوا إلى أحضانها الحانية ويقتطفوا من قطوفها الدانية )

أمالي الدلالات و مجالي الاختلافات (الطبعة الأقدم)

80580

دار بن حزم & المكتبة المكية
03/01/2009 – 01:14
4.00$
دين, فقه
أعاد فيه الشيخ عبدالله بن بيه غرس شجرة الدلالات في بستان أصول الفقه شارحا أصل جذورها و هو اللغة مرتقيا فروعها و أغصانها متدرجا من الأعم إلى الأخص غالبا ما لم يقتض المقام سوى ذلك لوجود مناسبة أو عموم أو خصوص من وجه حيث تشتبك الدلالات مستحضرا شهود النحاة والمتكلمين أمام محكمة الفقهاء والأصوليين مبينا الخلاف الواصب بين الأحناف و الجمهور مستعرضا الدلالات حسب الوضع و الشرع، والعرف والمجاز،

وحسب الوضوح والغموض من محكم و مفسر و نص وظاهر و خفي و مشكل و متشابه و مجمل محاولا وصف الظاهرة اللغوية و الشيات المعنوية بين المنطوق و أوضح المفهوم و قرن العام بالخاص و المطلق بالمقيد و الأمر بالنهي و الظاهر بالمؤول والمجمل بالمبين والاقتضاء بالإشارة “فبضدها تتبين الأشياء”

وأضاف باب النسخ لعلاقته بالبيان و العموم عند من يرى التخصيص نسخا. وألحق الشيخ معاني الحروف كما هي عند القرافي في التنقيح مقتبسة منه تتميما للفائدة وعلق عليها توسيعا لمعاني بعض الحروف ، و ألحق تتمة في الكلمات التي سببت اختلافا بين الفقهاء.

واسمع الشيخ يقول في طليعة هذا الكتاب: وبعد فإن هذه الشريعة المباركة ثابتة ومتطورة ثبوت سنن الله تعالى في الكون وتطور علاقة الإنسان باستكناه حقائقه والتوصل إلى دقائقه. فالشريعة الإسلامية لا تتغير ثوابتها ،

ولكن واقع الإنسان الذي يتراوح بين الضرورة والحاجة والتوسع والرفاهية هو المتغير ، وهو واجد في الشريعة حتماً حلولاً وأحكاماً لهذه التغيرات تارة يكون ذلك في صيغة نصوص تفصيلية وتارة ضمن مقاصد عامة تجلب المصالح وتحميها وتدرأ المفاسد وتنفيها ، وما أخطأ الشاطبي حين ادّعى أن هذه المقاصد الكلية قطعية لتواتر شواهد الشرع لها وتوافر دلائل الاعتداد بها ، ولقد أنتجت هذه المقاصد جملة من الأدلة الكبرى التي تغطي أكثر من نصف الشريعة بمعنى الأحكام التفصيلية للوقائع ، وهذه الأدلة التي تنتمي إلى المقاصد الكلية وإلى معقول النصوص دون ألفاظها ، منها القياس ، والمصالح المرسلة ، والاستحسان وسد الذرائع، والعمل بالعرف والعادة والاستصحاب ، وبخاصة استصحاب العدم الأصلي ، أو حكم العقل المبقي على النفي.

وقد وجد العلماء على تفاوت في الأخذ بهذه الأدلة – معيناً لا ينضب ولا يذوى ، وشباباً متجدداً لهذه الشريعة لا يشيخ ولا يبلى ، وعوضت كل طائفة – بنسب ودرجات متفاوتة – الامتناع عن العمل ببعضها الآخر ، فالظاهرية وهم الذين أخذوا اسمهم وينوا مذهبهم على ظواهر النصوص والنقول وهجروا بعض المقاصد ونتائج العقول – قد أغرقوا في الأخذ بالاستصحاب ، وبنوا عليه كل ما ليس منصوصاً في السنّة والكتاب . والشافعية – وهم أقرب إلى الظاهرية – زادوا القياس وانتفوا عما سواه من الأدلة ، أما المالكية فإنهم بنوا على المصالح المرسلة أكثر المسائل التي لا يستوعبها القياس ، واستعاض الأحناف بالاستحسان عن المصالح المرسلة بحثاً عن (الأرفق بالناس).

أما الحنابلة فإنهم مع المالكية اعتمدوا على سد الذرائع ، وأخذوا من كل هذه الأدلة بنصيب لا ينأى بهم (الحنابلة) عن مبدأ التمسك بالأثر ما وجدوا إليه سبيلاً . علماً بأن المالكية عملوا بثلاثة أنواع من الاستحسان ، والأحناف عملوا بالاستصحاب في الدفع دون الاستحقاق .

إن مآخذ المذاهب المختلفة من هذه الأدلة وغيرها هو سبب اختلاف المختلفين، وتجاذب أنظار المجتهدين مما كوَّن ثروة كبيرة سمّاها الباحثون (المبادىء المتطورة) في الشريعة ، ولكنه عند التحقيق والتدقيق نجد أنها ثوابت لكنها تجيب على المسائل المتجددة . وقد اهتم بها فريق من السلف وفرق من الخلف اعتبروها الأساس الوحيد للتطور والسعة في هذه الشريعة الخاتمة وفاتهم أساس آخر يشكّل ثروة هائلة ومساحة واسعة لاجتهاد العلماء واختلاف الآراء، ألا وهو ألفاظ النصوص الشرعية من كتاب وسنّة.

ومدلولات هذه الألفاظ كانت الوابل الصيب الذي سالت منه أودية الأولين بقدرها وأمسكت الماء الزلال وأنبتت كل زوج بهيج من ثمرات علوم مختلفاً ألوانها اختلافاً هو الانسجام، وتنوعاً هو الاتساق والانتظام. ولكن المتأخرين كعّوا ونكصوا دون متابعة ذلك المعين فسدَّ عنهم باب عظيم من أبواب الاجتهاد ، فلم يلجوه وصدوا عن سبيل من سبل التجديد فلم يسلكوه فرددوا مسائل الاختلاف دون تحقيق في أسبابها أو توثيق لأنسابها .

وذلك لفكّهم الارتباط بين اللغة العربية مفردات ونحواً وصرفاً وأساليب، وبين الفقه أصولاً وقواعد. ولعمري إنَّ العلاقة بين اللغة العربية والفقه هي أهم أساس من أسس الشريعة إلى جانب المقاصد ، وهي ” مجر عوالي ” اختلاف العلماء و ” مجري السوابق ” من خيولهم ، وإنَّ أصول الفقه هو أجلى مثال لهذا الارتباط وأفسح ميدان لهذا الالتقاء ، وبخاصة في أبواب الدلالات ، فيها تتجلى أسباب الاختلاف وبواعث الائتلاف ، وتظهر مذاهب الفقهاء لواحب واضحة إلى (المحجة البيضاء) فيسلك المقلد ما شاء منها ويرجح المستبصر ما استضاء منها ، ويستنير المجتهد بجميعها . فلا محيد عن سلوك اللغة لاستجلاء سبلهم ، ولا مناص عن اقتفاء آثارهم وتلقف أخبارهم.

ولقد نشأت ناشئة ونبتت نابتة حاولت القفز على الحواجز ، فعزّتهم الأرداف وخانتهم النواقز . وقالت هذه الفئة الفتية : نأخذ بالكتاب والسنّة دون الفقه الذي ينظر إلى المقاصد كما دوَّنها الشاطبي ، ولا مقتضيات الألفاظ كما هي عند الخليل وسيبويه ودوَّنها الشافعي .

فضللوا الناس وظنوا بالفقهاء والأئمة ظن السوء، فعميت عليهم الأنباء وأخلفتهم الأنواء ، فعابوا خلافاً لم يبلغوا مداه . كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسـداً وبغضاً إنه لدميم كأنهم استصعبوا الفقه فتجنَّبوه وتجنّوا عليه ، واستعجمت عليهم اللغة فتجهموها وسام العلم من لم يميز المنطوق من الفحوى ، ولم يتبين الأبيض من الأحوى.

إعمال المصلحة في الوقف

03/01/2009 – 01:14
يهدف بحث الشيخ “عبد الله بن بيه” إلى رفع الحرج الذي طالما استشعره المتعاطي لقضايا الأوقاف من حيث استثمارها وإدارتها، حيث يصطدم بعقبة النظرة الفقهية لبعض المذاهب التي تجعل الوقف ساكنا لا يتحرك، في وقت تنوعت فيه المؤسسات الخيرية (غير الإسلامية) في العالم متخذة من الاستثمارات العملاقة مطية لجني الأرباح الكثيرة.

وقد قرر الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى -ونقله عن الإمام أحمد رضي الله عنه من وجوه كثيرة- أنه تجوز المناقلة في الأوقاف للمصلحة الراجحة؛ لدليل: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق ففعل ذلك.

البرهان

03/01/2009 – 01:14
وهو كتاب جعل مولانا الشيخ عبدالله بن بيه…

فصله الأول : في وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته.

والفصل الثاني: في مسألة الرسالة واختيار الإنسان ليبلغ لأبناء جنسه رسالة الرب.

الفصل الثالث : الإيمان بالغيب :الآخرة وأحوالها والملائكة .

الفصل الرابع : واجب الإنسان المتعلق بنفسه وواجبه تجاه أبناء جنسه البشري.

الفصل الخامس : المسلمون اليوم.

واستهل مولانا الشيخ الكتاب بقوله: إن أحوج ما يحتاج إليه الإنسان في هذا الزمان وفي سائر الأزمان أن يصحح اعتقاده ويحكم بيقين جازم في قضايا جوهرية ليتبع ذلك اليقين سلوك صحيح يلزمه مدة حياته إلى مماته. وكل هذا اليقين الذي يُسمى إيماناً وما يتبعه من سلوك مفتاحه اتخاذ موقف جازم من مسألة وجود الإله الخالق.

إن اتخاذ موقف من هذه القضية يستتبع بالضرورة تكوين رأي ونظرة خاصة للإنسان عن ذاته وعما يحيط به وعن مصيره وبكلمة واحدة عن الكون وعن الحياة بأسرها كما يستتبع نوعاً من الالتزامات أو التحلل من الالتزامات طبقاً للموقف.

فعلى سبيل المثال موقف الناس في الألوهية والذي يتخذ في الغالب شكلاً يطلق عليه صاحبه أنه انعدام موقف من الألوهية كذلك الذي يقوله بعض الملحدين “لست أدري” كما في قصيدة إيليا أبو ماضي ولا يدري بأن قوله بأنه ليس يدري هو موقف وأنه بهذا الموقف اللامبالي أضاع أمانة العقل التي في عنقه .

وقد لجأ بعض هؤلاء وهم أهل الإلحاد الرسمي إلى الإنكار الصريح إنكاراً منهم لما لا تحيط به حواسهم الظاهرة وإدعاء منهم بأن الحاجة لا تدعو هم إلى البحث .

وهم في ذلك كأصحاب السفن يتجه صوبهم إعصار فأنذرهم أهل الإرصاد الجوي باللجوء إلى الشاطئ لتأمين سلامتهم وسلامة سفنهم فقالوا لا نصدقكم ولا نبحث عن معلوماتكم فلا شك أنك تصفهم بالغباوة والتهور لأنهم فوتوا على أنفسهم الفرصة فداهمهم الإعصار.

فكذلك هؤلاء الناس عندما يتجاهلون دعوة الرسل التي تنذر بوجود الله وبوجوب النار على من لا يؤمن به ويمتنعون من مراجعة الحجة والبرهان إدعاء بأن الضرورة الحياتية لا تدعو إليها أضاعوا الفرصة الوحيدة الممنوحة لهم وهي فرصة هذا العمر القصير الذي منحه الإنسان ابتلاء أيشكر أم يكفر ؟ وبنهاية العمر يتقرر مصير.

صناعة الفتوى وفقه الأقليات – الطبعة الثالثة – مركز الموطأ

واحد من أهم الكتب التي تعالج موضوعا في غاية الاهمية والحساسية في كل العصور وفي زمننا الحاضر خصوصا الا وهي مسالة الفتوى .

هذا الكتاب جعله مولانا الشيخ مرتّباً ومبوَّباً كما يلي :

الجزء الأول:

 تصدير عن الصناعة مقدمة عن النازلة والفتوى : لغةً واصطلاحاً .

الفصل الأول : ما به الفتوى و الأدلة المعتمدة في عهد الصحابة.

الفصل الثاني : تعريف المفتي المفتى به في المذاهب الأربعة .

الفصل الثالث : نماذج من منهجية الفتاوي والنوازل وأمثلة منها بعد عصر المجتهدين مع الإشارة إلى كيفية الاستفادة منها في التعامل مع القضايا المستجدة.

الجزء الثاني :

الفصل الأول : فقه الأقليات : تعريف المصطلح ومقاصده وأهميته ومنهج تحرير الاجتهاد فيه.

الفصل الثاني : قواعد كبرى يحتاج الفقيه إليها في فقه الأقليات.

1- قاعدة التيسير.

2- وتغير الفتوى بتغير الزمان. 

3- وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة.

4- قاعدة العرف وتحقيق المناط.

5- وقاعدة النظر في المئالات.

6– وقاعدة تنزيل جماعة المسلمين منزلة القاضي.

الفصل الثالث : أمثلة لمسائل لها أهمية خاصة من فقه الأقليات: – مسألة الإقامة بديار غير المسلمين. – مسألة تأثير الدار على حكم المعاملات. – مسألة تأثير الاستحالة وانقلاب العين في طهارة بعض الأطعمة. ملحق بفتاوى المجلس الأوربي مع التعليق على بعضها تعضيداً أو نقداً وتسديداً . – خاتمة.

واسمع مولانا الشيخ يقول فيه : ووجه كون الفتوى صناعة أن المفتي عندما ترد إليه نازلة يقلب النظر أولا في الواقع وهو حقيقة الأمر المستفتى فيه إن كان عقداً من العقود المستجدة كيف نشأ وما هي عناصره المكونة له كعقود التأمين والإيجار المنتهي بالتمليك مثلا والديون المترتبة في الذمة في حالة التضخم فبعد تشخيص العقد وما يتضمنه عندئذ يبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على العقد إن كان بسيطاً وعلى أجزائه إن كان مركباً مستعرضاً الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر إن وجدت و إلا فإجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان إنها عملية مركبة وتعمل وصنعة بالمعنى الأنف كما سترى.

وباختصار فإن مرحلة التشخيص والتكييف للموضوع مرحلة معقدة وكذلك مرحلة تلمس الدليل في قضايا لا نص بخصوصها ولا نظير لها لتلحق به. وسنرى من خلال مباحث هذا الكتاب كيف تطورت صناعة الفتوى من عهد الصحابة إلى عهود الأئمة والمجتهدين والفقهاء لا من حيث تطبيق النصوص أو الأدلة على القضايا ولكن أيضا من حيث التوسع في الاستدلال والتعامل مع عامل الزمان كمرجح في ميزان معادلة النص والواقع في جدليتي المقاصد الكلية العامة والأحكام الجزئية الخاصة.

هذا التطور المتدرج في خطوط متعرجة لم يقتصر على الدليل والواقع وإنما شمل أيضا القائم على الفتوى الذي لم يعد المجتهد المطلق على ما سنصف بل يصبح طبقاً لقانون الضرورة والحاجة الفقيه المقلد الناقل. ويصبح اختيار المقلدين بمنزلة اجتهاد المجتهدين فيما سماه المالكية “بإجراء العمل” لترفع القول الضعيف إلى مرتبة القوي والرأي السقيم إلى درجة الاجتهاد الصحيح بناء على مصلحة متوخاة أو مفسدة متحاماة. ذاك ما سميناه صناعة الفتوى.

قراءة في لقاء التلفزة الموريتانية مع العلامة ابن بيه

 

علي الحمدان- نبراسكا

قليلة هي تلك اللحظات التي نندمج فيها مع قنواتنا الإعلامية, حيث تعيش العقول النيرة في عزلة عنها بعد أن فقدت الثقة في قدرتها على البناء و تحمل المسؤولية في عصر تعيش فيه الأمة أزمة شاملة على كافة المستويات الحضارية. فغالب برامج الإعلام لا تعكس خططا نهضوية يمكن أن تعطي بصيصا من الأمل للخروج من الحالة الراهنة للأسف. بل على العكس, نجد أن الخطاب المعاصر ساهم في انقسام الوعي و تسطيحه إلى درجة جعلت من أبناء أمتنا كغثاء السيل.


لكن التلفزيون الموريتاني بإمكاناته المحدودة أعلن عن لقاء خاص مع شخصية عالمية هي العلامة عبد الله بن بيه حفظه الله, فكان هذا استثناء ثقافيا في الخطاب الإعلامي أجبر كل مهتم بالعلم و الفكر على عقد هدنة تلتزم صلحا مؤقتا يكفل التودد بينهم و بين الشاشة الفضية.


و كان الحوار قد أخذ ساعة من زمن فتناول محاور عديدة خاض فيها الشيخ بعباراته الدقيقة ذات الدلالات العميقة. فحاولت جهدي أن أجمع بعض تلك الفقرات في هذه المقالة التي تعبر عن فهمي المتواضع حتى يستفيد منها كل مهتم بالشؤون الثقافية و الحضارية. و من يدري, فلعل الله يمن علينا بفرص يتكرر فيها ظهور الشيخ على الشاشة في ظل حاجة ملحة إلى أمثاله من العلماء الربانيين لقيادة الخطاب الإعلامي الثقافي, و الله على كل شيء قدير.


صناعة الفتوى وفقه الأقليات :


وقد كانت بداية الحلقة ساخنة, و ذلك حين ارتكز الحديث في المحور الأول عن كتاب ” صناعة الفتوى وفقه الأقليات” ؛ فنجد أن الشيخ قد تعمد أن يجعل العنوان مثيرا ليدلل على أهمية الفتوى وعظم شأنها؛ فهي في حقيقتها صناعة مركبة ودقيقة لا يحسنها كثير من الناس ؛ بل تحتاج إلى متخصص يحيط بالأركان الثلاثة التي يقوم عليها بناء الفتوى و هي : إدراك الواقع بكافة تضاريسه , الإحاطة بالأدلة التفصيلية , و استيعاب الأدلة الكلية أو المقاصد.

و هذه العناصر بالرغم من تركيبها, عبارة عن مواد أولية تحتاج إلى صانع حاذق يحسن استغلالها؛ و هنا يبرز دور المجتهد الذي حقق شروط الاجتهاد فأصبح جديرا بالتوقيع عن رب العالمين. و هو دور مهم و خطير جعل النبي عليه الصلاة والسلام يحذر من التهاون في أمر هذه الصناعة حين قال: ” أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار” .


و مما ينبغي الإشارة إليه, أن الشيخ لم يكن أول من أطلق لفظ الصناعة على هذا الأمر؛ فقد سبقه بها الإمام ابن رشد و غيره من الأئمة. كما أن بعض الفقهاء استخدموا تعابير شبيهة لها نفس المضمون؛ فنجد أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قد استخدم كلمة “الاستثمار”, و مفهومها قريب جدا من الصناعة؛ فالقاسم المشترك بينهما هو العناية بالأجزاء و التراكيب الدقيقة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.


و قد كانت هذه المقدمة عن صناعة الفتوى مدخلا هاما للحديث عما يعرف ب ” فقه الأقليات”؛ والذي أخذ مساحة من الجدل بين الفقهاء. فقد رأى بعضهم أن المجلس الأوروبي للإفتاء حين روج لهذا المصطلح أكثر من أي مجمع آخر قد أحدث فقها جديدا خارجا عن إطار الفقه العام و ما يتضمنه من أحكام شرعية خالدة.


لكن “فقه الأقليات” هو من باب الضروريات و الحاجيات الموجبة للترخصات و التيسير, و من ذلك ندرك أن أصول الفقه العام هي أصول هذا الفقه, و مقاصد الشريعة هي ذاتها معتبرة أثناء التعامل مع فقه الأقليات. فكان متعينا على كل معترض على المصطلح المستحدث أن ينظر إلى الصورة كاملة و ليس إلى زاوية محصورة في اجتهادات في أحكام فرعية.


ثم لفت الشيخ إلى مفهوم غائب عن بعض مدارك المتصدين للفتوى و يتعلق بفقه الأقليات , فالمقصد الأساسي من بلورته هو توطين الإسلام في بلاد أكثريتها ليست من المسلمين , فقد قال الله تعالى ” ونريد أن نمن على الذين اُستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ” . و لذلك فإن صياغة فقه للأقليات هي محاولة لنقل الفقه من الوضع الفردي إلى الوضع الجماعي في البلاد غير الإسلامية.


والفقيه المعني بالفتوى للأقلية الإسلامية , سيستحضر دائماً جملة من القواعد الموجودة أصلا في كتب التراث , لكنها أكثر لصوقاً بقضايا الأقليات المسلمة مثل : الضرورات تبيح المحظورات , الحاجات تنزل منزلة الضرورات , قاعدة التيسير , تقوم الجماعة مقام الإمام , اعتبار المآلات وغيرها من القواعد التي تنطبق في كثير من القضايا التي تنزل بالأقليات.


ثم بين العلامة ابن بيه أن فقه الأقليات يقوم على ثلاث أنواع من الاجتهادات :

1- اجتهاد مطلق غير مقيد , وهو اجتهاد إنشائي في قضايا غير منصوصة , كالدخول في الانتخابات وغيرها من المشاركات العامة مع غير المسلمين .

2- اجتهاد انتقائي : و هو الاختيار من أقوال العلماء ما يناسب الأقليات , وهذا له استخدام واسع .

3- تحقيق المناط : وهو تطبيق القواعد على واقع جديد بعد بروز انتمائه إلى قاعدة معينة .

فهذه الأنواع الثلاثة من الاجتهاد في جدلية مع النصوص الجزئية والمقاصد الكلية والواقع تنشأ عنها الفتوى ; وهو ما يجعلها صناعة دقيقة .


الإرهاب : التشخيص والحلول :


ثم تطرق الحوار الشيق إلى محور آخر ارتكز على بحث العلامة ابن بيه ” الإرهاب : التشخيص والحلول ” . فقد ذكر شيخنا أن مصطلح الإرهاب يعاني من أزمة معرفية عرقلت تعريفه. و هذا التأزيم يرتكز على حيلة تستغلها الدول الكبرى لضرب مصالح غيرها للأسف , حتى أن الأمم المتحدة على لسان أمينها العام اشتكت من عدم قدرتها على تعريف مصطلح الإرهاب.

وبصفة عامة إذا رجعنا إلى الأصول الغربية , فقد أُطلق مصلح الإرهاب لأول مره في نهاية القرن الثامن عشر على حكومة الثروة الفرنسية , و كان محصورا على العمل الحكومي أول الأمر , ثم انتقل ليصف كل عمل منظم مرتبط بمقصد سياسي يهدف لتحريك الوضع و إثارة الفوضى .


لكن الشيخ نظر إلى الموضوع من زوايا أخرى لصيقة بالتراث الإسلامي فوجد في جريمة البغي , وجريمة الفساد في الأرض , وجريمة الحرابة ما يغطي كافة المساحات الضرورية لتعريف المصطلح القضية إذا تعاملنا معها بالعدل والقسطاس المستقيم . و هذا سيساهم في تلافي التعامل مع مفهوم عائم يسمح بتجريم الأبرياء تحت دعوى بلا سند حقيقي .

و لعل اكبر أزمات المصطلح العائم بوضعه الراهن أنه يجرم كثيراً من الأفكار أو الأشخاص حتى وإن لم يساهموا بالشروع في عمل خطير , أي دون اكتمال أركان الجريمة.

ثم ذكر الشيخ أنه طرح عشر نقاط للحوار الذي لو تم سيجد حلولا عملية. و هذه الحلول تستند إلى مفاهيم مشتركة بين الحضارات والثقافات هي: المنطق والعقل والأخلاق , ومن خلالها فقط يتم تعريف المصطلح و تحديد مضمونه ليحظى بإجماع عالمي . ومن أهم النقاط العشر هي : إزالة المظالم , و إعادة النظر في بعض المحفزات الفكرية للتطرف مثل التفسيرات الحرفية للنصوص الدينية. 


حساسية مفرطة من تزايد عدد المسلمين في أوربا :


ثم تطرق الحوار إلى المؤتمر الذي أقامته الحكومة البريطانية في اسطنبول مؤخراً . وحضره عدد كبير من الرموز الإسلامية , وكان الهدف منه استكشاف الساحة الفكرية الإسلامية؛ حتى يبحث عما يمكن تقديمه للمسلمين في أوروبا لمعالجة أوضاعهم و إخماد نار متربصة تنذر بانفجار قريب و صدام محتدم.

ويأتي هذا تزامناً مع الحساسية المفرطة عند بعض شرائح المجتمع الأوربي تجاه تواجد المسلمين كأقليات متزايدة. وقد بدأت انعكاسات هذه الحساسية تأخذ صوراً متطرفة مثلما حدث في فرنسا و الدانمارك و غيرهما من الدول.

وقد اعترف رجل دين فرنسي أن الإشكال يكن إجماله باختصار في ” تغير المشهد”, فالأوربيون رأوا أن الإسلام بدأ ينتشر بشكل كبير و هو ما حرّك شياطين العنصرية.

و ما ذكره رجل الدين الفرنسي للشيخ بن بيه قريب جدا مما ذكره بوزار في أحد كتبه, فالأوربيين عندهم “عقدة الأقارب”؛ فحضارتهم بينها كثير من العلاقات والقرابة بالإسلام , وتجد فيها كثيراُ من القيم المشتركة؛ كما أنها تعاني أيضا بما يعرف ب “عقدة المصالح”.

وذكر الشيخ انه قام بزيارات كثيرة إلى أوربا ليستجلي الساحة جيدا حتى تتم بلورة الحلول و تحقيق التقارب بمفهومه الإيجابي, لكن الإشكال أن زوايا النظر ما زالت مختلفة بين الثقافتين. وقد قال الشاعر :

تأمله الخلي فقال غنى ومثله الشجي فقال ناح 

فلا عجب أن نجد من المسئولين الكبارهناك من يعتبر ما يجري في غزة هو غناء بينما هو نواح بالنسبة لنا , حتى أصبح منقطهم بالنسبة لنا منطقاً أعوج.

و لا يعني هذا تبرئة كافة العناصر الإسلامية من التطرف و الانحراف في الفهم, فهناك فئات ارتكبت أخطاء مميتة و لم تفهم حقيقة دينها فأساءت إليه, وهذا ما جعل بعض الأطراف تستغل صورتها السيئة لتعمها على بقية المسلمين . وهو ما يحفزنا إلى مكافحة كل ثقافة ضيقة أو حرجة و إصلاح داخل البيت أولا.


حوار الأديان :


ثم تطرق الحوار إلى محور حساس يتعلق بحوار الأديان وشرعية مشاركة الشيخ فيه؛ حيث يتحفظ كثير من العلماء على هذه المؤتمرات الحوارية لما فيها من محظورات شرعية , ومن ذلك ما جاء في البيان المشترك لحوار مدريد من أن إلهنا واحد , فاعترض البعض على هذا اعتراضا شديدا. لكن الشيخ ذكر أن الله قال في كتابه ” قولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم و إلهنا و إلهكم واحد ونحن له مسلمون ” .

فالحوار واجب شرعي ” وجادلهم بالتي هي أحسن ” ” ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ” ؛ و الجدال هو الحوار ” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله “. وكل هذا في النهاية دعوة إلى الحوار والسلام ودرء المفاسد , وهي من مقاصد الشريعة الهامة .


بين السلفية والصوفية :


ومن المحاور الجميلة ما استند إلى ما قد ذكره العلامة يوسف القرضاوي في ثنائه على العلامة بن بيه من أنه يجمع بين “السلفية و الصوفية”. فالمفهومان كما يراهما الكثيرون لا يوجد بينهما أرضية مشتركة كافية للترويج بمبدأ الجمع الذي ذكره القرضاوي.

لكن الشيخ ذكر أنها حرب مصطلحات تغفل كثيراً عن ما يدخل فيها من المضامين . فالصوفية قد استعملها العلماء في الصدر الأول , ولم تكن تتضمن شحنة من شأنها أن تنفر الآخرين , بل كانت تدل على الزهد وعلى الإقبال على الآخرة والسمو في الأخلاق , وهذا كله من صميم الإسلام . والله سبحانه وتعالى يقول ” وذروا ظاهر الإثم وباطنه “, فإن كانت الصوفية تبحث عن باطن الإثم لإزالته و تروج لمرتبة الإحسان فهذا من المطالب الشرعية , أما إن كانت كما يريدها البعض خرافات و خزعبلات وخروجا عن الدين , فهي مفهوم خاطئ لم يلتزمه كثير من الصالحين والعلماء الزاهدين الذين ينشئون الأجيال على الرحمة بالخلق وعبادة الحق.

والسلفية أيضا نحاكمها بناء على المضمون, فإن كانت عبارة عن فهم السلف أو ما كان عليه السلف, ومثل هذه الالتزامات الشرعية السامية, فلا شك أنها مقبولة . فالقاعدة انه لا مشاحة في الاصطلاح, والأصل هو المضمون الصحيح الذي يستسقي من الكتب و السنة.


المحظرة الموريتانية و عناصر التميز:


و لعل الفضل الأول في موسوعية الشيخ بعد الله تعالى يرجع إلى المحظرة, و قد أصبحت كلمة مألوفة يعرفها الناس بعد أن غزا كبار العلماء الشناقطة بلاد المسلمين كافة, فأظهروا تميزا استثنائيا في الحفظ و عزو الأقوال إلى مراجعها.

ففي المحظرة, يتحرر طلبة العلم من كل مغريات الحياة و همومها, مهادهم الأرض و سقفهم السماء الزرقاء, لا يحتاج الطالب فيها إلا إلى الهمة و الإخلاص في العمل.

ومن عناصر التميز التي سمت بقيمة المحظرة هي طبيعة العلاقة بين المعلم و طلابه؛ حيث يعيش المعلم بينهم ليأخذوا منه العلم و العمل معا. فالعلاقة على هذه الصفة أصبحت غائبة في أغلب المؤسسات و المدارس الشرعية الرسمية المتناثرة في أنحاء العالم الإسلامي, وهو ما أثر سلبا على مستوى الطالب و المعلم في تلك البلاد.

و ذكر الشيخ أن الرجل إذا ابتدأ في دراسة الفقه صعب عليه أن يكون أديبا. لكن هذه القاعدة لها شواذ كثيرة في بلاد الأندلس و موريتانيا خصوصا. و هي ميزة نادرة يجب استثمارها؛ فالفقيه إذا كان أديبا فبإمكانه أن يصبح أصوليا بارعا نظرا للارتباط الوثيق بين الفقه و الأصول و اللغة العربية. فكان لزاما على طلبة العلم الموريتانيين الاستفادة من تميزهم في جمع هذه العلوم الثلاثة حتى تنتفع بهم الأمة أكثر في ظل حاجة ملحة إلى عدد كبير من الأصوليين المتمكنين.


أبرز الإشكاليات الفقهية المعاصرة:


و نبه الشيخ في آخر محاور الحلقة إلى بعض الإشكاليات الفقهية المعاصرة, و هي أكثر من أن تحصر. فالغرب –مثلا- حين صدر إلينا السلع جاءت معها وسائل التبادل و التعاون, كما لازمتها بعض القوانين التي تحكمها و تنظم سيرها و تروجها مثل الإيجار المنتهي بالتمليك, و البيع مع غيبة البدلين, و قضايا التضخم …..إلخ. و كل واحدة منها كانت بحاجة إلى بحث دقيق لتنظيم عملها وفق الضوابط الشرعية. و من المستجدات أيضا ما يتعلق بالقضايا أو المسائل الطبية مثل: زرع الأعضاء, نقل الأعضاء من شخص إلى آخر و غيرها.

و المجلس الأوروبي للإفتاء أكثر من يتعامل الإشكاليات الفقهية في الأحكام و المعاملات. و من أشهر القضايا قضية إسلام المرأة و زوجها نصراني. فالمذاهب الأربعة تقول بالإبانة فورا أو بعد انقضاء العدة. لكن المجلس وجد أن المرأة قد تفتن في دينها حينما تجبر على ترك زوجها, فتخسر الجالية المسلمة عناصر مهمة و حيوية من وراء هذا؛ فدفع هذا بعض الفقهاء إلى البحث عن اجتهادات أخرى.

فكان من حسن الحظ أن ابن القيم و غيره قد نقلوا أقوالا صحيحة عن عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و مجموعة من التابعيين تقول بجواز بقائها مع زوجها بعد إسلامها, فاستغل المجلس الأوروبي هذه الاجتهادات القوية ليحقق مقصدا شرعيا هاما و هو حفظ الدين. و يبقى هذا الاجتهاد غير ملزم, فمن شاء أخذ به و من شاء تركه , و هو يستند إلى شبهة, و الشبهة تنزل منزل الكراهة عند المالكيين.

