ارشيف ل

الاحتفال باليوم الوطني

السؤال
أصحاب الفضيلة المشايخ: سؤالي يا أصحاب الفضيلة عن اليوم الوطني، هل يجوز حضور الحفل؟

وإذا ألزمنا به كأعضاء سفارة ماذا علينا فعله؟

وهل يجوز لنا الحضور بنية إلقاء كلمة ذكر أو محاضرة نذكر فيها بطاعة الله ورسوله -عليه السلام-؟ أرجو إعطائي نصيحة ألقيها في هذا اليوم، أرجو الرد بأسرع وقت لأن اليوم الوطني قرب وأنا محتارة ولا أعرف ماذا أقول لزوجة السفير إذا دعتني؟.

الجواب
اليوم الوطني ليس عيداً، والأعياد التي لا يجوز إحداثها هي الأعياد الدينية وليست التجمعات التي يتجمع الناس بها لسبب أو لآخر، قد يحتفلون بالزواج وقد يحتفلون بالولادة، وقد يحتفلون بأي شيء فهذا ليس من الأعياد الدينية، لهذا يجب أن نزيل هذا الوهم، وهذه الشبهة التي يتعلق بها كثير من الناس، فيدخلون على الناس حرجاً وشغباً في دينهم، بحيث يصبح المتدين أو الملتزم في حرج يشعر وكأنه يأتي كبيرة ويأتي منكراً، هذا ليس بمنكر،

فالأصل في الأشياء الإباحة، فلا حرج عليك أن تحضري فقد أجاز الحنابلة – رحمهم الله تعالى- العتيرة وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يعملونها في رجب كرهها المالكية باعتبار أنها كانت فعل الجاهلية ولكن الحنابلة أجازوها؛ لأنه لا يوجد نص يمنع من ذلك. أهل الجاهلية كانوا في رجب يذبحون ذبيحة اسمها الرجبية، واسمها العتيرة، فبعض العلماء يرى أن هذا باق على أصل الجواز، فإذا اجتمع الناس وذبحوا ذبيحة في رجب أو في شعبان أو في أي زمن فهذا لا مانع منه أن يحتفل الناس أو يفرحوا بحدث زوال الاستعمار في بلد مثلاً، هذا ما يسمى باليوم الوطني غالباً عندنا في أفريقيا، أو في البلاد التي كانت مستعمرة، فالأمر إن شاء الله لا حرج فيه،

أما إذا كان ينبغي لك أن تلقي محاضرة فهذا شيء حسن إذا كانت المناسبة تسمح بإلقاء محاضرة أو خطبة تذكير ونحو ذلك فهذا لا بأس به، أما أن نتشبث: بأن أبدلنا الله عيدين، هذه أعياد كانت للأنصار وكانت أعياد جاهلية وأصنام، فالنبي – صلى الله عليه وسلم- ذكر أن أعياد الإسلام الدينية عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى، وهذا لا يفهم منه أنه يمنع أن يتجمع الناس في تجمع حتى ولو كان كرهه المرء ورأى أنه إذا لم يكن هناك منكر فلا داعي إلى التشويش على الناس، وإثارة بعض الفتن والخصومات في أمور ليست ممنوعة، نصاً من كتاب أوسنة، ولا إجماعاً للعلماء ولا اتفاقاً داخل المذاهب، لأن التيسير في مثل هذه الأمور التي لا حرج فيها قطعاً، والأقوال التي تقول تحرج لا تستند إلى قاطع وهي أقوال ضعيفة ، فلا مانع من أن نفسح للناس المجال وأن نيسر لهم، فاليسر أصل من أصول هذا الدين “،                                                                                       “وما جعل عليكم في الدين من حرج” [الحج: 78]،

“يريد الله أن يخفف عنكم” [النساء: 28]،

“فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا” [الشرح: 5-6]،

“يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا” رواه البخاري(69)، ومسلم(1734]

من حديث أنس –رضي الله عنه-، فالأصل في هذا الدين اليسر نكررها مرة أخرى،

والاجتهادات الأخرى للعلماء اجتهادات محترمة، لكنها ليست نصوصاً من الشارع. والسلام عليكم.

ترك الجمعة انسجاماً مع جهة العمل

السؤال
زوجي يعمل في لندن في شركة وطلب من صاحب الشركة أن يصلي الجمعة في المسجد فرفض طلبه، وبذلك لا يقدر أن يصلي الجمعة نهائياً، فماذا عليه أن يعمل؟

وما حكم تركه لصلاة الجمعة مضطراً؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب
صلاة الجمعة واجبة بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وتعالى – يقول : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” [الجمعة:9]،

والنبي – صلى الله عليه وسلم – يحذر من ترك الجمعة، وأن من تركها ثلاث جمعات ختم الله على قلبه، فصلاة الجمعة واجبة،

لكن أمر زوج هذه المرأة ينظر إليه من زاوية أخرى وهي أنه إذا كان لا يستطيع أن يجد عيشاً إذا لم يعمل مع هذا الرجل فقد يكون معذوراً، بشرط ألا يستطيع أن يجد ما يقتات به، بحيث أن رزقه يتوقف على هذا العمل، فيكون معذوراً في ترك الجمعة، ويصليها أربعاً حتى يجد عملاً آخر،

هذا الذي يظهر لنا في هذه المسألة بناء على ترتيب المصالح والمفاسد، وأن الجمعة لها بدل هو الصلاة أربعاً.

ولأن العلماء أجازوا ترك الجمعة للوحل وللمطر وللمرض أو التمريض ونحو ذلك راجع شروح خليل المالكي عند قوله:”وعذر تركها( الجمعة) والجماعة شدة وحل ومطر أو جذام ومرض وتمريض..” فمسألة السائل تخرج على ذلك . والله أعلم.

من وصلتهم رسالة الإسلام من الكتابيين

السؤال
سؤالي أيها الشيخ الفاضل عن المشركين وأهل الكتاب الذين وصلتهم رسالة الإسلام،

أو سمعوا بها ولم يؤمنوا بها، وكذلك الذين لم تصلهم ولم يسمعوا بها، وعن النصارى الموحدين،

ولكنهم على دين عيسى -عليه السلام-، ما حكم كل أولئك؟ وهل هم من أهل الجنة أم النار، أفيدونا جزاكم الله خيراً.

الجواب
يقول الله سبحانه وتعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” [آل عمران:85] ،

والنبي – صلى الله عليه وسلم – يؤكد ذلك بأنه لا يسمع به يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا كان من أهل النار، انظر: ما رواه مسلم (153) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-

فمن بلغته الرسالة ولم يؤمن بها فهذا لا ينجو من الله -سبحانه وتعالى-، فهو من أهل النار؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: “وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ” [الأنعام: من الآية19]، أي: ومن بلغه هذا القرآن فهو منذر به،

فرسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – ناسخة لكل الرسائل ولكل الرسالات التي سبقتها، فهو الخاتم وهو المهيمن أي: المؤتمن على الرسالات السماوية، فهذا هو الذي نؤمن به.

