ارشيف ل

لمحات من حياة العلامة عبدالله بن بيه 3- 3

حلقة بثتها قناة العربية عن حياة الإمام عبدالله بن بيه. وفيها عرضت مختصرا عن حياته وتكلم بعض تلامذته كالشيخ حمزة يوسف والدكتور هاني عبدالشكور وتحدث ايضا احد محبيه من كندا واحد جيرانه

من ضوابط الإعجاز العلمي

 

      

معالي الشيخ عبد الله بن محفوظ بن بيه

وزير العدل الموريتاني ـ سابقا ـ

أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز  ـ جدة

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من لا برهان له على رب سواه: (ومن يدع مع الله إلهاً ءاخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه)، وشهادة من قامت أمامه وفي نفسه البراهين على ألوهيته خلقاً بديعاً متضامناً مجاله الكون وشواهده السمع والبصر والإدراك وعلامات وآيات مع رسله يدركها الشهود والعقل والوجدان. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم الأنبياء صاحب معراج السماء الدال على البارئ. جل وعلا، بحاله ومقاله.

وأشهد أنك يا رب إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وخطيئة وضلال مبين. إياك نعبد بمنِّك وإياك نستعين بفضلك؛ لتحقق هذه الشهادة المباركة في عالم العقل والوجدان والحس. فحققنا بها وثبتنا عليها حتى نلقاك بها، وندعوك بلسان الضراعة الذي لا يعبر عنه إلا ضعفنا وعجزنا وقدرتك وإحاطتك بكل شيء أن تحققنا بمقتضيات لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيماناً وإحساناً واستسلاماً لأمرك ونهيك ومقاماً على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

أما بعد،

 فإن الإعجاز العلمي اصطلاح حديث قصد به ما تكشفه العلوم الحديثة من حقائق في هذا العصر بالذات لم يكن في مقدور البشرية من قبل أن تصل إليها، وتأتي هذه الحقائق مطابقة لخبر وارد في القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة.

أيها الأخوة:

 سنتذاكر اليوم حول آيات ربنا المكتوبة وآياته المبثوثة في هذا الكون المدركة للإنسان بالحواس أو العقل أو عن طريق الاثنين معاً. عن طريق العلم.

لا يخفى على كريم علمكم أن هذا الدين المبارك الذي ختم البارئ. جل وعلى. به الديانات واجه كثيراً من التحديات فتغلب على صعابها وبين باطلها من صوابها. واجه هذا الدين تحدي إبادة أهله واستئصال شأفتهم وهو ناشئ عن تحدي الاستفزاز من الأرض قال تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً ) الإسراء 76

نعم كان ذلك في مكة، لم يلبث خلافه الذين استفزوه من أرض مكة إلا خمسة عشر شهراً خرجوا بعدها في أثره فهلكوا ببدر، يقول في التحرير والتنوير: (وفي الآية إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم. سيخرج من مكة وأن مخرجيه أي المتسببين في خروجه لا يلبثون بعده بمكة إلا قليلاُ)

لكن محاولة محو هذا الدين من الأرض كانت تراود نفوس أعدائه إلا أن الله سبحانه وتعالى قيّض لهذا الدين أتباعاً أمدّهم بعونه وقوته حتى هيأوا في أقل من قرن حيزاً جغرافياً من جدار الصين إلى جبال البرني يكفل وإلى الأبد بقاء هذا الدين .

التحدي الثاني: كان تحدي الديانات السماوية وغير السماوية فجادلها هذا الدين بالحسنى وبالحجة البالغة والبرهان الساطع توحيداً لا شرك فيه، وتشريعاً لا حيف فيه ومساواة كاملة بين أبنائه فانحسر التثليث أمام دليل الوحدانية، وكذب الأحبار أمام نور النبوة وعدالة الوحي. بعد أن أسلم منهم من هداه الله تعالى في عصر النبوة وما بعده ظلت أجيال منهم تصارع بالسلاح تارة وباللسان أخرى فانتدب للرد عليهم علماء وأعلام من أمثال ابن حزم وابن تيمية والشهرستاني.