و من المستجدات الفقهية قضية إثبات النسب عن طريق اليصمات الوراثية, و قد رأى بعض العلماء أن المرأة يجوز لها أن تطلب إثبات النسب عن طريق البصمة الوراثية. لكن الشيخ لم يوافقهم على اجتهادهم, فاللعان منصوص في القرآن, ثم إن الشريعة كما أنها تظهر الحقيقة فإنها تهدف إلى الستر. و هذا ما يميزها عن القانون الوضعي الذي يحصر عمله في إظهار الحقيقة دون غيره من المقاصد المهمة.

 


 

برنامج ” ساعة حوار”- قناة المجد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مشاهدي الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم إلى ساعة حوار


ينطلق المسلمون في حياتهم في كل مكان على أسس معتبرة في الغالب بل إنك تجد وبعين مبصرة المسلمين يسألون أهل العلم في كل صغيرة وكبيرة مما يدل دلالة واضحة على اثر الفتوى في صياغة وصناعة حياتهم إلا أن الملاحظ الانقلاب الشديد الذي ظهر من بعض المفتين عبر بعض القنوات الفضائية والتراشق المزعج المحزن فيما بينهم والخلل البين في بعض هذه الفتاوى والتي لم تبنى على أصول صحيحة في الفتوى فهل الفتوى خطيرة إلى هذه الدرجة وما حكم الفتوى بالنسبة للأمة ما الآداب المطلوبة للفتية هل المفتي المستبصر هو من يأخذ بالوسط في كل مسألة ما موقف الأمة من جهلة المفتين عبر الشاشات أو الصحف أو المنتديات الذين كلفوا الأمة وجروها إلى ويلات ومشاكل كثيرة صناعة الفتوى هو موضوع ساعة حوار في هذه الحلقة والذي نسعد وإياكم فيه باستضافة معالي الشيخ عبد الله بن بيه فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ ضيفنا يا مشاهدي الكرام تقلد عدداً من المناصب حيث عين رئيساً لمصلحة الشريعة في وزارة العدل ثم نائباً لرئيس محكمة الاستئناف ثم نائباً لرئيس المحكمة العليا ورئيساً لقسم الشريعة الإسلامية ثم مفوضاً سامياً للشؤون الدينية في رئاسة الجمهورية في موريتانيا ثم اقترح إنشاء وزارة للشؤون الإسلامية فكان أول وزير لهذه الوزارة ثم وزيراً للتعليم الأساسي للشؤون الدينية ثم وزيراً للعدل والتشريع ثم وزيراً للمصادر البشرية إلى غير ذلك من المناصب كما عمل أستاذاً في جامعة الملك عبد العزيز في جدة شارك ضيفنا في عدد كبير من المؤتمرات من أهمها أول مؤتمر قمة للدول الإسلامية بالرباط وأول مؤتمر تأسيسي لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة حاز على عدد كبير من الأوسمة منها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة كما شارك في عدد كبير من الندوات الفكرية والعلمية والملتقيات الثقافية والمؤتمرات في عدد من دول العالم الإسلامي والغربي ضيفنا نال عدداً كبيراً من العضويات فهو عضو في هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وعضو في المجلس الأعلى العالمي للمساجد والهيئة الخيرية العالمية الإسلامية بالكويت وعضو مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والمجمع الفقهي الهندي وهو نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أسعد بتواصلكم معنا يا مشاهدي الكرام عبر هذا الموضوع صناعة الفتوى من خلال أرقام الهواتف التي تظهر لمشاهدينا الكرام من داخل وخارج المملكة تباعاً للحديث عن أطر هذه القضية ضمن تفصيلات أسعد بتواصلكم عبر أرقام الهواتف والبريد الالكتروني ومنتدى ساعة حوار وعبر رسائل الهاتف الجوال فقط أهلاً ومرحباً بكم مرة أخرى مرحباً بكم فضيلة الشيخ اسمح لي أولاً أسأل عن الصناعة هذه الصناعة في الغالب لما نقول صناعة معنى ذلك أن هناك صانع يشكل الأشياء حسب قدرته هل تريد من كون صناعة الفتوى أن المفتي هو الذي يشكل هذه الفتوى أم أن لك رؤية أخرى فيها يا شيخ

الشيخ عبد الله  :

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً هذا العنوان أردت من خلاله أن ألفت الانتباه إلى أن الفتوى شيء مركب وليست شيئاً بسيطاً وبالتالي فهي صناعة في اللغات العربية نفرق بين صنع وعمل العمل عم قد يكون شيئاً مركباً وقد يكون شيئاً ساذجاً لكن الصناعة هي شيء دقيق وبهذا استعملت في القرآن الكريم في قضية الربانيين والأحبار والله سبحانه وتعالى قال 🙁 لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (62) لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (63) ) المائدة وسماه قالوا يعملون وهؤلاء يصنعون فالصناعة شيء دقيق والفتوى هي صناعة بمعنى أنها ليست شيئاً ساذجاً ليست شيئاً بسيطاً بل هي شيء مركب لأن الفتاوى تتركب من ماذا من نازلة أو واقعة تقع نسميها نحن الواقعات واقعات تقع هذه النازلة تحف بها كل ظروفها التي تشد المفتي لاعتبار ظروفها الزمانية ظروفها المكانية ظروفها الموضوعية حتى الشخص نفسه صاحب النازلة كل هذه الظروف تحف بهذه النازلة من الزمان والمكان والشخص صاحب النازلة ومن وقائع هذه النازلة وتفاصيلها كلها يجب أن تأخذ في عين الاعتبار أضف إلى ذلك الحكم ما هو حكم النازلة الدليل زالفة للدليل ما هو الدليل الذي ينطبق على هذه النازلة هل هو دليل من الأصلين المشعين الكتاب والسنة أو الأصلين المعرفين أي الإجماع والقياس أو الأصول الأخرى الدليل والحكم والنازلة من يتصرف في هذا ويسمى المتصرف ويسمى المستثمر يسميها الغزالي رحمه الله تعالى يسميها المستثمر والذي يستثمر هذه الحالة يستثمر هذه الوقائع هو يقول الصناعة الحقيقية ليصل في النهاية إلى الفتوى .

 

المقدم :

يعني كأنك تشير إلى خطورة هذا الأمر يعني أنا أفهم أن معالي الشيخ يقول أن الفتوى خطيرة وبالتالي ما كنا نسمعه من تراث سلف الأمة في الهروب من الفتوى لدلالة خطورتها بينما الآن تسارع عليها

الشيخ عبد الله  :

نعم صدقت هو هذه سلفها خطورة كبيرة على الأمة لأنه جاء في الحديث المرسل عند الدارمي وعند أبو جعفر أجرئكم على الفتوى أجرئكم على النار وهي نار بالنسبة لمن لا يتعاطاها بحقها فهو سيضل الناس وبالتالي ترى بعض العلماء تضمين المفتي بعضهم تضمين المفتي إذا لم يكن أهلاً بعضهم تضمين المفتي إذا كان أهلاً بالأنفس التي يهلكها والأموال التي يودعها والأمة التي يحملها على كتفه كل هذه العناصر تجعل تضمين المفتين الذي قرأه الشيخ العلامة ابن القيم عن السرائيلي وأقره أيضاً المالكية بالنسبة إذا انتصب غير المؤهل وأن الإمام عليه أن يضرب على يده وأن يمنعه كما قال في سبيل بني أمية فالفتوى لها خطورتها الكبيرة على الناس


المقدم :

طيب بس أمر على مسألة التضمين لأنها قضية مهمة وعندي فيها مجموعة من المسائل أود أن أؤخرها هي جزء من الخطورة لكن اسمح لي معالي الشيخ قبل هذا حكم الفتوى بالنسبة للأمة هل الفتوى بالنسبة للأمة لآحاد الأمة مثلها لعموم الأمة مثلها للعلماء

الشيخ عبد الله  :

هي الفتوى فرض كفاية يعني الأمة عليها أن توجد من يقوم بالفتوى لأنها تحتاج إلى من يترجم عن الله سبحانه وتعالى حيث عبارة القرار وحيث عبارة صاحب تكليف المنهج الذي قال إخباراً للفتوى كل من يترجم الحكم إلزام كنائب له أما ابن القيم فقال إنه وزير الموقع فهو وزير الموقع عن الله سبحانه وتعالى  الأخر قال هو كالمترجم بمعنى هو متقارب ومتلاصق


المقدم :

صحيح طيب لو تسمح لنا أن نعود لأكثر من أربعين أو خمسين سنة في الوراء عندما يعني بداياتكم فقي الاهتمام بهذه القضية ولقاءكم بعدد من العلماء مثل سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله كان هناك مجموعة من التحركات بينك وبينه رحمه الله في تأسيس بعض مجامع الفتوى والاهتمام بهذه القضايا خلينا نرجع لهذه القضية التاريخية كيف كانت بداياتها ثم أخذ التفصيل لو سمحت

الشيخ عبد الله  :

هو في الحقيقة أنا التقيت بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عليه رحمة الله التقيت فيه عندما كان في الجامعة الإسلامية وكنت حاج في سنة سبعة وستين قديماً سبعة وستين هذا لا يردني شاباً يعني بعد ذلك تكررت اللقاءات كل ما جئت إلى المملكة من خلال زياراتي للمملكة المتعلقة بظروف عملي وبوظائفي التي كنت أشغل البلاد والعلاقات لكن كانت علاقات جيدة ومتابعة كنت ألتقي بالشيخ وأزوره يعني لأنه كان قمة في الفضل وبدون مجاملة له هو ولا مجاملة لأحد كان قمة في الفضل والرعي والزهد أيضاً ثم بعد ذلك أصبحت عضواً في رابطة العالم الإسلامي لما تفرغت بالعمل السياسي في المجلس الأعلى وهو يرأس المجلس الأعلى من خلال المجلس كنا نلتقي ومن حين لأخر نذهب إليه في بيته لتناول الغذاء كما العادة


المقدم :

ولمست الاهتمام بالجانب الجماعي في الفتوى منه  

الشيخ عبد الله  :

هو بالنسبة لهذه الناحية لا أعرف عنها شيئاً كثيراً هو طبعاً هناك المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي الذي يرأسه الشيخ عبد العزيز رحمة الله عليه وهناك أيضاً المجلس الأعلى هو يرأس مجالس الرابطة وبالتالي هو يهتم بكل هذه الأمور


المقدم :

طيب في آداب الفتوى تفضلتم معالي الشيخ بذكر مجموعة من آداب الفتوى في كتابكم الذي هو تحت الطبع في صناعة الفتوى من أولها النية

الشيخ عبد الله  :

هذه الآداب التي ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال أن المفتي يحتاج إلى النية ليكون على كلامه نوراً لأن النية تصلح العمل وبالتالي هي مقدمة ضرورية إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه عمر رضي الله عنه


المقدم :

أنت تتوقع أن لها اثر في الفتوى يعني ما لها علاقة بين المفتي وربه ما لها اثر في ذات المفتي

الشيخ عبد الله  :

نعم هو أراد أن يفتي فاستشعر النية واستشعر الرهبة من الله سبحانه وتعالى ومن شأن هذا أن يحثه على النظر ولا يسارع إلى الفتوى فكثير من العلماء كان يتهرب عن الفتوى فالمالكي قال الفتوى أهرب منها ومن يحسدني عليها أرجوا أن يبتليه الله بها فكثير من العلماء كانوا يخافون من الفتوى والصحابة كانوا بعضهم يرد الفتوى إلى البعض الأخر يعني ما لم تتعين على الإنسان فهي في الحقيقة بلية


المقدم :

الحلم والوقار ثاني هذه الآداب التي ذكرتها

الشيخ عبد الله  :

نعم مسائل الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن يكون حليماً وقوراً هذه صفات خلقية وصفات نفسية يتحلى بها من شأنه أن يخرج هذه الصناعة أن تخرج ناضجة خلاف إن كان فيها طيش ونزق فمن شأن ذلك أن يؤثر على عملها وأن يؤثر على فتواها وأن يؤدي إلى شيء من الحقد أو التعصب لأن التعصب عدو للحق لأن الإنسان إذا تعصب من شان ذلك أن يحمله على أن يؤيد مذهبه وذلك بالحق


المقدم :

أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته

الشيخ عبد الله  :

نعم القوة أيضاً على الفتوى مهمة الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه يحيى ) ييَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ( مريم (آية:12) فالعلم يحتاج إلى قوة قوة نفسية قوة يعني كما قلنا الشجاعة الأدبية فعلى الإنسان أن يعلن رأيه يقول ما يرى أنه الحق يكون قوياً في الحق ليس خراراً فهذه هي القوة


المقدم :

والكفاية من العيش أيضاً ذكرتها

الشيخ عبد الله  :

الكفاية من العيش ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى حتى لا يرضاه الناس لأنه إذا لم تكن له كفاية من العيش فقد يزعجه الناس وبالتالي قد ينساق في حالة من حالات الضعف الإنساني ليفتي هذا بما يراه حسب ما ارتأى أحد علماء المالكية ذلك الأمير في الأندلس بأن يعتق رقبة نعم وفتواه صحيحة لكن يحيى ابن يحيى أفتى بأن يصوم شهرين متتابعين إذا جمع حتى رمضان حتى يزعجه وحتى يعني كانت فتواه من الناحية الفقهية ليست صحيحة


المقدم :

يعني لأن أيسر على الأمير أن يعتق

الشيخ عبد الله  :

يعتق رقبة في سبيل شهوة فرجه عنده رقاب كثيرة وبالتالي وبعضهم أفتى أيضاً ببيع الحبوس في الأندلس لأمير حتى للحاكم لأن هذا إن لم يكن الإنسان في كفاية من العيش فمنن شأن ذلك أن يجعله ضعيفاً أمام الإغراء المادي


المقدم :

معرفة الناس ماذا أراد منها الإمام رحمه الله

الشيخ عبد الله  :

معرفة الناس مسألة في غاية الأهمية وأنا أعتقد أنها مربط الفرس لأنه بمعرفته للناس يعرف حيلهم والتحايل على المفتي لأن الشخص قد يقدم لك قضية بصيغة وبأسلوب ويجعلك تتبنى موقفاً من هذه القضية ليس صحيحاً لأنه نتيجة مبنية على مقدمات هذه المقدمات ليست صحيحة فإن لازم المقدمات بحسب المقدمات أتي النتائج هي بحسب المقدمات وبالتالي معرفة الناس ضرورية شيء أخر هو لأنك إذا عرفت الناس عرفت الوقائع التي يتعاملون بها عندك الآن سندات البورصات يعني هذه الأمور يحتاج الإنسان إلى أن يعرف فيها الناس ما هي الحيل التي يمارسها التجار والباعة ليصلوا بها إلى كسب أو إلى ربح أو إلى أكل أموال الناس بالباطل كل هذه الأمور ضرورية للمفتي ولهذا كان أبو حنيفة كان بزازاً كان تاجر وكان يعرف أمور التجارة فتوسع في هذه القضايا لأنه كان يعرفها فإن لم يكن يعرفها فعليه أن يستعين بمن يعرفها كما قال مالك رحمه الله تعالى يستعان بأهل الصنائع في صنائعهم حتى يحقق المناط ولهذا مجامع الفقه لها نتائج إلى متخصصين في الاقتصاد متخصصين في الأمور الطبية متخصصين في مختلف العلوم والتي تعرض علينا وبالتالي نحتاج إلى تحقيق المناط فيها ونحتاج إلى تشخيص القضية لأنها الخطوة الأولى قبل أن تنظر في الحكم أن تشخص القضية جيداً


المقدم :

جيد تسمح لي اقرأ عليك ما تفضل به سماحة مفتي الديار المصرية سماحة الدكتور علي جمعة في الأسبوع الماضي صرح وشن هجوماً على المفتين في الشاشات الفضائية يقول وجه انتقادات حادة لانتشار الفتوى عبر الفضائيات من قبل غير المتخصصين في العلم الشرعي أو غير المؤهلين للتصدي للفتوى لدرجة حولت الفتوى أحياناً لمشروع تجاري عبر رسائل إلى الجوال أو الفضائيات وأنتقد أيضاً سماحة مفتي الديار المصرية من يبحثون عن القضايا المحسومة لإحداث الأزمة والجدل والخلاف والبلبلة بين الناس ومن ذلك من يقومون بالبحث عن فتاوى قديمة ويضربون بها فتاوى جديدة أو نحو ذلك وضرب سماحة المفتي أمثلة القضية التي تهمني هو فعلاً هذا الزخم الهائل في الفضائيات والذي جعل سماحة مفتي مصر يتحدث عنها بهذا الغضب الشديد الواضح أصبح الآن بعض المفتين في الفضائيات مع الأسف يسببون بلبلة للناس كثيراً ما رأيكم سماحة الشيخ

الشيخ عبد الله  :

هو كلام صحيح جداً كلام فضيلة الدكتور علي جمعة صحيح وبكرى أنا سأكون في الكويت لأقدم محاضرة عن هذا الموضوع عن فتاوى الانترنيت يعني لأنها ندوة عملوها وكان المفروض أن أكون هناك في الصباح لكن بسبب البرنامج غيرت برنامجي وسأسافر من هنا بإذن الله إلى هناك الإشكال كبير لكن هذه هي ضريبة الوضع العالمي ضريبة التقدم والتكنولوجية ضريبة وسائل المواصلات ووسائل الاتصال هذه ضريبة علينا أن نتحملها علينا أن نحاول بشيئاً من الإبداع وشيئاً من العبقرية حتى نحيد هذه الفتاوى الضارة وهذه النبتة الفاسدة حتى نحيدها وبالتالي حتى نبقي على الصالح وأن نزود عن كل ما ينفع الناس في الأرض


المقدم :

لكن أحسن الله إليكم فيما يتعلق إذا وجد في الأمة مفتين جهلة ما الموقف سواء من الحكام أو من عامة الناس يعني هل لنا موقف ممكن يعني مثل الذي في الانترنيت أنت تشير معالي الشيخ إلى هجوم شديد على الانترنيت وعبث بل بعضهم يعني سبب مشاكل وويلات للأمة ما موقفنا

الشيخ عبد الله  :

هو في الحقيقة علينا أن نزجر هؤلاء بقوة الدليل والحجة لأن الزجر الآن بغير ذلك يعني أصبح نوعاً من العبث يعني ماذا تصنع معهم ناس يشتغلون في سراديب يشتغلون في كل مكان يعني حتى الدول الكبرى يعني لم تستطع الآن السيطرة على الانترنيت فأنت ستجابههم بالحجة كان الشيخ الإسلام ابن تيمية كان شديداً على هذا النوع من المفتين فقال له شخص يوماً هل أنت محتسب على الفتوى قال سبحان الله يكون على الأسواق محتسب ثم لا يكون على الفتوى محتسب ماذا يعني


المقدم :

يعني ترى ضرورة الرد أيضاً أن لا تترك مثل هذه الفتاوى تعبث بالأمة

الشيخ عبد الله  :

هو يعني فرق بين ما انتشر وما لم ينتشر الفرق بين الفتوى التي تهم العموم وتهم الجمهور مع أن كل الفتاوى مهمة لأنها تتعلق بحكم شرعي ويجب أن لا نترك أحداً ليقول على الله ما ليس بحق


المقدم :

طيب اسمح لي أن أخذ مجموعة من الاتصالات ثم أعود لمواصلة الحديث معكم أبدأ بالدكتور محمد بن عبد الله الخضيري مرحباً بكم يا دكتور محمد تفضل

المتصل :

السلام عليكم ورحمة الله في مداخلتي هذه أحب أن أؤكد على قضية وأشار إليها فضيلة الشيخ المفتي ناطق بالحكم الشرعي ومبين عن الله تعالى وهو موقع عن رب العالمين وهذه فهمها الصحابة والتابعون وعلماء الإسلام يعني حينما فهمومها على هذا الوجه علموا شأن الفتوى ولم يدخلوا فيها ولم يتجاسروا عليها بل الأمر حقيقة كما قال عبد الرحمن بن أبي ليلى كلمة عظيمة جداً يقول تركت مائة وعشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا وأبدى أن أخاه كفاه ولا يحدث حديثاً إلا ود أن أخاه كفاه وأبو داوود رحمه الله يقول لا أحصي ما سمعت عن الإمام أحمد يسأل عن كثير مما فيه الاختلاف فيقول لا أدري وقصة الإمام مالك رحمه الله حينما وردت عليه أسئلة كثيرة من المغرب فأجاب عن بعضها وقال عن الباقي لا أدري فقال السائل ماذا أقول لمن ورائي والذي أرسلني قال قل لهم مالك لا يدري فكانوا يمرون إلى خلاص أنفسهم قبل أن يخلصوا السائل وحقيقة إذا كان هذا حال القوم في الفتوى الفردية الخاصة فماذا يكون الوضع في فتاوى أحكام يسمعها الملايين من البشر عبر الفضائيات والإذاعات وحقيقة كم هي مسؤولية المفتي على ذلك وإذا كنا في هذا الوقت الذي يعني غاب أو غيب الموت عدد من أئمة الفتوى الكبار من علمائنا الأجلاء هنا في هذه البلاد وفي عدد من البلاد الإسلامية إلا أننا لا زلنا والحمد لله ولا نحبط أو نيأس فيه والحمد لله في الساحة الفقهية علماء أجلاء وباحثون متميزون سددوا وكفوا جزءً كثيراً من النقص في قضية العلم الشرعي وقضية الفتوى ويسلكون مسلك التفصيل ومقابل هؤلاء أيضاً فقد كثير أخيراً بكل أسف نماذج من فتاوى ومفتين عبر عدد من وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات التي ضعف فيها التأصيل العلمي يعني فتاوى ضعف فيها التأصيل العلمي ورد المستفتي بالدليل ومنها ما هو واضح أنه يتقصد الرخص بمنهجية غير منضبطة بل بدعوة التيسير أحياناً وهذه القضية تحمل ما لا تحتمل وتفهم على غير وجهها الصحيح الذي يقول ربيعة ابن أبي عبد الرحمن كلمة عجيبة ذكرها عنه ابن القيم يقول استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم ويقول بعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق فكيف يشير البعض كما تفضل الشيخ قضايا معلومة محسومة يشغلون عن أهل الفتوى ويتحدثون فيهم وللأسف ك له حمى وسياج وحصن في كافة التخصصات أما نجد الفتوى فيتحدث فيها من لا يعرفها ينطق بما لا يعرف من أي متخصص ومن أي كاتب بل ويحاكم ويخاصم ويتحدث عن المفتين وفي قضية فتوى المجمع الفقهي في قضية الزواج مع إسقاط حق النفقة وبعض الفتاوى المرادفة معها كم حصل لها من كلام ومن تعليق ومن همز ولمز من أشخاص لم يعرف لهم وضع في العلم الشرعي ما خبو فيه ولا وضعوا بل لا يعرف لهم مقام قوي في دين الله تعالى إذاً لا بد حقيقة من حصانة يعني من أهل العلم فيما بينهم من الروابط الفقهية التي تساعد كثيراً على هذا الأمر يعني نقطة أخيرة من باب الرحمة واليسر والسماحة فلا بد من إدراك أنه إذا وضح الحكم الشرعي بدليل صحيح فيسمى اليسر والرحمة وبالتالي اليسر والرحمة وصف للشريعة في أصولها الاستدلالية وفي تطبيقاتها الواقعية ولهذا كان من منازل ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين ( الفاتحة (آية:5) تعظيم الأمر وهذه قضية عظيمة جداً لو كان يفطنها كل متحدث في القضايا الشرعية وخصوصاً الفتوى تعظيم الأمر والنهي وهو أن لا يعارض الأمر والنهي بترخص جافٍ ولا بتشدد غالي ولا بعلة من الموقيات وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ودين الله تعالى وسط بين الجافي عنه والغالي فيه بختام كلمتي يعني كم تحتاج الفتوى عامة وفي الفضائيات خاصة إلى ضوابط منهجية من خلال رابطة للمفتين تسعى إلى تضييق مساحات الاختلاف في بعض القضايا المهمة التي يسأل عنها الناس يومياً ومن جانب أخر كم هي مسؤولية الإعلام بقنواته الصحافة وإذاعة وقنوات عامة مسؤولية كبيرة في انتقاء المتميزين للفتوى المؤهلين من خلال يعني القوة العلمية والأمانة والديانة وما أكثرهم والحمد لله وفي الختام أشكركم على هذه الحلقة والسلام عليكم


المقدم :

شكراً دكتور محمد معي الدكتور علي بن حمزة العمري أيضاً من السعودية دكتور علي تفضل أهلاً بك

المتصل :

حياكم الله وبارك فيكم بسم الله الرحمن الرحيم حياك الله أبا ياسر وحيا الله سماحة شيخنا العلامة عبد الله بن بيه على حضوره فقد كان قبل أيام في بريطانيا يناقش قضايا المسلمين ويفتي على أجوبتهم وغداً في الكويت واليوم عندكم فنسأل الله أن يطيل عمره على حسن عمله نقطة أبا ياسر في مسألة الدعاة والفتوى هناك طبعاً الدعاة كلهم على خير إن شاء الله وينبغي أن نثق بهم جميعاً ولكن البعض دخل اليوم في دائرة الفتوى وقدم جانب المصالح على النصوص الشرعية الواضحة فعندما تنقل له بعض فتاوى العلماء يقول هؤلاء العلماء يعني نحن ننظر في الأمور والعالم ربما لا يعرف ما يجري في الواقع فيقللون من حال العلماء وكأنه لا دور لهم ولا معرفة لهم بما يجري في الساحة فتقدم عندهم مسألة المصلحة على مسألة النص الشرعي وعندما يناقشون في مسألة المصالح فلا تجد عندهم لا تتبع للنصوص ولا استقراء للأحكام الجزئية ولا معرفة أدوات التعليل فكل هذا غائب عن بعضهم فيفتون مباشرة ويفعلون ببعض الأمور المحرمة الواضحة بحجة المصلحة


المقدم :

ممكن نفهم أكثر

المتصل :

يعني مثلاً البعض من الدعاة رأيناهم في وسائل الإعلام يتصورون مع النساء وهم لا يرتدون الملابس المحتشمة صور يعني عادية جداً للذكرى فتسأل هذا الداعي ماذا يقول حتى النساء يستفدن من هذا اللقاء أو يكون عندهم ذكرى طيبة وأمثال ذلك من الأمور التي يسأل عنها الناس جزئية أخيرة بالنسبة للدعاة يعلق عليها سماحة شيخنا عبد الله حفظه الله أن هناك بعض الدعاة لم يسمعوا ولا يعرفوا ما يدور في المجامع الفقهية وخاصة الأوروبية وما يجري فيها من مستجدات العصر فإذا ما صدرت فتوى هناك وأنا قد حدثت بعض العلماء قبل يومين عن فتوى صدرت من المجمع الأوروبي للإفتاء وقلت له الرأي الذي استند إليه المجلس قال هذه الفتوى غريبة ولا أعرف أن أحد قال بها فعندما ذكرت له ما نقله المجلس من فتوى كبار الصحابة وبعض التابعين فاستعجل أنه ما أظن أنه يقال بها فلماذا لا يسمع البعض ما يجري في المجالس الفقهية ويثق بكبار العلماء ويظن فيهم ظناً خير ويسأل الله سبحانه وتعالى لهم التوفيق وأن يستمع إلى الأدلة التي قالوها حتى نجمع الدعاة وكما قلت كلهم على خير شاكراً لك هذا الاستماع


المقدم :

شكراً يا دكتور اسمح لي قبل ما استعرض ما تفضلوا به خصوصاً الدكتور محمد يمكن كان في نفس المحاور التي نتحدث عنها وقال أنهم يقدمون خلاص النفس الدكتور محمد الخضيري يقول يقدمون خلاص النفس على خلاص السائل في الفتاوى الفردية فكيف بالعموم التي تنتشر على الفضائيات ووسائل الإعلام وتكلم عن ضعف التأصيل العلمي والذي ينطلقون بدعوة التأثير وهم لا يفهمون هذا المعنى وبالتالي ممن عندهم تأصيل فضلاً عن أن ينطلقوا بالتيسير

الشيخ عبد الله  :

الذي تفضل به الدكتور محمد الخضيري والدكتور علي نشكرهم على ما تفضلا به وأود أن أقول أني اتفق مع ما ذكرا والقضية تحتاج إلى تفصيل في الحقيقة التيسير قد يكون مرجحاً من المرجحات وذكر ذلك الأصوليون واختلفوا في المراجيح عند التعارض بين الدليلين فبعضهم قال يرجحه بالشد بناءً على حديث ابن عمار ابن عماراً كان يقدم الأشد في حياته وإن كان هذا الحديث لفظه فيه اضطراب هل هو الأرشد أو الأشد أو الأسد مع أن التيسير ورد فيه أحاديث كثيرة وردت فيه نصوص قرآنية ) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( البقرة (آية:185) ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ( الحج (آية:78) ) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ( النساء (آية:28) يسروا ولا تعسروا ما خير النبي صلى الله عليه وسلم  بين أمرين إلا اختار أيسرها ما لم يكن إثما يقول الشاطبي أن ترك الإيمان سهل لأن الإثم ترك وليس عملاً فإذا وجد تعارض بين الآراء أو تعارض بين الأقوال أو تعارض بين الأدلة المعتبرة فإن جانب اليسر


المقدم :

فرق بين الآراء والأدلة إذا وجدت الأدلة خلاص

الشيخ عبد الله  :

حتى الأدلة يكون بينها عارض


المقدم :

نعم لكن هذا تعارض بين الأدلة لكن المقصود لا يوجد عند الرأيين دليلين

الشيخ عبد الله  :

نعم هو التيسير لا يكون من فراغ بمعنى المصلحة التي تفضل عنها الدكتور علي بأن يقول هذه المصلحة المصلحة ليست دليلاً مستقلة المصلحة إنما تكون دليلاً بضمينة شيء أخر وبالتالي المصلحة تكون دليلاً مقصدياً إذا اعتمدت على مقصد ضروري بمعنى الضروريات الخمس النفس والماء الدين والنفس والمال والنسل والعقل إذا اعتمدت هنا يعتمدها مالك لأن الصحابة اعتمدوها كدليل مثلاً عمر رضي الله عنه لما أوقف جزءً من حد الزاني البكر الحديث فيه جلد مائة وتغريب سنة إذا غرب شخصاً نفاه التحق بأرض العدو حينئذ رأى أن المحافظة على دين هذا الشخص عوذاً من المحافظة على حد الجزي أوقفها عند حدي الجزي وقال علي رضي الله عنه كفى بالنفي شتاتاً فتعاملوا حينئذ مع المقصد الكلي إلى جانب الدليل الجزئي هذا تعامل دقيق يحتاج إلى وزن وإلى ميزان صحيح لكن بعض الناس قد يخطئ وأنا قلت مرة أحاول أن أسدد وأرتب للمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء ميزان الفقيه يجول طوراً إلى طرف فيفرط أو يضيع يعني المسألة تحتاج إلى وزن حتى لا نفرط ولا نضيع لذلك عثمان رضي الله عنه لما باع الضال للإبل ووضعها في بيت المال لأن الزمن خربت والديانة خفت وبالتالي رأى أن هذا من السداد وقال فيه الأصل 


المقدم :

وعمل فيها في المملكة في فترة مضت عملت بهذه الفتوى المملكة لما حصل من الإبل تسيب وصار في حوادث في الطرق فضمت

الشيخ عبد الله  :

صحيح هذه مصلحة شرعية معتبرة وعثمان رضي الله عنه أيضاً لما فرق تماضر الأسدية من عبد الرحمن بن عوف الذي طلقها في مرض كان ذلك مراعاة لنقيض القصد والمألات وعلي رضي الله عنه لما ضمن الصناع هذه الأمور ليست بدعاً لكنها تحتاج إلى ميزان تحتاج إلى صانع تحتاج إلى خفاف كما سماها ابن رشد الحفيف قال إن الذي يحفظ النصوص مثل شخص عنده خفاء يبيعها لكنه لو أتاه شخص قدمه لا يوافق خلاص ما باعه شيئاً فلا بد أن يكون خفافاً يجيد صناعة الخف حتى يستطيع أن يقدم لكل شخص ما يحتاج إليه


المقدم :

طيب في هذا السياق لو سمحت لي وأنت تتحدث عن التيسير بين يدي مجموعة من القضايا التي سبق أن تفضلتم بها أنت تقول بأن المفتي المستبصر هل هو أولاً هذا سؤالي قبل ما أقرأ عليك هل هو كل من يأخذ بالوسط في كل مسألة أنت ذكرت في معرض لقاء أجري معكم معالي الشيخ أن الوسط صعب تعريفه جداً وصعب أن نحدده ثم قلت إذا أردنا أن نتعامل على صعيد عملي نقول أنها توازن بين الثوابت والمتغيرات بين الماضي والحاضر في الزمان بين الكليات والجزئيات الوسطية قد تكون دقيقة إذا لاحظناها من زاوية المبادئ والتطبيقات لنوضح هذا المفهوم ثم نقلت كلاماً عن الشاطبي وغيره الآن الذي ينادى به هذه الوسطية وهذا التيسير هو الذي جر بعض المفتين كما قال الدكتور محمد الخضيري قبل قليل إلى أن يبحثوا عن التيسير ويضيعوا التأصيل العلمي الشرعي

الشيخ عبد الله  :