بالطبع ترتب أحكام على هذا وتترتب علاقات على هذا لها أحكام أخرى وعلاقات، فيمكن للإنسان أن يقيم علاقات مع هؤلاء في الدنيا بحسب مصالح المسلمين ودرء المفاسد عنهم فهذا أمر آخر، أما الاعتقاد القلبي فكل صاحب عقيدة يعتقد أنه على الحق، فلا تكون العقيدة عقيدة إلا بهذا الاعتقاد، فنحن نعتقد اعتقاداً جازماً بأننا على الحق الذي لا يشوبه باطل ولا يعتريه وهم، بهذا يصح أن يكون الإيمان صحيحاً ويكون الإيمان ثابتاً، فمن لم تبلغه الرسالة فهذا يشبه أهل الفترة، وأهل الفترة اختلف العلماء فيهم على قولين: القول الأول: يقول إنهم يعاقبون فيما يتعلق بالعقائد، ولا يعاقبون فيما يتعلق بالفروع، وهذا القول ذكر بعض العلماء عليه الإجماع كالقرافي،

وقال صاحب مراقي السعود:

ذو فترة في الفرع لا يراع ***وفي الأصول بينهم نزاع

لأنه ليس مطالباً بفروع الشريعة، وإنما بالنسبة لأصول الشريعة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر فاختلف العلماء بشأنه، فيشبه من كان في جزيرة ولم يعلم برسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم تصله هذه الرسالة يشبه أن يكون كهؤلاء، وقد يبعث يوم القيامة فيعرض عليه، كما جاء في أحاديث ذكرها ابن كثير أيضاً، فالمسألة فيها تفصيل ذكره العلماء – رحمهم الله تعالى –

 

الهدايا المقدمة من البنوك الربوية

السؤال
أحضر لي بنك معروف بأنه ربوي بعض الأدوات المكتبية والأقلام، (على شكل هداياً يقدمها لعملائه)، علماً بأن لي حسابا لديهم،

فهل يجوز لي استخدامها، وإذا كان الجواب بالحرمة، ماذا أفعل بها؟ علماً بأن من بينها أدوات قيمة، وفقكم الله لكل خير.

الجواب
أولاً: على السائل إذا كان يريد أن يستبريء أن يكون حسابه في بنك غير ربوي.

ثانياً: هذه الأدوات إذا كان السائل يريد أن يحتاط لنفسه فعليه أن يتصدق بها ويقدمها للمحتاجين بنية التخلص.

مع أنه يمكن أن يحتفظ بهذه الهدايا على قول قوي للعلماء من جواز قبول الهدايا من المرابي بلا حرج وهو مروي عن ابن مسعود وغيره.

 

خدمة الزوج وزيارة الجيران

السؤال
امرأة متزوجة لا تخرج من بيتها لزيارة جيرانها إلا نادرا جدا بسبب انشغالها بأطفالها.

ولأن زوجها يعود من عمله عصرا وهو وقت الزيارة المتعارف عليه في بلدها وتكره أن تخرج وتتركه دون رعاية.

هل هي آثمة لأنها لا تصل جيرانه ولا تسأل عنهم ؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب
ليست آثمة – إن شاء الله – إذ عذرها ما ذكرت، لكن عليها أن تتفقد جيرانها، وتتعرف على أحوالهم ولو عن طريق الاتصال بالتلفون بجارتها، أو تهدي إليها إذا طبخت طعاماً أو عملت ذبيحة أو وليمة ونحو ذلك،

فعليها أن تهدي إلى جيرانها من ذلك، فهذا هو حقهم إن شاء الله، والله أعلم.

 

الكشف عن موضع البول للتأكد من الطهارة

السؤال
أنا شاب تعودت أن أكشف عن موضع البول في ملابسي للتأكد من طهارتها، ولكني أجد بقعاً أشك أنها من البول، أو أنها ناتجة من الأوساخ، وحدثتني نفسي أن أذهب إلى الطبيب للتأكد، و بعد الاستخارة انصرفت عني الفكرة ، ولا زلت متحيرا.

وهل يصح لي أن أستخير الله إذا شككت في طهارتي أفيدوني جزاكم الله خيراً.

الجواب
استخارة الله – سبحانه وتعالى – دائماً فيها خير، لكن الاستخارة هي في الجائزات، وليست في الواجبات ولا المندوبات ولا المحرمات والمكروهات، فالواجب والمندوب عليك أن تفعله لا تحتاج إلى استخارة، والمكروه والمحرم عليك أن تتركه لا تحتاج إلى استخارة.

وأما بالنسبة لسؤال السائل فيبدو أنه مصاب بالوسوسة، وحينئذ فعليه أن يعرض عن الوسوسة، وقد يأخذ بقول مالك – رحمه الله تعالى – الذي يرى أن يرش الثوب رشاً وهو ما يسمى بالنضح، لإزالة هذه الوسوسة عنه عليه أن يرش الثوب رشاً وذلك مذهب الإمام أحمد، والأصل هو الطهارة،وبالتالي هذا الأصل لا يزول عنه إلا بيقين فالثوب طاهر حتى يثبت خلاف ذلك بيقين، والله أعلم.

 

مفهوم الجهاد في الإسلام


 
مفهوم الجهاد في الإسلام

محاضرة القيت للجالية الاسلامية في بريطانيا سنة 2007م

إن هذه الكلمة الجميلة كلمة الجهاد كلمة بالغ فيها البعض إفراطا وتفريطا  

لعلنا في هذه الكلمة نتطرق باختصار أولا : إلى مفهوم الجهاد لغة واصطلاحا ومبرارته في القرآن الكريم

ثانيا: بعلاقة المسلم بالآخر

ثالثا: بالثقافة التي ينبغي أن نلقنها أجيالنا الصاعدة في دار المهجر

   الجهاد هو مصدر من جاهد جهادا ومجاهدة ومعناه استفراغ الوسع أي بذل أقصى الجهد للوصول إلى غاية في الغالب محمودة .

 وهو في الإسلام كما يقول الراغب في مفرداته يغطي ثلاث ميادين أو هو على ثلاثة أضرب حسب عبارته :

1-  مجاهدة العدو الظاهر.  2- مجاهدة الشيطان.   3- مجاهدة النفس .

والمعنيان الأخيران وردا في أحاديث منها ما رواه الأمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن فضالة عن عبيد أنه صلى الله عليه وسلم  قال : والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل.” وهو حديث حسن .

 وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال- عند عودته من آخر غزوة له تبوك : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر .

 وفسره بمجاهدة الهوى وخدمة الوالدين جهاد قال عليه السلام : ففيهما فجاهد.”

أما المعنى الأول وهو جهاد الناس فهو المعنى الأكثر انتشارا وهو جهاد غير المسلمين الذي يعني عمليات القتال والحرب والذي وردت فيه آيات كثيرة وأحاديث في فضله وشروطه وضوابطه وكانت  له ممارسات في التاريخ بين المسلمين وغيرهم لا تزال أصداؤها تتردد في أسماع التاريخ ومازالت إلى يومنا هذا موضوع أخذ ورد إفراطا وتفريطا وإعجابا وشجبا فكم من أناس برروا حروبا عدوانية ومطامع دنيوية بدعوى الجهاد وكم آخرون فرطوا في الجهاد فتقاعسوا عن ردِّ العدو ونكصوا عن مقارعة العدو فكانت النتائج وخيمة وكم حركات غير منضبطة بضوابط الجهاد شوهت سمعت الإسلام وأورثت المسلمين عنتا وضياعا .

 وكم متجنٍ على الإسلام معتبرا أن الجهاد لا ينتظر مبرراً وأنه دعوة إلى القتال الدائم ضد غير المسلمين كما يقول القس هانز فوكنج في مقاله المنشور بجريدة ألمانية في فرانكفورت 1991م كما يحكيه مراد هوفمان .

وأمثال هذا في المقالات الاستشراقية كثير وهم بذلك يبررون حرباً عدوانية ضد المسلمين لتمدينهم وجعلهم مسالمين.