التحدي الثالث: الفلسفات وبخاصة اليونانية التي سبق أن أفسدت النصرانية بثنائيتها وإلحادها فواجهها علماء هذا الدين بالعقل المؤيد بالوحي فكشفوا زيفها ونقضوا كيفها فبرز علماء أيضاً كأبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن رشد على اختلاف فيما بينهم إلا أنهم جميعاً استضاءوا بنور الوحي فوقفوا سداً منيعاً دون الأخطاء القاتلة للفلسفة وأدمجوا عناصرها الإيجابية وأخذوا وأعطوا، ولذا فإن الفلاسفة المتنورين في الغرب قد أفادوا من فلاسفة الإسلام وظهر دين الحق على كل من ناوأه بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان على حد عبارة أبي بكر بن العربي الأندلسي.

وفي هذا القرن المنصرم واجهت الديانات وبخاصة الإسلام. وما زالت تحدي العلم الذي أصبح معبود الأجيال الصاعدة التي شكت في العقل مرة أخرى واطّرحت الأخلاق وانتبذت منها مكاناً قصياً فكيف تعود إلى عقلها وتعاود الأخلاق الفاضلة التي هي صمام أمان إنسانية الإنسان الذي لا نشك في أنه إذا تجرد من إنسانيته مع ما لديه من سلاح علم وتكنولوجيا سيصبح حيواناً خطراً يقضي على نفسه.

لقد كانت آيات الله تعالى بالمرصاد لكل تحدٍ بمختلف أوجهها ومجالاتها في التشريع والتوجيه والأخلاق لكن الآيات خرجت من عباءة العلم شواهد نطق بها العلم أنطقه الله تعالى الذي أنطق كل شيء بتصديق الوحي والشهادة له فانقلب السحر على الساحر.

وهكذا تضاعف غم الذين كانوا يعولون على العلم كأداة هدم لا تقهر لقلعة الدين عندما شاهدوه يتحول إلى قلعة من قلاع الدين لا تغلب حينما اكتشف العلم نفسه في نصوص الكتاب والسنة.

وتتابعت اعترافات بعض قمم العلم في هذا العصر بأن النصوص الدينية الإسلامية ليست كغيرها من النصوص الدينية التي تدخل فيها يد الإنسان بالتحريف والتبديل فعارضت العلم واعترض عليها لكنه لم يستطع أن يفند أي حرف من القرآن الكريم كما يجزم به الطبيب الفرنسي موريس بوكاي بعبارة قريبة من هذا، بينما أظهر في كتابه تعارض العلم والكتب السماوية الأخرى. ونعتقد أن ذلك نتيجة التحريف والتبديل لأن القرآن وحده وحي الله المحفوظ الشاهد لنفسه والبرهان على صدق رسوله الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. العلم يقوم اليوم شاهداً بالمعجزة وعلامة على صدق الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنحاول أن نقول كلمة عن تأصيل الإعجاز العلمي وقبل ذلك ينبغي أن نتحدث عن الألفاظ والمصطلحات ذات العلاقة بالإعجاز: المعجزة، والدليل، والعلامة، والآية.

 

فالمعجزة مشتقة من العجز وهو عجز الخصم أمام البرهان ليقر بالقضية الدعوى ( وسميت معجزة لعجز من يقع عندهم ذلك على معارضتها ) تلك عبارة ابن حجر.

وقد عرّفها بعضهم بأنها: ( أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة )

أما الدليل: فقد استعمل جمعه دلائل وهو جمع على غير قياس كرهين ورصيد، وقد استعمله البعض كأبي نعيم والبيهقي في دلائل النبوة.

أما الآية: فهو اللفظ القرآني وهو يرادف العلامة لغة واستعمالاً لأنه علامة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه قال تعالى عن سيدنا موسى. صلى الله عليه وسلم. ( في تسع ءاياتٍ إلى فرعون وقومه ). ( فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة ) وقال تعالى عن البيت الحرام: ( فيه ءايات بينات مقام إبراهيم ) وهي علامات تدل على اصطفاء هذا المكان للعبادة مقام إبراهيم وبئر زمزم الذي لا يزال ماؤه جارياً. ووصف القرآن الكريم بأنه آيات: ( الر* تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين )

أما العلامة فقد أطلقها بعضهم كالإمام البخاري في صحيحه: ( باب علامات النبوة في الإسلام ) ( الفتح، ج6، ص 580 ) وعلق عليه الحافظ ابن حجر بأن العلامة أعم من المعجزة والكرامة ص 581. وقد بين فيما بعد العلامات: منها ( ما وقع التحدي به ومنها ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحدٍ ) ص 582 فيفهم من هذا أن العلامة أعم إذ كل معجزة علامة وليس كل علامة معجزة.