صدق هي مسألة التأصيل العلمي مسألة صعبة هو كما يقول المثل الغربي حكمة تؤخذ من غير حكيم يقولون أن النقد سهل لكن الفن صعب يعني أن تكون فنان يعني عندهم


المقدم :

لا بالعكس أنا أؤيد هذا النقد السهل في مجتمعاتنا

الشيخ عبد الله  :

لكن التوسط هو قيمة وهذه قيمة في ديننا يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى أن الدين واسطة بين التقصير وبين الغلو ويقول ابن عباد أن النفس دائماً طموحة إلى الاهراق أو التفريط فالوسطية يعني قيمة ذكتها أمثلة من القرآن الكريم عندما يقول الله سبحانه وتعالى ) وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ( الفرقان (آية:67) ويقول سبحانه وتعالى ) وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( الإسراء (آية:110) هذا السبيل وهذا القوام هو الوسط ) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ( الإسراء (آية:29) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول القصد تبلغ فهذا القصد وهذا القوام وهذا السبيل هو عبارة عن الوسطية لكن كيف نتعامل مع هذا الوسط أمامك ثلاث مدارس يقول الشاطبي ثلاث مدارس المدرسة الأولى هي مدرسة تأخذ بظواهر النصوص ولا ترى في المعاني متمسكاً والمدرسة الثالثة أقول الثالثة لأني سأرجع إلى الثانية هي مدرسة تقول ببواطن النصوص ولا ترى في الظواهر متمسكاً وبالتالي تبتعد عن النصوص والمدرسة الوسط هي التي تأخذ بظواهر النصوص وتأخذ من المعاني أيضاً بالمقاصد الكبرى الجزية وهذا هو الميزان لأن الفقه هو علم أنا أقول لطلبتي لا يمكن لشخص أن يدخل في مختبر كيمياء ثم يتعامل معه وهو جاهل والفقه كذلك لا يجوز للإنسان أن يمتطيه بدون بردعة لا يجوز لشخص أن يرتجل فقيهاً يرتجل نفسه فقيهاً زعيماً يفتي هذا أمر ليس صحيحاً الفقه هو عمل وصناعة وتعامل بمعنى التكلف تعامل يحتاج إلى معرفة الجزئيات والكليات إلى ميزان يزن به الجزئيات والكليات حتى يعرف وحتى تتضح الطرق وتتضح السبل له وبالتالي حتى يفتي على بصيرة وبينة من علمه


المقدم :

جميل أنا عندي مجموعة من القضايا للإخوة والأخوات في المنتدى استطعت حاولت جاهداً أن أنقلها من خلال المحاور ولذلك يعذروني إخواني أنني لن أذكر صاحب كل قضية لكن بين يدي مجموعة من القضايا الآن أعرضها على الإخوة ولعل المخرج أيضاً يتكرم بعرضها سآخذها واحدة واحدة من خلال هذه القضايا هذا سائل يقول هل الفقه يحصل بمجرد القدرة على مراجعة المسألة من مظانها أم لا بد من معرفة المسائل على وجه التحقيق ويحتاج إلى معرفة أصول معينة معالي الشيخ وهذا أيضاً سؤال قريب منه هل يمكن أن يكون الإنسان المطلع القارئ الذي يستطيع أن يحضر مجموعة من الدروس ويقرأ مجموعة من الكتب حتى يكون مفتياً إلى غير ذلك من المسائل

الشيخ عبد الله  :

هو هذه المسألة غاية في الأهمية لأن المتصرف في الأدلة وفي الوقائع هو المفتي وبالتالي شدد العلماء الأوائل طبعاً في زمن الصحابة المفتي الأول في زمن النصرانية هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه وتعالى الله أفتى الناس فيقول ) قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ( النساء (آية:176) ) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ( النساء (آية:127) فالله سبحانه وتعالى يفتي على لسان نبيه والنبي صلى الله عليه وسلم يفتي ومن باب من أفتى يقول البخاري الفتية على الدابة الفتية بالإشارة باليد كل ذلك يكون قضايا فتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه الكرام وكان المفتين من الصحابة معروفين لما لهم من الثقة والعلم والورع والسابقة في الدين لكن بعد ذلك احتاج العلماء إلى أن يضعوا صفات المفتي أولاً كان عن طريق التزكية الإمام مالك رحمه الله تعالى كما تفضل الدكتور محمد الخضيري بالإشارة إلى مواقفه من الفتوى يقول ما أفتيت حتى شهد سبعون شيخاً لي محنكون وعمائم تحت حنكهم علامة قال ذلك لأن المقاصد يعني الإمام مالك أفتى فقال أجسرت عليها والله ما أفتيت


المقدم :

عشرين سنة يفتي عمره عشرين سنة ويفتي الآن

الشيخ عبد الله  :

نعم ما أفتيت حتى شهد سبعون شيخاً لي وقال للشافعي أفتي فأمر الشافعي بالفتوى لكنه منع بالنقاش فكانت تعتمد على الشهادة ثم أيضاً بعد ذلك بدأ العلماء يعدون الخصال يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى في كتابه البرهان المفتي هو مناط الأحكام وملاذ الخلائق في ترتيل الحلال والحرام وقد عد أبو إسحاق أربعين خصلة يجب أن تتوفر فيه ليكون مفتياً ويضع الخصال التي تعرفونها المتعلقة بالعلم بالكتاب والسنة وعلم أحوال الرجال نقلة الحديث


المقدم :

ربما نأتي عليها أيضاً في سياق الحلقة

الشيخ عبد الله  :

وجواباً على ما يذكر لا يمكن أن يكون بمجرد الاطلاع على بعض المسائل لا يدري إن خصصت في مكان أو وجدت في مكان أخر يعني وخبايا الزوايا كما سمى أحدهم كتابه يعني أمور لم ترد فيها أرباب لكنها في باب أخر خبئ في باب أخر ودار ارتياض طويل على الفتوى أن يرتاض الإنسان .

 

المقدم :

طيب تسمح لي أخذ مجموعة اتصالات ثم نعود لمواصلة هذه القضية معي مجموعة من الاتصالات أبدأ بفضيلة الدكتور عبد العزيز الفوزان دكتور عبد العزيز أهلاً ومرحباً بك تفضل فضيلة الدكتور

المتصل :

أولاً يعني أستاذ فهد اسمح لي أن أهنئك على هذا النجاح لهذا البرنامج المبارك ثم أشكر فضيلة الشيخ على جهوده المباركة وعلى رأسها حقيقة جهوده في مجال فقه القليات والهم مشترك حيث أنني أعمل على هذا المشروع منذ سنوات وأتمنى أن يكون بيني وبين الشيخ تواصل في هذا الحقيقة الموضوع الذي تتحدثون عنه غاية في الأهمية خصوصاً في ظل الفضائيات القائمة والصحف التي تمتلئ بالفتاوى والمواقع في الانترنيت من جهات عديدة ليس لها ضابط مع الأسف في كثير من الأحيان حقيقة فضيلة الشيخ أنه يعني لا يخلو زمان ولله الحمد من قائم إلا بحجة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تزال طائفة من الناس على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأمر الله وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام قد حسنه جمع من العلماء يحمل هذا العلم من كل خلف عدول وينفون عنه تحريف المغالين وامتحان المبتلين وبغي الجاهلين أما ما أشار إليه فضيلة الشيخ من حكم الفتوى فهي كما ذكر أنها فرض كفاية والعلماء نصوا أنه ما لم يكن في البلد واحد أو مجموعة لا تحصل الكفاية إلا بهم فإن الفتوى تكون فرض عين عليهم والآن حقيقة لو تأملت في واقع بلاد العالم الإسلامي كلها لا تكاد تجد بلداً فعلاً سدت لهذه الحاجة على أكمل وجه فأقول كل القادرين على الفتوى من المتعين عليهم أن يقوموا بهذا الواجب أن لا يبخلوا على الناس ما أكرمهم الله من العلم أما ما أشار إليه فضيلة الدكتور محمد الخضيري وعلق عليه أيضاً فضيلة الشيخ عن خطورة الفتوى بلا علم هذه أيضاً الحقيقة مهمة جداً ويأتي في هذا قول الله عز وجل ) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ( الأعراف (آية:33) يقول هذا التفسير إن الله عز وجل رتب هذه المحرمات والمنكرات العظيمة من الأخف إلى الأغلظ وجعل أغلظها وأشنعها القول على الله بلا علم حتى أغلظ من الشرك قالوا لأن ما قيل على الله بلا علم هو اكبر من الشرك من زعم بأن لله ولداً ولأن الشرك يقتصر ضرره في الغالب على صاحبه بخلاف القول على الله بلا علم أو ما يتعداه إلى غيره ولهذا كثر كلام العلماء رحمهم الله في التحرير من القول على الله بلا علم حتى قال القاسم المحمد ابن أبي بكر رضي الله عنه لما سأل عما سلف قال لا أحصيهم فكرر عليه السائل قال لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه وروى أبو عمر ابن الصلاح بسنده كما ذكر ابن عبد البر رحمه الله عن أحمد ابن حنبل قال قال الشافعي قال مالك قال محمد ابن عدنان إذا أغفل العالم لا أدري إذا أصيبت مقاصد يقول هذا إسناد جليل عزيز جداً لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة أحمد والشافعي ومالك رحمهم الله أجمعين وأبو الحسين رحمه الله يقول قولته المشهورة التي يعرفها كثير من الناس يقول أن أحدكم ليفتي في المسألة ولو عرضت على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر ورأى رجل ربيعة عبد الرحمن يبكي فقال ما يبكيك قال استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق وكما يقول بعضهم أيضاً وهي كلمة حقيقة معبرة جداً يقول أشقى الناس من باع أخرته بدنياه وأشقى منه من باع أخرته بدنيا غيره وأحب حقيقة أن أؤكد على قضايا مهمة جداً في بعض أخطاء المفتين المتعالمين مع الأسف وهي مهمة في هذا الموضوع المطروح من الأخطاء حقيقة التي انتشرت بكثرة التسرع في الفتوى قبل التثبت وتصور الواقعة وقد تجد كثيراً من بعض طلاب العلم يتسرع في الفتوى قبل أن يتصور الواقعة خصوصاً إذا كانت من مسائل الأقليات المسلمة أو من بلاد أخرى غير المعروفة فالواجب حقيقة أن يتثبت ويتصور الواقعة قبل أن يفتي فيها وأذكر شيخنا العلامة محمد ابن عثيمين رحمه الله كنت وقت وجوده في أمريكا اتصل عليه كثيراً ربما في الأسبوع مرة أو مرتين وإذا أتيت في الإجازة الصيفية أتي محملاً بكم من الفتاوى أذكر رحمه الله أنه لا يفتي في مسألة حتى يسألني بالتفصيل عن الواقعة حتى يتصورها تماماً كأنها بين عينه ثم بعد ذلك يفتي رحمه الله من الأخطاء الفادحة الكبيرة وقد أشار إليها فضيلة الشيخ قبل قليل تتبع الرخص والأخذ بالأخف واليسر والأسهل وهذا مع الأسف أصبح الآن منهجاً لبعض المفتين المشهورين مع الأسف الشديد بل ناقشت أحدهم وأنا أعتبره من المشايخ الكبار ونستفيد من علمهم لكن مع الأسف عنده هذه القناعة أنه إذا اختلف العلماء في مسألة فلا بأس أن تأخذ باليسر والأخف منها والعلماء حقيقة حذروا من هذا أشد التحذير فدين الله عز وجل ليس بالهوى ولا بالتشهي والأخذ بالرخص وتتبع الأسهل واليسر هو من التلفيق في دين الله عز وجل ومن هذا كان ابن القيم رحمه الله يقول لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع بك الشر كله يقول ابن عبد البر رحمه الله تعليقاً على هذا هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً وقال إسماعيل القاضي ما من عالم إلا وله ذلة ومن جمع ذلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه إذاً ما من عالم حقيقة قديماً أو حديثاً إلا وله شذوذ وزلات في مسألة أو مسائل عديدة فمن أخذ بالشواذ فقد شذ عن الإسلام والله عز وجل تعبدنا بحكمه وناسب ما قاله سبحانه وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بقول فلان أو فلان ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مبيناً القاعدة في حال الاختلاف ) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ( الشورى (آية:10) وقال ) فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( النساء (آية:59) ولم يقل خذوا بأي القولين


المقدم :

فضيلة الدكتور لعل هذه أخر نقطة الله يحفظك

المتصل :

نعم لو سمحت لي بنقطة أخيرة يقابل هذا الأخذ بالأغلظ والأشد بكل شيء والأمر كما قال سفيان الحسيني رحمه الله إنما العلم عندنا برخصة من ثقة أما التشديد فكل أحد يحسنه بقيت نقطة لو سمحت يا شيخ فهد اسمح لي أن أختم بها وهي من الأخطاء الكبيرة أيضاً وأنا أيضاً واجهت شيئاً عجباً في هذا الباب من بعض طلاب العلم المبتدئين أن تجد بعضهم يأخذ بنص واحد في المسألة ويجهل بقية النصوص التي تقيد مطلقها أو تخصص عامة أو تنسخها ثم إذا قلت له هذا الكلام غير صحيح قال لا ما أتيت به من جيبي هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لكن الذي قال هذا الكلام المطلق أو العام والذي قيده وخصصه في مقام أخر أيضاً العلماء رحمهم الله كانوا يقولون لا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يرى أو يعرف رأي العلماء الآخرين غير علماء بلده أيضاً ولهذا يقول بعضهم من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه بل قالوا فلا تعدوه عالماً ويقول أبو العطاء الخرساني رحمه الله لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يده .


المقدم :

أحسنت شكراً يا دكتور أشكر الدكتور عبد العزيز الفوزان شكراً لاستضافتنا للدكتور معي الدكتور وليد الرشودي من السعودية دكتور وليد أهلاً وسهلاً بك

المتصل :

أهلاً بك وبمعالي الشيخ عبد الله أنا حقيقة لن أطيل عليك شيخ فهد وسوف أتي على النقاط وسوف أبدأ من قبل أن ينتهي الشيخ عبد العزيز الفوزان وهي قضية تتبع الرخص ونحن كلنا نعلم أن القاعدة المشهورة أن من تتبع الرخص للفقهاء كما يقولون وهذه خطيرة على دين المفتي قبل أن تكون على المستفتي وأنا أريد أن أذكر أيضاً بالفتوى حيث أن بعض أهل العلم أدرجهم في قول الله عز وجل ) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ( الزمر (آية:60) وأنه نص على جريمة مفتونة بغير علم ونحن نرى اليوم من الأمور التي تحزن وأوجه سؤالي إلى معالي الشيخ خطورة الهجوم على رأي الجمهور وعدم الاعتزاز به وكأنه يساوى بالأقوال الأخرى وقد سمعنا جمع من مشايخنا رحمة الله على الأموات وحفظ الله الأحياء أنه غالباً أن رأي الجمهور ما يكون موثقاً إلى الدليل وأقرب إلى الصواب ونحن نرى اليوم الجرأة على مثل التجرؤ على رأي الجمهور وعدم الاعتزاز به الأمر أيضاً المحزن أن نرى القراءة الاسقاطية للنص وعدم كما ذكر الشيخ قبل قليل العلم بالخلاف والناسخ والمنسوخ هذا أمر عظيم أنا أريد إن سمحت لي باقتراح على برامج الفتوى التي تذاع عبر الفضائيات وهو أن المفتي أن يقدم في مقدمة الحلقة خطورة السؤال والجواب وأنه ليس أن يقول الجواب الذي يسمعه المستفتي قطعياً في الجواب وإنما هو ما بدا للمفتي وقد يكون أن يفوت عليه ما هو أصوب منه لأنه بشر وفوق كل ذي علم عليم ومن الأمر المهم أيضاً توقير العالم وأنه حينما العالم يفتي بفتوى قد لا يوفق فيها للصواب ليس معنى هذا أنه يسقط حقه وأن يغيب جهده في تبيين العلم للناس وإنما أن يكون عنده جرأة في الحلقة التي بعدها وأن يقول أنا أخطأت في المسألة الفلانية والصواب أن يكون كذا وكذا وقد رأيناه في مشايخنا الكبار وهو معروف في محل الدرس فيمن يعلم وكذلك أنا أريد أن أبين في خاتمة قولي أن الناس يغترون بمن يكتب الله تعالى له شيئاً من القبول ظهور في الفضائيات أو في المحاضرات ويكون خلفه جمع من الناس فيأتي من أخر القافلة فيكون هو المستفتى فأنا مثلاً وليد الرشودي طالع في فضائية ونظر إليه جمع من الناس تجد مباشرة يتحول إلى مفتي بقدرة قادر يا إخوان هذا أمر خطير فكيف مباشرة يتحول مثل هذا الرجل إلى مفتي ويجب أن نميز أن ما بين المفتي يعني له آلياته وله أموره وله علمه في النصوص ولذلك أنا أنصح كل من مّن الله عليه وخرج في الإفتاء أن لا يفتي إلا بدليل وأن لا يختصر الجواب بقوله يجوز أو لا يجوز وإنما يعود الناس على الدليل وأن يبين لهم أن المحجة وأن الأمر وأن التعبد لله تعالى هو بالدليل قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أما إن تجرد جوابه عن الدليل فإنه وإن استمر فسوف يسقط يوماً من الأيام ولا يعتبر بقوله ولو أخذنا إلى من يمر على الدرب وسمعنا فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ابن عثيمين تجدها لا تخرج إلا بالدليل رحمة الله تعالى عليه ونرجو الله أن يوفق الجميع وشكراً لك أخي الكريم


المقدم :

شكراً للدكتور وليد شكراً لكم جميعاً بعد الفاصل نواصل حديثنا مع معالي الشيخ عبد الله بن بيه بإذن الله ابقوا معنا أهلاً ومرحباً بكم مشاهدي الكرام مرة أخرى مع صناعة الفتوى وضيفنا معالي الشيخ عبد الله بن بيه مرحباً بكم معالي الشيخ مرة أخرى اسمح لي أن أمر على نقاط أنتم تحدثتم عنها في كتابكم الذي سيطبع قريباً وهو جزء مما تحدث عنه بعض الإخوة تكلمتم عن التطور الذي حصل في صناعة الفتوى الذي لم يعد المجتهد المطلق بل المقلد الناقل معه خليني أربط هذا الكلام بما تفضل به الدكاترة قبل قليل وأتحدث أيضاً عن خطورة الفتوى هذه تكلمنا عنها ما تفضل به الدكتور عبد العزيز أخطاء بعض المفتين هذا جزء من هذه النقلة تعليقكم

الشيخ عبد الله  :

بسم الله الرحمن الرحيم الحقيقة ما تفضل به الإخوان هو في غاية الأهمية فضيلة الدكتور عبد العزيز الفوزان ويسرني أنه يشتغل بفقه الأقليات الذي هو فقه يحتاج إلى كثير من الصناعة لأن أوضاعهم أوضاع ضرورات وأوضاع حاجات وبالتالي أوضاع يؤثر فيها الزمان كثيراً وعندما نقول الزمان هو أهل الزمان لأن الدهر ما الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها لذلك عندما نتحدث عن الزمان نتحدث عن أهل الزمان وهذه الأقليات والحقيقة تحتاج إلى كثير لا أقول أقول من التفلت والانحلال لكن من الرخص كما تفضل ولهذا قضية الاختلاف قضية مهمة اختلاف العلماء كما جاء في الحديث المنقطع أنا أقول منقطع لأنه ليس ثابتاً باختلاف أمة رحمة الذي رواه البيهقي في سند منقطع عن ابن عباس وذكره الحليمي وإمام الحرمين وغيرهما هذا الاختلاف كما يقول الأحناف كلما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر هذا له وجه وهو أنه كما قال عمر ابن عبد العزيز من سلك طريقاً فقد سبق إليها وبالتالي لم يبتدع شيئاً من نفسه ولهذا يجب أن نستثمر اختلاف العلماء في القضايا المتجددة لأن هذه القضايا أكثرها ما فيها حرج ودخلت على الناس في البيوت تأتي كل الناس بوقت واحد وأمر هي حرج أيضاً صحيح هو يجب على الإنسان أن لا يقول إلا بعلم لا تقولوا لما تصف ألسنتكم كيف هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ( يونس (آية:69) هو كيف قرر الله سبحانه وتعالى ولم يرد عليه الضمير بل أظهره حتى يظهر أن هذا من باب الكذب لكن الاختلاف في مشارع الظنون وفي القضايا التي ليست من القطعيات هذا أمر معتبر وبالتالي على الفقيه أن يكون بصيراً في هذا الاختلاف صحيح العمل بالقول الراجح هو الذي يراه الجمهور كما قال في مراقي الشعور تقول رؤية الشق هو ترجيح أو جبل أخلى به الصحيح لكن أبوك الباقلاني وعمل به أباه القاضي وبه الظن يكون القاضي يعني إذا كان فقط القضايا مسالة ظنون هنا يتدخل المقصد الشرعي قد يكون الشيء صحيحاً بالأمس وبالتالي راجحاً في الأمس لكنه اليوم مرجوح


المقدم :

إذاً عدم وجود الجرأة على ذاك الرأي كما تفضل الدكتور وليد في الرد والاستهانة برأي الجمهور مثلاً

الشيخ عبد الله  :

لا هو رأي الجمهور صحيح مثل عندك الرمي مثلاً في الليل أكثر العلماء يرون أن الرمي هو في النهار لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم لكن هناك من يرى أيضاً الرمي في الليل وبالتالي يمتد وقت الرمي إلى هذا الوقت هذا القول زائد الأوضاع الموجودة زائد الواقعة هما الصناعة والعنف والتعب والمشقة والعنت هنا الفقيه يتدخل ويتعين هنا الأخذ بالقول بالرجوع لأن قول المرجوح ليس علياً على الدليل هنا هذه المسألة في غاية الأهمية علينا أن ننتبه إليها قد تكون أقوال العلماء متضاربة وبالتالي أنا أيضاً أتحفظ على من يأخذ من الدليل مباشرة أقول أنا متكلم باسم الكتاب والسنة فيأتي بشهود للأمة هذا تدويل الفقه مر بثلاث مراحل المرحلة الأولى مرحلة الرواية والمرحلة الثانية مرحلة التدوين وهذا حصل في عهد الصحابة في نهاية القرن الأول بدأ التدوين بأمر من عمر ابن عبد العزيز تدوين الحديث المرحلة الثالثة هي مرحلة تأصيل الفقه وهي التي بدأت مع نهاية القرن الثاني مع كتابة الشافعي لرسالته ولهذا قال بعض العلماء للأول سمع ولسان فقد جمع وللسان فقه معتمد ومن ثم لم يبقى سوى إتباع ما دون السالف بالإجماع الذي يقول هذا أخذته من الحديث تحتاج إلى شهود معك أن هذا الحديث ليس منسوخاً أن هذا الحديث ليس مخصص أن هذا الحديث هو من النبي الإمام أحمد يقول إياكم والغرائب بالحديث والغرائب التي لا عمل عليها فهذه الأمور في الحقيقة مذلة أقدام ومدحضة أفهام أنا أرى أن الطريق الأمثل هو أن نتعامل مع الناس بأن نعودهم كما قال أعتقد الدكتور وليد الرشودي بأن نعودهم بذكر الدين ومعناه أن المفتي لا يفتي بدون أن يختار دليلة نقول هذه المسائل اختلف فيها العلماء على أوجه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كلام مستند وهذا كلام مستند يعني هذا العالم الآن عالم جماهيري عالم فيه ما يسمى بالعولمة وبالتالي انشر الفقه الصحيح بدليله بأدلته الأصولية اللقنية والعقلية وبالتالي هنا نثقف الجماهير وهذا ما نعمل به في المجلس الأوروبي نذكر الدليل وأنا قلت لهم يجب أن لا نكون من الباباوات يعني تذكر فقط تقول الناس عملوا لا اذكر الأدلة يعني لولا الدليل ولولا الإسناد إذا قال من شاء شاء


المقدم :

معالي الشيخ ذكرتم أن الاختلاف يتسع صدر الإنسان فيه كلما زاد علمه وذكرتم أن الضيق سببه عدم معرفة اختلاف العلماء وأن الحق وهو يرى أن الحق واحد لا سبيل للاختلاف

الشيخ عبد الله  :

الدكتور عبد العزيز الفوزان ذكر هذا وقال بعضهم أن ما علم في الخلاف لم يشمله الفقه وقال أحدهم تعلموا الخلاف يتسع صدرك


المقدم :

طيب اسمح لي أيضاً أن أرجع إلى ما كتبتموه في كتابكم أنتم قلتم بأنه يعني هذا سؤال يطرح ما دام أنهم اتفقوا على أصول الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد ورجحتم أيضاً وذكرتم أقوال الصحابة رحمهم الله في الأخذ بالآحاد وأكدتم على هذه القضية وأن من ردها قوله غير صحيح ومع ذلك اختلفوا ذكرت أن من أسباب الاختلاف اختلاف في دلالة اللفظ في أدلة مع مقولة النص ترجع إلى المقاصد ووسائل الثبوت للنص في ترتيب الأدلة كيف يمكن للمفتي أن يلم بهذه الأطراف بهذا الزمن يا شيخ

الشيخ عبد الله  :

هو العلماء تنازلوا بعد ذلك ليجعلوه مقلداً بمعنى ذهب ابن حنبل به خمس طبقات خمس مراتب للإفتاء يعني مرتبة المحققين الكبار الذين إذا حققوا لا يعدلوا عن قولهم لأنه هو الراجح ثم هكذا يعني فيها أربع طبقات في الفتوى يعني تقليد الرجال ليس عيباً لمن لا يعرفه دليلاً بكامله بمعنى أنه كما يقول الشاطبي له إلمام بمقاصد الشريعة بكاملها والشاطبي أكد على هذا وله أيضاً معرفة بدلالات الألفاظ عندما يكون الاستنباط من النص ولا يرجع إلى معقول النص فهذه الأمور يحتاج إليها المفتي إذا كان مجتهداً المجتهد طبعاً لا بد أن يكون عارفاً بكل ذلك ولكن فقط أن يكون له إلمام ولكن معرفة كاملة باللغة العربية وبالكتاب والسنة وبأصول الفقه أساساً بأصول الفقه وبالفقه حتى يعرف مواضع الإجماع ومواقع الاختلاف لكن غير المجتهد وهو المقلد هذا عليه أن يعرف أقوال العلماء أيضاً ويقدم أقوال العلماء هم أهدى سبيلاً وأقوى مقيلا فإذا لم نلتزم بشيء من المذهب الجد معنى ذلك أننا نجعل الفتوى شيئاً مباحاً ومصدراً متاحاً لكل أحد لصاحب الانترنيت وهذا الذي جرأ كل واحد كما تفضل يأتي بالحديث ويقول لك أنا وجدت حديثاً وجدت قولاً وجدت شيئاً لا نلزم الناس بالدليل نحفز الناس ثقافة نعود الناس على أنها صناعة ولها مختصون كما للطيران مختص هذا أيضاً الفقه له مختصون وليس كلام مباح


المقدم :

المذاهب الأربعة معالي الشيخ لا تختلف في المصادر التي تأخذ بها جزماً لكن الاختلاف في ملامح الاجتهاد فقط

الشيخ عبد الله  :

طبعاً المذاهب كلها تأخذ من الأصلين المنشأين الكتاب والسنة والأصول الأخرى بمعنى الأصول المعرفة أنا أسميها معرفة بمعنى أن الإجماع يعرف على وجود مستند على قول الجمهور والقياس أيضاً يعتبر علة معرفة ثم أصول أخرى كالمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وهذه أخذ كل فريق من العلماء بنصيب منها فأبو حمزة أخذ الاستحسان ومالك في المصالح المرسلة ومالك وأحمد في سد الذرائع والنظر إلى المآلات هذه يعني أدلة على الفقيه أن يستحضرها لأنه قد في ظاهر الأمر قد تكون القضية واضحة لكن في مألات هذه القضية تكون مألاتها ليست على ما يرام فعليك دائماً أن تستحضر في ذهنك ما هو مآل هذه الفتوى هل هذه الفتوى ستهلك الأنفس ستقتل الذرية ستضيع الأموال على الفقيه أن يعرف هناك قضايا سياسية مفتي الانترنيت الآن هو يعتبر نفسه سياسياً يفتي بكل شيء كما قال الإخوة لا يتوقف لا يقول لا أدري كما تفضلوا مالك أتته أربعون مسالة فأجاب في ست مسائل فلما ألحوا عليه قال أنا أتيت بأفريقيا لعالم المدينة قال قل لهم عالم المدينة لا يدري وكان يكرر ذلك دائماً وكان شديد الأخذ بالحيطة في قضية الفتاوى والخوض بذلك إذاً هذه الأصول لا بد من إتقانها إتقاناً كاملاً لمن يريد أن يفتي وأن يلتزم بذكر هذه المذاهب هذه المذاهب إن شاء الله حق


المقدم :

طيب معي البسطام أيضاً في المنتدى مجموعة من المسائل السريعة التي إن أذنتم لنا أن نمر عليها يسأل عن إخراج الفتاوى الجماعية في أمور الأمة العامة وهذا ما سنتعرض إليه يسأل عن ما يسمى بالفتاوى الشخصية أو الخاصة يقول أن بعض الناس يعرف عن عالم معين فتوى في مسألة ثم إذا رجعت إليه قيل أن هذه فتوى خاصة لشخص هل يمكن هذا يوجد أن تفتي لشخص ولا تفتي لعموم الناس

الشيخ عبد الله  :

هو تشخيص الفتوى أو ما سماه الشاطبي في تحقيق المناط في الأشخاص له أصل حديث أبي ثعلبة الخشني الذي رخص له النبي صلى الله عليه وسلم قال كل من الصيد لو أكل منه كلب مع حديث علي ابن حاتم قال كل ما أفنيته ولا تأكل ما أرميته يقول أبو حمزة الغزالي رحمه الله تعالى هذا يدل على أن أبا ثعلبة كان فقيراً يحتاج إلى صيد والأخر كان أميراً فالفرق بين الأمير والفقير كذلك في قضايا تحقيق المناط في الأشخاص ذهب العلماء فيها مذاهب كثيرة الفتوى يجب أن تكون عامة لكن أحياناً قد تكون خاصة بسبب حالة شخص معين وبالتالي على المفتي أن يعلم ذلك وعليه أن يعرف مألات الأمور والمألات هذه صعبة يقول الشاطبي في هذا المجال إنه مجال صعب المورد إلا أنه حلو المذاق محمود الغضب جاري على مقاصد الشريعة .