 والحق أن مفهوم الجهاد في الإسلام ليس مرادفا دائما للقتال فالجهاد مفهوم واسع فهو دفاع الحق ودعوة إليه باللسان وهذا هو المعنى الأول قال تعالى: ( وجاهدهم به جهاداً كبيراً ) في سورة الفرقان أي بالقرآن الكريم أقم عليهم الحجة وقدم لهم البرهان تلو البرهان ومعلوم أن تلاوة القرآن لا تتضمن أعمالا حربية فليس كل جهاد قتالا وليس كل قتال جهادا والجهاد دعوة إلى الحرية .

 إلا أن الجهاد قد يكون أعمالاً حربية كما أن هناك أعمالاً حربية    ولهذا قسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام نوعان منها حروب بغي وفتنة : حرب المنافسة (التوسع) وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة .

 ونوعان عادلان : حرب غضب لله تعالى ودينه وهي جهاد .

وحرب على الخارجين عن السلطان وهي حرب للعناية بالملك كما سماها.

 وبناء على الآيات العديدة في مختلف الفترات وهناك آيات أخرى ( يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم )   73)

 ( فإذا الأشهر الحرم فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) التوبة 5)

ومن يراجع أسباب النزول وتاريخ تطور النزاع بين الإسلام وخصومه يمكن أن   أنه لا تعارض بين هذه الآيات والآيات التي تحدد هدف القتال بأنه دفاعي وأنه لا يجوز اقتطاع الآيات عن سياقها الكلي كما يحاول المستشرقون وتلاميذهم أن يفعلوه .

 وبهذا المنطق يمكن اعتبار المسيحية دين حرب إذا حكمنا عليها من خلال الفقرة 24 الواردة في إنجيل متى الإصحاح العاشر مما نسبه إلى سيدنا عيسى عليه السلام ( لا تظنوا أني جئت لألقى سلاماً على الأرض ما جئت لألقى سلاما بل سيفاً) .

 فالحرب في الإسلام إنما هي حرب دفاعية وليست لإجبار الناس على الدين

 وقال ابن تيمية : إن الحرب الإسلامية إنما هي حرب دفاعية لأن أصل العلاقة مع غير المسلمين هي المسالمة . وأن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم   ترجع إلى هذا المعنى عند التأمل .

 دفاعا عن المسلمين والمستضعفين وليست هجومية بلغة العصر وإنما كانت لإنقاذ المستضعفين وقد شرح الشيخ الجليل أبو زهرة – في كتابه ابن تيمية – وجهة نظر شيخ الإسلام ابن تيمية شرحا ضافياً .

 وكذلك أشار العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى إلى ذلك عند قوله تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) أنه تنبيه على أن القتال المأذون فيه هو قتال جزاء على اعتداء .

 وقال في آخر شرحه : وكان هذا شرعاً لأصول الدفاع عن البيضة .

وقد نبه ابن عاشور على أن غزوة تبوك إنما كانت رداً على هجوم محتمل من الروم بالشام كما يدل عليه حديث عمر في الصحيح عندما جاءه أخوه من الأنصار في بيته في وقت لم يكن يأتيه فيه فقال عمر أجاء صاحب غسان لأنهم كانوا يتوقعون غزوا من أحد ملوك غسان بالشام مدعوما من الروم .

 وقد اختلف العلماء في وجوب الجهاد فقال كثير من العلماء إنه فرض كفاية وقال بعض العلماء كالإمامين ابن أبي شبرمة والثوري و أبي عمر بن عبد البرِّ ليس واجبا

 الطلب .. وهو جهاد يقرره الخليفة ( السلطة) لردع الدول المجاورة للدولة المسلمة عن التفكير بالإخلال بالأمن على الحدود وليس من شرطه وقوع حرب بل تهديد واستعراض للقوة وإعداد للقوة وتمرين للجيوش وليس الغرض منه إجبار الناس على تغيير دينهم بل في غالب الأحوال على معاهدات لتأمين الحدود وحسن الجوار وبالتالي ليصبح الجار دار هدنة وصلح وعهد وليس دار حرب وهو أمر سلطاني لا دخل للإفراد والجماعات إلا بحكم كونهم جيوشا أو أعضاء في المجتمع بحيث عليهم أن يؤدوا خدمتهم العسكرية إذا صدر إليهم الأمر” وإذا استنفرتم فانفروا” كما قال عليه الصلاة والسلام .             

وإذا كان هذا مرغبا فيه فلأن الإسلام يعتبر كل أعمال الإنسان الهادفة التي تدعو إلى الخير طاعة لله .

ولم يتحرك المسلمون في جهاد طلب منذ أكثر من ثلاثمائة سنة تقريباً منذ إنتهاء حصار عن فينا 1683م وبعد ذلك كانت مستعمرات الخلافة في البلقان واليونان تثور من وقت لآخر بل كل قتالهم كان في بلادهم وعلى أرضهم  

 وهذا يشبه ما ذكر في المواد الأولى من ميثاق الأمم المتحدة ( يراجع المحمصاني) حول المحافظة على الأمن العادل

أما الجهاد الدفاعي فهو محل اتفاق وهو الذي تشير إليه الآيات القرآنية العديدة مبينة أسبابه وهو الظلم المتمثل في الطرد عن الديار والحجر على الحرية الدينية ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) الآية الحج 29)

وهذه الآية يعتبرها المفسرون أول آية نزلت في القتال  يقول ابن هشام في سيرته  في شرحه لسبب نزول هذه الآية : بسم  الله الرحمن الرحيم قال : حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال:  حدثنا زياد بن  عبد الله البكائىّ عن محمد بن إسحاق المطلبي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم   قبل بيعة  العقبة لم يُؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتـنوهم  عن دينهم ونفوهم من بلادهم فهم من بين مفتون في دينه ومن بين   معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فراراً منهم . منهم من بأرض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه فلما عتت قريش على الله عز وجل وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم   وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم   في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم فيما بلغني عن عُروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله تبارك وتعالى: ( أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامعُ وبيعُُ وصلواتُُُ ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً  ولينصُرنّ الله من  ينصُرهُ إن الله لقويُّ عزيزُ الذين إن مكنّاهُم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )

أي أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر يعنى النبي صلى الله عليه وسلم   وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين .( ابن هشام : السيرة النبوية 467)

والسبب الآخر هو إنقاذ المستضعفين وإسعافهم وهذا ما تشي إليه آية سورة النساء ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً )

 والسياق الثالث  : رد العدوان

( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) البقرة19)

  وقد اعتبرها ابن جرير أول آية نزلت في القتال ومعناها ليس أن تشن حرباً فعليك ردُّ عدوانه وذلك في سبيل الله لأنك تدافع عن نفسك وأنت مظلوم فأنت على حق .

 وفي هذا المعنى من رد العدوان وإيقاف الظالم عند حده دون زيادة ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) النحل

( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير حق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور )

 نلاحظ في الآيتين الأخيرتين الإشادة بفضيلة الصبر والتسامح بعد الإذن  بالدفاع ضد الظالم وعدوانه .