).

جعل ابن خلدون المعجزة مركبة من الخارق والتحدي إذ يقول في مقدمة تاريخ العبر: ( ومن علاماتهم ( الأنبياء ) أيضاً وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثله فسميت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم .. إلى أن يقول: فالمعجزة دالة بمجموع الخارق والتحدي وبذلك كان التحدي جزءاً منها ).

ووصف الله تعالى إتيان النبي الأمي – عليه صلوات الله وسلامه – بالقرآن بأنه آية ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون * بل هو ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ).

ووصف اعتراف أهل الكتاب بالقرآن الكريم بناء على م وجدوه في كتبهم من وصفه بكونه آية ( أولم يكن لهم ءايةً أن تعلمه علماؤا بني إسراءيل * ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنون ) الشعراء 197-199.

وهكذا فإن القرآن آيات بينات والقرآن الكريم هو معجزة النبي –عليه الصلاة والسلام – الكبرى الباقية ما بقي الزمان شاهداً لأهل كل زمان يشهدون منها ما يدفعهم إلى الإيمان حسب ما سبق في علمه –جل وعلى- من هدايتهم على حد قوله –صلى الله عليه وسلم -: ( ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم .

 

وكان الحديث يشير إلى الديمومة الزمنية للوحي التي تستقطب الأتباع وهي التي تميز القرآن الكريم عن سائر معجزات الأنبياء، وكذلك عن معجزاته –صلى الله عليه وسلم – الكثيرة الأخرى، إذ إن تلك المعجزات ثابتة بالمشاهدة لمن شهد وقوع الحدث في عصر النبوة وبالسماع فقط لمن سواهم، فطريق معرفتنا لشق الصدر لسيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وشق القمر له هو الخبر الوارد في الكتاب أو السنة فهي معجزات انقضت مشاهدتها بلحظة وقوعها، قال البوصيري: ( فشق من صدره وشق له البدر ومن شرط كل شرط جزء).

أما القرآن الكريم فإنه يحمل شهادة الله – جل وعلى – التي لا تغيب، وبيانه الذي لا يستعجم لكل الأقوام، فهو بلاغ للناس ( هذا بلاغ للناس) أي كل الناس في كل زمان يبلغ إليه هذا الكتاب ( وأوحي إلى هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ ) فكان القرآن رسالة وشهيداً، مقدمة ونتيجة، ودعوى وبرهاناً تكفل البارئ بحفظه برهاناً على صدقه، فالدلائل والعلامات والآيات والمعجزات ألفاظ متقاربة توصف بها الخصائص المميزة لشجرة النبوة التي لا تشبهها شجرات البشرية .

لقد شبه الناظرون وهم يشاهدون تلك الدوحة الناضرة السامقة الأثيثة الفروع، الجنية الثمار، الدانية القطوف، فطفقوا يصفون سناها وسناءها ونورها ونورها كل على قدر علمه وجده وحظه رأى من جوانب هذه الشجرة ؛ فآمن بعضهم بمجرد مشهد شخص صاحب النبوة فكفاه المظهر عن المخبر، ففي حديث عبد الله بن سلام: (لما رأيت وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – قلت: ما هذا بوجه كذاب، فأسلمت) وفي حديث الربيع بنت معوذ-رضي الله عنهما: (إذا رأيته قلت الشمس طالعة) ومنهم من جاوز المنظر إلى التأمل كحديث سلمان -رضي الله عنه – وبعضهم طالب صاحب النبوة –عليه الصلاة والسلام- بالمعجزات المادية كطلب قريش بانشقاق القمر فانشق نصفين ظهر بينهما جبل حراء كما ورد في الصحيح، ومنهم من طالب بإحياء حيوان ميت ليشهد له كصاحب سليم في حديث صاحب الضب فأحياه الله على يديه فشهد شهادة الحق .