المقدم :

اسمح لي بأسئلة سريعة معالي الشيخ فيما تبقى من وقت ألا ترون أن الأخذ بالتوسع بالأخذ بالمقاصد يمكن أن يجر إلى التوسع في الخلاف أم هذا غير صحيح

الشيخ عبد الله  :

المقاصد مرتبطة بالأدلة وشؤون الفقه وأنا رميت من يقول بأنها خارج الفقه رميته بالفند وأظهرت أنها كالروح بالجسد وكالمعدود في العدد إذا ضبطناها بأدلة أصول الفقه قد تنضبط إذا لم نضبطها بأدلة أصول الفقه لا تنضبط فنكون من المدرسة الثالثة التي لا تعتبر بالنصوص وإنما تعتبر بالبواطن


المقدم :

قلتم معالي الشيخ أن فتاوى أهل زماننا بحاجة إلى التأصيل على ضوء أصول فتاوى الأولين انطلاقاً من مجموع الضوابط والشروط التي وضعها العلماء في العصور الأولى هل يمكن هذا أن تضبط هذه الأمور وفقاً لرأيكم أحسن الله إليكم

الشيخ عبد الله  :

هو من خلال عملي بالمجمع الفقهي عضو المجمع الفقهي الدولي وعملت فيه طويلاً ومن خلال العمل في هذه المجامع ظهر أن كثيراً من الذين يمارسون الفتوى ويمارسون البحوث لا يهتمون كثيراً بتصنيف الفتاوى وبالتالي أنت تريد أن تجتهد اجتهاد مطلق قول لا بصراحة قل هذه المسألة أنا لا أريد أن أجتهد بها أنا أخالف المذاهب الأربعة ولا حرج في ذلك بأدوات الاجتهاد إذا كنت مقلداً وليست لديك الأدوات ولا تقدم من خلال الأدوات المعروفة ولا الآليات المتفق عليها فقل إني مقلد وهذه المسائل لا نص فيها مالك على كذا ونص فيها أشهب أو ابن القاسم أو الخلال أو أحمد أو فلان وهذا ضروري


المقدم :

أحسن الله إليكم أيضاً الفتوى الجماعية متى يتم إحيائها في عالمنا الإسلامي متى ترون أنها بدأت

الشيخ عبد الله  :

هذه جيدة مهمة جداً يعني هو هيئة كبار العلماء في المملكة هذه فتوى جماعية واللجنة الدائمة للإفتاء وكافة المجامع الفقهية مثل مجمع البحوث في مصر والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمجلس الأمي للبحوث والإفتاء هؤلاء كلهم أحيوا سنة الفتوى الجماعية وكانت القضية قديماً موجودة كان الصحابة يتشاورون كل ما نزلت قضية يقع تشاور قضية كبرى كقضية الخراج


المقدم :

يعني ما تخصص إلا بالقضايا الكبرى ويش المسائل التي ينبغي أن تخرج بها الفتوى الجماعية

الشيخ عبد الله  :

هو أحدهم قال لمالك لما تلكأ مالك سئل عن مسألة مالك كان يقول لا حول ولا قوة إلا بالله كلما سأل عن مسألة فقال له رجل هذا خفيف فقال له مالك الله سبحانه وتعالى يقول ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلا ( المزمل (آية:5) وتقول أنت هذا خفيف العلم والإخبار عن الله ترجمته عن الله توقيعه عن الله هذا أمر ليس خفيفاً أبداً وعلى الإنسان أن يتلكأ به ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا حقيقة وأن لا ننطلق في هذه الفتاوى كما قال الإخوة بشيء من السرعة والدعاة كما قال الشيخ علي خلطوا بين الدعوة وبين الفتوى هذا أمر قد لا يكون مطلوباً


المقدم :

هل يمكن استقصاء مرجعية الفتوى في العصور الحاضرة معالي الشيخ نضع مرجعية ولا ما يمكن

الشيخ عبد الله  :

هو مرجعيته تبرز يعني صحيح علينا أن نضع مرجعية وأن نثق بالمرجعيات كالإفتاء وإدارة الإفتاء والإرشاد والمجامع الفقهية لكن مع ذلك المرجعية من خلال ممارسة ومن خلال الارتياض ومن خلال تعامل الناس فيظهر الحق ولذلك قال علي رضي الله عنه الرجل لما قال تقول أنك على حق وفلان وفلان على الباطل قال إنك رجل ملبوس عليك اعرف الحق تعرف من يأتيه اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال فهذه المرجعية تدعو إلى استبصار أن نبصر العامة أن نقدم لهم أسس الفتوى حتى يتبصروا حتى يرجعوا إلى من يسعفهم إلى الطبيب الماهر وإلى المهندس المعماري الجيد أما إذا ولى العوام على جماعة من أمرهم فإن هذه المرجعية ستظل غائبة وبالتالي كل واحد يرتجل نفسه ويقول أنه مرجعية وأنه مجتهد وأنه مالك أو الشافعي


المقدم :

ذكرتم معالي الشيخ من الشروط بالنسبة للفتوى الإيمان الواسع بكل جوانب الموضوع ومن هنا نعطي فرصة لكل الخبراء دون إفراط في منحهم وظيفة الفتوى لكن ما نعطيهم وظيفة الفتوى وهذا الحقيقة قضية جداً هامة

الشيخ عبد الله  :

هذه قضية من خلال الممارسة الحقيقة أنا رأيت بعض رجال الاقتصاد يعملون مع أهل المجامع الفقهية ويفتيا بهم هنا يقدمون لنا الفتوات يقولون يا أخي توقف عند دورك أنت دورك تحقيق المناط وتشخيص القضية ووظيفتك ليست أن تصدر فتوى


المقدم :

أيضاً الاهتمام بالمقاصد الشرعية أكيدة ومهمة لكن دون تغييب النص الشرعي حتى لا يفهم هذا

الشيخ عبد الله  :

أبداً هو تعامل بين الجزئي والكلي وهنا يظهر فقه الفقهاء وفطنة الفطناء أن يكون الإنسان على دراية بالتعامل بين الكلي والجزئي وهذا أعتقد أنه المشكلة الكبرى لأن كثيراً من الناس عندهم ظاهرية حقيقة يعملون بظواهر النصوص بدون أن يعيروا اهتماماً بالكليات وهذا مخالف لفقه الصحابة الصحابة كانوا ينظرون للكلية وللجزئية فتارة يرجح الكلي بناء على مصلحة ويذهب القول القوي إلى إجازة أقول ولا يحال إلى التقاعد أما القول الضعيف بالشروط الثلاثة المالكية وهو أن لا يكون شديد الضعف وأن يعرف قائله وأن تدعو إليه مصلحة حقيقية هنا القول الضعيف يتصدر ليزحزح القول القوي مؤقتاً لأن الوقائع تغيرت وبالتالي تغير معها


المقدم :

يعني انتشر بعض الأمور أو نسبت إليكم معالي الشيخ مثل إباحة إمامة النساء هل صحيح هذا أو هو من باب الكذب عليكم

الشيخ عبد الله  :

من باب الكذب علي أقول ذلك بصراحة ما قلت هذا أبداً أنا قلت ما يذهب إليه جماهير العلماء أنه لا يباح وأنا مع جماهير العلماء ذكرت خلاف من خالف وبالتالي أنا منهجيتي أنا أكتب أقوال العلماء ولا أنكر منها شيئاً أنا أقول فلان قال كذا وفلان قال كذا لكن الذي أقول به هو ما عليه جماهير العلماء هذا أمر واضح


المقدم :

على كل حال نسال لكم التوفيق وأن يجزيكم خيراً وأن يوفقكم وأن يسددكم معالي الشيخ نذكر لكم إتاحة الفرصة للاستضافة نلقاكم بخير بإذن الله شكراً شكراً لكم أنتم مشاهدي الكرام كان معنا معالي الشيخ عبد الله بن بيه تحدثنا عن صناعة الفتوى أشكر لمعالية أشكر لكم أنتم طيب المتابعة تحية عطرة من فريق البرنامج الذين يودعونكم بنهاية هذه الحلقة لتوقف يسير في فترة الصيف صيف سعيد مليء ببرودة من نوع أخر بها متعة وثقافة وخير للجميع دمتم في رعاية الله وحفظه شكراً لطيب متابعتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 * منقول من (موقع قناة المجد)

 

حلقة من برنامج ” إضاءات” في قناة العربية

 

 

 

تركي الدخيل: أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي إضاءات، ضيفنا اليوم أيها الإخوة هو الشيخ عبد الله بن بيه، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووزير العدل الموريتاني السابق.

الشيخ عبد الله بن بيه: الله يحييك ويبارك فيك

 

يجب تحديد تعريف واضح للإرهاب

تركي الدخيل: شيخ عبد الله سنبدأ من يعني رحلتكم التي قمتم بها إلى كندا في الآونة الأخيرة قبل بضعة أسابيع أو قبل الحج تحديداً، كانت كما هي معظم زيارات العلماء المسلمين للغرب، الموضوع الرئيسي يكون عن الإرهاب، تحدثت في أكثر من مكان عن الإرهاب بل أنك قدمت أكثر من ورقة عمل عن الإرهاب، قلت في أحد أوراق العمل بأنك ترى وجوب أو ضرورة تحديد دقيق لمصطلح الإرهاب، وسؤالي من الذي يجب أن يحدد هذا المصطلح، وإلى أين تتجه أنت في تحديد هذا المصطلح؟

الشيخ عبد الله بن بيه: الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، دعني أخي الأستاذ تركي أن أسلم عليك وأقول السلام عليكم ورحمة الله.

تركي الدخيل: وعليكم السلام.

الشيخ عبد الله بن بيه: وأن أشكرك على توجه الدعوة لي في هذا البرنامج الشيق الذي أصبح مشاهداً في كثير من أقطار العالم الإسلامي، بالنسبة لموضوع الإرهاب وبالنسبة لتحركاتي الآن أو الرحلات التي من خلالها نتحدث إلى كثير من الفعاليات في العالم الغربي، تارة تكون فعاليات دينية تارة فعاليات ثقافية، تارة فعاليات صحفية، تارة يكون حديثنا أيضاً للجمعيات والتجمعات المسلمة في تلك الديار، الإرهاب لا شك هو حديث الساعة، وكثير من الغربيين يطرحون الأسئلة أسئلة تتعلق بالإرهاب تتعلق بأشخاص الإرهابيين بمفهوم الإرهاب، بالجهود التي قام بها العلماء في هذا الموضوع، وأتيح لنا أن نتحدث عن مفهوم الإرهاب كثيراً، ومفهوم الإرهاب هو مفهوم يُطلب تحديده ليس من قبلنا فقط وإنما من قبل العالم الغربي أيضاً، فهذا الأمين العام للأمم المتحدة قبل أشهر في اجتماع بإسبانيا كان طلب بتحديد مفهوم الإرهاب، لأن بعض الدول وأنت على علم بذلك لا تريد تعريف الإرهاب، تريد أن يظل الأمر عائماً وأن يكون الإرهاب هو من ليس معنا فهو إرهابي..

تركي الدخيل: فهو ضدنا وهو إرهابي.

الشيخ عبد الله بن بيه: فهذا المفهوم العائم أدخل شغباً وحيرة على الناس وأيضاً..

تركي الدخيل: بس يا شيخ هذا يعني إنك أنت ما عندك مشكلة أن يساهم العالم الآخر الغرب غير المسلمين في تعريف الإرهاب.

الشيخ عبد الله بن بيه: وهو كذلك..

تركي الدخيل: يعني هناك من يقول.

الشيخ عبد الله بن بيه: وقلت هذا في محاضرتي في منظمة المؤتمر الإسلامي.

تركي الدخيل: ولكن هناك من يقول يا شيخ عبد الله بأن الإرهاب أو التعريفات يضعها المنتصر دائماً، فهل تُقرّ أنت بهذه القاعدة الاجتماعية؟

الشيخ عبد الله بن بيه:

أنا لا أظن ذلك، أو أن الجانب الخلقي الإرهاب هو قضية خلقية وقضية تتعلق بالأخلاق تتعلق بالإنسان، وبالتالي لا يمكن أن نترك هذه القضية لمنتصرين لا لمنتصر عليه، بل إن الجميع يجب أن يشتركوا لتقديم تعريف مقنع للعالم، ولهذا أنا أرى أن الإرهاب إلى الآن لم يُعرف تعريفاً كافياً، مع أن وزراء الداخلية وزراء العدل في الدول ووزراء الداخلية عرّفوا الإرهاب تعريفاً أيضاً جيداً، وبالإمكان أن يستفاد من هذا التعريف، لكني أعتبر أن الإسلام فيه جرائم تغطي هذا المفهوم كجريمة الحرابة، جريمة البغي، جريمة الإفساد في الأرض، لماذا لا نستغل الموروث الإسلامي للاستفادة منه في تعريف هذه الجرائم؟ لأنه أقرب إلى نفوسنا أقرب إلى تراثنا، أقرب أيضاً إلى المفاهيم التي يفهمها العامي، إذا قلت له إرهابي في العامي لا يعرف الإرهاب ما هو.

تركي الدخيل: بس تشكّل مفهوم الحين يا شيخ عبد الله، يعني لم يصبح أحد لا يعرف الإرهاب.

الشيخ عبد الله بن بيه: أنا معك أن المفهوم تشكل، ولكنه ما زال غائماً وعائماً، ما زال غائماً في أذهان الناس وعائماً في نفس الوقت.

تركي الدخيل: ولكن حتى يعني أنا أعتقد الإرهاب أوضح عند الناس العامة من الحرابة، أليس كذلك؟ لو تجي الواحد في الشارع تقول له تعرف الإرهاب ولا تعرف الحرابة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: ولكن بالنسبة لعلماء المسلمين، بالنسبة للمجامع الفقهية، نحن نعرف أن الحرابة هي مشتقة من الحرب، هي فعالة تدل على الاحتراب، على أن شخص يحترف الحرب، فهذا مفهوم قريب وأنه من يخيف الطريق ومن يقطع السبل على الناس ومن يزعج الناس في معايشهم وفي حركاتهم وبالتالي فمفهوم الحرابة يمكن أن نستفيد منه في تعريف الإرهاب، وأن نسمي الإرهاب تخريباً مثلاً، ونحو ذلك من المفاهيم.

تركي الدخيل: جميل، لكن أنت أشرت في أحد أيضاً المداخلات أو الأحاديث التي لك، قلت أود أن أحدد الدلالة اللفظية لهذا المصطلح أي مصطلح الإرهاب في الآيات القرآنية، وأشير إلى أن كلمة رهب وما اشتق منها من تعاريف وردت في القرآن في اثني عشر موضعاً كانت في معظمها تتعلق بالخوف والرهبة من الباري جلت قدرته، هناك من يقول أنكم أنتم أيها المسلمون دينكم يقوم على شيء من الإرهاب بدلالة أن حثكم على الجهاد قائم على الإرهاب، إرهاب العدو بدلالة النص الشرعي: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”.

الشيخ عبد الله بن بيه: هو أنا أشرت على هذه القضية، وأن ورود كلمة ترهبون به عدو الله هي فيما يسمى باستراتيجية إقناع الآخر، بمعنى ردع الآخر حتى لا تقع الحرب، وأن هذا العمل تقوم به دولة.

تركي الدخيل: الإرهاب مو بالإقناع يا شيخ.

الشيخ عبد الله بن بيه: ليس هذا إرهاباً، ليس هذا إرهاباً بالمعنى الحديث، وإنما معناه أن تُفهم الآخر أنك على استعداد لمواجهته إذا اعتدى عليك، وهذا ما يسمى بالردع.

تركي الدخيل: أنت قلت تقنعه قبل قليل، لا أستطيع أن أقنع واحد وأن سأحاربه.

الشيخ عبد الله بن بيه: لأ تقنعه بعدم الحرب، بعدم الدخول معك في الحرب.

تركي الدخيل: من خلال قوتي.

الشيخ عبد الله بن بيه: بمعنى أن تظهر له أن البديل قد يكون مأساوياً، وبالتالي لا يدخل معك في حرب، نحن عرفنا أن العالم الآن.. حتى في عصر النور كما يسمونه ما زالت القوة لها منطقها، وما زال القوي هو الذي يمكن أن يقدم براهين مقنعة.

تركي الدخيل: بدلالة تصريح الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل فترة بأن الدولة التي ستتعرض بالإرهاب لفرنسا سأستخدم النووي معها.

الشيخ عبد الله بن بيه: هو تصريح أنا لم أفهمه في الحقيقة، هي فرنسا لن تعتدي.. والكلام ليس عن دولة وإنما عن إرهابيين، كيف يستعمل الأسلحة النووية بالنسبة لإرهاب لا أصل له ولا فصل، وبالتالي لا بطانة له ولا مكانة، هذا يعني تصريح لي عليه تحفظ على كل حال على الهامش.

تركي الدخيل: طيب يا شيخ، يعني هناك من يقول بأن الإسلاميين غير مبرئين من الإرهاب حتى من يدين الإرهاب حالياً، بدلالة أنهم عندما يتحدثون عن الإرهاب، الإرهاب الآن في عصرنا الحديث يعني لا يقوم به إلا من يستخدم نصوصاً شرعية ويعتقد بأن دافعه لهذا الإرهاب هو ديني كما نرى من القاعدة على سبيل المثال، لكن عندما يتحدث الإسلاميين عن الإرهاب يبدؤون كما قلت أنت فضيلتك مثلاً أنه مصطلح الإرهاب المتداول اليوم ينبغي البحث عن تعريفه انطلاقاً من مصدره الأصلي الغربي على وجه الخصوص، وأن مصطلح الإرهاب ظهر أول ما ظهر في ملحق الأكاديمية الفرنسية 1998، وقلت أيضاً أنه أول ما بدأ الإرهاب إنما بدأ عند اليهود، وأشرت إلى أنه أول حركة إرهابية في القرن الأول نظم اليهود حركة إرهابية لقتل من لا يؤمن بالتوراة وهي حركة “ترولوت” وهي موجودة في الموسوعات الغربية، هل هذا شكل من أشكال دفع التهمة عن..؟

الشيخ عبد الله بن بيه: لأ هو هذا بيان لحقائق، ولست أنا الذي أقول هذا، فدول عربية على أعلى المستويات تقول إن تعريف الإرهاب ليس كاملاً، وأن المقاومة يجب أن لا نخلطها المقاومة بالإرهاب، يجب أن لا نلبس الحق بالباطل، فأنا أقوله في سياق تعريف الإرهاب وفي سياق الكلام عن الإرهاب، كون الإسلاميين ليسوا مبرئين هذه ربما من التهم التي تقال.

تركي الدخيل: وكيف تجيب أنت عليها؟

الشيخ عبد الله بن بيه: ما معنى الإسلاميون أصلاً؟ الإسلاميون إذا كانوا من يعتنق الإسلام من يطلب تطبيق الشريعة، من يهتم بالقضايا الشرعية، أنا أعتقد أن هؤلاء ليسوا إرهابيين، يعني الإرهاب هو فكر وعمل، الفكر لا ينفصل عن العمل، هو من يدعو إلى العنف من يفكر بتكفير الآخرين.

تركي الدخيل: يعني لو جيت.

الشيخ عبد الله بن بيه: من يفكر بضرب الآخرين، ومن يقوم بذلك فعلاً، فهي جريمة لها عناصر الجريمة كاملة، أما.

تركي الدخيل: خلينا يا شيخ خلينا نطبق على حالة معينة، لو جينا على سبيل المثال إلى أسامة بن لادن الظواهري الزرقاوي، كل هؤلاء يريدون أن يطبقوا الشريعة أن يقيموا دولة الإسلام، أليس كذلك؟

الشيخ عبد الله بن بيه: هؤلاء يستعملون العنف طريقة لتطبيق الشرعية، يكفرون المجتمع، يدعون إلى ثورة على الحكومات.

تركي الدخيل: هل ترى أن بقية الإسلاميين الذين لا يكونون إرهابيين.

الشيخ عبد الله بن بيه: يجب أن نقول إنه فكر متميز أو مميز عن الفكر الإسلامي.

تركي الدخيل: مختلف.

الشيخ عبد الله بن بيه: كما هو عند جمهور المسلمين، لماذا يتهم المسلمون جميعاً بسبب ثلة قليلة ولو كانت أندى صوتاً؟ وهذا الاتهام.

تركي الدخيل: هل تعتقد أنها أندى صوتاً هذه الفئة التي تستخدم..؟

الشيخ عبد الله بن بيه: نعم قد تكون أندى صوتاً من خلالكم من خلال الصحافة، يعني الصحافة.

تركي الدخيل: هل قمتم أنتم هؤلاء قبل أن يظهروا هل لاحظتموهم؟ هل ضربتم على أيديهم؟ هل أسكتموهم؟ هل ناقشتوهم؟

الشيخ عبد الله بن بيه: أعتقد أن مهمة العالِم هو أن يقوم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحسنى وبالموعظة الحسنة، وفي أنحاء العالم الإسلامي كثير من العلماء يقومون بهذا العمل، والعلماء على مستويات مختلفة قد يتفاوت العلماء في نشر الدعوة بهذه الطريقة، وقد يتفاوتون أيضاً في الفهم وقد يتفاوتون في معرفة أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها، هذا التفاوت موجود، لكنه لا يسمح أبداً أن نسميهم بالإرهابيين، لأن معرفة الشريعة هي المحاسن.

إذا محاسني التي أجيد بها كانت.. ذنوبي فقل لي كيف أعتذر  

يعني أنت تلزمنا بالاعتذار عن معرفة الشريعة عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هذا ليس صحيحاً وليس مقبولاً.

تركي الدخيل: لا يا شيخ لا أحد يلزمكم بالاعتذار، ولكن أقول ما هو الدور الذي قام به العلماء في التعاطي مع هذه الفئة التي باتت تشكل صورة للمسلمين في العالم للأسف الشديد؟

الشيخ عبد الله بن بيه: أنا معك أن هذه الفئة أو أن الأعمال التي تقوم بها هذه الفئة في مناطق كثيرة من العالم، والاعتداء على الأبرياء وقتل المدنيين، وتخريب المنشآت كل هذه الأعمال تشوه صورة الإسلام، وتشويه صورة الإسلام مخالف لمقاصد الشريعة، فيجب أن نحرص على تحسين صورة الإسلام، وأن نحرص على أن نخرج الإسلام كما هو نقياً صافياً يدعو بالحسنى إلى الله سبحانه وتعالى، العلماء قد يكونوا قد.. أنا أعترف معك أنهم قد قصروا في بعض الحالات، وفي بعض الحالات لم تتح لهم الفرصة أصلاً ليقوموا بهذا العمل، ولكنهم في ا لحالات الأخرى أيضاً قاموا بعملهم.

تركي الدخيل: كيف لم تتح لهم الفرصة يا شيخ؟

الشيخ عبد الله بن بيه: يعني المسألة لا تردها على العلماء فقط، هناك عناصر كبيرة تكّون الفكر الآن في الساحة، الصحافة دخلت على العلماء فهي تكون الفكر، وترفع لكل واحد راية وتقول دافع عن رايتك، فالصحافة الآن لها دور كبير يزاحم دور المرشدين ودور العلماء، ثم إن الجهات الرسمية في العالم الإسلامي أيضاً لها دورها ولها وظيفتها التي يجب أن تقوم بها في هذا المجال، هناك جهات كثيرة، ثم إن الغرب أيضاً وموقف بعض المتطرفين في الغرب وبعض المفكرين في الغرب أدى هو أيضاً إلى أوضاع قد شجعت الإرهاب، وقد حفزت كانت حافزاً للإرهاب، ثم إن الفقر المدقع والبطالة وموكب البطالة وموكب الفقر هو أيضاً قد يكون من العوامل المحفزة، وإن كان العامل الفكري.

تركي الدخيل: هو الرئيسي.

الشيخ عبد الله بن بيه: هو الأساس وهو العامل الرئيس في قضية الإرهاب، وهو الذي يجب على العلماء الحقيقة أن يعالجوه معالجة شديدة.

تركي الدخيل: جميل، سنعود لمناقشة هذه التفاصيل التي تحدثت إليها بعد فاصل قصير شيخ عبد الله، أيها الإخوة فاصل قصير نعود بعده لمواصلة حوارنا في إضاءات مع الشيخ عبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني السابق فابقوا معنا.

تركي الدخيل: أيها الإخوة والأخوات حياكم الله مجدداً في إضاءات، لا يزال حوارنا هذه الحلقة مع الشيخ عبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني السابق، شيخ عبد الله قبل قليل كنت تتحدث عن العوامل التي تصنع الإرهاب، تحدثت عن عوامل كثيرة قلت أن العامل الفكري هو العامل الرئيس فيها، وأشرت في إحدى الكلمات إلى أن الثقافة المأزومة في العالم العربي هي أحد روافد صناعة الإرهاب، ماذا تقصدون بالثقافة المأزومة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: هو أقصد بالثقافة هو مجموعة الأفكار ومنظومة الأفكار التي تؤثر على الإنسان في سلوكه، والتي هي أساس السلوك بالنسبة للإنسان، وهذه الثقافة المأزومة هي ثقافة ضيقة الأفق، ضيقة العطاء، تضيق ذرعاً بالآخر، هي ثقافة تحمل التكفير، وتحمل الجهاد على غير محمله، وتضعه في غير موضعه، وهي ثقافة أيضاً تفسر الولاء والبراء تفسيراً فيه شطط وفيه غلو، هي ثقافة الغلو، هي ثقافة التعصب، هي ثقافة عدم الاعتراف بالخلاف، كل هذه العناصر أو هذه ..

تركي الدخيل: ما الذي يصنع الثقافة المأزومة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: نعم؟

تركي الدخيل: ما الذي يصنع الثقافة المأزومة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: يصنعها الفكر المأزوم، تصنعها الأدوات المأزومة، الثقافة المأزومة هي ثقافة تنشأ عند الفرد من خلال دراسته من خلال رؤيته للآخر، من خلال المراحل التي مر بها هذا الشخص، من خلال الكتب التي يقرأها، من خلال المشايخ الذين يرتقي بهم، من خلال الجامعات التي يدرس بها، من خلال الإعلام الذي يتلقاه ويتلقف منه، من خلال أيضاً رؤيته للآخر، من خلال المظالم التي ينزلها الآخر به، هذه المظالم هي أساس من أسس هذه الثقافة المأزومة، لأن المظالم يعني هنا كلمة لعمرو بن عبد العزيز جميلة جداً، وقد أرسل إليه أحد الولاة بأن الناس خرجوا أي ثاروا، فقال له: أطفئ ثائرتهم بالعدل، العدل من شأنه أن يطفئ هذه النائرة أو هذه الثائرة، فأنا أعتقد أنه يوجد الآن خلل كبير أخلاقي في العالم، هذا الخلل فيه ظلم وفيه اضطهاد وفيه اعتداء، والظلم والاضطهاد والاعتداء يعتبر عاملاً ورافداً من روافد هذه الثقافة التي تكونت عند مجموعة من الشباب.

تركي الدخيل: والتي تساهم في صناعة الإرهاب بطبيعة الحال.

الشيخ عبد الله بن بيه: نعم؟

تركي الدخيل: والتي تساهم..

الشيخ عبد الله بن بيه: تساهم في صناعة الإرهاب.

تركي الدخيل: جميل، شيخ عبد الله أنت قلت في حديثك عن تحديد مصطلح الإرهاب إنه يجب أن يكون هذا التحديد الدقيق للمصطلح يتلاءم مع البنية العقدية للأمة، وينطلق من أرضية فقهها وتراثها الخاص حتى لا يختلط الإرهاب بالجهاد، ولا تختلط المقاومة المشروعة بمحاربة المحتل، وأشرت إلى تعزيز التسامح ونشر الفكر الوسط والحوار واحترام التنوع الحضاري والديني والثقافي للبشرية باعتباره إثراء وانسجاماً وليس تبايناً وصداماً، أولاً شيخ عبد الله كيف يمكن أن نفرق بين الجهاد وبين الإرهاب؟ يعني عندنا حالة على الأرض في العراق على سبيل المثال.

الشيخ عبد الله بن بيه: أخي تركي الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، والجهاد هو بذل الجهد مأخوذ من بذل الجهد، الجهاد قد يكون جهاد النفس، قد يكون جهاداً لخدمة العامة في خدمة المصالح العامة، ففيهما فجاهد في خدمة الوالدين..

تركي الدخيل: يعني أنا كموظف لو كنت موظف في دائرة عامة هل يُعتبر عملي جهاداً؟
الشيخ عبد الله بن بيه: نعم هو كذلك هذا جهاد، الجهاد معناه واسع جداً، الجهاد الأكبر هو جهاد في كل مناحي الحياة، هو فعل الخير، وشيخ الإسلام ابن تيمية يُعرف الجهاد بأنه كل الأفعال التي ترمي إلى الخير، ويذكر القتال فقط كفرد من أفراد الجهاد، فالقتال المسلح هذا القتال المسلح له ضوابطه، أولاً القتال من تعلنه؟ تعلنه دولة على دولة، مفاهيم الحرب الموجودة في الأمم المتحدة في ميثاق الأمم المتحدة هي قريبة جداً من مفاهيم الإسلام في الجهاد، في ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يطبقه الناس، أنا أعترف..

يجب التمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة

تركي الدخيل: هذه نقطة مهمة شيخ عبد الله، أنت سئلت عن كيف نميز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة؟ فقلت في رأيي أن التغلب على هذه المعضلة يكمن في الإحالة على الشرعية الدولية والأخلاقية، وأشرت قبل قليل إلى ميثاق الأمم المتحدة، كيف تريد أن تقنع بهذا الكلام الذي تقوله وسأقبله منك، كيف تريد أن تقنع مجاهدين أو إرهابيين سمهم ما شئت هم أساساً جزء من ثورتهم على النظام العالمي، يعتقدون إن التحاكم إلى منظمة الأمم تحاكم إلى الطاغوت..

الشيخ عبد الله بن بيه: أنا سأعطيك مثالاً.

تركي الدخيل: ألم تقرأ هذا في أدبياتهم يا شيخ؟

الشيخ عبد الله بن بيه: قرأته في أدبياتهم، لكن أنا أعتبر أنه.. أنا أعتقد الذي جرهم إلى أن يتحدثوا هذا الحديث طبعاً قد يكون دوافع ايديولوجية أو دوافع فكرية منحرفة، لكنه أيضاً من جهة أخرى هو أن هذه الحقوق التي قامت عليها الأمم المتحدة..

تركي الدخيل: لم تطبق.

الشيخ عبد الله بن بيه: لم تطبق، يعني الأمم المتحدة تعترف بوجود وطن للفلسطينيين، تعترف بوجوب دولة فلسطينية، بوجوب إعطاء حقوق للفلسطينيين لكن لم تقدم لهم الأدوات للحصول على هذه الحقوق، ماذا تسمي هذا؟ تعترف بأن العراق كان محتلاً، لكن الأمم المتحدة كيف تطبق عملياً ميدانياً هذه الأفكار النبيلة التي ترتقي مع الفكر الإسلامي؟ كيف تطبقها في الواقع؟ المادة 51 مثلاً من ميثاق الأمم المتحدة تحدثت عن هذه.. عن قضية الحرب والحرب التي يمكن أن نسميها عادلة وهي حرب رد عدوان، (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدي)، (وما لكم لا تقاتلون في سبيل والمستضعفين) في سبيل المستضعفين الذين اعتدى عليهم، (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)

تركي الدخيل: يعني معناته عدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة مفروض يساهم في وجود إرهابيين….
الشيخ عبد الله بن بيه: وهو كذلك..

تركي الدخيل: لماذا لم يتحوّل عبد الله بن بية مثلاً وهو عالم إلى إرهابي لأن قرارات الأمم المتحدة لم تطبق؟

الشيخ عبد الله بن بيه: هو لا تفترض أني سأتحول إلى إرهابي، لكن أنا كشخص يجب أن ننظر إلى البانوراما كاملة، المشهد كامل سواءً مشهد أولئك الذين يقاتلون، أو أولئك الذين يقاومون أو أولئك الإرهابيون الذين خرجوا عن كل شرعية، وأيضاً مشهد قوانين الأمم المتحدة ومواثيق الأمم المتحدة التي لا تطبق..

تركي الدخيل: لأنو يا طويل العمر في أحد خطابات أسامة بن لادن تحدث عن هذه النقطة، وقال بأن لن تكون الأمم المتحدة هي الحل الذي يأتي لنا بخقوقنا أو كلام في نحو هذا المعنى، وإنما الحل أن نأتي بخقوقنا بأيدينا.

الشيخ عبد الله بن بيه: هو في الحقيقة أرجوا أن لا تعتبر أني معلقاً على خطابات أسامة بن لادن ولا غيره..

تركي الدخيل: لأ أنا أريد أن يعني أن نتناول الحل..

الشيخ عبد الله بن بيه: أنتم في الصحافة يمكن أن تعلقوا على هذا..

تركي الدخيل: أنا لا أريد أن تكون معلقاً أنا أريد أستوضح كونك عالم يعني..
الشيخ عبد الله بن بيه: أفكاري واضحة ومكتوبة وبالتالي لا أجدني أبداً مسؤولاً عما يقوله أسامة بن لادن، لا أجدني مسؤولاً عن أي شيء يقوله شخص آخر، أنا مسؤول عن ما أقوله أنا..
تركي الدخيل: لأ هذا شكل من أشكال الرؤية البانورامية يا شيخ..

الشيخ عبد الله بن بيه: البانورامية نحن نأخذ منها الأساسيات التي نرى أنها بناءة، والتي يمكن أن تبني سلاماً في العالم، وأن نكون كرجال إطفاء، نحن قلنا للغربيين نحن نريد أن نكون إطفائيين مع المسيحيين، لما اجتمعنا معهم بعد 11سبتمبر في روما قبل الحرب قلنا لهم نريد أن نكون إطفائيين، أن نطفئ هذه الفتنة التي تدور، ويجب أن لا نسمح للحرب ولغريزة الحرب ولمطامع الحروب أن تنتشر في العالم، فهذا هو.. هذه مهمتنا..

تركي الدخيل: حتى لو كانت جهاداً؟

الشيخ عبد الله بن بيه: حتى ولو كان.. جهاداً لماذا جهاد، الجهاد له أسبابه وله شروطه وله ضوابطه..
تركي الدخيل: ولا تعتقد أن هناك جهاد الآن يستحق أن يكون في العالم اليوم.

الشيخ عبد الله بن بيه: علينا جميعاً أن نجاهد للسلام، أن نجاهد للحق، أن نجاهد حتى يقوم الناس بالقسط، أن نكون جميعاً على حق، وأن نكون جميعاً متسالمين، وهذا هو الجهاد المطلوب منا.

تركي الدخيل: جميل، شيخ أنت أيضاً تشير في أطروحاتك إلى أن أحد أسباب الإرهاب هو غياب تطبيق مقاصد الشريعة، ماذا تقصد بهذه العبارة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: هو في الحقيقة هذا وصف للثقافة المهزومة، من هذه الثقافة المهزومة منها النظر إلى الجزئيات دون النظر إلى الكليات، وبالتالي بدون النظر إلى المقاصد وهذا أمر في غاية الأهمية، يعني أن تنظر إلى حكمٍ جزئي وتقول: في هذا الحكم الجزئي أمرت أن أفعل كذا، ولكن لا تنظر إلى المقصد الشرعي الأعلى الذي يحكم هذه الجزئيات، وبالتالي الذي يحكم المقاصد المصالح والمفاسد، المصالح والمفاسد هي المقاصد الشرعية الكبرى التي ترمي إليها الشريعة، الشريعة وضعت لمصالح العباد، فكما يقول العلامة القيم رحمه الله تعالى: شريعةٌ مصلحة كلها، وعدلٌُ كلها، ورحمة كلها، وحكمةٌ كلها، فما خرج عن العدل إلى الجور ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث فهذا ليس من الشريعة، ولا أدخل فيها في تأويلي فالشريعة دون النظر إلى هذه الكليات فسنسقط دائماً لأن الفتوى تتكون من ماذا؟ الفتوى تتكوّن من ثلاثة أبعاد، البعد الأول هو الواقع عليك أن تدرس الواقع بكل تضاريسه، وبكل ما يحيط به ويحف به من إشكالات ومن مصالح ومن مفاسد، ثم عليك أن تنظر في الأحكام الجزئية التي تنطبق على هذا الواقع، ثم عليك أن تنظر في المقصد الكلي الذي يحكم هذا الواقع، بدون هذه الأبعاد الثلاثة وهذه المعادلة الثلاثية ستكون الفتوى عرجاء، لن تكون الفتوى صحيحة.