هذه الحرب التي تخضع لكل معايير الفضيلة – ردّ على العدوان.لا إفراط فيه في استعمال القوة. إسعاف للضعفاء. إفساح المجال للحرية الدينية – لها ضوابطها الشديدة في الحفاظ على المدنيين والضعاف والعمال الفلاحين والأجراء ورجال الدين والنساء ما كانت هذه     

 والحافظة على الأشجار المثمرة وعلى الحيوانات والمنع من حرق الغابات وإيذاء غير المقاتلين واحترام المعاهدات احتراما شديدا حتى ولو كانت في بعض الأحيان تبدو مجحفة إنها حرب نظيفة – فيها قيادة واحدة وليست لعبة دموية يقوم فيها الجيش بفتل من يشاء وينهب ما يشاء ويهجم ويغير على من يشاء

  إنها حرب ضرورة إنها بلغة العصر حرب يؤيدها القانون الدولي والمعاهدات الدولية ميثاق الأمم المتحدة فلنقرأ في المادة 51 ما يلي :

 

اتفاقيات حلف شمال الأطلسي في المادة الخامسة : تعتبر أطراف  الإتفاقية أن أي هجوم عسكري ضد أي منها يقع في أوربا وأمريكا الشمالية موجهاً ضد جميع الأطراف وتعتبر في حالة وقوع ذلك أن كل واحد منها يمارس حق الدفاع المشروع فردياً وجماعياً المعترف به  “الدفاع الشرعي” في المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة يساعد كل منهم الآخر فرديا أو باتفاق الأطراف في أي

أما أنتم هنا في الغرب فجهادكم هو العمل بجدية لتحسين صورة الجالية المسلمة والعمل على منع الجريمة ومكافحة المخدرات وتربية أولادكم تربية سليمة أوصلوا إليهم القيم الدينية وهذه المشكلة الأساسية لكل الجاليات في العالم والإحسان إلى جيرانكم من غير المسلمين وإبراز محاسن الخلق الإسلامي الجميل من أداء الأمانة وإتقان العمل في المصانع والكلمة الطيبة ومساعدة الضعفاء وإسعاف المرضى  مهما يكن دينهم هذه أخلاق الطائفة المسلمة في مكة نحن نعيش في العهد المكي .

( التوازن في الشخصية وهو توازن يحترم العزة والشجاعة ولكنه يستبعد التهور واللامنطقية والفوضى وهذا هو الاعتدال .

 عليكم أن تندمجوا الاندماج الواعي وأن تكونوا في حلف الفضول أن تشجعوا الأخلاق بل أقول القيم الجمهورية أن تدافعوا عن حقوق الإنسان أن تتبنوا أجمل ما في هذه الحضارة من ديمقراطية وحقوق إنسانية ومدنية وتضامن وتكافل وتقدموا لهم أحسن ما عندكم بالحكمة والموعظة الحسنة وإن المسلم الجيد هو المواطن الجيد.

 إن التعددية الفكرية والعلمانية في مفهومها الأصلي هي الجمهورية التي توفر التعايش للمقيمين على هذه الأرض .

 لا تنسوا حديث فديك يفديك…..

 حسنوا علاقاتكم بالمجتمع عيشوا همومه الأمنية والاقتصادية بذلك تبرهنوا أنكم منه فعلا وهذا لا يمنعكم من التضامن مع القضايا العادلة في العالم العربي والإسلامي كقضية فلسطين فساعدوها بالمال والدعاية دون إخلال بالأمن في بلدكم  بل عليكم أن تكسبوا الشعب الفرنسي والحكومة والبرلمان والشعوب الأوربية .

 فجهادكم الدقيق هو أن تحافظوا على أخلاقكم الإسلامية وشعائر دينكم وأن تتعلموا دينكم وتعلمون أبناءكم دون أن توقظوا العنصرية والعداء وأن تندمجوا في الحضارة وأن تكونوا على وفاق مع النظام العام في هذا البلد عليكم أن تدرسوا القوانين في هذا البلد

المرأة قال تعالى ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى …..)

وقال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) فأثبت الولاية المتبادلة .

وجاء في الحديث : النساء شقائق الرجال “.

 ولهذا قال الإمام الشاطبي إن الرجل والمرأة متساويان في أصل التكليف ومفترقان في التكليف اللائق بكل واحد منهما كالحيض والنفاس.

 وهناك مساواة في الميراث في آية أخوة الأم ( وإن كان رجلا يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث )

 والمرأة تجب نفقتها على زوجها إن كانت زوجة وعلى ابنها إن كانت أماً .

وشهادة المرأة قد تكون بشهادة الرجلين في المسائل المختصة بها عند بعض الأئمة كالإمام احمد .

 ولهذا فنهيب بالناقدين أن ينظروا إلى الشريعة الإسلامية كوحدة واحدة وأن يهتموا بتفسير علماء المسلمين الذين يمثلون المرجعية المعتبرة 

 

عرض لمحاضرة المقاصد في الشريعة

 

عرض لمحاضرة المقاصد في الشريعة 

    التي القاها العلامة عبدالله بن بيه في مركز المقاصد بمكة المكرمة الاسبوع المنصرم

 

بقلم : الاستاذ محمدو بن عبدالله بن بيه

استهل مولانا الشيخ المحاضر برصد ما لقصد من معان مذكورة في كتب اللغة كالمقاييس لابن فارس واللسان لابن منظور والقاموس المحيط للفيروزابادي.

وبعد وعي الحاضرين لدلالتها اللغوية افرغ لهم في وعائها المعنى الاصطلاحي الذي استعمل في كلام الفقهاء والأصوليين تارة لمقاصد الشريعة أي ما يقصد الشارع بشرع الحكم وبعبارة أخرى :” مراد الحق سبحانه وتعالى من الخلق”.

وهو الذي تجليه العقول من نصوص الشرع فيتداخل مع العلل والأسباب والحكم مع اختلاف في بعض الشيات وبخاصة عند من يرى كالرازي العلل مجرد أمارات وعلامات وليست حكماً وغايات.

ونبه الشيخ إلى أن العلماء قد عبروا بعبارات مختلفة عن هذا المعنى واختار أن يبدأ بعبارات المتأخرين الذين نضجت لديهم نظرية المقاصد وتدرج بعد ذلك إلى عبارات المتقدمين التي تشكل جذور هذه التعريفات وأصولها.

وبعد جولة في التعريفات أدرك السامعون أن المقاصد تارة تكون حِكماً وغايات وتارة تكون أحكاماً تُحقِّق تلك الحكم وتارة تكون نوايا المكلفين وغايتهم.

وأوضح الشيخ للحضور كيف أن المقاصد هي فلسفة التشريع الإسلامي معللاً ذلك بتقديمها الإجابة لثلاثة أسئلة أساسية تواجه كل تشريع:

السؤال الأول: ما مدا استجابة التشريع للقضايا البشرية المتجددة وهو ما سماه بعض القدماء بالقضايا اللامتناهية كابن رشد:

السؤال الثاني: ما مدا ملاءمة التشريع للمصالح الإنسانية وضرورات الحياة.

السؤال الثالث: ما هي المكانة الممنوحة للاجتهاد البشري المؤطر بالوحي الالهي.

مذكراً بأن للغربيين ما يسمى بروح القوانين وعلى ضوئها يفسر القضاة والمحامون القوانين ويتأولونها فإن فلسفة التشريع في الغرب قد لا تبدو شمولية مستوعبة للزمان والمكان إذا قيست بنظرية المقاصد في الشريعة الإسلامية.

ثم وقف مولانا الشيخ مع ابتداء تصنيف الأصوليين للمقاصد الثلاثة فذكر أنها تبلورت إلى حد ما مع الجويني حيث رد الشريعة إلى مقاصد كبرى هي المقاصد الثلاثة، الضروري والحاجي والتحسيني في مبحث تقاسيم العلل والأصول.