ومن هذا القبيل شهادة الأشجار والأحجار وحنين الجذع بمحضر الملأ من الصحابة، وتكثير القليل من الطعام والماء كما ورد في أحاديث بلغت حد التواتر، ومنهم من رأى المعجزة في الإخبار عن الغيوب في زمانه وبعده، وهي أنباء تترى لا تبليها الأيام ولا يكذبها الزمان ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها .

ومن أهل الكتاب من آمن بسبب البشارات السابقة في الرسالات القديمة إذ لم يخل كتاب من وصفه بالإشارة أو بصريح حتى إن كتب الهندوس والبوذيين تنص على اسمه الكريم .

ومنهم من رأى المعجزة فيما أخبر عنه من تزكية النفوس التي يصل إليها المرء بالذوق عندما يستجيب لله والرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن هؤلاء أبو حامد الغزالي بعد أن تحدث عن معرفة النبي – صلى الله عليه وسلم -. بالمشاهدة والتواتر والتسامع، قائلاً: (فإنك إذا عرفت الطلب والفقه يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم وإن لم تشاهدهم .. ) فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم الضروري بكونه – صلى الله عليه وسلم – على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب وكيف صدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، في قوله: ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) إلى غير ذلك من الآيات البينات والمعجزات. إلا أنه لا يختلف في أن معجزته الباقية وآيته الخالدة هي هذا الكتاب العزيز والذكر الحكيم والقرآن المجيد فهو المعجزة التي تخاطب أجيال البشرية المتعاقبة لتهديها إلى البارئ – جل وعلى – وإلى سبيل النجاة والخلود في دار المقامة والكرامة ولتعريف الإنسان على حكمة خلقه .

وانطلاقاً من ذلك فإن كل جيل سيجد في كتاب الله من البينات ما يقيم عليه الحجة (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) ومعنى ذلك أن باب التفسير سيظل مفتوحاً أمام الأجيال في نطاق احترام ثوابت التفسير وهي :

 

1- المأثور عن النبي –صلى الله عليه وسلم.

 

2- المأثور عن أصحابه – عليهم رضوان الله.

 

3- مقتضيات اللغة العربية. التي سنشير إليها فيما بعد.

 

فإذا احترمت هذه الثوابت فلا حرج – إن شاء الله – على المفسر ولعله لا يدخل تحت طائلة الوعيد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي عنه – عليه الصلاة والسلام: ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ) .

وقول الصديق – رضي الله عنه – وقد سئل عن الأب فقال: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن برأي ؟)

فكل الأدلة تشير إلى أن شخصاً قد يفتح له بفهم في كتاب الله لم يكن معروفاً لغيره وهذا ما يشير إليه دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس: ( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )، واتفق العلماء على أنه تأويل القرآن، وقول أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه وأرضاه – لما قال له أبو حنيفة: هل عندكم شيء من الوحي ليس في كتاب الله ؟ فقال: ( لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن ).

فهذا الفهم هو الذي نعتمد عليه في تعاملنا مع القرآن بالعلوم، وقد قال الفخر الرازي: ( إن المتقدمين إذا ذكروا وجهاً في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استنباط وجه آخر في تفسيرها ) هذا في التفسير بما لم يؤثر عن السلف بصفة خاصة، أما فيما يتعلق بالتفسير العلمي فقد اختلفت أنظار العلماء، ولعل أقرب ذلك إلى الصواب وأولاه بالإتباع ما قاله في التحرير والتنوير حيث يقول ابن عاشور: ( .. وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقاً بتفسير أي قرآن ….. وكذا قوله تعالى: ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة فلو زاد المفسر ففصل تلك الحالة وبين أسرارها وعللها بما هو مبين علم الهيئة كان قد زاد للمقصد خدمة.

وأما على وجه التوفيق بين المعنى القرآني وبين المسائل الصحيحة من العلم حيث يمكن الجمع، وأما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: ( ويوم نسير الجبال ) أن فناء الأرض بالزلازل، ومن قوله تعالى: ( إذا الشمس كورت ) .. الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم ) واستطرد ابن عاشور حيث نقل عن ابن رشد الحفيد في فصل المقال قوله: ( أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشارع كلها على ظاهرها ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم في التصديق.