تركي الدخيل: وتعتقد أن الفتوى في العالم الإسلامي عرجاء؟

الشيخ عبد الله بن بيه: أعتقد أنها أحياناً تكون عرجاء وأحياناً تكون سليمة، ويجب علينا جميعاً..
تركي الدخيل: هذه إجابة دبلوماسية يا شيخ عبد الله.

الشيخ عبد الله بن بيه: لا.. لا هذا الواقع، هذا الواقع أنا لا أريد أن أكون أكثر من..
تركي الدخيل: سنتحدث عن الفتوى بعد فاصلٍ قصير، فاصلٌ قصير أيها الإخوة ونعود بعده لمواصلة حديثنا مع الشيخ عبد الله بن بيه في إضاءات فابقوا معنا.

أزمة في الفتوى في العالم الإسلامي

تركي الدخيل: حياكم الله مجدداً في إضاءات، لا يزال حوارنا هذه الحلقة مع الشيخ عبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني السابق، شيخ عبد الله قبل الفاصل كنا نتحدث عن الفتوى، وقلت أن لها ثلاثة مناحي يجب أن تمر عليها، بدونها تكون الفتوى عرجاء، سألتك عن الفتوى في العالم الإسلامي فقلت لي: بأن بعضها يمكن أن يوصف بأنه أعرج وبعضها ليس كذلك.
سأسألك عن أزمة الفتوى ألا تعتقد أن هناك أزمة في الفتوى في العالم الإسلامي، تجعل الكثير من الشباب يذهبون يتوقون إلى انتقاء الفتاوى المهزومة وترك الفتاوى التي تتوافر عليها الشروط؟
الشيخ عبد الله بن بيه: هو ما تفضلت به صحيح فالآن كثرت مراكز الفتوى وتنوعت وتشعبت، وأصبح الشعب يميل إلى ما يلائم طبعه، ويلائم توثبه وربما أيضاً أوضاعه النفسية، فإذا سمع فتوى فيها تشديد فيها بعض التشديد يقول هذه فتوى جيدة وصاحبها أكيد لا يرتبط بالحكومة، وإذا سمع فتوى فيها تيسير وتخفيف يرى أن صاحبها لا شك سيتهمه مباشرةً ويقول هذا من علماء السلطان على أفضل تقدير، وبالتالي وجدنا أنفسنا في صعوباتٍ كثيرة.. الحد هو أن تعلّم الناس..

تركي الدخيل: صنفك بعضهم بأنك من علماء السلطان لأن فتاواك ما عجبتهم؟
الشيخ عبد الله بن بيه: قال أحدهم مرةً في المجموعات الساحات والإنترنت وهؤلاء عن بعض الفتاوى التي أفتيت بها، يقولون أن هذا من علماء السلطان مرةً ومرةً يقولون هذا موسع، ولا يعلمون أن اسم الله سبحانه وتعالى الواسع وليس من أسماء الله المضيّق، فيقولون فلان يقول كل شيء واسع، أنا أقولها بالدليل، طبعاً لا أقول شأن من قبل نفسي ولا من تلقاء نفسي، لكن الفتاوى لها ضوابط علينا أن نُحسن هذه الضوابط، أن نُتقن هذه الضوابط حتى نستطيع أن نتعامل مع الفتاوى، بدون ذلك أعتقد أننا سنظل دائماً في حالةٍ من الاضطراب وفي حالةٍ من تناقض الفتاوى وبالتالي سترى الساحة الإسلامية والبانوراما الإسلامية والمشهد الإسلامي العام سيظل المشهد مضطرباً..

تركي الدخيل: مأزوماً؟

الشيخ عبد الله بن بيه: مأزوماً مضطرباً سمه ما شئت، لكن علينا أن نجد وسائل وأدوات لتوحيد المعايير، وليس معنى ذلك أن نوحد كل فتوى، لكن الفتاوى في القضايا الكبرى في القضايا التي تهم العالم الإسلامي في القضايا التي تُراق فيها الدماء وتُستحل فيها الحرمات، هذه القضايا يجب أن لا يُفتى بها في هذه الطريقة، يجب أن تتعدد فيها مراكز الفتوى بشكلٍ يضر بالأمة الإسلامية..

تركي الدخيل: بمناسبة الحديث عن الفتوى كان اليوم الوطني السعودي الماضي هو أول يوم يتم الاحتفال به إن صح التعبير وإعطاء إجازة له، وتناقلت الصحافة فتوى لكم شيخ عبد الله به بيه بأنكم تجيزون الاحتفال باليوم الوطني السعودي، وهذه الفتوى التي نقلت لكم هل كنتم يعني تريدون منها مخالفة المؤسسة الرسمية الدينية في السعودية التي لها فتاوى قديمة لا تجيز هذا الأمر؟

الشيخ عبد الله بن بيه: أخي تركي هذا آخر ما يخطر لي ببال أن أرد على فتاوى علماء المملكة وأريد أن أصحح، فتواي لم تكن بهذه المناسبة لا أدعي شرف بأني أفتيت بمناسبة العيد الوطني السعودي، هذه الفتوى قديمة، وكان السؤال قد ورد من أفريقيا، وكان بعض الناس يتحرجون، ويظهر بعض المسلمين مظهراً غير لائق ينعزلون ويقيمون ضجةً عندما يرون اجتماعاً لليوم الوطني، فقلت لهم إن الأمر واسع وإنه ليس..

تركي الدخيل: كلمتك المشهورة..

الشيخ عبد الله بن بيه: نعم الأمر واسع، لأنه لا يوجد نص شرعي يحظر ذلك، وأن الأعياد التي نهي عنها هي أعياد جاهلية، وأدلة كثيرة جداً عندي بعضها ذكرته والكثير منها لم أذكره ادخرته ولم أذكره.

تركي الدخيل: ليش ادخرته يا شيخ؟

الشيخ عبد الله بن بيه: ادخرته لأني لا أريد أن أدخل في جدال ومراء، يعني أرى أنه لا فائدة من الجدال والمراء، إذا كان البحث بحثاً هادئاً بالإمكان أن نقدم الأدلة، دعني أذكر لك شيئاً الآن، سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من عمل العطلة.. عطلة الخميس والجمعة، كان راجعاً من بيت المقدس بعد أن فتحه صلحاً، فاستقبله صغار المدينة خرجوا من المدينة مسافات لاستقبال الفاتح، لما جاؤوا أعطاهم هذه العطلة، ما قال أحد أن عمر ارتكب بدعة وأنه أحدث عيداً جديداً، وهذا أقوله لأول مرة حتى ما كتبته سكت، والذين ردوا علي..
تركي الدخيل: هذا من ما ادخرته؟

الشيخ عبد الله بن بيه: في المواقع يعني هم ذكروا أشياء اجتزؤوها وحذفوا كثيراً من الأدلة..
تركي الدخيل: يعني أهم دليل يستندون عليه لا يجوز أن يكون هناك عيد إلا عيدين في الإسلام.
الشيخ عبد الله بن بيه: لا يجوز أن يكون هناك إلا عيدان شرعيان عيدان للعبادة، أما هذه الأيام الوطنية فإنها ليست عبادة، فإنها أيامٌ فقط تحي بها الأمم وتحيي بها تاريخها وتتذكر بها نعمة الله سبحانه وتعالى فهذه ليست للعبادة، وليس كل ما يشبه ما يفعله النصارى ليس حراماً، الحرام هو التشبه وليس مشابهته..

تركي الدخيل: ما الفرق بين التشبه والمشابهة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: كما يقول أبو يوسف صاحب أبو حنيفة، أنا أقول لك هذه الأمور تحتاج..
تركي الدخيل: الفرق بين التشبه والمشابهة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: لا سأقول لك وهذه الأمور تحتاج إلى وقت لأنها إذا اجتزأت تكون خطئاً، أبو يوسف سُئل عن لبس بعض النعال وأنه يشبه نعال النصارى، فقال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يلبس النعال ذات الشعر وهي ملابس الرهبان، فمعنى ذلك أن المشابهة غير التشبه، ما لبسها ليتشبه بهم، التشبه يحتاج إلى نية، يحتاج إلى عمل حتى تعمل به الآخر، أما إذا أشبهت الآخر في عمل ما فهذا لا ضرر فيه إذا كانت فيه مصلحة، وأنا استشهدت في فتواي بقضية العتيرة، العتيرة كان الجالية يذبخون في رجب..

تركي الدخيل: ويش العتيرة؟

الشيخ عبد الله بن بيه: العتيرة: ذبيحة كان الجالية يذبحونها في رجب، وفي الإسلام وردت أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم) استحسنها، وقال مرةً لا بأس بها، وقال مرة الأضحية والعتيرة، كتبت الأضحية والعتيرة لكل بيت.. يخلف.. والغامدي وجاء بخديث لا ذبح ولا عتيرة.. المهم أخذوا الحديث الأخير ولم يجمعوا بها الأحاديث، كما جمع بها أحمد والشافعي.. الشافعي استحبها، وأحمد مرةً استحبها ومرةً قال جائزة، فقلنا ليس كل أفعال الآخرين ليست محظورةً علينا، هناك حساسية شديدة من التشبه بالآخر، هذه الحساسية أنا أفهمها التشبه بالآخر إذا كان تشبهاً دينياً فهو حرام لا شك في ذلك، وإذا كان غير ديني فهو ليس حراماً ولا محظوراً، ثم إن العلماء يذكرون أقوال، يذكرون الاستحباب الكراهة الجواز يعني كثير من الناس من طلبة العلم لا يذكرون أبداً الكراهة عندهم ليست موجودة، الحرام.. حرام فقط حرام إذا لم يقل لك شرك، فهذه مشكلة..

تركي الدخيل: جميل، شيخ هذا يجرني إلى سؤال كثيراً ما يُطرق، أنت تحدثت عن أدلة تجيز الاحتفال باليوم الوطني لأنه يوم يحتفل الناس بتاريخه، هناك من يقول أن الإسلاميين لا يحفلون كثيراً بالوطنية، وهناك من يردد كثيراً بأن الوطنية من الجاهلية؟
الشيخ عبد الله بن بيه: أولاً أود أن تسمح لي أن أحترز لأقول إني أحترم من يفتي في اليوم الوطني وغيره، أحترم تماماً فتواهم، لكن أنا سئلت في قضية في أفريقيا فأفتيت فيها بما ظهر لي..
تركي الدخيل: لو سئلت بالسعودية يعني ما تفتي؟

الشيخ عبد الله بن بيه: لو سئلت يعني لم أُسأل بعد على كل حال نشرت الصحافة وكأني أجيب على مسألة العيد الوطني في المملكة، فأنا لا أريد أن أدخل نفسي في حرج، وأعتبر أن المفتين في المملكة السعودية هم أجدر مني بهذا، وهم أعلم مني وأجدر مني بدون تواضع، هم أجدر وأولى أن يفتوا بهذه القضايا..

تركي الدخيل: بس هل هذا تراجعاً للفتوى ولاّ..

الشيخ عبد الله بن بيه: أعتقد أن العصمة هي للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن أهل السنة لا يوجد لدينا إمام معصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم

لأ.. لم أتراجع عن الفتوى، رأيي فيها هو رأيي، وأدلتي هي أدلتي، لكن مع ذلك الآراء الأخرى لها وجهها ولها أدلتها، فأنا أحترمها هذا يجب أن يكون واضحاً، أنا أعتقد العصمة هي لواحد لإمام واحد لنبي واحد للنبي صلى الله عليه وسلم نحن أهل السنة لا يوجد لدينا إمام معصوم.. إمام معصوم واحد هو النبي (صلى الله عليه وسلم) موضوع الوطنية أنا أعتبر أن المواطن الجيد أقول في أوروبا دائماً المسلم الجيد هو المواطن الجيد، وهذا طبعاً لأُظهر للأوروبيين بأن المواطنة ليست ضد الإسلام، والإسلام ليس ضد المواطنة.

تركي الدخيل: نحن دخلنا الأوروبيين نبيها عندنا حنا العرب؟

الشيخ عبد الله بن بيه: لأ هذا ما هو أن أحداً يتنكر لوطنه ليكون دولياً فعليه أن يبدأ بنفسه.. بصلاته يبدأ بالأقارب، وبالتالي الإسلام يرتب الخلايا الوطن الذي كان مطروحاً..
تركي الدخيل: لكن المطروح دائماً عند المفكرين الإسلاميين عند الدعاة الإسلاميين الحديث عن الأممية وليس عن الوطنية، حتى غاب الحديث عن الوطنية على اعتبار أن هذه الحدود إنما وضعها المستعمر.

تركي الدخيل: أنا أعتقد أن هذا قد يكون كان فترةً من الزمن لكن الناس تحدثوا عن دوائر، دائرة الوطن وهي الدائرة التي يتعامل معها الإنسان مباشرةً، والدائرة الأعلى وهي الدائرة العربية والدائرة الإسلامية، وهي الدائرة التي تجمع..

تركي الدخيل: والدائرة الإنسانية..

الشيخ عبد الله بن بيه: والدائرة الإنسانية نعم، هذا لا شك فيه.

تركي الدخيل: إذن تعتقد أن الوطنية هي سائغة في الإسلام؟

الشيخ عبد الله بن بيه: جداً، الوطنية لا تدعو إلا إلى خير، الوطنية هو الوطن، وهم المواطنون..
تركي الدخيل: الوطنية لا تدعو إلى خير؟

الشيخ عبد الله بن بيه: لا تدعو إلا إلى خير، الحمد لله الذي سألت حتى بينت.. لا تدعو إلا إلى خير، نعم فهو للحصر.

تركي الدخيل: لكن هل هناك مثلاً هل مفهوم الوطنية موجود مثلاً في النصوص الشرعية؟
الشيخ عبد الله بن بيه: النصوص الشرعية كلها تدعو إلى الوطن، وتدعو إلى المواطنة، أولاً الإنسان مدعو إلى إكرام جاره إلى إكرام.. (أنذر عشيرتك الأقربين) (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) البدء بالعشيرة الأقربين أليس هذا هو الوطن؟ الوطن أليس هو الأرض التي ولد الإنسان عليها؟ هذه الأرض الإنسان مدعو إلى.. الوطن يتركب من ماذا؟ يتركب من سكان، يتركب من ناس، يتركب من وطن، يتركب من سيادة، طبعاً هذا تعريف الدولة عند الغربيين، لكن هذا التعريف لا ينافي تعريف الإسلام..

تركي الدخيل: طيب لأن كثير من المسلمين الذين يعيشون يعني من أصول ينتمون للديانة الإسلامية ولديهم جنسيات غربية يجدون إشكالية في هذا الموضوع؟ يجدون إشكالية في المواطنة للدول الغربية، يعتقدون أن المواطنة للدول الغربية تتناقض مع الهوية الإسلامية، وهذا ما يوجد أزمة الأقليات، وأنتم من الناس الذين يهتمون بموضوع الأقليات أليس كذلك؟
الشيخ عبد الله بن بيه: هي مسألة كبيرة، ولكن سؤالك بمحله، لكن الإشكال هو في اتجاهين، اتجاه أولاً على المسلمين أن يفهموا وجودهم ليس عبوراً، البلاد بلاد الله والعباد عباد الله حيثما أصبت خيراً فأقم، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد في المسند، عليهم أن يعتبروا أنفسهم من أهل هذه البلاد، وأن وجودهم ليس عارضاً أو ليس عابراً وبالتالي أن يقيموا العلاقات مع هذا الوطن، وأنا اعتبرتها من الدوائر السبع يعني من التحديات السبعة التي تواجه المسلمين، وهو كيف يتعايش مع الآخرين كيف يعتبر نفسه مواطناً جيداً، فالمسلم الجيد هو المواطن الجيد، وبالتالي عليه واجبات كما واجبات على المواطنين الآخرين وله خصوصية، هذه الخصوصية تحترم في نطاق التنوّع الثقافي الذي يعيش فيه.

تركي الدخيل: جميل، شيخ أنت تحدثت في إحدى فتاواك عن إمامة المرأة، الحادثة التي حصلت للسيدة أمينة التي أمّت مجموعة من المسلمين في الولايات المتحدة، قلت أنت أن ما اتُفق عليه في المسألة بين كل الفقهاء والعلماء في جميع الأقطار الإسلامية أن المرأة لا تؤم الرجال، وهذا ما ينبغي التمسك به في ديار الإسلام، أما بالنسبة للسيدة أمينة فيمكن أن نتسامح معها، وأن نقبل منها هذا الاجتهاد خاصةً لحديث أم ورقة رضي الله عنه حيث أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ مؤذنةً، وأن تؤم أهل دارها، رواه الإمام أحمد ورواه أبو داود.

الشيخ عبد الله بن بيه: صحيح أنا يعني حاولت أن..

تركي الدخيل: أن تكون واسعاً؟

الشيخ عبد الله بن بيه: حاولت أن لا أفاجئ أمينة ومن معها إذا كانوا يريدون أن يجدوا سعةً في الإسلام، نحن لا نريد أن نضيّق واسعاً، إذا وجدنا ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، إذا وجدناه سبيلاً في التوسعة للناس أن نذكر لهم هذه الأوجه، أن لا نكتم شيئاً من الإسلام، نعتقد أن الخلاف واختلاف العلماء هو رحمة، كما جاء في الحديث اختلاف أمتي رحمة وهو حديث طبعاً لم يثبت سنده منقطع رواه البيهقي وغيره، ولكن معناه مفهوم ومقبول إذا كان هذا الاختلاف اختلافاً حميداً، يسميه الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى اختلاف السائغ بين أهل الحق، فمسألة إمامة المرأة ورد فيها حديث أم ورقة، وورد فيها أيضاً في مذهب الإمام أحمد أيضاً روايات بأنها تؤم النساء لأنها تؤم أيضاً الرجال، وتكون خلفهم إذا كانت عجوزاً أو امرأة كبيرةً، يعني هناك أقوال هذه الأقوال لا يجوز أن نطبقها لأنها ضعيفة جداً، لكن مع ذلك إذا قامت امرأةً غربية فنحن نلتمس لها العذر، ونحاول أن نقدم لها شريعتنا بالحسنى، ونقول أنه ليس نقصاً من المرأة، وإذا لم تكوني عجوزاً أيضاً عليك أن تتأخري فلعلها عادةً المرأة تكره أن تكون عجوزاً، فلعلها تتأخر وأن لا تؤم أهل بيتها، فهذا نوع من الفتاوى التي هي عبارة عن لا أقولها مجاملة، لكن عبارة عن تأليف، تأليف للناس، والتأليف للناس وارد في الشريعة، أن نتسامح مع الذي يدخل الإسلام حديثاً، أن نؤلفه، أن نقدم له حتى مالاً كما جاء في القرآن الكريم: (والمؤلفة قلوبهم في الرقاب)

تركي الدخيل: شيخ عبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني السابق شكراً جزيلاً لك.
الشيخ عبد الله بن بيه: وأنا أشكرك.

تركي الدخيل: شكراً لكم أنتم أيها الإخوة حتى ألقاكم في حلقةٍ مقبلة من إضاءات هذا تركي الدخيل يترككم في رعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

حوارحول الوسطية مع مجلة الوعي الكويتية

 

الشيخ عبدالله بن الشيخ بن بيَّه

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

يجب احترام التنوع الحضاري والثقافي للبشرية

 

< مصطلح الإرهاب ينبغي تعريفه انطلاقا من مصدره الأصلي في الغرب

< كلمة >رهب< في الإسلام وما اشتق منها وردت في مجملها للدلالة على الخوف والرهبة من الباري عز وجل·

أكدالشيخ بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز في جدة على ضرورة وضع تحديد دقيق لمصطلح الإرهاب يتلاءم مع البنية العقدية للأمة وينطلق من أرضية فقهها وتراثها الخاص حتى لا يختلط الإرهاب بالجهاد ولاتختلط المقاومة المشروعة بمحاربة المحتل، وركز على ضرورة تعزيز ثقافة التسامح الإسلامية ونشر الفكر الوسط والحوار واحترام التنوع الحضاري والديني والثقافي للبشرية باعتباره إثراء وانسجاماً وليس تباينا وصداماً·


> بصفتكم أحد المهتمين بظاهرة >الإرهاب< وتداعياتها المختلفة ونشرتم في هذا الصدد كتابا عنوانه: >الإرهاب التشخيص والحلول< ما البدايات الأولى لهذه الظاهرة وكيف نشأت؟

– يرى المؤرخون الغربيون أن أقدم جماعة إرهابية عرفها التاريخ المكتوب هي حركة >الورعاء اليهودية< في القرن الأول للميلاد وهي الحركة التي استخدمت العنف المفرط في مواجهة الاحتلال الروماني، وبالنسبة للتاريخ الإسلامي فقد ظهر >الخوارج< في القرن الهجري الأول وأعلنوا التكفير بالذنب وأن >لا حكم إلا لله< وحكموا السيوف في رقاب المسلمين وفي القرن الخامس الهجري ظهرت فرقة >الحشاشين< وهي عبارة عن >عصبة سرية< يدين أعضاؤها بالطاعة العمياء للرئيس الروحي واستخدموا طريقة الاغتيال للتخلص من خصومهم وكان الوزير >نظام الملك< أول ضحاياهم·

وبداية الإرهاب الحقيقي كانت في عشرينات القرن الماضي وتحديدا مع وصول موجات يهودية إلى أرض فلسطين التي كونت عصابات الهاجانا وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأشخاص الأبرياء ومنذ أواخر هذا القرن العشرين شهد العالم الإسلامي إخلالات خطيرة بالأمن وخصوصا بعد تحرير أفغانستان والعدوان العراقي الغاشم على الكويت وما لحلق ذلك من تداعيات، فارتكبت أعمال وتفجيرات خارج نطاق كل الشرعية الدولية، لعل أشدها وقعا كان الاعتداء على >برجي منهاتن< في الولايات المتحدة الأميركية مما أسدل ليلاً دامسا أرخى سدوله على العالم كله وغابت كثير من حقوق الإنسان والقوانين التي كانت تحكم القوى الكبرى في تعاملها مع الداخل والخارج وأضحت الحملة على الإرهاب تمثل ساحات قتال حقيقية بدءاً من حدود باكستان إلى حدود منطقة الخليج وتركيا··الخ·


> ألا ترون أن الحديث عن الإرهاب كثر في اللغط واختلفت فيه الرؤى الى درجة أصبح معها من الضروري تحديد دلالات هذا المفهوم أو على الأقل ما نقصده نحن المسلمون >بالإرهاب< وما الأسباب والظروف التي ترو أنها انتجت هذه الظاهرة وأفرزتها؟

– بدءاً أود أن أحدد الدلالة اللفظية لهذا المصطلح في الآيات القرآنية وهنا أشير إلى أن كلمة >رهب< وما أشتق منها من تعاريف وردت في القرآن في اثني عشر موضعاً كانت في معظمها تتعلق بالخوف والرهبة من الباري جلت قدرته، وإن كانت آية الأنفال المتعلقة بإعداد القوة الإرهاب العدو قد توحي بظلال قد يخالها بعضهم ذات صلة بالإرهاب المعاصر، إلا أن الأمر عند التأمل الواعي يدل على خلاف ذلك لآن الإرهاب في سورة الأنفال هو من قبيل الردع أو ما يعرف في العصر الحديث باستراتيجية التهيؤ بالقوة لحماية السلام بالإضافة إلى أنه خطاب موجه الى الدولة المسلمة وليس للأفراد او الجماعات، وأما مصطلح >الإرهاب< المتداول اليوم فينبغي البحث عن تعريفه انطلاقا من مصدره الأصلي الغربي على وجه الخصوص، وذلك أن مصطلح الإرهاب: terrorisme ظهر أول ما ظهر في ملحق الأكاديمية الفرنسية سنة 1798م لوصف حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهب الشعب وخصوصا الملكيين باسم الحرية والثورة، فكان الإرهاب وصفا لنظام حكم إلا أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد وجماعات خارجة على القانون، وقد عُرِّف دولياً للمرة الأولى في عصبة الأمم سنة 1934م بأنه >عمل إجرامي يهدف بطبيعته إلى إثارة الرعب والخوف الموجه لأشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو للناس بعامة<·

وفي رأيي الخاص إن مفهوم الإرهاب المتداول هذه الأيام لا يبتعد كثيراً عن مفهوم الحرابة، لكن لا يمكن مع ذلك إغفال النية السياسية لبعض قضايا الإرهاب فيكون بذلك جريمة بغي وخصوصاً عند >مالك< الذي لا يتشرط لجريمة البغي أن يكون الباغي جماعة بل الواحد يكون باغيا إذا اعتمد طريق العنف·


> لكن كيف نميز بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة؟

-في رأيي أن التغلب على هذه المعضلة يكمن في الإحالة على الشرعية الدولية والأخلاقية، فالحرب ضد المحتل تزكيها الشرعية الدولية، فالفلسطيني على سبيل المثال يستند إلى مشروعية دولية تعترف له بحقوقه ومن ثم يجب أن يحصل عليها من دون أن تعين له وسيلة الحصول علىها، وعلى هذا الأساس فإنني اقترح صياغة تعريف لجريمة الإرهاب وتوصيفها على ضوء جريمتي البغي والحرابة وتدمج معها بعض الجرائم المنظمة الأخرى كترويج المخدرات التي تعتبر حرابة عند مالك واستخدام مصطلح >التخريب< subversion بدل الإرهاب الذي نعني به الأعمال العنيفة التي تقوم بها عصابات ضد السلطة الشرعية لقلب النظام الشرعي القائم بالقوة والعنف، وهذا التعريف أعتقد أنه يستجيب لهموم المتعاطي مع قضية الأمن وينطلق من أرضية الفقه والتراث والبنية العقدية للأمة، كما أن مصطلح التخريب هو مصطلح واضح يفهمه المثقف والعامي على السواء·

أما عن أسباب هذه الظاهرة فهناك اقتراحات كثيرة منها: الفقر، انعدام الديموقراطية، عدم حرية المرأة، المناهج التعليمية الخ··· واعتقد أن أهم الأسباب التي أدت إلى منطق الإرهاب وثقافته هو ظهور فكر مشوه وثقافة مألوسة ومأزومة ونهج مغلوط للإسلام ثقافة تتميز بضق الأفق وعدم الاكتراث بالآخر والانغلاق الفكري والتعصب والحرفية في التفسير وغياب فقه المقاصد واختلال ميزان المصالح والمفاسد مما نشأ عنه الغلو الذي هو أساس هذا الإرهاب ومنطلقة·


> رسمتم في كتاب >الإرهاب التشخيص والحلول< خطة مقترحة لمعالجة ظاهرة الإرهاب ما الملامح العامة لهذه الخطة؟

– تتعدد الحلول التي يمكن اقتراحها لمعالجة هذه الظاهرة ويمكن أن تكون استراتيجية المواجهة متعددة الأوجه تستعمل الإجراءات الأمنية والثقافية والنفسية والوسائل السياسية والاقتصادية وحتى الإعلامية ويمكن أن نحدد مجموعة من الضوابط للمشروع الإسلامي المقترح لمحاربة الإرهاب تتلخص فيما يلي:

– تحديد مفهوم الإرهاب والسلوك الإرهابي والتمييز بين الدفاع عن الأرض والعرض ومعلوم أن عدم ضبط هذا المصطلح يشكل مغضلة حقيقية·

– إبراز ثقافة التسامح الإسلامية وتصحيح المفاهيم المغلوطة في المنظومة المعرفية والتربوية وبخاصة مفهوم الجهاد، حتى لا يختلط بمفهوم الإرهاب·

– التأكيد على الشفافية في قضية الاتهام الموجه الى الأفراد أو الدول واحترام حقوق الإنسان وسيادة الدول في هذا المجال لتكون الحرب على الإرهاب أكثر نظافة· 

– معالجة مشكلة الفقر والخصاصة واحترام حقوق الدول الفقيرة في النمو الذاتي·

– احترام التنوع الحضاري والديني والثقافي للبشرية باعتباره عامل إثراء وانسجام وليس عامل تصادم وتباين وتبرئة كل الديانات من وصمة الإرهاب وفي طليعتها الدين الإسلامي والدعوة إلى حوار حضاري معمق·

– ضرورة معالجة الظلم في العالم وبخاصة الظلم المسلط على الفلسطينيين وضرورة إيجاد حلول لقضايا القهر وانتهاك السيادة في العالم الإسلامي·

– تحديد الإصلاح المنشود دوليا ومحلياً سواء كان تحت مسمى الديموقراطية أو أي مسمى آخر وضرورة أن يكون إصلاحا شاملاً·

– ايجاد آليات تعاون أمني تنساب فيها المعلومات بشكل متبادل بين الدول·


> يكثر الحديث هذه الأيام عن >وسطية الإسلام< و>الأمة الوسط< ونحن نتحدث معكم على هامش مؤتمر >الوسطية منهج حياة< الذي تقيمه وزارة الأوقاف بالتعاون مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، فكيف تفسرون هذا المفهوم؟

– لعل الوسطية كما نفهما هي التي يعينها الشاطبي بقوله: إن المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يتعلق بالجمهور فلا يذهب نهج مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الإنحلال، والوسطية التي نريدها هنا هي المقارنة بين الكلي والجزئي والموازنة بين المقاصد والفروع والربط بين النصوص وبين معتبرات المصالح في الفتاوى والآراء، والوسطية التي تربي جيلا منفتحاً سمحاً عزيزاً أبياً، جيلاً لا يكون سباعا عادية ولا خرافاً وبقرا تمد أعناقها للجزار·


> ما المفاهيم التي تحتاج إلى تحديد دقيق وما مفهوم الجهاد ومعرفة القدر المطلوب من المسلم في هذا الزمن وكيف ترون هذه المسألة؟

– الجهاد هو مصدر لغوي من جاهد يجاهد مجاهدة ومعناه استفراغ الوسع أي بذل أقصى الجهد للوصول إلى غاية في الغالب هي محمودة وهو في الإسلام يغطي ثلاثة مستويات:

1- مجاهدة العدو

2- مجاهدة الشيطان

3- مجاهد النفس

والمعنى الأول هو جهاد غير المسلمين وهو المعنى الشائع وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في فضله وشروطه وضوابطه، وهنا يجدر التنبيه إلى أن الجهاد في الإسلام ليس مرادفا دائما للقتال فهو مفهوم واسع يدخل فيه الدفاع عن الحق والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو المعنى الأول كما هو واضح في قوله تعالى :{وجاهدهم به جهاداً كبيراً} >الفرقان – 52<،أي أقم عليهم الحجة بالقرآن الكريم وقدم لهم البرهان، ومعلوم أن ذلك لا يتطلب أعمالاً حربية فليس كل جهاد قتالا وليس كل قتال جهاداً، ومعروف أن الحرب في الإسلام هي حرب دفاعية وليست لإجبار الناس على الدين وإذا رجعنا إلى حروب النبي [ التي خاضها مع المشركين (27 غزوة) نجد أن المشركين كانوا هم المعتدين أو المتسببين فيها لأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يعني أن الأصل مع الكفار السلم لا الحرب والمتواتر من سنته [ أنه لم يبدأ أحدا بالقتال، وقد اختلف العلماء في وجوب جهاد الطلب وهو الجهاد الذي يقرره الخليفة أو السلطة الشرعية لردع الدولة المجاورة للدولة الإسلامية لحماية حدودها وسلامتها، ورأى بعض العلماء مثل >الثوري< و>أبي عمر بن عبدالبر< أنه ليس واجبا وإنما يستحب، أما الجهاد الدفاعي فهو محل اتفاق وهو الذي تشير إليه الآيات القرآنية الكثيرة مبينة أسبابه وهو الظلم المتمثل بالطرد من الديار والحجر على الحرية الدينية·

{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا··} >الحج -39<


< الشيخ عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه عالم موريتاني- تولى مناصب وزارية عدة في بلاده

– يشغل حالياً – وظيفة استاذ محاضر في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة،

ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس لجنة الحوار والاتصال فيه،

أمين منتدى الفكر الإسلامي التابع لمجمع الفقه الإسلامي في جدة·

عضو مؤسس في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ورئيس الحوار فيه

 

حوار حول اللقاء الحادي عشر للجنة الحوارالاسلامي-الكاثوليكي

حاوره: سعد بن أحمد

9/5/1426 / 16/06/2005

                     

 احتضنت العاصمة الإيطالية روما خلال هذا الأسبوع الدورة الحادية عشرة للحوار الإسلامي المسيحي ، والذي تنظمه لجنة الاتصال بين المنظمات الإسلامية والكنائس الغربية بشكل دوري منذ أكثر من عقد من الزمن .