وبعد ميز لما هو مقصد أصلي ومقصد تابع خطى مولانا الشيخ إلى استكشاف المقاصد واستشفاف الحكم والفوائد فذكر أن البحث عن المقاصد مطلب شرعي فهم من القرآن الكريم في سياقين أولهما صريح وثانيهما بالتلميح من خلال تضافر النصوص.

وأورد جملة أدلة كانت له الحجة البالغة على ما ذكر.

وهذه الدعوة إلى كشف مقاصد الشريعة واستشفاف الحكم فهمها السلف فتجلت في فقه الراسخين في العلم وظهرت في قضاياهم وفتاويهم رضي الله عنهم في أمور لم يسبق فيها حكم أو أمر منه عليه الصلاة والسلام أو سبق فيها حكم أو عموم فخصصوه في الزمان.

ويفتون فيما تجدد من قضايا اعتماداً على ما حفظوه من الوحيين وتارة اعتماداً ما فهموه من دلالة المقاصد.

وامتد هذا الفقه في عصر التابعين بنسب متفاوتة ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ وأخذت كل مدرسة بنصيب ومع ذلك كانت الإشارة إلى مدرسة أهل المدينة بأنها مدرسة المقاصد إذ منها الفقهاء السبعة واستمر عمل أهلها على منهج ما ورثوه من تراث النبوة فوجد أوقافهم قائمة دليل على جواز الوقف.

وإذا كانت مراعاة المقاصد ظلت ماثلة في فقه الأئمة فإن التباين ظهر مبكراً في اجتهادهم اتساعاً وضيقاً لصوقاً بالنص وبعداً منه ويصف الشاطبي هذه الاتجاهات المتعارضة في موقفها من التعامل مع النص: فأولاً: الاتجاه الظاهري الذي لا يهتم بالمعاني وإنما يقتصر على ظواهر النصوص وهم يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.

 

 

والاتجاه الثاني: يرى أن مقصد الشارع ليس في الظواهر ويطرد هذا في جميع الشريعة فلا يبقى في ظاهر متمسك وهؤلاء هم الباطنة وألحق بهؤلاء من يغرق في طلب المعنى بحيث لو خالفت النصوص المعنى النظري كانت مطرحة.

والذي ارتضاه هو الاتجاه الثالث الذي شرحه بقوله:

والثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهو الذي أمّه أكثر العلماء الراسخين؛ فعليه الاعتماد.

إن تقسيم الشاطبي تقسيم دقيق إلا أنه يحتاج إلى تجلية وقد اختلفت المدارس الفقهية بين متمسك بظاهر النصوص مع دليل واحد هو الاستصحاب، وهؤلاء هم أهل الظاهر.

بينما قال الشافعية مع الظاهرية بظاهرها وزادوا بالقياس مع اضطراب في مذهبهم حول الاستصلاح.

وهؤلاء أقرب إلى حرفية النص.

وزادت المدارس المالكية والحنبلية والحنفية على الظاهر والقياس فقالت بالاستدلال وهو لغة طلب الدليل. قال الشوكاني: ” وهو في اصطلاحهم ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس “.

وفي آخر القرن الثاني بدأت تتبلور صورة المشهد المتباين والمتساكن والمتداخل والمتقابل وإن كان أئمة المذاهب الثلاثة الحنفية والمالكية والحنبلية لم يعلنوا عن هويتهم إلا من خلال اجتهاداتهم المتناثرة في المسائل التي تجسدت فيما بعد في قواعد فإن الإمام الشافعي رحمه الله سطر أصوله التي كان لدلالات الألفاظ فيها النصيب الأوفر والحظ الأوفى ولم يكتف بذلك فقد أوضح موقفه من الآخرين وبذلك قدم لنا مواقفهم كما يراها فتحدث عن الاستحسان وعن الذرائع معلنا موقفه المبدئي الحاسم منها.

وهكذا تميزت اتجاهات داخل المذاهب الأربعة التي تجمع بينها روابط نسب العلم بالأخذ المباشر بين أئمتها.

وخرجت من عباءة هذا الجدل المقاصد ومن المفارقات أن يكون الشافعية في طليعة مؤسسي الفكر المقاصدي من خلال مقولات إمام الحرمين الجويني وردوده اللاذعة على مذهب مالك وأبي حنيفة فعندما يلج النزاع ويحتدم الجدال وتلتك البراهين على حياض الاجتهاد في محاولة لضبط أوجهه خارج نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس فيما سمى لاحقاً بالاستدلال كانت المقاصد الوسيلة والمعيار لهذا الضبط لأنها كلية مشككة وإن كانت قطعية بتفاريق أدلة شتى حسب عبارة الغزالي تقريباً.

وقد بدأ البحث عن المقاصد انطلاقاً من الرسالة ورد الفعل عليها والجدل حولها الذي اشترك فيه علماء من مختلف المذاهب أرسخهم القاضي أبو بكر الباقلاني إلا أن الفلسفة المقاصدية كانت مع الجويني سنة478 وتلميذه أبي حامد الغزالي سنة 505 وتلميذه أبي بكر ابن العربي سنة543 والعز بن عبدالسلام سنة660وتلميذه القرافي سنة 682هـ

مع آخرين كالرازي وأبي الخطاب وأبي الحسين البصري وغيرهم من الأصوليين والمتكلمين.

وإن تأخر رد فعل الأحناف ليكون في القرن الثالث فإنهم انخرطوا في جدل مع الشافعية وغيرهم في مختلف قضايا الخلاف التي يرجع بعضها إلى دلالات الألفاظ وبعضها إلى معقول النص أي المقاصد إلا أن تدخل المدارس الكلامية كالأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة أثرى الفكر المقاصدي وأوجد أسساً جديدة للحوار الدائر حول المسألة المقاصدية من خلال طرح إشكالية التحسين والتقبيح العقليين ووجوب الصلاح والأصلح أساساً لتعليل أحكام الباري جل وعلا وأفعاله ومسألة الباعث في التعليل فكان الفقيه الأصولي مدفوعاً لخوض غمار علم الكلام وأحياناً السباحة في بحر الفلسفة الأرسطية دون أن يكون قد أعد لها زورقها.

 

ويعد نثره لتلك الورود أطلعهم مولانا الشيخ على كيفية استنباط المقاصد وسبل استخراجها.

وزاد على ما ذكر الشاطبي وابن عاشور جهة خامسة هي: جهة الترك. وليس الترك مرادفاً للسكوت، فالترك هو فعل متعمد من الشارع.

 

الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها

نعني بهذا أن المقاصد بعد استنباطها واستخراجها من مكامنها كيف نجنى ثمرتها وكيف .تنجدنا. وترفدنا وتسعفنا وتتحفنا بفوائد تشريعية فأول استثمار لها هو ترشيح المستثمر الذي هو المجتهد ليكون مجتهداً موصوفاً بهذا الوصف لا بد من اتصافه بمعرفة المقاصد لقد بني الشاطبي اجتهاد المجتهدين على دعامتين من المعرفة هما: أولاً: معرفة اللغة العربية فيما يتعلق بدلالات الألفاظ ومقتضيات النصوص.

ثانياً: معرفة مقاصد الشريعة جملة وتفصيلاً إذا تعلق الاجتهاد بالمعاني من المصالح والمفاسد.