هذا عن التفسير العلمي، وإنما مرادنا هو نوع خاص منه هو التقاء الحقيقة القرآنية وهو ما أشار إليه ابن عاشور في الفقرة الثانية من الكلام المذكور آنفاً من التوفيق بين المعنى القرآني وبين المسائل الصحيحة من العلم أما الإعجاز العلمي: فهو إعجاز خبري بدون شك ولكن وسيلة كشفه هي العلوم المعاصرة ومعنى ذلك أن مستقر النبأ يجئ عن طريق العلوم العصرية ( لكل نبأٍ مستقر ) مستقره يوم اكتشافه وهو أمر لا ينافي نصوص الشريعة ولا مقاصدها.

والإعجاز العلمي مركب من لفظين أولهما: الإعجاز وهو السبق والفوت، وهو أيضاً جعل الآخر عاجزاً، وثانيهما: العلم وهو كما يقول الأصفهاني: ( إدراك الشيء على حقيقته وذلك ضربان، أحدهما: إدراك ذات الشيء والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود به، أو نفي شيء هو منفي عنه ). والعلم هنا المراد به ما كشفته العلوم التجريبية من حقائق كونية بحقائق مقررة في القرآن الكريم أو السنة النبوية، ووجه الإعجاز يتركب من ثلاثة عناصر:

عنصر الزمان، والرسول الأمي – صلى الله عليه وسلم – والكشف العلمي المتأخر، وذلك أنه يستحيل عادة في ذلك الزمان أي زمان الوحي إدراك هذه الحقيقة بالوسائل البشرية المتاحة، ويستحيل في كل زمان أن يدركها رجل أمي – صلى الله عليه وسلم – لم يتعاط وسائل العلوم ومقدماتها الضرورية في كل زمان للوصول إلى نتائج معينة. أما العنصر الثالث فهو الاكتشاف المتأخر لهذه الحقيقة.

 

 

ولكن يجب أن يضبط ذلك بضوابط من شأنها أن تحدد الإطار الشرعي للتعامل مع هذا الموضوع حتى لا تتفرق السبل ويتنكب عن الجادة ويصبح موضوع الإعجاز فوضى لا توصف بالخطأ الاجتهادي، بل يجب أن توصم بالخطر الذي يصل إلى الافتراء والقول في كتاب الله بلا علم والوقوع تحت طائلة الوعيد: ( من قال في كتاب الله بغير علم فهو مخطئ ولو كان مصيباً )

الضابط الأول: أن يكون معنى اللفظ الوارد في الكتاب والسنة والذي يقصد مطابقته للحقيقة العلمية مفسراً بتفسير نبوي عنه – عليه الصلاة والسلام – أو مفسراً من قبل صحابي كتفسير ابن عباس – رضي الله عنه – ( للرتق ) في قوله تعالى: ( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ) بكونها ملتصقتين فقد قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: يعني أنها كانت شيئاً واحداً ملتزقتين ) القرطبي.

-والكيفية التي كان عليها الجسم المرتوق قبل الفتق غير معروفة على سبيل التأكيد، إلا أن بعض قصص التراث تروي شيئاً قد لا يكون بعيداُ عما تصوره القائلون بنظرية الانفجار الكبير التي ترى أن جسيما متناهيا في الصغر من الطاقة الخالصة ذا كثافة وحرارة هائلة انفجرت فتناثرت أجزاؤه في شتى الاتجاهات في شكل سحب ) وقد عاد العلماء إلى هذه النظرية استناداً إلى معلومات القمر الصناعي أمريكي في أبريل 1992 م، أما القصة التي ذكرها العلامة الشيخ سيدي المختار الكنتي الشنقيطي من علماء القرن 12 الهجري في شرحه لمقصود وممدود ابن مالك، فنقول: إن أول شيء خلقه الله تعالى الذرة فجعلت تسيح ألف ألف عام حيث لا أرض ولا سماء .. فلما أراد ظهور الأكوان نظر إليها بعين الجلال فتصدعت فانبجست منها العناصر الخمسة وهي الماء والريح والنور والظلمة والنار ).