ويسعى الجانب الإسلامي من هذا الحوار إلى تقديم الصورة الحقيقية والناصعة للإسلام ، باعتباره الرسالة السماوية الخاتمة ، وذلك انطلاقا من ضرورة الحوار مع الآخر، وقياما بواجب التبليغ ، لتقديم البرهان وإقامة الحجة . 

حول أعمال هذا اللقاء ونتائجه .. وكذلك منطلقات وأهداف الحوار الإسلامي المسيحي كان” لشبكة الإسلام اليوم “هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن بيه أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ، ورئيس لجنة الحوار الإسلامي .


 شاركتم خلال هذا الأسبوع في الحوار الحادي عشر للقاء الإسلامي المسيحي بروما .. كيف تقيمون هذا اللقاء ؟ 

هناك لجنة اتصال بين الكنائس وبين المنظمات الإسلامية ، وهذه اللجنة تجتمع لبحث ومناقشة بعض الموضوعات ، وترشح بعض الموضوعات للنقاش . وكان الموضوع المقترح لهذه السنة هو موضوع العلاقة بين الدين والمجتمع والدين والدولة ، وكان علي أن أقدم بحثاً عن علاقة الدين بالدولة ، وزميل آخر يقدم بحثا عن الدين والمجتمع ، وفي مقابلنا أيضاً اثنان من المسيحيين من النصارى قدما أيضاً بحوثاً في نفس الموضوع هذا.


ماذا عن الأرضة المشتركة لهذا الحوار ؟ وهل هناك اتفاق على خطوط عامة على أساسها يتم هذا الحوار؟

هذه الحوارات هي لقاءات سنوية تبحث في العلاقات الإنسانية تبحث في قضايا السلام والتعايش ونحو ذلك وتبحث في بعض القضايا التي قد تهم الأطراف المشاركة فيها . لأن هذا الموضوع الآن هو موضوع مهم جداً في أوربا حيث إن بعض الدول الأوربية عندها مواقف من الديانات الجديدة التي دخلت ، بناء على أن هذه الدول هي دول متدينة كسويسرا مثلاً قانونها ينص على أنها دولة دينية أي مسيحية ، وكذلك النرويج و الدانمارك . فوجود ديانات جديدة في هذه البلاد طرح بعض المشاكل كما ً في فرنسا عندما منعت الحجاب والرموز الإسلامية ، طرح أيضاً السؤال : ما هي العلاقة بين الدولة والدين ؟ مع أن هذه الدول تقول إنها دول علمانية وبالتالي لا علاقة لها بالدين ، فالدين فيها أمر شخصي – كما يقولون – أو يخص الفرد فقط . ثانياً هم يطرحون أسئلة بالنسبة للعالم الإسلامي .. لماذا بعض الدول تتشبث بأن تتولى تسيير الشؤون الدينية ؟ لماذا لا يترك الدين أمراً شخصياً رباطاً – كما يسمونه – بين الله وبين العبد ولا علاقة للسلطة به ؟ فهذه هي الإشكاليات والأرضية المشتركة التي على أساسها يجري الحوار بهدف البحث عن حلول لهذه الإشكاليات ، وما هو موقع الدين في العالم المعاصر الذي نعيش فيه ؟ وغيرها من القضايا ..


كيف تقيمون مستوى المشاركة الإسلامية في هذا الحوار مقارنة بمستوى تمثل الظرف الآخر أيضاً الطرف المسيحي؟

المشاركة الإسلامية كانت جيدة جداً لأن د. عبد الله نصيف هو رئيس المؤتمر العالمي الإسلامي والدكتور عبد العزيز التويجري رئيس المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ، والدكتور حامد الرفاعي الأمين العام لمنتدى الحوار الإسلامي ، والأستاذ الشريف الأمين العام لاتحاد المنظمات الإسلامية ، والعبد الضعيف رئيس لجنة الحوار الإسلامي المسيحي .. وشخصيات أخرى عديدة 


فضيلة الشيخ قدمتم خلال هذا اللقاء محاضرة تحت عنوان الدين والدولة كيف كانت ردود فعل الجانب المسيحي على محاضرتكم؟

دارت مناقشات ساخنة حول هذا الموضوع مع الجانب المسيحي ، فالمسألة يمكن أن نلخصها في أن المصطلحات الإسلامية تختلف عن المصطلحات لدى الطرف الآخر، والمسارات التاريخية تختلف كذلك ، بالإضافة للاختلاف العميق في الثقافة . هذه الاختلافات مؤثرة بالتأكيد ، فنحن نعتقد أن الدولة ضرورة للدين لأن الدين عندنا هو الوحي ، وقد اشتكى رئيسهم المطران “جيرالد “من هذا الطرح عندما قلت إن الدين هو مجموعة العقائد والقواعد والأحكام التفصيلية التي تنظم علاقة الإنسان بربه وبأبناء جنسه وبالكون عامة .. وهو يقول لا .. الدين ليس وحيا وإنما هو رباط ، ونحن نقول إن الرباط أثر وليس هو الأصل ، وإنما الأصل هو الوحي . فهذا هو الجو العام لهذه المناقشات .. تنزل المناقشات أحيانا إلى قضية المسلمين في أوربا، كما تتطرق للعديد من الإشكاليات التي ترتبط بواقع المسلمين في بلدانهم الأصلية أو في الغرب ، وهي الإشكاليات التي نجيب عنها بفضل وتوفيق من الله تعالى.


يرى البعض أن المشاركين في هذا الحوار من الجانب المسيحي ليس لهم تأثير يذكر في مجتمعاتهم الغربية ، وبالتالي لا نجد تأثير لهذا الحوار على أسلوب التعاطي بين المسلمين والمسيحيين .. ما تعليقكم على ذلك؟

في الحقيقة أنا اعتقد أن هؤلاء قد يؤثرون إذا أرادوا ذلك ، المسألة هل الطرف الآخر على درجة من الإخلاص أو من الجدية في علاقته أو في حواره مع الطرف الإسلامي ؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه وأما الطرف المسيحي فقد ضم العديد من الشخصيات الهامة جنسيات أمريكية وأروبية ومن أنحاء مختلفة من العالم لها صوتها ولها تأثيرها إذا اقتنعت بشيء يمكن أن تعلنه وأن تذيعه وبخاصة إذا استمعت لوجهة النظر الإسلامية وهي وجهة نظر دائماً مقنعة وواضحة بفضل الله . ولكن الجدية هي الأمر الذي نحتاج إليه . نحتاج أن نقتنع أن الجانب الآخر يتسم بالجدية الضرورية لهذا الحوار .. يعني هذا سؤال مهم لمستقبل علاقتنا معهم ، ونحن نرى أن الحوار هو واجب ديني الله سبحانه وتعالى أمر به أصلا يقول تعالى :” وجادلهم بالتي هي أحسن ” ويقول تعالى : “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ” فالحوار عندنا من أصول الدين وليس أمراً موسمياً ، ولا نقدمه رهباً ولا رغباً ، ولكن نقدمه لأنه من ضرورات العلاقات البشرية ، كما أنه من ضرورات الدعوة لهذا الدين الذي هو الدين الخاتم .


هل حقق الحوار الإسلامي المسيحي وهو اليوم في دورته الحادية عشرة أي هدف من الأهداف المرجوة منه في نظركم؟

الأهداف هذه لا تتحقق دفعة واحدة أو مرة واحدة ، وإنما هي عبارة عن تراكمات .. هذه التراكمات قد تحقق شيئاً من التفاهم ، قد تدل على الأقل على استعداد الطرف الإسلامي دائماً لأن يهدي وجهة النظر النافعة والصالحة لحل مشاكل الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه ، أما أن نقول إن الأهداف قد تحققت فأنا لا أعتقد أن هذه الحوارات وصلت إلى أهداف ملموسة ومحسوسة ، لكنها وصلت إلى بعض الأهداف في توضيح بعض المفاهيم و تحقيق التعارف ، وهذا التعارف مطلوب للتعريف بهذا الدين ، والله سبحانه وتعالى يقول: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) واجب علينا لإقامة الحجة والبرهان ، وهذه الحجة علينا أن نحملها معنا لنقدمها إلى الطرف الآخر ولنبلغها للآخرين ، ونحن نتعايش هنا منذ أربعمائة سنة كما قلت في مداخلتي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط هم في العدوة الأخرى ونحن في هذه العدوة ، والمفروض أنه قد حصل التعارف بيننا ، وأن يكونوا قد فهموا عنا ، ومع ذلك ما زالت لديهم عقدة “الإخوة ” كما سماها الفرنسي موزار ، فهم يرون في الدين الإسلامي الكثير مما هو أصل الرسالة المسيحية ولذلك عندهم عقدة من هذا الدين ، ونحن نرجو أن تزول هذه العقدة لأننا نسعى فقط لتقديم الحقيقة . 

مقابلة الشيخ ابن بيّـه مع موقع الإسلام اليوم

 

حاوره: سعد بن أحمد

21/1/1426 هـ


                      

في حواره مع (لإسلام اليوم) شرح فضيلة الدكتور عبد الله بن بيه مشروعه الإسلامي لمكافحة الإرهاب، مبرزاً شموليّة الإسلام، ورؤيته المتميزة، وقدرته على تقديم الحلول لمواجهة كل التحديات والإشكالات المطروحة في عالمنا اليوم. داعياً العلماء والمفكرين إلى المساهمة الجادّة في هذا الموضوع؛ لأن من شأن ذلك أن ينزع عن الإرهاب المبرّر الخلقي الذي قد يدّعي الاستناد إليه.

في هذا اللقاء.

يعرض الشيخ لمقترحه الإسلامي للقضاء على ظاهرة الإرهاب على المستوى الدولي..والدور المطلوب من الهيئات والمنظمات الإسلامية في هذا المجال.

اللقاء تناول كذلك التحديات التي تواجه الدعوة في بلاد الغرب، ومستقبل العمل الخيري الإسلامي.

إضافة لموضوع الديمقراطية والانفتاح السياسي في بلادنا الإسلامية ، وقضايا أخرى. 


بداية.. لماذا “المشروع الإسلامي لمكافحة الإرهاب” في هذا الوقت بالذات؟ 

أودّ أن أقسم هذا السؤال إلى شطرين أو شقين : 

الشق الأول : لماذا المشروع الإسلامي لمكافحة الإرهاب؟

في البداية .. إن هذا المشروع هو عبارة عن أفكار- بمعنى أنه ليس دراسة متكاملة أو نهائية -بل هو عبارة عن أفكار مطروحة للبحث والمناقشة..هذه الأفكار تنطلق من أرضية إسلامية، ولهذا سميناه بالمشروع الإسلامي لمكافحة الإرهاب.. أولاً: لبيان أن الإسلام يحارب الإرهاب، ولا يشكل غطاءً ولا سندًا للإرهاب ، وذلك للردّ على الجهات التي تجعل صفة العنف صفةً بنيوية في الإسلام، ولهذا قدمنا في بداية هذا المشروع خارطة عالمية للإرهاب منذ قرنين أوضحنا فيها أن كل قارة من قارات العالم أخذت نصيبها من الإرهاب. 

الشيء الثاني الذي أردنا إبرازه هو أن الإسلام – نصوصًا ومقاصد – يتسع لإيجاد الحلول لكل الإشكالات القائمة بما فيها ظاهرة الإرهاب، والعلماء مدعوون إلى تقديم رؤيتهم أيضًا حول هذا الموضوع.. والإسلام له رؤية مميزة يمكن أن تواجه هذا الحدث الذي يشكو منه العالم، وهي رؤية تتوفر على المرجعيّة الأخلاقية والشمول. فالشريعة الإسلامية عندما استعملت مصطلح حِرابة فإنها تميّزه عن مصطلح الحرب. أيضًا من زاوية العلاج والوقاية.. فالشريعة الإسلامية تتوفر على أصول ثقافة التسامح والسماحة التي من شأنها أن تجفّف منابع الإرهاب. 

كما أن الشريعة ترفض الجور والظلم وبالتالي تؤصل للعدل والإنصاف والإحسان المرتبط بعقيدتنا الإسلامية، ومن شأن ذلك أن يُنـزع عن الإرهاب المبرّر الخلقي الذي قد يدّعي الاستناد إليه. 


هذا فيما يتعلق بالمحور الأول من السؤال.. لكن ماذا عن المحور الثاني: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ 

أما عن التوقيت فالواقع أنني قدمت الملامح العامة لهذا المشروع خلال اجتماع عقدناه مع ممثلي الكنائس المسيحية في روما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأشهر قليلة ؛ حيث دُعينا لاجتماع سُمّي بالقمة الإسلامية المسيحية عرضت فيه معالم هذا المشروع في محاولة لتفادي التداعيات التي كانت تلوح في الأفق حينها.. لكن سبق السيف العذل -كما يقول المثل – ونحن نقدمه الآن لأن العالم ما زال يبحث عن مشروع.. فقبل ثلاثة أسابيع كان كوفي عنان في مؤتمر في مدريد حول الإرهاب يقدم مشروعًا من خمس نقاط ، وكان يتوقف عند التعريف الذي لم يتوفر إلى الآن نظرًا لغياب الإرادة الدوليّة، فالواقع أنه لا توجد إرادة دولية تسمح بوضع تعريف محدّد للإرهاب ، فالأمر ما زال مفتوحًا .. وهذا إشكال كبير ثم -أيضًا- إن هذا العمل هو عمل أكاديمي لا توقيت له ، فالكلمة الطيبة لا تُترك لأنها تأخّرت ، فلعلها تُؤتي أُكُلَها ولو بعد حين.


بعد مضيّ أكثر من ثلاث سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتلال بلدين إسلاميين – على خلفيّة ما يُسمّى بالحرب ضد الإرهاب – ألا ترون أن هذا المشروع جاء متأخراً بعض الشيء؟ 

كما ذكرت من قبل .. فإن الموضوع مازال مفتوحًا.. ونحن قد قدمنا مع مجموعة من العلماء معالم هذا المشروع من مدة، لكنْ زملاؤنا على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط لم يكونوا على استعداد في ذلك الوقت لسماع هذه الأفكار التي تشتمل على درء المفاسد بإزالة المظالم في محاولة لعقلنة العلاقات الدولية، ومن أجل إشراك الحضارة الإسلامية في الردّ على هذا التحدي المتمثل في تحدي الإرهاب الذي يدينه المسلمون كما يدينه الآخرون. 

فالمسلمون قد اكتوَوْا بنار هذا الإرهاب الذي لا دين له ولا وطن كما هو معروف.


هل تم التنسيق بينكم وبين هيئات أو منظمات إسلامية دولية لطرح هذا المشروع؟

في الحقيقة أنا عضو مؤسس في منتدى الفكر الإسلامي المنبثق عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، هذا المنتدى الذي يرأسه الدكتور/ الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي (حيث تم تقديم هذا المشروع) في محاولة لإثارة نقاش حول موضوع حيوي ..وبالتالي فالتنسيق قد تم على هذا المستوى، أما مع الجهات الأخرى أو الهيئات الأخرى، فيمكن فيما بعد أن تعقد منظمتنا -من خلال منتدى الفكر الإسلامي- ندوة حول هذا الموضوع، وهذه الندوة قد تتمخض عن بلورة بعض الآراء والأفكار التي يمكن تقديمها للأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي وبالتالي -أو على الأقل هذا ما نتمناه- أن يحصل التنسيق المطلوب مع مختلف الجهات ذات العلاقة.


بالنظر للسياق الإقليمي والدولي الراهن.. ما مدى فرص نجاح هذا المشروع في رأيكم؟

حقيقة نحن ليست لدينا أوهام حول فرص نجاح هذا المشروع، لكنه جهد يُضاف لجهود أخرى تقدمها مؤسّسات دوليّة، ومجموع هذه المبادرات أو المجهودات يمكن أن يحدث تأثيرًا في مسار الأحداث، كما أنه يساعد في وضع الإطار النظري والعملي لحركة منضبطة للقضاء على ظاهرة الإرهاب.


فضيلة الشيخ أنتم معروفون بنشاطكم الدعوي على مستوى أوروبا وأمريكا الشمالية، كيف تقيّمون العمل الدعوي هناك بعد الحادي عشر من سبتمبر؟

أنتم تعرفون ماذا حدث؛ فالنشاط الدعوي أصبح يُنظر إليه بشيء من الحذر إن لم نقل بكثير من الريبة، لكن مع ذلك فإن الدعوة الصحيحة السلمية تتأقلم مع هذه الظروف، وبالتالي فالنشاط الدعوي مستمر- وكان عليّ اليوم أن أسافر إلى فرنسا لحضور مؤتمر المنظمات الإسلامية هناك لكن لظروف شخصية لم أتمكن من السفر- والأخوة هناك يمارسون نشاطهم الدعوي بشكل جيد في إطار احترام قوانين ونظم البلاد التي يتواجدون فيها؛ فالداعية من خلال نضجه الفكري ووعيه للمتغيرات والظروف المحيطة، وكذلك اختلاف البيئات يمكنه أن يقدم الكثير للعمل الدعوي.


ما يُقال عن العمل الدعوي يُقال كذلك عن العمل الخيري الإسلامي فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ظهرت دعوات تطالب بمحاصرة العمل الخيري الإسلامي بدعوى تجفيف منابع الإرهاب .. ما السبيل لمواجهة هذه الحملة في رأيكم؟

ما تفضلتم به صحيح؛ فالعمل الخيري أيضًا يواجه ظروفًا شديدة لكن أعتقد أن اعتماد الشفافية والمنطق العقلاني والتـزام الشرعية والعمل ضمن الضوابط التي يحدّدها ولاة الأمر والانطلاق من ذلك، مع قدر كبير من الشجاعة والصبر دون التهور.. وتقديم الحجج الواضحة على أن هذا العمل هو من صميم رسالة الإسلام، وأيضًا بالتنبيه والمقارنة مع عمل المنظمات والهيئات غير الإسلامية. 

ولابد من بذل جهد لإيجاد الصيغ والقنوات المناسبة لتمرير العمل الإسلامي الخيري، أو علينا أن نطمئن الآخرين أن هذا العمل- الذي ينظرون إليه بكثير من الشك والريبة- لن يساند الإرهاب، ولن يكون أبدًا سببًا في إيذاء الناس أو تشجيع الإرهابيين، وإنما هو عمل مشروع يُراد به إيصال الخير والنفع للمحتاجين في كل مكان.

والحقيقة أن المنظمات والهيئات الإنسانية في العالم بإمكانها أن تبذل جهدًا لإزالة العوائق التي تعترض هذا العمل وتحدّ من نشاطه. 


في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن الحاجة للانفتاح والإصلاح السياسي .. في هذا الصدد ما موقفكم من الممارسة الديمقراطية كنظام للحكم في بلادنا الإسلامية؟

السؤال الكبير هو أي ديمقراطية نعني؟ هل هي الديموقراطية الليبرالية التي منحت صلاحية التشريع للبشر في كل المجالات، والتي ترفع سقف الحريات بلا حدود أو ضوابط ؟ إذا كان هذا هو المقصود فهو مرفوض بالطبع، ولا يمكن تبريره -على الأقل من وجهة نظر إسلامية- أما إذا كنا نعني بالديموقراطية الإصلاح الذي يسمح بمشاركة أهل الإصلاح أو أهل الحل والعقد فالإسلام قد وضع نظام الشورى ونظام “العرفاء” معروف في عهد رسول -الله صلى الله عليه وسلم- والعلماء اعتبروا ذلك أصلاً في تعيين” العرفاء” لأنهم أعوان للإمام ، والانتخابات تدخل في هذا المفهوم ، وفي نظام الشورى بشكل عام. وبالتالي فلا يوجد إشكال من هذه الناحية – على الأقل من الناحية النظرية- مع العلم أن لكل بلد ظروفه وخصوصيته التي لا بد من أخذها في الاعتبار. ومع ذلك فلابد من شيء من الإصلاح لإزالة الاحتقانات في العالم الإسلامي.. ولا بد من شيء من التفاهم وسيادة الحوار على كل المستويات.


هل تتعارض مشاركة المرأة في الحياة السياسية مع النصوص الشرعية؟ وعلى افتراض أنها لا تتعارض: ما هي حدود تلك المشاركة؟ 

مسألة المرأة هي من المسائل التي شغلت الناس كثيراً في هذه الأيام. والمرأة في الأمور الشرعية مكلفة بما يكلف به الرجل، أي أن الخطاب التكليفي جاء عاماً للرجل والمرأة – إلا ما اقتضته طبيعة كل منهما- وبالتالي فإن المشاركة خاضعة للضوابط التي وضعتها الشريعة الإسلامية.

هناك سقف وهناك ضوابط لا بد من اعتبارها، علماً بأن المرأة لا يمكن أن تكون رجلاً، كما لا يمكن للرجل أن يكون امرأة، فهذه فطرة الله -سبحانه وتعالى- ومن أراد تغيير هذه السنن فمصيره الفشل بلا شك لأنها سنن إلهية لا يمكن تغييرها.

وهناك شيء لا يريد الغرب فهمه، وهو أن للمرأة سقفاً لا يمكن أن تتجاوزه، وهذا السقف تحدّده طبيعتها وفطرتها. ومع ذلك فالإسلام منح المرأة كل حقوقها، وحرّرها من كثير من القيود التي كانت في الجاهلية، اعتباراً لمكانتها، وبالتالي ففي حدود هذه الضوابط الإسلاميّة الفسيحة والمرنة يمكن للمرأة أن تشارك وتخدم مجتمعها.


بوصفكم باحثاً وأستاذاً جامعياً وعلى صلة بالوسط الأكاديمي منذ فترة طويلة.. كيف تفسرون ندرة مراكز وهيئات البحث العلمي في بلادنا الإسلامية؟

هذا السؤال وضع الأصبع على داء شكوت منه كثيراً .. فهذه المراكز العلمية في غاية الأهمية لأن من شأنها أن تنير الدروب للباحثين و أن تقدم الحلول للقضايا المطروحة ليس فقط للمجتمعات وإنما للقادة أيضاً.

ونحن نرى الغرب يتسلح بها -وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية – لأن هذه المراكز تمثل بالنسبة لهم المقدمة والنتيجة .. بمعنى أنها هي التي تطلب الأفكار، وهي التي تنـزل الأفكار بعد ذلك إلى المستويات التنفيذية.

فالعالم الإسلامي بحاجة كبيرة وملحة جداً إلى إنشاء هذه المراكز والمؤسسات العلمية التي تدرس مختلف القضايا في جو هادئ رصين لتقدمها للقيادات الفكرية والسياسية لبلادنا الإسلامية لتتم الاستفادة منها في كل مجالات الحياة .


في ظل المستجدات والتحديات التي تواجه المسلمين اليوم ألا ترون أن “أولويات الفتوى” بحاجة لإعادة نظر لصالح ما يُسمّى بفقه المرحلة؟

في الحقيقة الفتوى بحاجة إلى مراجعة.. بمعنى أن الفتوى هي أولاً صناعة، وهذه الصناعة يجب علينا أن نتقنها، و لا يجوز أن تكون الفتوى كلأً مباحاً يجوز لكل شخص أن يرعى فيه، فهناك ضوابط وأصول لهذه الصناعة يجب أن نرجع إليها، وأن نراجعها، وأن ننطلق منها.

الشيء الثاني يجب مراجعة الفتوى من جهة فن الفتوى، والشخص الذي يفتي، وكذلك من جهة الموضوعات التي ينبغي أن تتناولها الفتوى الجماعية – وهي الموضوعات الكبرى التي لا ينبغي أن يفتي فيها الفرد – فالفرد قد يفتي في موضوع الطهارة أو الزكاة مثلا لكن لا يحق له أن يفتي في قضايا كبرى تلزم الأمة وتهدّد مستقبلها، و المجامع الفقهية تتحمل مسؤولية كبرى في هذا المجال، فنحن لدينا مجامع، ولدينا مجالس، ولدينا هيئات كبرى كهيئة كبار العلماء بالمملكة، ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء.. هذه المجامع يجب أن تقوم بوظيفتها في هداية المسلمين، وإعادتهم إلى اعتبار المرجعية الإسلامية الصحيحة.

ينبغي علينا أن نروّج لهذا ونحاول إفهام وسائل الإعلام بأن لا تروّج لفتاوى فردية قد تضر بالأمة في حاضرها ومستقبلها، أيضاً ينبغي أن نؤصل فقه المقاصد، وهو فقه واسع يضمن اعتبار المصالح المعتبرة وإلغاء المفاسد المضرة، وبالتالي إذا وازنّا بين المقاصد والنصوص الجزئية، وبين الكليات والجزئيات نصل إلى الفتوى الصحيحة التي تحتاج إلى جملة من الضوابط والأسس.


في زمن الفتن والتحديات التي تهدد وجود الأمة ككل أيهما أولى للداعية : أن يركز على ما يجمع الأمة ويوحد كلمتها.. أم ينشغل بالخلافات والنـزاعات بين الطوائف والفرق الإسلامية؟

في الحقيقة بالنسبة للدعوة كما هو الشأن بالنسبة للفتوى كذلك هناك قاعدة مهمة هي قاعدة النظر في المآلات – وهي قاعدة شرحها الشاطبي رحمه الله شرحاً وافياً – أن ننظر في مآل الفتوى ومآل الدعوة، كذلك هذه المآلات تحدّد مسار الفتوى كما تحدّد مسار الدعوة. وهي طبعاً لا تجعل الحرام حلالاً، ولا الحلال حراماً، ولكنها تحدّد الأسلوب الذي يجب أن يتعاطى به الداعية مع الموضوع، والرسالة التي يريد إيصالها للجمهور.. هذه مسألة في غاية الأهمية ونحن بحاجة إليها.. بحاجة إلى الوسطيّة في الدعوة والفتوى.

فالداعية عليه أن يسلك منهج الوسطية – التي ليست إفراطاً ولا تفريطاً – فالمعصوم واحد هو النبي -صلى الله عليه وسلم – كل الناس بعد ذلك يؤخذ من كلامهم ويُردّ، ونحن نجد أن بعض الدعاة – هداهم الله- يرفعون بعض الناس أو بعض العلماء إلى درجة تقترب من العصمة بحيث لا يعتبر أي خلاف معهم، وهذا خطأ واضح “ولم يشم رائحة الفقه من لا يعرف اختلاف العلماء”كما قال المقري.

فعدم معرفة الاختلاف، وعدم معرفة أقوال العلماء، وكذلك التعرف على البيئات والواقع؛ فالبيئات الأوربية -مثلاً – تختلف عن بيئات بلداننا الإسلامية، وينبغي أن يُؤخذ ذلك في الاعتبار.

الشريعة تريد أن تقدم الإسلام إلى الناس محبوباً محبّباً سمْحاً متسامحاً.. وبهذه الروح يمكن أن تحقق الدعوة الإسلامية أهدافها، وبدونها تفقد الدعوة الكثير من تأثيرها المطلوب، ويفسد الداعية أكثر مما يصلح.

لا نتـفق مع الغرب شـرعاً .. فلماذا لا نتفق عقلاً؟؟؟

 

حاوره: د. عبدالعزيز النهاري                   

23/9/1425                           

6/11/2004


الحديث الى معالي الشيخ الدكتور عبدالله بن بيه.. يجذبك الى عالم واسع من الثقافة .. والعلم .. والرؤية الناصعة للاسلام كعقيدة .. وفكر وسلوك .. ولقد شرفت كثيرا وانا أجلس الى هذه الشخصية الاسلامية العميقة .. واستمع الى العالم والمفكر الإسلامي .. والوزير الموريتاني الأسبق للعدل .. وأستاذ الثقافة الإسلامية وأصول الدين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ..

كان موعدي مع معاليه عقب عودته من مؤتمر لحوار الأديان عقد في برشلونة بحكم منصبه كنائب لرئيس المجلس الأعلى للعلماء المسلمين .. والذي مقره لندن .. وكان حوار الأديان هو بداية لقائي هذا بفضيلته.


*معالي الدكتور .. هل حان الان وقت الحوار بين المسلمين او بين الاسلام والديانات الاخرى ؟

** يبدو لي ان الحوار حان وقته منذ زمن طويل.. ووقت هذا الحوار لاينقطع.. فالحوار وقت اداء..وليس وقت قضاء.. ففي الشريعة نقول.. وقت اداء.. ووقت قضاء..فنحن عندما نصلي الصلاة في وقتها.. فهذا وقت اداء.. واذا صلينا في غير وقتها فهذا قضاء.. لكن وقت الحوار وقت دائم.. لان الله سبحانه وتعالى امر بالحوار .. ((وجادلهم بالتي هي احسن )) لان الحوار قيمة انسانية.. ولهذا يقول افلاطون كما ينقل ( وايت هد ) في كتابه( مغامرات الافكار) عن افلاطون انه قال.. ان الحوار قيمة إنسانية لتعريف الإنسان على البديل للحرب.. وان أي حضارة تستعمل القوة تعتبر حضارة فاشلة.. لان الانسان اعطيت له قيمة الحوار والاقناع..و من شان ذلك ان يعرفه على بدائل للحروب.. بدائل للمآسي التي تنسب للإنسانية ..


* هل يعني هذا ان يكون الحوار حالة دائمة ومستمرة .. وغير مرتبطة بزمن معين ؟

** نعم .. الحوار هو قيمة دائمة ..وبالتالي فهو لايرتبط بزمن دون زمن.. حوار في السلام.. حوار في التواصل الحضاري.. حوار في التعارف (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .. فالحوار هو كما قلت قيمة دائمة .. طبعا هناك وقت يصبح الحوار فيه اشد الحاحا واشد الزامية اذا صح التعبير.. خصوصا في وقت الأزمات .. ولهذا فانا اعتبر ان الحوار في هذه الفترة واجب.. وانه يجب الا نيأس .. وان لا نقنط .. فالمؤمن لا ييأس.. والله سبحانه وتعالى يقول في شأن سيدنا ابرهيم.. ( من يقنط من رحمة ربه الا الضالون) ويقول عن سيدنا يعقوب( ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون) فاليأس والقنوط ليس من شان المؤمنين .. طبعا قد تعترض المؤمن عقبات ..وتقف في وجهه صعوبات.. فيجب عليه ان يحاول دائما التغلب على هذه الصعوبات.. لان الحوار هو نوع من الجهاد .. ونوع من الصراع.. الحوار ليس نزهة.. كما ان القتال والحروب ليست نزهة ايضا.. ويجب علينا ان نفهم الحوار على هذا الأساس .. وان نحاول دائما ان نستمر فيه..لاقناع الاخر ..ونقيم راينا بالحجة والبرهان.. الاسلام ينتصر بالبرهان لا بالسيف والسنان كما يقول القاضي ابو مكرم العربي الأ أندلسي


حوار ما بعد سبتمبر 

* طالما ان الحوار هو شيء مستمر ولن ينقطع.. كيف ينظر الغرب الان الى حوارنا معهم ..خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما يحدث الان من اعمال ارهابية.. يقوم بها المسلمون ؟

** الحوار ينقطع ..لكنه لاينبغي ان يتوقف.. والا سيكون هناك نوع من القطيعة بيننا وبين الغرب وفي ذلك نوع من عدم الفهم.. أو ( الفهم الاحادي) اذا صح التعبير.. ولهذا فالغرب ينظر الينا نظرة سلبية .. يرى فيها ان المسلمين هم مشاغبو الحضارة المعاصرة..وبالتالي فان موقف بعض الغربيين منهم هو موقف سلبي.. وفي المقابل فان المسلمين ايضا ينظرون الى الغربيين كأناس متوحشين .. لايعترفون بغير منطق القوة.. ومنطق الجبروت والقهر.. وبالتالي هذا المنطق يهيج عواطف المسلمين.. ولان الوضع وضع في غاية الصعوبة في بعض الاحيان.. وكما قلت اخيرا في برشلونة.. انه من الصعب على البريء ان يعتذر.. وهذا واقعنا ..نحن نقول ديننا براء من كل الاعمال العنيفة التي ليست مبررة.. وليست شرعية ونحن براء منها.. حتى ولو جاءت من طائفة تنتمي الى هذا الدين و قد تستنجد بالدين .. لكن ذلك لايعنى ان الذي تعمله هو من صلب الدين .. ولكنه استنجاد لتقوم باعمال خارج حدود الشرعية والقانون.. و هذا يجب ان لا يعمم على المسلمين.. لذلك فانه لايجب أن يفرض علينا جميعا ان نعتذر ونحن براء.من تلك الأعمال ..