 

ولهذا فيمكن أن نقرر وجود مقاصد كبرى قطعية ثابتة بأكثر من دليل في حكم التواتر ومقاصد ثانوية ثبوتها كثبوت العلل ومقاصد عامة تنتشر في كل باب من أبواب الشريعة ومقاصد خاصة تخص باباً واحداً أو طائفة من أحكام أحد الأبواب.

وبهذا يتضح توالد المقاصد وترابطها وتضامنها وتسلسلها وتراتبها في سلم العموم والخصوص تتدرج بين العام و الخاص وبين الأعم و الأخص. وهناك أيضا مقاصد المقاصد ومقاصد الوسائل.

وتعرض ابن عاشور لاحتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة فقال: إن تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء.

ولبيان ما دندن حوله أبو المقاصد أبو إسحاق الشاطبي والعلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمهما الله تعالى نقول: إنه يستنجد بالمقاصد في أكثر من ثلاثين منحى من مسائل الأصول يمكن أن نستعير لها كلمة المحائر والأكنسة لأنها مكامن لؤلؤ الحكم ومكانس ظباء المقاصد وجذور أرومتها وأقناس أجناسها.

خلاصة القول: إن المقاصد روح الشريعة وحكمها وغاياتها ومراميها ومغازيها.

وقد تباينت آراء الباحثين حول المقاصد من مبالغ في اعتبارها متجاوز لحدود عمومها حيث جعله قطعياً وجعل شمولها مطرداً غافلاً أو متجاهلاً ما يعترى العموم من التخصيص وما ينبرى للشمول من معوقات التنصيص.

فألغوا أحكام الجزئيات التي لها معان تخصها بدعوى انضوائها تحت مقصد شامل.

ومن مجانب للمقاصد متعلقاً بالنصوص الجزئية إلى غاية تلغى المقاصد والمعاني والحكم التي تعترض النص الجزئي وتحد من مدى تطبيقه وتشير إلى ظرفيته فهي كالمقيد له والمخصص لمدى اعتباره إلى حد المناداة بإبطال المصالح.

والمنهج الصحيح وسط بين هذا وذاك يعطى الكلي نصيبه ويضع الجزئي في نصابه. وقد انتبه لهذه المزالق الشاطبي رحمه الله تعالى حيث حذر من تغييب الجزئي عند مراعاة الكلي ومن الإعراض عن الكلي في التعامل مع الجزئي.

وبما قدمنا نكون قد رمينا نظرية استقلال المقاصد عن أصول الفقه بالفند وأبنَّا الاندماج بينهما اندماج الروح في الجسد والمعدود في العدد.

فَإِن لا يَكُنها أَو تَكُنهُ فَإِنَّهُ       أَخٌ أَرضَعَتهُ أُمُّها بِلِبانِها

والقول الفصل إن للمقاصد أصولاً كبرى فوق علم الأصول وأصولاً عامة مشتبكة بمباحث الأصول وأخرى أخص من ذلك إلا أنها في خدمتها مفصلة لها مبينة تارة ومكملة تارة أخرى.

فمنظومة الشريعة لا يعزب عنها حكم ولا تغيب عنها حكمة وقد تفطن الأصوليون للمقاصد الكبرى وهي مقصد العبادة ومقصد الابتلاء والامتثال في مبحث التكليف.

لكن بحر المقاصد لا يزال زاخراً يتجدد عطاؤه وبخاصة في القضايا المتجددة وذلك في اتجاهين: قضايا لم يقم موجبها في الزمن الماضي ولم تظهر الحاجة إليها: فقام في هذا الزمان كما أشار إليه الشاطبي في احداث الصحابة أحكاماً في قضايا لم يكن مقتضاها قائماً في زمنه عليه الصلاة والسلام ولم يكن من نوازل زمانه كما يقول الشاطبي كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع. حسب عبارته.

ولأطبق هذه المعايير سأضرب أمثلة من عدة أبواب لأبدأ بالعبادات”. كذا قال الشيخ . وبعد ان ضرب الامثال وقدم البراهين ختم الشيخ المحاضرة قائلا:

“وبهذا نختم هذه المحاضرة التي أردنا أن تكون وجيزة حسب الإمكان ومُلمعة إلى ما وراءها من بيان نرجو أن تكون مقدمة لدراسات معمقة سيقوم بها هذا المركز المبارك إن شاء الله تعالى.

مع تنبيه الحضور إلى أننا لم نرد تكرير الشاطبي ولا ترديد ابن عاشور مع أننا اقتنصنا من شواردهما واستقينا من مواردهما معترفين لهما بالجميل إذ ليس المقلد كالأصيل منشداً قول الأنصاري:

لَيسَ قَطا مِثلَ قُطَيٍّ وَلا الــــمَرعِيُّ في الأَقوامِ كَالراعي

فهم الرعاة ونحن المرعيون ونحن التابعون وهم المتبعون والله المستعان.

وفقنا الله وإياكم إلى مقاصد الخير وخير المقاصد.

 

 

لخصه في عرض سريع

الاستاذ: محمدو بن عبدالله بن بيه

 

البحث حول الرؤية والحساب لإثبات الصوم والإفطار

فتوى العلامة عبد الله بيه في هذا الخصوص والتي لها ارتباط وثيق بمثل ما حدث في هذا العام من الاختلاف حول هذه المسألة يقول حفظه الله   :

 

فالمسألة واسعة أن شاء الله, فيمكنهم ان يصوموا أذا شاؤوا مع السعودية أو مع أي بلد آخر إذا ثبتت الرؤية فيه ثبوتاً شرعياً, كما يمكنهم أن يتحروا الهلال في بلدتهم أو في مكان قريب من بلدهم, حيث قلنا إن تنائي الأقطار يمنع من اعتبار الرؤية في مكان آخر, مع الاستعانة بالفلك وبالمرصاد أيضاً, ففي هذا الزمان تطور هذا العلم تطوراً كبيراً, بحيث كما يقول البعض : إن الأبرة اذا ارسلت في الجو يمكن الاهتداء اليها, فكيف القمر الذي يكون قد ولد أو خرج من الاقتران, وخرج من شعاع الشمس, أي: بعد ساعتين أو ثلاث ساعات من خروجه من شعاع الشمس فإنه يرى, إذا كان خرج في وقت يمكن أن يرى في ذلك المكان إذاً فالمسألة واسعة, نرجو من المسلمين ألا يختلفوا, فمن منهم قلد من يقول: إن تنائي الأقطار مانع من الاتباع فإنه قد قلد قولاً قوياً, ومن قلد كذلك القول الذي يقول بأن رؤية أي بلد تنسحب على البلد الآخر فهو قول أيضاً جيد, ومن استأنس وبحث عن الحساب الفلكي ليثبت به أو ليؤكد به رؤيته فهذا ايضاً دليل جديد قد يساعد كثيراً على الترجيح. إلا أنه إذا رئي الهلال قطعاً وقال الحساب الفلكي إنه لا يرى فحينئذ لا نعتمد على الحساب الفلكي, خلافاً للمجلس الأوربي الذي قال بالاعتماد على الفلك حينئذ, إذا رأته مستفيضة أي جماعة كبيرة فإننا نقدم الرؤية على الحساب الفلكي. هذا باختصار ما نراه في هذه المسألة, ونوصي بعدم الافتراق وعدم الاختلاف, وأن يتباحثوا فيما بينهم, ويتفقوا على إحدى الطرق التي ذكرناها, فكلها منصوصة في كتب أهل العلم.