النظرة السلبية 

* اذن كيف نعدل هذه النظرة السلبية من الغرب نحونا كمسلمين ؟ 

**بالامكان ان نعدل من هذه النظرة السلبية للغرب .. بكثير من الصبر وكثير من المثابرة.. وكثير من المنطق.. وكثير من الشجاعة ايضا ..وان نحاول ان نجد اطرافا من الغرب لها هذا التعقل.. لنضع اليد في اليد.. سواء على مستوى المثقفين او مستوى الهيئات البرلمانية.. فقد خبرت هذا بنفسي وذهبت الى البرلمان الاوروبي قبل اشهر والتقيت بالمساعد( رومانو برودي) وهو السفير النمساوي المسؤول عن شؤون ( حوار الديانات والفلسفة) فوجدت عنده تفاهما كبيرا جدا.. لاني انا عضو في المجلس الاوروبي للبحوث والافتاء.. بمقرهم بدبلن بايرلنده.. ورئيس لجنة الحوار.. فحاورتهم في مايسمى بالقيم الاوروبية لان الاوروبيين لديهم كلمات ينطلقون منها .. ويبنون تحليلاتهم عليها.. مثل كلمة النظام العام.. يقول احدهم مثلا .. هذا يخالف النظام العام ..الحجاب في فرنسا يخالف النظام العام.. يخالف القيم الاوروبية.. يخالف القيم العلمانية.. هذه كلمات غامضة .. نحن نحتاج الى حوار على المستوى الفلسفي والفكري ليحدد لنا مضمون هذه الكلمات.. ماهي القيم الاوروبية??.. العباءة الاوروبية لايمكن ان تشمل المسلمين ايضا .. دعونا نتحاور.. ليس فقط من منطلق ديني .. قد نختلف في الدين( لكم دينكم ولي دين) لكن من منطلق العقل.. يقول ديكارت ” ان العقل هو احسن الاشياء توزيعا على بني البشر” .. فدعونا نتحاور عن طريق العقل.. عندنا شاعر قديما قبل قرنين يقول: ((وحكم لها ياصاح من هن حكم ثلاثة هن الشرع والعقل والعرف )) فمرجع الاحكام ثلاثة اشياء..هي الشرع والعقل والعرف ..فنحن مع الغرب قد لانتفق شرعا .. لكن قد نتفق عقلا .. وعرفا .. هنا نحن نريد تكوين ماسميته لهم في مؤتمر حوار الديانات ((espace de tolerance بمعنى (فضاء التسامح) .


فضاء التسامح 

*وما الذي يحتويه هذا الفضاء ؟

** في هذا الفضاء ستجد امرأة محجبة…و امراة كاشفة .. ستجد رجلا بلحية .. وآخر بلا لحية.. ناس على دين..و ناس على غير دين .. هناك مئة وخمسون مليون مسلم على ضفة البحر االمتوسط الجنوبي.. واكثر من هذا العدد ربما على الضفة الاخرى من الاوروبيين.. هم يتحدثون عن التبادل التجاري .. ونحن معهم .. لكن ماهي قواعد هذا التبادل.. لايمكن ان تكون القواعد الا بالتسامح في الاختلاف الفكري والحضاري..لذلك فان علينا ان نتبنى مثل هذا المنطق .. لنؤكد للغربيين بالبرهان.. امكانية واسس التعايش التي تقوم على الاختلاف الحضاري.. لقد قلنا لهم انتم ليست لكم مهمة الهية في ان تفرضوا علينا بعض القيم.. ونحن ايضا لانملك هذه المهمة ..دعونا اذن نتعايش بسلام ..الارهاب منبوذ.. وكل ما يتصل بالعنف نحن لانوافق عليه.. و اذا كانت هناك فئة قليلة فقدت صوابها لسبب او لآخر.. فان الغالبية الكبرى من حكومات وشعوب ومثقفين لا يقرون ذلك .. بل يريدون ان نعيش بسلام معكم.. نريد ان نستفيد من التكنلوجيا.. وتستفيدون ايضا.. ان هذه الاسس في نظري يمكن ان تكون نافعة ومجدية في الحوار مع الغرب


حوار المسلمين اولا 

* لكن قد يكون لدى الغرب حجة في انكم تريدون ان تتحاوروا معنا .. لماذ انتم كمسلمين .. لا تتحاورون اولا مع انفسكم ؟.. وحقيقة فضيلة الدكتور نحن كمسلمين نعاني من انقسام كبير مع بعضنا البعض؟ 

** الانقسام والاختلاف طبيعة بشرية.. وينبه على هذا ابن القيم في كلام جميل جدا ..يقول: ان الاختلاف يرجع الى الارادات .. مادام البشر عندهم إرادات.. هذه الإرادات ستختلف مادام لهم عقول.. هذه العقول ستختلف.. لكن الاشكال هو كيف نحجم هذه الخلافات حتى لاتكون خلافات مضرة ..و حتى نجعلها من نوع الاختلاف الحميد و هذا النوع وهو موجود لا شك في ذلك.. لهذا عندنا في الشرعيات يقول ابن القيم .. وقد سماه الاختلاف السائغ بين اهل الحق.. هم كلهم على الحق لكنهم يختلفون.. انقسامات المسلمين يجب ايضا يجب التغلب عليها و ان نعمل معها في اتجاهين.. اتجاه للداخل.. واتجاه للخارج.. طبعا بالنسبة للغربيين .. لايمكن ان يكون هذا الانقسام حجة لهم ..


*كيف ؟

** يمكن ان نعتبر ان هذا مشوه للجانب الاسلامي.. ولقد طرح علينا مثل هذا السؤال في برشلونة.. طرحه واحد مقرب من البابا.. قال لنا : لقد عرفنا المحاور المسيحي .. فمن هو المحاور الاسلامي.. ? انتم مذاهب! فقال لي رئيس الجلسة (ماركو) وهو ايطالي مسيحي : نريد ان نسمع منك جوابا على ذلك السؤال.. قلت له بالنسبة للحوار مع المسلمين فحواركم مع المرجعيات.. و انتم ايضا تمثلون طرائق قددا.. انتم بروتستانت .. وكاثوليك.. وارثوذكس.. لستم شيئا واحد.. ولا لونا واحدا .. ونحن قد كوّنا ماسميناه بالاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في لندن.. وهو يمثل صفوة من العلماء المسلمين.. كان منخرطا فيه حوالى مائة عالم.. لكن الان ربما توسعت القاعدة.. فهذا الاتحاد موجود الان معكم و يمكن ان يكون محاورا منطلقا من مرجعيات .. ونحن نرى بأنه لا اشكاليات هناك حول من هو الطرف المحاور.. انني اعتقد ان الاختلاف موجود حتى عندهم.. هم مختلفون ايضا .. ولذلك فان ما يعوز هنا هو عقلنة الخلاف.. بمعنى ان يكون هذا الخلاف في الحدود المقبولة ..الحدود الممكنة.. الحدود التي لا توصل الى التناحر .. فالحديث الشريف يقول (لا تباغضوا ولا تدابروا ) فالتباغض والتدابر داء.. ويجب ان نتغلب عليه


عقبة الحوار مع الغرب 

*لكن التباغض والتدابر موجود الان نتيجة هذا الاختلاف الذي يعيشه المسلمون .. فهناك من خرج على الجماعة, وعلى الاجماع.. وهناك تعصب للرأي الواحد ..فكيف يمكن لنا ان نقنع الغرب ..في حوارنا معه ؟ 

** في الواقع انا اتفق معك ..ان هذا يمثل معوقا في حوارنا مع الغرب ..لكنه لايمثل عقبة لايمكن التغلب عليها ..فكما قلت نحن نعمل في اتجاهين .. اتجاه داخل الاسلام لتعريف المسلمين بان الاختلاف مقبول.. وانه لا اشكال في الاختلاف.. أما مسألة الراي الواحد والعين الوحيدة .. فهذا خطا .. وهذا لايمثل شريعتنا الاسلامية.. وخاصة في القرون الاولى نشأت عشرات المذاهب.. وتعايشت في نطاق هذه الامة الاسلامية التي امتدت من جدار الصين الى جبال البرامس في فرنسا.. هذا ما اسميه بالحيز الآمن للعالم الاسلامي.. لان الصحابة رضوان الله عليهم .. كونوا خلال خمس وثمانين سنة حيزا لايمكن القضاء عليه ..مهما كانت قوة العدو.. يمكن ان يقضي على اجزاء بسيطة من اطرافه .. لكن الحيز كله منيع وصامد .. و في هذا الحيز ازدهرت المذاهب المختلفة ..فهناك ثوابت الايمان بالله وكتبه ورسله واليوم الاخر.. وهناك المتغيرات والاختلافات المقبولة والسائرة ..وهناك الاختلافات حتى وان كانت مقبولة فانه يمكن التعايش معها ..فصاحب الرجل العرجاء اذا قلت له هل تفضل ان نقطع رجلك.. أو أن تتعايش مع رجلك.. سيقول انا أفضل ان اتعايش مع رجلي.. فالعملية هنا .. هي عملية تأهيل ..هو سيؤهل رجله حتى يسير معها.. لماذا لا ننظر الى المسألة من هذه الزاوية.. ونحاول تأهيل ارجلنا العرجاء حتى نسير معها.. ولهذا قضية الاختلاف قضية في غاية الاهمية.. ويجب ان نحافظ على الاسلام.. وان ننظم الخلافات.. ونسيرها كما تسير القطارات.. هذا يسير ..وهذا يسير.. وكل واحد له وقته.. ننظم الخلافات حتى لاتصطدم القطارات.. والحمد لله بدأت الان.. أصوات تتكلم..و بدون هذا سيظل الصدام دائما.. اما ان تكون هناك مجموعة ولو قليلة.. تقول انها تحتكر الحق المطلق.. و تتكلم باسم الاله عز وجل .. والرسول صلى الله عليه وسلم.. وبالتالي تريد ان تقاتل الجميع.. فهي حرب على الجميع وتكون مثل اولئك الذين يقولون من ليس معنا فهو ضدنا.

قانون منع الحجاب في فرنسا

حاوره: ياسر باعامر                  

33/11/1424                        

25/01/2004


– قانون منع الحجاب سيضر بالاندماج الإيجابي الذي كنا ندعو إليه المسلمين.

– مجلس الإفتاء الأوروبي يعتبر المرجعية الإسلامية في الأوساط الأوروبية.

– الحكومة الفرنسية أحالت القانون إلى وزارة التعليم للتخفيف من وطأة القانون.

– ما نخشاه أن تتحول العلمانية الفرنسية إلى عقيدة إيديولوجية.

– العالم الإسلامي يخشى أن تكون هذه القضية بداية تمييز ديني ضد الإسلام.


العلامة الشيخ (عبد الله بن بيه) اسم تردد كثيراً في الأوساط الأوروبية، فقد تميز ضيفنا باحتكاكه المباشر بواقع الأقليات المسلمة في الدول الغربية، لذا أعتبر من المرجعيات الإسلامية الموثوقة في الوسط الأوروبي. يرأس الشيخ ابن بيه حالياً لجنة الحوار مع الحكومة الفرنسية المنبثقة من مجلس الإفتاء الأوروبي – إحدى المؤسسات الشرعية الأوروبية – للتباحث مع الجهات الفرنسية الرسمية بشأن قانون منع الحجاب، ويوضح الشيخ ابن بيه في لقائه مع (الإسلام اليوم) أن لجنة الحوار ستركز في حوارها مع الحكومة الفرنسية على الأثر السلبي من فرض هذا القانون الذي سيؤدى إلى تقوقع المسلمين في كنتونات خاصة بهم مما سيضر بالعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الفرنسي، وستركز اللجنة أيضاً على أن إصدار هذا القانون سيُخسِّر فرنسا رصيد احترامها في العالم الإسلامي بمواقفها المشرفة سابقاً. واعتقد أن هناك احتمالات واردة ورسائل مبطنة قد تكون وراء هذا القانون. بالإضافة إلى بعض المحاور الأخرى.


موقع (الإسلام اليوم) يعتبر أول جهة إعلامية تحاور الشيخ عبد الله بن بيه قبل سفره إلى العاصمة البلجيكية (بروكسل) للتباحث مع رئيس اللجنة الدينية بمجلس الاتحاد الأوروبي.. فإلى الحوار:


* باعتباركم عضوًا بمجلس الإفتاء الأوروبي ورئيسًا للجنة الحوار مع الحكومة الفرنسية.. ما هي خطواتكم الأولية تجاه قضية الحجاب؟ وما هي الملامح الرئيسة لهذه اللجنة؟

كما تعلمون أن قضية الحجاب تعتبر من القضايا الساخنة على الساحة الإسلامية بصفة عامة وعلى الساحة الأوروبية بصفة خاصة، وبما أن مجلس الإفتاء الأوروبي يعتبر مرجعية إسلامية في الأوساط الأوروبية ويعتبر المجلس من الهيئات الأوروبية(مجلس الإفتاء الأوروبي مسجل رسميًّا في إيرلندا المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي)وكما تعلمون أن الحكومة الفرنسية ستصدر قرارًا بمنع الحجاب- خصوصاً وأن القانون لم يصدر بعد، وإنما هو في طور الصدور، والقانون في النظام الفرنسي لا يصبح قانونًا حتى تصدق عليه الجمعية الوطنية الفرنسية-رأى المجلس أن يشكل لجنة للحوار مع الحكومة الفرنسية كرد فعل على سن مثل هذا القانون، و اللجنة بادرت قبل أن يسن هذا القانون بإعلان موقفها من هذا القانون لاعتبارات كثيرة ..


* عفواً معالي الشيخ أريد توضيحاً لهذه الاعتبارات؟

الاعتبارات هنا كثيرة ولعلي أوجزها في التالي: أولها: مخالفتها للشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين. وثانيها: حفاظاً على العلاقات بين مكونات المجتمع الفرنسي من جهة، وبين فرنسا و العالم الإسلامي من جهة. ثالثها: المحافظة على حقوق الإنسان و الحريات الشخصية .. كذلك إذا أُصدر القرار فإنه سيضر بحقوق المسلمين في الديار الأوروبية؛ فلهذه الاعتبارات قالت اللجنة التي هي جزء من المجلس كلمتها من الناحية الشرعية والإنسانية.


* أعود إلى ملامح التأثير والضغط من قبل اللجنة على اقتراح الحكومة الفرنسية لقانون منع الحجاب؟

التواصل مع الجهات الغير حكومية في فرنسا كالمجلس الوطني للديانة الفرنسية ومجلس الكنائس الفرنسي التي كان موقفها مناسبًا ومؤيدًا لاحترام حقوق المسلمين، أيضاً التواصل مع منظمات حقوق الإنسان التي تؤيد احترام الحقوق الدينية للمسلمين.


* شيخ عبد الله عقدتم لقاءً مع المجلس الوطني للديانة الإسلامية في فرنسا وهي جهة رسمية فرنسية، السؤال عن ماذا تمخض عن هذا اللقاء؟

فعلاً قمنا بالاتصال بالمجلس الوطني للديانة الإسلامية وعقدنا معهم اجتماعاً في باريس، استمعوا إلى آرائنا واستمعنا إلى آرائهم، ووجدناهم في حيرة من أمرهم واختلاف في الموقف الذي ينبغي أن يتخذوه في هذا الصدد، خاصة مع تزايد الاحتجاجات المناهضة لسن مثل هذه القوانين، ووجدنا تفاعلاً وشكرونا على ذلك، وقالوا إن هذا يبين أن المسلمين ليسوا أيتاماً وأن هناك جهات تتولى أمورهم وتعتني بقضاياهم .


* وماذا عن المنافذ السياسية الحاكمة في فرنسا؟

سنجري مستقبلاً لقاءات مع رموز الدولة الفرنسية: مع الرئاسة الفرنسية، والخارجية الفرنسية، والداخلية الفرنسية، ومع رئيس البرلمان و المجموعات البرلمانية للأحزاب الفرنسية المختلفة.


*  تستعدون حالياً لمغادرة السعودية نحو العاصمة البلجيكية بروكسل، فإلى ماذا تهدف هذه الزيارة؟

تتلخص هذه الزيارة في اللقاء برئيس اللجنة الدينية بمنظمة الإتحاد الأوروبي للتباحث معه بشأن خلفيات إصدار مثل هذا القانون ومدى الأثر السلبي الذي سيعود من خلال سن مثل هذا القانون على اندماج الجالية المسلمة اندماجاً إيجابيًّا.


* خصوص الاندماج.. دائماً لا تخلو مؤتمرات مجلس الإفتاء الأوروبي وغيره من المؤتمرات الإسلامية الأخرى من حث المسلمين على الاندماج الإيجابي في الغرب، ماذا تتوقعون من رد فعل الجالية المسلمة على هذا الاندماج الذي تدعون إليه؟

فعلاً ففي كل دورات مجلس الإفتاء الأوروبي ندعو المسلمين إلى التفاعل و التناغم مع البيئة التي يعيشون فيها في الغرب ، وهذه الدعوة قد تتضرر مع هذا القرار.

المسلمون قد يرون أنه ليس هناك اندماج إيجابي، بل دمج بالقوة لهم، فالاندماج عبارة عن قبول الآخر، وعبارة عن تعايش طوعي يقوم به الإنسان ملء إرادته، وهو اندماج يحترم التنوع الثقافي للمجتمع ، وبالتالي يتعاطى المجتمع فوق خلافاته ويمد جسور التعاون و المحبة، وجسور المواطنة فوق الاختلافات الإثنية و العرقية و الدينية، هذا هو الاندماج الذي نفهمه، ومثل هذا القرار سيؤدي إلى عزلة المسلمين وتقوقعهم على أنفسهم إذا هم قرروا إنشاء مؤسسات خاصة بهم، ومثل هذا القرار سيكون ذريعة إلى الانكماش، وهذا ما نحذره من جراء هذا القرار منها ما هو على مستوى الفرد ومنها ما هو على الجالية الإسلامية في فرنسا، ومنها ما هو على مستوى العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الفرنسي، ومنها ما هو على مستوى علاقات فرنسا بالعالم الإسلامي، وفرنسا هي من كانت تدعو إلى التنوع الحضاري، وخطب الرئيس شيراك في السنوات كانت تدعو وتشدد على هذا التنوع الحضاري و التعددية الفكرية و الثقافية وكان بطلها الفعلي، فعندما تناقض فرنسا نفسها بهذا السلوك فإنها تكذِّب نفسها، ولست أنا من يقول هذا إنما صحيفة كبرى “الوموند” الفرنسية في مقالات لها أظهرت هذا التناقض.


* فرنسا كسبت رصيداً كبيراً في احترام العالم الإسلامي لها من خلال مواقفها الجيدة مع قضايا العرب والمسلمين في معارضة العولمة على الطريقة الأمريكية، ومعارضة الحرب على العراق. ألا تعتقد أن مثل هذا القانون يضر بعلاقة فرنسا مع العالم العربي والإسلامي ؟

من هذا المنطلق ، ومن أجل أن تحافظ فرنسا على هذا الرصيد مع العالمَين العربي والإسلامي، عليها أن ترجع عن هذا القرار، وأن تترك للمسلمين ممارسة حقوقهم؛ لأن ذلك يزيد رصيد فرنسا. وعلى العكس من ذلك إذا اتخذ هذا القرار وفي هذا الوقت تحديداً؛ فإن فرنسا ستخسر هذا الرصيد تدريجيًّا.


* معالي الشيخ هناك سؤال قد يكون جوهريًّا في فهم أبعاد هذا الموضوع ، ألا وهو ما الفرق بين العلمانية الفرنسية الفرانكفونية، و العلمانية الأمريكية (الأنجلوـ سكسونية) ؟

العلمانية بصفة عامة عبارة عن تخلي الدولة عن الدين، وجعل الدين أمراً يخص الإنسان، لكن هذا يختلف من بيئة إلى بيئة ، ومن فلسفة إلى فلسفة، فلفلسفة الأنجلوـ سكسونية لا تجعل العلمانية منافية للدين؛ بل على العكس يمكن أن يكون الدين عاملاً مهمًّا في بناء المجتمع. أما الفلسفة الفرنسية فمن المعروف أن لها تاريخًا عدائيًّا مع الكنيسة. وهناك كلمة معبرة عن العلمانية الفرنسية تقول: ” اللامبالاة في الاختلاف مع الآخر” بمعنى: اتركه يتدين يفعل ما يشاء. لكن المشكلة الآن لدى العلمانية الفرنسية أنها تحولت إلى إيديولوجية، وهذه مشكلة كبرى، المفروض أن تكون العلمانية محايدة، ولكن ما نراه اليوم بأنها تحولت إلى دين ، وهذا ما نفهمه من الوضع الحالي. ونحن في مجلس الإفتاء الأوروبي لا نريد أن نسيء إلى الحكومة الفرنسية؛ فقد تكون اتخذت هذا القرار بحسن نية، لذلك نود التعاطي بصورة عقلانية وهادئة مع هذه القضية.


*  هل هناك رسائل مبطنة تريد الحكومة الفرنسية إرسالها من خلال سن قانون منع الحجاب؟

القانون قد يحمل في طياته بعض الاحتمالات، وقد يكون يشتمل على خب لم نطلع بعد لنكتشف أسراره حتى الآن، فمن جهة القانون لا يتحدث عن حجاب إسلامي، بل يتحدث عن رموز دينية، وهذه الكلمة (رمز) لا تزال غامضة على حد رأي رئيس الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يعد ثاني حزب في البلاد بعد الحزب الديغولي، لكن من الواضح أن القانون موجه فقط إلى الحجاب الإسلامي، لكن هل هو موجّه فقط إلى الحجاب، أم أنه يرمي إلى فتح باب من التنازلات في المستقبل، قد تمس أمورًا أخرى غير الحجاب، قد تكون سبباً لانتشار العدوى ضد الإسلام؟ وهل يحمل نوعاً من التمييز الديني ضد المسلمين؟ هذا هو ما نخافه، وهي احتمالات واردة.


* لماذا أحالت الحكومة الفرنسية هذا القانون إلى وزارة التعليم؟

الحكومة تهدف من خلال ذلك إلى التخفيف من وطأة القانون ، فهي تريد أن تقول إنه ليس قانوناً أمنيًّا، بل هو تنظيم للتعليم ، وبالتالي وزارة التعليم هي المسؤولة عن هذا القانون.


* الملفت للنظر أن هناك مجموعات من المسلمين قد تقف عائقاً أمام أهداف اللجنة، و التي بدورها تؤيد قرار الحكومة الفرنسية وتدعو إلى عدم معارضته أو تصعيد الرأي العام ضده، فكيف تتعاملون مع هذه المجموعات؟

كما ذكرت أن هناك مجموعات تدعو إلى ذلك ، لكن السؤال ما نسبة هذه المجموعات في إطار المجتمع المسلم الفرنسي؟ الإجابة بالتأكيد هي مجموعات محدودة. وبصورة عامة؛ الرأي العام المسلم في فرنسا يقول إنه يجب محاولة رد أو ثني الحكومة الفرنسية عن إصدار هذا القانون وهذا في حد ذاته إيجابي.


* كيف تجدون تفاعل الصحف الفرنسية مع قضية قانون منع الحجاب؟

الصحافة الفرنسية منقسمة في هذا الاتجاه؛ فنجد صحيفة “الوموند” الفرنسية تقف إلى جانب المسلمين في حقوقهم التعبدية وتشريعاتهم السماوية، ويظهر ذلك في مقالات كبار الكتّاب الفرنسيين, وفي المقابل نجد صحيفة “لوفيغارو” اليمينية المتطرفة تؤيد قانون منع الحجاب؛ بل وتحث عليه بأنه يجب على المسلمين التأقلم مع النمط الأوروبي، وأن يقبل ما قبلته المسيحية من قبل، وعلى المسلمين أن يتنازلوا بناءً على هذه التنازلات. إذاً وفي الإجمال العام فإن الصحافة الفرنسية و الرأي العام الفرنسي منقسم إزاء هذا القانون.


* لاحظنا تفاعلاً إسلاميًا واسعًا مع هذه القضية، في حين أن هناك قضايا كثيرة وهامة، ومع ذلك لم نجد هذا التفاعل مقارنة بقضية منع الحجاب في فرنسا، فما هو السر في ذلك؟

قضية الحجاب تمثل اعتداءً على دين المسلمات في فرنسا، وتمثل أيضاً عدواناً على الحريات في فرنسا، وأن هذه القضية يمكن أن يكون لها ما بعدها، فيمكن أن تقول إن هذه الشحنة التي تحملها هذه القضية جعلت الناس يستجيبون بسرعة للرد على هذا الأمر، وهم يعبرون عن ذكرياتهم التاريخية؛ لأنهم يخافون أن يكون هذا بداية عصر تمييز ضد الإسلام ، ونحن نعرف ماذا صنعت أسبانيا في محاكم التفتيش ضد المسلمين، أعتقد أن هذا هو السر في ذلك.

 

مقابلة العلامة ابن بيّـه مع مجلة الجسور

 

 

حاوره: د.عادل با ناعمة

                    

العلامة ابن بيّـه للجسور: أرفض النظرة العدائية المطلقة للغرب



* في سورة آل عمران قوّم الله مسيرة النصر والهزيمةِ على ملأٍ فلم ترفض الصحوةُ أن تقوّم مسيرتُها علناً؟


قال بعض السلفِ: إنّما العلمُ الرّخصةُ من ثقةٍ، أمّا التشديدُ فكلّ أحدٍ يحسنُهُ.. طالما تمثّلتُ هذه العبارةَ وأنا أصغي إلى الشيخ الجليل العلامة معالي الدكتور عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه. هذا الرجلُ الفريدُ الذي جمعَ في إهابِهِ نسك العابدِ، واستيعابَ الحافظ، وعقليّة الفقيه، وخبرةَ السياسيّ، وروحَ المربّي، وإشراقةَ الربّانيّ.. كذلك أحسبه والله حسيبُهُ.

ولقد امتاز الشيخ ابن بيّه بأنّه جمع بين العمقِ الشرعيّ الذي يجعله في مصافّ كبار علماء العصر، وبين الممارسة العمليّة للسياسةِ إذْ تولى خمس وزاراتٍ في بلده موريتانيا، وبين الاحتكاك المباشرِ بواقع الأقليات المسلمة ولا سيّما في أوروبا وأمريكا.. ومن كل هذا المزيج خريج الشيخ بنكهةٍ مختلفةٍ، وشخصيّة علميّة تربويّة سياسيّة متفرّدة.

في هذه القراءة لفكر الشيخِ تطرّقنا معه إلى مشكلة الأقليّات المسلمة، ولا سيّما من حيث التكييف الفقهيّ لقضاياها ونوازلها، حيث بيّن الشيخ أسباب اهتمامه بالأقليات واعتنائه بقضاياها، وأوضح بجلاءٍ أنّ للأقليّات فقهاً خاصاً بهم، لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وأنّ هذا الفقه ينبغي أن يبنى على التيسير والرخص التي ثبتت عن الأئمة، وقد أفاض الشيخ في بيان رؤيته لهذا التيسير وضوابطِهِ لئلا يتحوّل إلى اتباع للهوى.

 

كما تحدث فضيلتُه عنا الموقف من الآخر الغربيّ، وصرح بأنه يرى الغرب مناخاً مناسباً جدّاً للاستثمار الدعويّ، وأنّ النظرة العدائية المطلقة للغربِ مذهبٌ مرفوضٌ؛ لأنه يفوت فرصاً كبيرة لتوطين الإسلام هناك. وقال الشيخ: علينا أن نقدّم أنفسنا للغرب وللعالم كدعاة سلام وإسلامٍ لا كغزاةٍ‍. وأشار ابن بيّه إلى أنّ الحوار مع الغرب مطلوبٌ، وأنّ هذا الحوار إنما هو حوار تعايش وتحاور، ونعى على أولئك الذين يتصوّرون أنّ مجرّد الجلوس مع النصارى على مائدة الحوار معناه التنازلُ عن الثوابتِ أو المبادئ. وقد حاول معاليه أنْ يبيّن الأسس الكبرى التي تنبني عليها لغة خطابنا مع الآخر.

كما نبّه الشيخ إلى نقطة مهمّة جداً وهي إمكانيّة استثمار أحكام العصر المكيّ واستدعائها إلى واقعنا، واقع الضعف والذلّة، ونقل قول شيخ الإسلام بأنّ أحكام العصر المكيّ ليست منسوخة، وإنما كل شيء مرتهنٌ بوقتِهِ.

وعلى كلٍّ فقد جلنا مع الشيخ في نقاط كثيرةٍ مهمّة وساخنة كتقنين الفقه، واستضافة المطبوعات الإسلاميّة لرموز علمانيّة، ونقد الصحوةِ علناً عبر وسائل الإعلام من أجل تقويم مسيرتها، والنزاع بين مدرسة الفقه ومدرسة الحديث.

ويقيني قارئي العزيز أنك ستجد في هذا الحوارِ كثيراً من المتعةِ والعمقِ وحسن الفهم والتحليل، فإلى إجابات الشيخ حفظه الله.

 

* عرف عن معاليكم كثرة اهتمامكم بشؤون الأقليات المسلمة و لكم من الجهود في هذا الباب الشيء الكثير. ما سرُّ هذا الاهتمام؟ 

ربما يكون سبب هذا الاهتمام هو معرفتي الشخصية بأوضاع هذه الجاليات فهي بحكم وضعها تفتقر إلى كثير من العناية التي قد لا يفتقر إليها المسلمون في ديار الأغلبية المسلمة أو في ديار الإسلام، فالمسلمون هناك مهددون في هويتهم و في ثقافتهم و في أصالتهم وفي دينهم و عقيدتهم. وثمتَ سببٌ ثالث للاهتمام بالأقليات هو أنّ وجودهم هناك يعتبر كسباً عظيماً للإسلام، إذ لم يكن أحدٌ يتصور قبل قرن من الزّمن أن توجد أقلية مسلمة كبيرة في ديار الغرب؛ لأن الغرب كان منغلقا على نفسه منشغلا بالحروب التي كانت بين الكاثوليك و البروتستانت حتى إن إعلان حقوق الإنسان في الثورة الفرنسية كان عبارة عن مصالحة بين البروتستانت و الكاثوليك حتى يستطيعوا التعايش، و كثير من البروتستانت هربوا إلى أمريكا خوفاً من إخوانهم الكاثوليك ، في تلك الأجواء المتوترة بدأ في القرن الثامن عشر البحث عن التعايش هذا البحث عن التعايش اتّسع شيئاً فشيئاً حتى شمل اليهود ثم هو يتّسع ليشمل المسلمين، و من هنا نشأت أقليات مسلمة لها تأثيرها في قلب الغرب النصراني، و على قادة الفكر في العالم الإسلامي أن يهتموا بهذه الظاهرة -ظاهرة التعايش- في الغرب و أن ينموها و أن يرسخوها ، و أن يوطنوا الإسلام في ديار الغرب فإن هذا كسب كبير. لقد كان الأجداد يذهبون بخيلهم و رجلهم و أسلحتهم إلى البلاد البعيدة تارة ليكفّوا الغارات و تارةً ليُسمعوا الناس كلمة الله، و نحن اليوم بحمد الله نستطيع بالكلمة الطيبة و بالمنطق و بالعمل الصالح من خلال هذه الأقليات أن نسمع كلمة الله تعالى في ديار الغرب. 

لهذه الأسباب مجتمعة و لعوامل أخرى نفسية و شخصية أرى أنه يجب علي أن أعتني شخصيا و يعتني الإخوان بالمسلمين في ديار الغرب.


* و لكننا نلاحظ أن تركيزكم منصب على الأقليات المسلمة في أوروبا و أمريكا.

نعم؛ لأن هذه المناطق يسكنها كثير من مواطنينا من شمال أفريقيا و العلاقة بها قديمة جداً، ثم إنّ اللغة بيننا مشتركة فنحن كنا مستعمرة فرنسية، وقد نشأت على تقاليد وأعراف ولغة مشتركة مع هذه المناطق.


الغربُ ليس عدوّاً كله


* ظاهر كلامكم يا فضيلة الشيخ أنكم ترفضون النظرة العدائية المطلقة للغرب، تلك النظرة التي ترى أنّ كل ما في الغرب عبارة عن مظاهر مختلفة للعداء مع المسلمين لا تتيح للمسلم أن يتحدث أو ينشر دينه.

نعم أنا لا أرى ذلك، أنا أرى أن في الغرب مناخا يجب أن نغتنمه و نتعامل معه ونستفيد منه كما استفاد غيرنا. لا شك أنّ الطّريق ليست مفروشة بالزهور و الرياحين ككل طريقٍ للعمل، و أنّ بعض الشرائح في الغرب ما تزال تحكمها العقلية الصليبية، وأنّ ثمت عقول أخرى يحكمها الجهل و من جهل شيئا عاداه، لكن بصفة عامة هناك جوٌّ يمكن الاستفادة منه في أوروبا و أمريكا. ويمكننا في إطار هذا الجوّ أن نقدم الكثير.

وأعتقد أننا في هذا المجال ـ أي مجال التعريف بديننا و بيان قيمنا للغرب ـ لم نبذل جهودا كافية مع أن الأبواب هناك شبه مفتوحة .


* عفواً شيخي .. ألا ترى أن الغرب يرى نفسه أستاذ القيم الإنسانية، ومعلم البشرية في هذا المجال، فكيف لنا أن نعرض رؤيتنا وقيمنا؟ أعني بأي منطق وأي طريقة؟ وكيف لنا أن نقنعه أن قيمنا خيرٌ من قيمه التي يتشدق بها؟

يمكننا حقيقة أن نتقدم برؤيتنا ، وأن نؤصل حق الاختلاف و حق التنوع الحضاري و أن ما تمتاز به حضارتنا المسلمة و حقوق الإنسان فيها هو على مستوى المصدر و الموضوع والقيم، فمن حيث المصدر نحن لنا مصدر إلهي و مصادر غيرنا بشرية، و من حيث الموضوع و هو الإنسان لنا رؤيتنا و هي أن الله خلق الإنسان بيده، و نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرّمه بالنطق و العقل، أما الغرب فقد جرى طويلاً وراء نظرية دارون الذي يقول: إنّ الإنسان الأول كان حيواناً يمشي على أربع في الغابة ثم تطور حتى صار إلى ما عليه الإنسان اليوم! 

ومن حيث القيم نجد أننا نشترك معهم في قيم الحرية والمساواة، و لكن هذه القيم عندنا مقيدة بالعدالة: حرّية مع العدل، ومساواة مع العدل، فقيمة العدل تقوم دائما بتقييد القيم.

مثلا : الإنسان له حق في الحياة لكنه إذا اعتدى على أحد فقتله فالعدالة تقول له: لا حقّ له في الحياة و هكذا.

أقول مرة أخرى: إن تأصيل حقوق الإنسان، واختلاف القيم، يؤمّن قاعدة جيّدة للحوار حول هذه القيم، ومن ثم الوصول إلى نظرة مشتركة للعدالة. 

ولأجل هذا ومن خلال مجلّتكم نرى أنه لا مناص من إنشاء مراكز في الغرب، وأنا مستعدّ لأن أنشئ مركزاً و اختياري قد يقع على فرنسا للدفاع عن قيم الإسلام و الحوار حول القيم، نحن نريد أن نكون عنصرا فعالا في هذه البشرية.

أهم شيء بالنسبة لي –كما أسلفت- هو قضية حقوق الإنسان وحق المسلمين في التنوع الحضاري، وهذا أمر أهتم به كثيراً لما رأيت من تحامل في بعض الأحيان من الغرب على الإسلام والحدود والقيم الإسلامية؛ لذلك كانت محاضرتي في كاليفورنيا عن حقوق الإسلام مشهودة، وقد حضرها بعض أعضاء جماعات حقوق الإنسان، وقدموا إلي أنفسهم بعد المحاضرة حتى إنّ امرأة منهم صارت تحضر بعد ذلك محاضراتي الشرعية والفقهية و الأصولية.


لابأس بحوار النصارى


* لعل هذا الحوار الذي تدعون إليه حوار التعايش و ليس هو حوار التقارب الذي يصطدم مع قوله تعالى : {و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم }؟

نعم، هو حوار تعايش، ولكنّه أيضا حوار تعارف فهم لا يعرفون عنا الكثير و لا سيما الشعب الأمريكي فهو شعب مشغول بنفسه وليس له ماض استعماري في ديار الإسلام فلا يعرف عنه الكثير، و لذلك إذا عرفوا أسلموا. 

نحن لا نيأس ، ونحن نقدم أنفسنا للغرب كدعاة يريدون إنقاذه حتى من نفسه، ونحن نساعد هذه الحضارة على أن تكون عادلة و إنسانية و نعطيها قيم الإسلام.

وحتى أزيد الأمر وضوحاً ـ لكثرة من يشغب على قضية الحوار وأهلها ـ أذكر هذه القصة، مرة كنت في فرنسا وأجروا معي مقابلةً في التلفاز، فأظهرت مرونةً في التعايش مع غير المسلمين، حتى طمع المذيع وقال: لم لاتقول: إنهم على حق، والمسلمون على حق؟ فقلت: أما هذا فلا، فأنا أعتقد أني على الحقّ الوحيد، لكن أقبلُ أن أتعايشَ معهم بالعدل والحسنى. وبعض الناس يختلط عليه الأمر فلا يفرق بين التعايش وبين القبول، ومن هذا الباب الحوارات التي تقع مع النصارى وقد اشتركت فيها في روما ومدريد وباريس ولم يكن من المطروح مطلقاً أن نتنازل عن شيء من ديننا ولا حتى عن مندوب أو مكروه، وإنما كان الحوار حوار تعايشٍ وعرض للدين الحق، وفي الحديبية كان الحوار مع قريش حول هذه القضايا، قضايا التعايش وكف اليد والهدنة وغيرها مما يحقق الصالح العام.


* ولكننا يا شيخنا الجليل لا نجد في القرآن شيئاً عن ( محاورة ) الكافرين، وإنما نجدُ (المجادلة) كما في قوله تعالى: (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)).

يا أخي .. ما الحوار في اللغة؟ هو أن يدور كلام بينك وبين شخص.

وما الجدال في اللغة؟ هو كذلك أن يدور حديث بينك وبين شخص.

فحقيقتهما إذن واحدة.

وحسبي أن أذكرك بأن الله تعالى سمى الجدال تحاوراً .. ألم يقل سبحانه : (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ))، فسمى حديثها مع النبي جدالاً، ثم قال سبحانه: ((والله يسمع تحاوركما)) فسمّاه تحاوراً ؟ وقال تعالى ( قال له صاحبه وهو يحاوره..) سورة الكهف 

إذن .. الجدال هو الحوار أو صورة من صوره على الأقل، وقد أذن الله لنا بجدال أهل الكتاب كما في الآية التي أسلفتَها، وكما في قوله تعالى: ((فإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)).وأمرنا به في قوله تعالى ( وجالهم بالتي هي أحسن) سورة النحل 

وفوق ذلك كله علينا أن نتذكر أن الإقبال على الإسلام اليوم شائعٌ، وأنّ الدعاية المضادّة تريد أن تستغل نماذج بعينها لترويجها، وتنفير الناس من الإسلام قبل أن يسمعوه، ولا بد لنا أن نسلك كل طريق ممكن لإسماع أولئك كلام الله ((وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله))، وأحسب أن الحوار بضوابطه الشرعيّة سبيل حسنٌ لإسماع أولئك كلام الله.


* ألا يشكل على ما تذكرون من دعوة للحوار ما امتلأت به كتب العقائد من نصوص تحذر من الجلوس إلى المبتدع والاستماع إليه بحجة أنه يلبس الحق بالباطل، ويتخذ لكل بدعة عنده شبهة قد تجوز على محاوره؟ وكتاب ابن بطة و غيره مليء بمثل هذه التحذيرات. كيف نوفق بين هذا و بين ما تدعون إليه من ضرورة الحوار مع الآخر الكافر؟

ما ذكرته صحيح، ولكن قال علماؤنا بعد ذلك: إن ذلك كان و راية الإسلام عالية، وصوته نديّ، و ساحته بريئة، أما اليوم و قد أصبح مخالفونا على المنابر فيجب أن نخاطبهم؛ لأننا إذا لم نفعل ذلك فسوف ننعزل. نحن الآن ننظر إلى أنفسنا كأكثرية في ديارنا لكننا أقلية بالنسبة لهذه القرية الكونية. 

العصر المكي ليس بعيدا منا، والنبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى عتبة و هو يتحدث ويقترح بعض المقترحات السخيفة بالنسبة للنبيصلى الله عليه وسلم ، لكنه مع ذلك قال: هل فرغت يا أبا الوليد فقال: نعم، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. 

وينبغي أن نعلم أنهم هم الذين يضرّ بنحلتهم سماع ما عندنا، ((و قالوا قلوبنا في أكنة و في آذاننا وَقْرٌ ومن بيننا و بينك حجاب))، لا يريدون أن يسمعوا لأن لدينا الحجة البالغة، فلماذا نتهرب من تقديم الحجة البالغة للناس؟ هذا لا يصح، و إذا سلكنا هذا السلوك فإنه سيقضي علينا في ديارنا.

 

لغة الخطاب مع الآخر


* لفت نظري استشهادكم بالعصر المكّيّ وهذا موضع سؤالٍ سأعرض له لاحقاً .. ولكني أودّ الآن سؤالكم عن حصيلةِ زياراتكم الكثيرة و حواراتكم المتعددة مع الغرب، ترى هل توصلتم إلى لغة خطاب مثلى مع الآخر الغربيّ؟ وما معالم هذه اللغة؟

معالم هذه اللغة تتحدد في كل بيئة من خلال جملة من المعادلات يستطيع الإنسان الذي له بصيرة و بصر واستبصار أن يرى من خلالها كيف يتكلم مع من يقابله، أنا أعتقد أن هناك جملة من الجوانب تنبغي مراعاتها:

أولا: علينا أن نقدم أنفسنا ونقدم هذا الدين على أنه منحة ربانية، ونقدم أنفسنا كدعاة إسلام و سلام لا كغزاة، و لا كمن يريد فرض نفسه على الآخرين ((ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)). 

ثانيا: علينا أن نتعرف على الآخر، ونعرف ما هي المبادئ التي يؤمن بها، وما هي القيم التي يحترمها، وما هي القاعدة التي تحكمه؟ إذا عرفنا هذه المبادئ استطعنا من خلالها أن نتكلم. 

قد نجد قيما مشتركة كما في قوله تعال : ((قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والأسباط.. )( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم و إلهنا وإلهكم واحد))، هذه قيم مشتركة بيننا و بينكم لماذا ننطلق إلى التفريعات؟ 

وأنا أقول: إننا نشترك مع الغرب حتى في لغتهم ! فاللغة الغربية فيها مفردات الصلاة والنبي والصوم فإذا قدمت له نفسك و مصطلحاتك فسيفهم هذه اللغة. و ليتضح الأمر أكثر أذكر أنّ أحد الغربين في القرن التاسع عشر كان يقول: إنّ الشيطان هو الذي علّم اليابانيين هذه اللغة حتى لا يدخلها الإنجيل! لأن لغة اليابانيين ليست فيها المفردات الدينية!


* نعود ياشيخنا إلى واجب المسلمين تجاه الأقليات .. ما صفات الداعية الذي يصلح للقيام بواجب البلاغ والإرشاد بين المسلمين هنا ك؟ و هل يمكن لكل داعية أن يقوم بهذا العبء؟

أنا أظنّ أن هذا الدور لا يستطيع أن يقوم به كل داعية و طالب علم لا بد أن يكون لهذا الداعية خلفية عن الواقع، و أن تكون له سعة أفق و اتساع نظرة، و أن يعرف أنّ الإسلام له عباءة واسعة يمكن أن تضم كثيراً من الأعراف و الأعراق و العوائد التي لا تنافي جوهر الإسلام و المتغيرات التي لا تنافي ثوابت الإسلام، و لهذا أنا أظنّ أنّ الداعية الذي يذهب إلى الغرب ينبغي أن تكون له مواصفات معينة، و أن يتلقى تكويناً معيّناً و أن يتكلم بلغة الغرب، و لست أعني باللغة لغة المفردات فقط، و إنما أعني أيضا لغة المنطق و لغة العقل التي يتحدث الناس بها في الغرب، أما الداعية الذي لا يتصف بهذه الصفات فإنه في كثير من الأحيان يضر أكثر مما ينفع.

و أحب أن أشير إلى قضية مهمة و هي أننا بحاجة إلى نوعين من الدعاة: من يعلّم الناس أمر دينها من صلاة و صيام و زكاة و ما إلى ذلك؛ لأن المسلمين في ديار الغرب يحتاجون إلى أن يتعلموا أحكام دينهم و أن يعمروا أوقاتهم بعبادة الله تعالى، لأنّ أكثرهم عمال يغدون صباحاً و يروحون مساءً فهم بحاجة إلى من يصرف معهم و يصرفون معه بعض الوقت ليتعلموا أمور دينهم. أما النوع الثاني من الدعاة فهم دعاة تثبيت العقيدة و الفكر والرؤية الاجتماعية و التعايش في ديار الغرب و هؤلاء يحتاجون إلى فقه كثير، و سمات خاصة تميزهم.


فقه الأقليّات


* سيدي .. مفاد حديثكم أنّ للقوم هناك فقهاً غير الفقه المألوف في ديار الإسلام، وفي حوار أجريناه في الجسور مع العلامة ابن جبرين قال عن فقه الأقليات: ” لا أصل له، فإنّ الأحكام متفقة والشريعة كاملة، وهؤلاء الأقلون يغلب عليهم التفرد بالأقوال الغريبة ومخالفة نصوص العلماء الموثوق بهم قديما وحديثاً”، وقال أيضاً: ” ولايجوز تكييف الفقه بحسب الزمان أو المكان أو ظرف العمل، وليس للإنسان أن يشكل مذهباً فقهيا، ولكن إذا جدّت مسألة يجتهد فيها”. هل توافقون على هذه الرؤية؟

أنا أرى أن الأقليات تعيش أوضاع الضرورة، أو الحاجة التي تلامس الضرورة، ولهذا فهي تحتاج إلى فقه فتوىً خاص، صحيح أن الفقه لا يتغير ولكن الفتوى تراعى فيها الضروريات والحاجات واختلاف الأحوال. فالأقليات في أوضاع تلامس الضرورة وبالتالي فإنّ هذه الأوضاع هي أوضاع رخصة وينبغي التيسير فيها.


* ولكن ما رؤيتكم لهذا التيسير؟ وماضابطه؟

أنا أرى أن الفقه يشتمل على أقوال كثيرةٍ، وينبغي أن نسلك بالأقليات السبيل الأسهل في نطاق الأدلّة، وقد وجدتُ أن ضبط المالكيّة للعمل بالقول الضعيف يصلح للأقليات، وبهذه الضوابط نحن لا ننفلت ولا نتتبع الرخص تتبعا مفرطاً ولكن نبقى في حدود المقبول عند العلماء. قال المالكيّة: إنّ الأصل في القول الضعيف ألا يعمل به إلا بشروط ثلاثة:

1ـ ألا يكون ضعيفا جداً.

2ـ أن يثبت عزوه لقائله.

3ـ أن تدعو الضرورة إلى العمل به.

بهذه الشروط يمكن أن نقلّد أبا حنيفة في بعض أقوالِهِ في دار الكفر، ونقلد الإمام أحمد في الجمع بين الصلاتين، وكذلك أشهب من أصحاب مالكٍ في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاءِ، وبهذه الشروط يمكن أن نؤخر الجمعة إلى العصر لتصلّى في وقتٍ متأخر كمذهب مالك، أو نقدّمها كما هو مذهب أحمد، يجب أن نتفقّه ولا نفتي للأقليات بدون فقهٍ، ولكن نرخص لهم في حدود ما هو متعارف عليه عند العلماء، وبذلك يمكن أن نريح الناس.

وينبغي أن نتذكر أن هذه الأقليات تعيش في أوضاعٍ اليد العليا فيه للطرف الآخر، ولذا يجب عليها القيام بمجهود كبير حتى تتعايش مع الآخرين، وبعض من لا يدرك هذا كان يقترح أن تَدْرُسَ الأقلياتُ كتاب (أحكام أهل الذمة)! وهذه مشكلة، إذ أهل الذمّة لنا عليهم اليد العليا، والوضع الآن هناك مختلف تماماً، ولهذا فأنا أرى ألا يفتي أولئك إلا من جمع الفقه الشرعيّ العميق والإدراك الصحيح لواقع القوم هناك، ولا يكفي العلم الشرعيّ دون إدراك الواقع، وقد أشار ابن القيّم مراتٍ إلى أنّ من لا يعرف الواقع يجني على الشرعِ.

ومما أراه أيضاً في شأن الأقلياتِ أنه يجب علينا أن نقدّم لها ملخصات من الفقه تكون في متناول أيديهم بعيداً عن اضطراب الأقوالِ واختلاف الآراءِ؛ لأن الناس هناك يبحثون عن حلولٍ إسلاميّةٍ، وقد خرجت مرة من أمريكا بعد عشرة أيام ولم أستطع الإجابة على كل الأسئلة لكثرتها.


استثمار أحكام العصر المكي


* أشرتم من قبل إلى قضية مهمة و هي استثمار أحكام العصر المكي في جوانب من واقعنا المعاصر، ما نظرتكم إلى هذه المسألة ؟ وهل يسوغ لنا أن نستفيد من جوانب أخرى من أحكام هذا العصر؟ بمعنى هل يمكننا أن نستدعي ذلك العصر بأحكامه الخاصّة في زمان ضعفنا وعجزنا هذا؟

سؤال كبير جداً، و أعتقد أنّ السؤال في ديار الغرب قد يكون مطروحاً، لأنّ الأحكام السلطانية ليست مطلوبة من الأقليات الإسلامية، ويجب على الأقليات أن تفهم هذا، المناداة بتطبيق الحدود في الغرب ليست أمراً صحيحاً و ليست قضية مسلمةً، و المسلمون في أرض الحبشة لم ينادوا بتطبيق الأحكام، و لهذا فالعهد المكي هنا له أهميته، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن ّأحكام العهد المكي ليست منسوخة و كل شيء مرتهن بوقته.

ففي ديار الإسلام و في ديار الأكثيرية المسلمة في أوطانها التي تسمح لها القوانين بأن تتعامل مع دينها تُطبّق أحكام الله و حدوده، ولعلها أن تكون قدوة لغيرها حتى تطبق هذه الحدود، والمسلمون متمسكون بالحدود وبكل أحكام الله تعالى، وكلما لاحت لائحة الحرية ينادي الناس بتطبيق الحدود، و انظر إلى نيجيريا مثلاً كيف دعت منذ سنواتٍ قلائل إلى تطبيق الحدود.


* حديثكم هذا يقودنا إلى مسألة اختلاف الفتوى باختلاف الزمان و المكان والأحوال، هل نظفر منكم بكلمة شافية حول هذه القضية الشائكة؟

** أسئلتكم يا شيخ عادل طويلة الذيل كثيرة النيل! هذه المسألة مسألة كبيرة جداً، نحن نعرف أنّ كثيرا من العلماء أكّد على هذا و بخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الذي أكد على الاهتمام بالعرف و بالبيئة التي تطبق فيها هذه الأحكام. الفتوى لا شك أنها تتغير و الشاطبي يقول: تتغير الفتوى في النازلة الواحدة باختلاف الشخص. هذا أصل لا نشك فيه لكنه أصل له حدوده. هناك ما نسيمه جدار الإجماع إذا وقف أمامي جدار الإجماع الذي يستند إلى نصّ و هو ما يسمى بالإجماع القطعي و النطقي هنا أتوقف. و كذا إذا كان أمامي النصّ الذي لم يكن مبنياً على عرفٍ معيّن؛ لأن النص المبني على عرف معين اختلف العلماء في دوارنه مع العرف ذكره السيوطي و غيره، أي أنّه نصّ بالمعنى الدقيق عند الجمهور وهو ما لا يحتمل تأويلاً إذا وقف أمامي دون معارض فأقول سمعنا وأطعنا و هذا دأب المؤمن. لكن إذا كانت ظواهر ولهذه الظواهر أعراض، و إذا كان وجد خلاف بين العلماء في مسألة معينة فهنا لا بأس بالترجيح، و أرى أن يكون الترجيح في جانب التيسير، و هنا تختلف الفتوى من بلد إلى بلدٍ و من مكان إلى مكان، وهنا يدخل فقه الأقليات، ويدخل التعامل مع الحاجات بمعناها الفقهيّ الدقيق، إذ بين الحاجة و الضرورة فرق و لكل منهما مساحة لا يتخطاها، فالضرورة هي الشيءُ الذي إذا لم يرتكبّه المكلف المضطر هلك أو قارب الهلاك، أما الحاجة فهي ما يشق على المكلف عدم فعله، وهنا تدخل الحاجة العامّة التي تنزل منزلة الضرورة فيما ليس بقطعي. وفي هذا الباب كلام طيب لابن القيم لم أجده لغيره وهو قوله: “إنّ الحاجة تبيح محرم الوسائل ولا تبيح محرّم المقاصد”، و قد كرر ذلك ثلاث مرات في إعلام الموقعين و في زاد المعاد. 

وفي هذا السياق وبهذه الاعتبارات تباحُ كثيرٌ من محرمات الوسائل بسبب الحاجة، ويُعدَلُ في كثير من مسائل الاختلاف إلى الشق الذي كان ضعيفاً،كمسألة شراء البيوت بالربا في ديار الكفر و قد أفتينا بجوازه.


* عفوا ، هل لكم أن تبينوا لنا الفرق بين محرم الوسائل و محرم المقاصد ؟

محرم الوسائل: ما حُرّم لكونه وسيلة إلى محرم، و الفعل في نفسه كان مباحاً، كما في قوله تعال : ((و لا يضربْنَ بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)) فالضرب بالرجل جائز أصلاً، ومنه ما في قوله تعالى: ((لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدْواً بغير علم))، وابن القيّم يقولُ عن ربا الفضل: إنّه من باب ربا الوسائل؛ لأنّ ربا المقاصد هو ربا النسيئة. وعندك كثير من المسائل في ديار الغرب كغيبة البَدَلَيْنِ في البورصات، و كثير من المسائل التي تحتاج إلى نبش في الفقه لإخراج مسائل الخلاف فيها، و تعضيدِ جانبٍ من جوانب الخلاف على حساب جانب آخر بناء على قاعدة التيسير، وبناء على اختلاف الزّمان و المكان، ولا ينكر تغيّر الأحكام بتغير الزمان و المكان.

 

تقنين الفقه


* شيخ عبد الله .. سأخرج عن إطار فقه الأقليات وإن كنت لن أخرج عن أبعاد الفقه والفتيا، ما رأيكم فيما يدعو إليه بعض الداعين اليوم من تقنين الفقه؟

في الحقيقة المسألة كما تعلم فيها أخذ و رد، من العلماء من يعارضها خيفة أن تكون وسيلة لتبديلِ الأحكام و تغييرها من منطلق بشريّ بحت، و منهم من لا يرى مانعاً من جعل هذه الأحكام في مدونة ـ ولنقل تدوين الفقه ـ يكون فيها مشهور المذهب الذي يحكم به، فنحن هنا في المملكة العربية السعوديّة نحكم بمشهور مذهب الإمام أحمد، و هذا هو الذي تجري عليه المحاكم، ومن أراد أن يعدل عنه فعليه أن يخبر لمحاكم العليا و مجلس القضاء الأعلى بنيّته تلك، ويقدم الحيثيات التي على أساسها خرج عن المذهب. 

ومعنى هذا أنّ هناك فعليّاً نوعاً من التقنين للفقه في هذه المحاكم.

وبعض الكتب كالمقنع و غيره هي محاولات لتلخيص مشهور المذهب، فتدوين مشهور المذهب قد لا يكون أمرا إدّاً، وعليه فأنا أقترح أن نبتعد عن مصطلح (تقنين الفقه) ونستبدل به مصطلح (تدوين الفقه) أو تدوين المشهور من المذهب.

في هذا الإطار ليس ثمت مانع من أن يدوّن مشهور المذهب ويوضع بين يدي الفقهاء بشكل واضح بناء على أنهم في الغالب ليسوا مجتهدين، والحق أنّ المحاكم في هذا الزمان تحتاج إلى تدوين الفقه حتى لا يميل القاضي، و حتى نتمكّن في المحاكمات الدوليّة وعند الاتصال بمحامين دوليين أنْ نقول: راجع في مدونتنا الصفحة الفلانية و اقرأها بتمعن. 

وينبغي أن تتضمَّنَ هذه المدونة فصولاً حول كيفية تقديم المرافعات إلى القاضي، وكيفية نظر القاضي في الدعاوى بحيث يفهم المحامي كيف يقدم الدعوى، ومارد الفعل الذي سيكون من القاضي، و يعرف أن الدعوى إذا كانت لها حيثيات مقبولة شرعاً فإن القفاضي سيقبلها، و يأمر الكاتب بتسجيلها، و سيوجه المدعي لتقديم البينات، وسيستجلب المدَّعَى عليه، ثم نَصِلُ إِلى مرحلة القرائن والأدلة و الأيمان ثم تصل إلى مرحلة البت و تدوين الحكم، هذا طيب جداً.


* إذن أنتم تؤيّدون (تقنين الفقه) على أن يسمّى (تدويناً) خروجاً من المحاذير.

نعم، أنا مع تغيير المصطلح، ومع تغيير المفهوم أيضاً؛ لأنه في الحقيقة تدوين كما فعل فقهاؤنا الأوائل عندما قاموا بتدوين المشهور من مذهب الإمام أحمد، وأحصوا الروايات والوجوه عارية عن الدليل.


* ألا تقودُ هذه التدوينات المذهبية إلى نزعةٍ إقليمية؟

لا أتصوّر هذا، لأن المسألة لا تعدو نوعاً من التقنين والتهذيب لما هو موجود أصلاً، فالمحاكم الشرعية في كل بلدٍ تحكم بمذهب من المذاهب، ولن يختلف شيءٌ إذا قلنا: اصنعوا مدوّنة قضائيّة لهذا المذهب أو ذاك.

ودعني أضيف لك بعداً جديداً من فوائد هذه المدوّنات، عندما تعلن بلادٌ ما رغبتها في تطبيق الشريعة فستكون هذه المدوّنات خير معين لها.

وقد أشرفت يوم كنت وزيراً للعدل على مدوناتٍ كتبت في موريتانيا في الأحوال الشخصية.

نحن نفهم الخشية التي عند العلماء من تحول الفقه إلى أمر تعمل فيه المراسيم و النظم، ولكننا نفهم أيضا أهمية أن تكون لدى المحاكم في هذا الزمان مدوّنات حاصرة نظراً لاتساع نظرها، وكثرة أعمالها، وقلة إحاطةِ بعضٍ من قضاتها بالفروع.


مدرسة الحديث ومدرسة الفقه


* حديثكم عن المدوّناتِ وما قد تحدثه من اتفاق الكلمة القضائيّة يذكّرني بما تشهده الساحة الفقهيّة من تشرذمٍ وتنابزٍ بسبب اختلاف الآراء، ولاسيما بين مدرستي: الحديث والرأي. أو بين المحدّثين والفقهاء، هل تؤمنون بهذه الانفصاليّة بين الجانبين؟ وهل الخلاف بينهما أمرٌ حتميّ؟

هذ الشقاق مشكلة كبيرة، ونرجو أن يتجاوزها الإخوة جيمعاً بالروح التي تجاوزها بها الأوّلون. كان أحمد محدثاً وفقيهاً، و لا يرى بأساً بالتقائه بابن معين و غيرِهِ من المحدثين، وكان الشافعيّ فقيهاً ويجالس المحدّثين. المحدّث يحتاج إلى الفقه، والفقيه يحتاج إلى الحديث، وهناك تكامل بين المدرستين لا بدّ منه. المحدّث إذا لم يكن فقيها لا يمكن الاعتماد عليه، والفقيه أيضاً إذا لم يكن له بصرٌ في الحديث وأصول الدّليل من كتاب وسنة فإنّه فقيهٌ ناقص، فلابد من التصالح والتضامن والتفاعل بين المدرستين حتى نستطيع مواجهة المشاكل الواسعة العريضة التي تواجهنا في هذا الزّمان والتي لا يمكن أن نتغلّب عليها إلا بصفٍّ مرصوصٍ، وفكر ثاقب، وفهمٍ واسع، والعباءة الإسلامية تسع الجميع.


* من المسائل التي دار فيها خلافٌ وجدلٌ بين الإسلاميين مسألة استضافةِ الوسائل الإعلامية الإسلاميّة لبعض من يصنّف في خانة العداء للإسلاميين، ما رأيكم في هذه القضية؟

الإنسان عليه دائماً أن يكون له ضمير حيّ. التمييعُ وهو ألا نعرف معروفاً، ولا ننكر منكراً هذا ليس صحيحاً. عندنا ثوابت دائمة، والحقّ حقّ وسيظلّ حقّاً، والباطل باطلٌ وسيظل باطلاً. نعم، قد يكون التعايش مع هذا الباطل ضرورة من باب ارتكاب أخف الضررين بتفويت أكبرهما، و اقتراف أهون الشرين لتفويت أعظمهما، أو من باب تفويت أصغر المصلحتين لتحصيل الكبرى. الإسلام مبنيٌّ على تحصيل المصالح و تكثيرها، وعلى درء المفاسد و تقليلها. 

هذه المعادلة من خلالها يجب أن ننظر إلى هذه اللقاءات.. إذا كان فيها مصالح يمكن تحصيلها أو مفاسد يمكن درؤها، كأن نتجاوز بعض النزاعات التي قد تكون دامية فلا بأس بها. أما أن تكون لقاءات لغرض اللقاء فحسب، ولبهرجة الباطل، وخلط الأوراق فهذا ليس صحيحاً أبداً، والأمر دقيق.


* قد يكون من أهداف هذه اللقاءاتِ التأكيدُ على أنّ حملةَ الإسلام وورّاث الرسالة ليسوا منغلقين ولا خائفين من أحدٍ، وأنهم أوسع الناس صدراً للحوار ثقةً منهم بما عندهم.

نعم، نحن لسنا منغلقين، يمكن إشعار الآخر أننا نملك الحجة البالغة و البرهان و بالتالي لا نخشى شيئاً. هذه قاعدتنا.


* يلحق بهذه القضية قضية أخرى، وهي إتاحة بعض الوسائل الإعلامية الفرصة لنقدِ الصحوةِ ومسيرتِها ورموزِها نقداً يرى أصحابُهُ أنه لتقويم المسيرة، ويرى آخرون أنّه ضربٌ من معاونةِ شانئي الصحوة ومبغضيها. هل من تعليق؟

تقويم المسيرة شيء طيّب، و في سورة آل عمران قُوّمَتْ مسيرةُ ما بعد بدرٍ وأحدٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ((ولقد صدقكم الله وعده إذْ تَحُسُّونهم بإذنِهِ حتى إذا فشلتم وتنازعتُم في الأمرِ وعصيتُم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدنيا ومنكم مَنْ يريدُ الآخرةَ ثمّ صرفكم عنهم ليبتليَكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضلٍ على المؤمنينَ (152) إذ تُصْعِدون ولا تَلْوون على أحدٍ والرسولُ يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمّاً بغمٍّ لكي لا تحزنوا على مافاتكم ولا ما أصابكم والله خبيرٌ بما تعملون))، فها نحن نرى كيف قومت مسيرة المسلمين بعد الانتصار و بعد الهزيمة و على ملأ من خلال الوحي. فتقويم المسيرة شيء حسن .

لكن لابد من التنبيه على أنّ التقويم يختلف عن التجريح، ويختلف عن الشماتة ، نقوّم المسيرة أي نصحِّحُها، نلغي العنف من الحياة ونضع مكانه الدعوة الصحيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الواضحة. 

وأنا أشدّد على هذا المعنى لأنّ التجريح والشماتةَ باسمِ التقويم قد يفضيانِ إلى فتنة وفرقةٍ واختلافٍ وربما إلى تهارجٍ واقتتالٍ، والرسول  حذّر من ذلك تحذيراً شديداً ((لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))، و قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذرّ في شأن الطوائف التي تقتتل: ((إن بهرك السيف فاجعل الثوب على وجهك)). وهذا تحذير شديدٌ لا يفهمه إلا من رأى الاقتتال الداخليّ فعَرَفَ ضرورةَ تفويت أكبر الشرين بارتكاب أخفهما. 

أنا أعتقد أن مسيرة عشرين أو ثلاثين سنة رفعت فيها الصحوة أعلاماً، وتحرّكت في اتجاهات متعددة هي مسيرة لها أهميّتها، ولكنّها تحتاج إلى تقويم و إلى تقويم [الأولى بمعنى بيان القيمة، والثانية بمعنى تعديل العِوَج]، والأمر يحتاج إلى كلام طويل، والمهمّ ألا أفهم خطأً أنا أدعو إلى التقويم ولو علناً لكنّ التقويم عندي شيءٌ يختلف بالكليّة عن التجريح. 

 

لجريدة المدينة: أعذر من يستخدم الموسيقى في النشيد وهناك فرق بين العذر والتأييد

يعلق فضيلة العلامة الشيخ الدكتور عبدالله بن بيه على مسألة استخدام الموسيقى في النشيد فيقول : الآلات الموسيقية فيها خلاف بين العلماء وهو خلاف كبير وقد ذكر اكثر العلماء ان المعازف لا تجوز كما ورد في الحديث النبوي وهناك علماء اجازوا الموسيقى واستخدامها، ولكن الافضل والاسلم استخدام الآلات غير المعزفية كالطبل والدف وآلات الايقاع وسبق وان التقيت بالاخ المنشد سامي يوسف حينما كنت في كندا وقد جاءني واستمعت اليه وقد قام باحياء حفلات عديدة هناك ونحن لا ننكر ما فعله بادخال الموسيقى إلى النشيد لأن الإنكار لا يكون في شيء مختلف فيه وهذه المسألة مختلف فيه بين العلماء، اذا لم تدخل عوارض اخرى تؤدي إلى التحريم الكامل وانا اعذر سامي يوسف ومن فعل مثله بادخال الموسيقى إلى نشيد وهناك فرق كبير بين التأييد والعذر.

وللمزيد :

http://www.youtube.com/watch?v=U_0tzhfEVI4&feature=channel_video_title

وكذلك :

http://www.youtube.com/watch?v=4ez_-c0fvvY&feature=relmfu