رمي الجمار


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد 
فإن رمي الجمار من شعائر الحج الظاهر ، والمراقب لحال المسلمين اليوم عند أداء هذه الشعيرة يرى مالا يحمد ، وسأشارك في هذا الموضوع من خلال النقاط التالية:
 

النقطة الأولى : حكم الرمي . 
حكم الرمي الوجوب من تركه أو ترك بعضه وجب عليه دم .


النقطة الثانية
الوقت في رمي جمرة العقبة وقتان : وقت فضيلة ،ووقت صحة كما هو مذهب الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله تعالى ، فمن رمى بعد منتصف الليل فذلك وقت صحة . ومن رمى بعد طلوع الفجر فذلك وقت فضيلة ، وأما بعد طلوع الشمس فذلك الأولى ، ويستمر الوقت حتى غروب الشمس ،ومن العلماء من مدده بالليل الذي بعده وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال إذا لم يرمي في اليوم الأول رمى في اليوم الثاني عند زوال الشمس ، والوقت في الأيام الباقية هو من الزوال إلى غروب الشمس ،واختلف العلماء في الرمي في الليل فذهب بعضهم إلى أن الليل تابع للنهار ،وذهب بعضهم إلى أنه لا يرمي حتى يكون نهاراً أي في اليوم الثاني ، وذهب بعض العلماء إلى أن الأيام الثلاثة هي وقت أدى فمن رمى في اليوم الثالث عشر يكون قد أدى ، وبالتالي لا يجب عليه دم على أن يرتب الرمي بالنية أي أن يرمي في اليوم الأول والثاني ….إلخ هذا هو وقت الرمي.


النقطة الثالثة : الرمي قبل الزوال 
من رمى قبل الزوال في اليوم الثالث عشر لينفر فإنه لا بأس في ذلك على مذهب أبي حنيفة . أما في اليوم الثاني عشر إذا كان يريد النفرة فهو قوله أيضاً ،لكن في اليوم الأول أي اليوم الحادي عشر فإن القول ضعيف جدا ً، فمن دعته حاجته إلى الرمي في اليوم الثاني عشر قبل الظهر . فعسى أن لا يكون بذلك بئس . لكن الأولى هو الذي عليه جمهور العلماء أن يرمي بعد الزوال ولو ليلاً ، وهذا هو الأولى وهو الذي يجب المصير إليه إلا لضرورة أو حاجة تلامس الضرورة.


النقطة الرابعة : توسيع الحوض والرمي قريباً منه 
الظاهر أنه لا ينبغي أن يرمى خارج الحوض هذا مذهب جماهير العلماء ، فإذا وقع الرمي خارج المرمى فإنه يكون باطلاً . وبالتالي فإن هذا الأمر من التعبديات التي لا بأس بها . 
وقريب الحوض لم أرى من العلماء من قال أنه كالرمي في الحوض ، وإن كان العلماء يذكرون قاعدة في غير هذا المحل وهي قريب الشيء كهو . وهي قاعدة خلافية فرعت عليها كثير من الفروع جاءت بها كثير من أحكام الفرائض كما قال الزقاق في قواعده ( قريب الشيء كهو ) ، فهي قاعدة معروفة وضعت عليها أقوال كثيرة لكن لا أعرف تفريع هذه المسألة عليها .


النقطة الخامسة : توكيل الضعفة ونحوهما 
المريض والضعيف يوكل على اختلاف بين العلماء هل يجب عليه دم مع التوكيل كما هو في مذهب مالك ، ويسقط عنه الإثم ،أو لا يجب عليه دم ،وهو الأولى ،وبخاصة في الزحمة في هذا الزمان . والأولى للضعفة أن يوكلوا. 
وأما الرمي في الليل ذكرنا أنه يجوز على مذهب بعض العلماء وأن الأمر واسع إن شاء الله لقوة الخلاف ،ولأن رجلاً قال رميت حين أمسيت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج . الحديث . 
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

التسامح في عصر العولمة – العلامة الشيخ عبدالله بن بيه

محاضرة هامة عن مسألة التسامح بين المسلمين ومع غيرهم

ندوة التلفزيون الموريتاني مع سماحة العلامة عبدالله بن بيه ج1

رد العلامة عبدالله بن بيه على الاب مونس ج الأخير

مناظرة مع الأب مونس

ملخص بحث رعاية المصلحة في الوقف

يهدف بحث الشيخ “عبد الله بن بيه” إلى رفع الحرج الذي طالما استشعره المتعاطي لقضايا الأوقاف من حيث استثمارها وإدارتها، حيث يصطدم بعقبة النظرة الفقهية لبعض المذاهب التي تجعل الوقف ساكنا لا يتحرك، في وقت تنوعت فيه المؤسسات الخيرية (غير الإسلامية) في العالم متخذة من الاستثمارات العملاقة مطية لجني الأرباح الكثيرة.

وقد قرر الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى -ونقله عن الإمام أحمد رضي الله عنه من وجوه كثيرة- أنه تجوز المناقلة في الأوقاف للمصلحة الراجحة؛ لدليل: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق ففعل ذلك.


 الشريعة مبنية على مصالح العباد

ومن المقرر -بالاستقراء- أن الشريعة مبنية على مصالح العباد، وبين العز بن عبد السلام أن الطاعات نوعان: أحدهما ما هو مصلحة في الآخرة كالصوم والصلاة والنسك والاعتكاف، والثاني: ما هو مصلحة في الآخرة لباذله، وفي الدنيا لآخذيه، كالزكاة والصدقات والضحايا والهدايا والأوقاف.

ويوازي هذا التقسيم للطاعات تقسيم ثنائي آخر لكل ما هو مشروع شرعا إلى: معقول المعنى أو غير معقول المعنى (التعبدي)، وبتعبير ابن رشد: “عبادي” و”مصلحي”.


أين يقع الوقف من هذا كله؟

والسؤال المثار هنا: هل الوقفية تتضمن معنى “تعبديا” يمنع استغلال الحبس؟.

والجواب أن الوقف ليس من التعبديات التي لا يُعقل معناها، بل هو من معقول المعنى، أو المصلحي، وهو من نوع الصدقات والصلات والهبات؛ ففيه ما فيها من سد الخلات. فالوقف معقول المعنى مصلحي الغرض. وقد ترتبت عليه مصالح واضحة للعيان بالنسبة للأفراد، وكذلك أيضا بالنسبة للأمة (مرافق عامة، مؤسسات تعليمية وثقافية، …).


 ما الذي قد تتدخل به المصلحة في طبيعة الوقف؟

السؤال الثاني الهام هنا: ما الذي يمكن للمصلحة أن تتدخل به للتعامل مع طبيعة الوقف التي تقتضي سكون اليد وبقاء العين الموقوفة؟.

وهنا تختلف أنظار العلماء؛ إلى ثلاثة آراء:

·  محافظ على عين الموقوف إلى ما يشبه التوقيف والتعبد، وهو مذهب المالكية والشافعية، فلا يجيزون الإبدال والمعاوضة إلا في أضيق الحدود، في مواضع ذكرها البحث.

·  متصرف في عين الوقف في إطار المحافظة على ديمومة الانتفاع، وليس على دوام العين، ويمثله الحنابلة وبعض فقهاء المالكية، خاصة الأندلسيين.

·  متوسط متأرجح بين الطرفين، يدور مع المصالح الراجحة حيثما دارت، ويتشكل من بعض الأحناف -كأبي يوسف- ومتأخري الحنابلة -كالشيخ تقي الدين ابن تيمية- وبعض متأخري المالكية.


 مظاهر تأثير المصلحة، واعتبارها

ويمكن ملاحظة اعتبار المصلحة وتأثيرها في المظاهر التالية:

وقف أموال منقولة لا يمكن الانتفاع بها دون استهلاك عينها:

كوقف النقود والطعام للسلف، أو النقود للمضاربة والاستثمار. وهذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد؛ فكثير من أصحابه منعوا وقف الدراهم والدنانير. قال “المرداوي”، بعد أن نقل أن الصحيح من المذهب عدم وقف الأثمان: “وعنه يصح وقف الدراهم. فينتفع بها في القرض ونحوه، اختاره شيخنا، يعنى الشيخ تقي الدين.

وقصر المالكية وقف العين على القرض، ولكن ذلك -من حيث المعنى- لا يمنع تعميمه على غير القرض من الاستثمار، كما قاسوا على العين وقف الطعام للبذور، ووقف النبات دون الأرض ليفرق على المساكين. ووقف الطعام إذا كان للسلف: كوقف العين، ليس محل تردد؛ لأن مذهب “المدونة” وغيرها الجواز.

وفي المذهب الحنفي كان العلامة أبو السعود (عاش في القرن العاشر الهجري) من أشد المدافعين عن جواز وقف النقود والمنقولات التي تزول وتحول.

وهذا واضح في جواز وقف ما يحول ويزول كالطعام، وما في حكمه مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، وبهذا ندرك أن المصلحة أثرت في الانتقال عن الأصل المعروف في: “أن الوقف إنما يكون عقارا أو منقولا، لا يتضمن الانتفاع به استهلاكَ عينه عند الجمهور”، إلى أن أصبح الوقف أموالا سائلة تتناولها الأيدي، وتتداولها الذمم.

أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف بالمعاوضة والتعويض والإبدال والاستبدال والمناقلة.

مراعاة المصلحة في الإبدال والمعاوضة، والتصرف في غلة الوقف بإنشاء أو مساعدة وقف آخر على سبيل البت، أو سبيل السلف، واستثمار غلته لتنميته.

وقد أجاز المالكية المعاوضة “للمصالح العامة” كما سماها أبو زهرة، وأن ما هو لله فلا بأس أن يُنتفع به فيما هو لله. ويقول “ابن لب”: “كان فقهاء قرطبة وقضاتها يبيحون صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض”.

تغيير معالم الوقف لمصلحة.

التصرف في الوقف بالمصلحة مراعاة لقصد الواقف المقدر بعد موته:

وهو ما ذهب إليه بعض المتأخرين من علماء المذهب المالكي، من اعتبار قصد الواقف المقدر بعد موته، لإحداث تصرف في الوقف للمصلحة يخالف ألفاظه.

إجراء العمل في مسائل الوقف:

فمن قواعد مذهب مالك رحمه الله اعتماد القول الضعيف إذا جرى به عمل؛ استنادا لاختيارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال لموجِبٍ، كتبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة، فيرتبط العمل بالموجب وجودا وعدما.

وقد أدخل المالكية إجراء العمل في مسائل الأوقاف في ست وعشرين مسألة، وفي بعضها خالفوا مشهور المذهب، وذلك يدل على إعمال المصلحة.

وليس ذلك في مذهب مالك فقط، فقد نجد في كلام غير المالكية (ذكر البحث نقلا عن الحنفية والحنابلة) الترجيح بجريان العمل أو بالتعامل، وهما مفهومان قد يعني الأول منهما عمل العلماء في فتاواهم وأحكامهم، ويعني الثاني تعامل العامة في عوائدهم وأعرافهم.


لكن .. كيف تتحقق المصلحة؟

إن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يحيف كما تبين باستقراء النصوص، وأن ميزانها هو ميزان العدل الذي لا يجور، لكن لا توجد في الغالب– مصلحة محضة عَرِية عن مفسدة أو ضرر من وجه، وقد أوضح ذلك أبو إسحاق الشاطبي خير إيضاح، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وكذلك المفسدة. و”الغالب كالمحقق”.

وتحرير المصلحة المعتبرة التي يمكن أن تؤثر في الوقف: أنها مصلحة غالبة عادة، يُطلب جلبها شرعا. أو مفسدة غالبة عادة، يطلب درؤها شرعا. فإذا لم يقع تحقق غلبة المصلحة على المفسدة فإن الإبقاء على أصل الثبات في الوقف مُسَلم الثبوت، فليست كل مصلحة عارضة يمكن أن تزعزع أركان الوقف أو تَصرف ألفاظ الواقف عن مواضعها أو تحرك الغلات عن مواقعها.


 هل يجوز استثمار الوقف؟

السؤال المركزي الآن هو: هل بالإمكان شرعا- تحريك الأموال المرصودة لاستثمارها ليزداد ريع الوقف، ويكون أكثر استجابة للمصالح التي وُقف من أجلها؟، والجواب أن هذا الأمر لا يستبعد، وذلك للاعتبارات التالية:

– اعتبار المصلحة التي من أجلها كان القول بجعل الوفر في أعيان من جنس الوقف، وهو نوع من الاستثمار. فلم يبق بعد ذلك إلا إشكال: المضاربة في ثمن المعاوضة: دون صرفه إلى أعيان من جنس الوقف.

– إذا اعتبرنا القول بجواز وقف العين ابتداء للاستثمار والمضاربة، فنقول: إن ما جاز ابتداء يجوز في الأثناء؛ بناء على المصلحة الراجحة -كما سماها ابن تيمية- ليترتب عليها استبدال الوقف للجدوى الاقتصادية التي ليست ناشئة عن حاجة أو ضرورة، وإنما عن الحاجة الاستثمارية.

– قياسا على جواز المضاربة في مال اليتيم، بل هو أولى من تركه تأكله الصدقة. قال تعالى: )ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير( .

– يُقاس على التصرف في مال الغير بالمصلحة الراجحة، الذي قد يُثاب عليه فاعله.

وقد دل حديث الثلاثة الذين في الغار، (ومنهم الرجل الذي كان مستأجرا أجيرا …)، على أن التصرف بالإصلاح، وبما هو أصلح: أمر مقبول شرعا.

ومن أوجه مراعاة المصلحة: تقديم ذوي الحاجة والفاقة على غيرهم، والأصل أن يتبع شرط الواقف الذي وقف على ذوي القربى دون تفضيل.


 الخلاصة

والخلاصة أننا يمكن أن نجزم باعتبار المصلحة في استثمار الأوقاف، مع المحافظة على الديمومة؛ مما يُمكن من إعداد برامج الاستثمار المراعية للناحيتين: الشرعية والمصلحية، ويحافظ على الموازنة الدقيقة بين انفتاح الوقف لمقتضيات “المصالح الراجحة” المحققة أو المظنونة، وبين الإبقاء على الوقفية التي تتمثل في بقاء العين أو ما يقوم مقامها في المحافظة على طبيعة الانتفاع للمستفيد من الوقف بحيث لا تَكُر مراعاة المصلحة بالإبطال على أصل الديمومة والجريان المستمر اللذين يمثلان أساس الحكمة التي تميز الوقف عن غيره من الصدقات والهبات.

وانطلاقا مما تقدم ينبغي صياغة سياسة للمحافظة على الأوقاف، لا سيما في بلاد الغرب حيث يتعين تسجيل المساجد والأوقاف الأخرى باسم هيئات موثوق بها، وإيجاد صيغة لاعتراف السلطان في تلك الديار.


اقرأ نص البحث كاملا 

ردود العلامة بن بيه على الاب مونس والدخيل ج1

حول العلاقة بين الأديان والحوار