 

الضابط الثاني: في غياب تفسير نبوي أو تفسير صحابي ؛ فالضابط أن يكون التفسير بمقتضيات اللغة العربية بأن يكون إطلاق اللفظ على المعنى من قبيل الحقيقة ( وهي استعمال اللفظ فيما وضعت له العرب وضعاً ) ويتصور ذلك في مرتبتين:

مرتبة ( المفسر ) عند الأحناف وهو النص عند الجمهور لأنه لفظ لا يدل على معنى واحد لا يقبل التأويل.

مرتبة الظاهر: لفظ احتمل أكثر من معنى إلا أنه أظهر في أحد معانيه أن يكون اللفظ حقيقة عرفية أو شرعية.

إذا لم يكن اللفظ نصاً ولا ظاهراً حقيقة بأي معنى من المعاني فإن عدل عن الحقيقة إلى المجاز وعن الظاهر إلى المعنى المرجوح فإن الأمر سيكون من قبيل التأويل الذي يجب أن ينضبط بضوابط التأويل التي تقتضي وجود قرينة من نص آخر أو قياس مع احتمال اللفظ للمعنى المرجوح احتمالاً لغوياً لا غبار عليه، وقد تكون الحقيقة العلمية إذا كانت أكيدة فـ (خضراً ) في قوله تعالى: ( فأخرجنا منه خضراً ) هو الشيء الأخضر هذا ظاهره إلا أنه حمله على اليخضور بالمصطلح العلمي أمر سهل لاحتمال اللفظ احتمالاً لا غبار عليه وتأكيد الحقيقة العلمية.

إلا أن الشيء الذي يجب الانتباه إليه أن التفسير العلمي قد يكون موافقاً للحقيقة الوضعية لكنه يقابل مجازاً درج المفسرون عليه مما يقتضي من الباحث التقصي عن عدم وجود تفسير نبوي ولا صحابي، فإن اطمأن إلى ذلك أمكن حمل اللفظ على حقيقته والوضعية وبالتالي الالتقاء بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية كما في آية: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) إذا صحت الحقيقة التي وصل العالمان الأمريكيان فولر وزميله في الحديد. فيكون الإنزال على حقيقته يوضح ذلك حديث: (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح) عن القرطبي في تفسيره .

وقد فسر أكثر المفسرين (الإنزال) بأنه استعارة لخلق معدن الحديد كما هي عبارة صاحب التحرير والتنوير.

هذه هي الضوابط التي يجب على كل باحث أن يضعها في حسابه وهو يحاول أن يتعامل مع الإعجاز العلمي في القرآن.

ومع هذا فلا حجر في التعامل مع الإشارات القرآنية والحديثية بشرط عدم الإخلال بالنص وعدم الخروج عليه فمن القواعد المقررة عند الأصوليين أن الإشارة لا يعتد بها إذا خالفت النص، والحقيقة أن مخالفتها للنص دليل على عدم وجود إشارة.

كما يمكن للباحثين أن يجعلوا بحوثهم تدور حول بعض القضايا العامة في خلق الكون كقانون الزوجية الذي تكرر التصريح به في أكثر من آية في الإنسان والأنعام: (جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) سورة الشورى –11- كذلك فإن الزوجية وردت في النبات: ( وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) سورة ق – 7 .

إلا أن الزوجية جاءت في صيغة العموم والشمول في خلق الكون: (والسماء بنيناها بأييدٍ وإنا لموسعون*والأرض فرشناها فنعم الماهدون* ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون*ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين*ولا تجعلوا مع الله إلهاً ءاخر إني لكم منه نذير مبين) الذاريات 47 –50

إن الزوجية من خصائص المخلوقات ودليل الاحتياج والافتقار، والوحدانية والفردانية من خصوصيات الخالق وذلك ما يشير إليه التقابل في سورة الشورى والذاريات.

 

العلامة عبدالله بن بيه الدين والفن الجزء الأول

العلامة عبدالله بن بيه الدين والفن الجزء الثاني

محاضرة القيت في مهرجان جوائز المحبة عام 2008

العلامة عبدالله بن بيه الدين والفن الجزء الثالث

العلامة عبدالله بن بيه الدين والفن الجزء الرابع

محاضرة القيت في مهرجان جوائز المحبة عام 2008

الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه 

 

الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة 

الأستاذ/ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه بتكليف من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تضمنته رسالة فضيلة الأمين العام للمجلس أقدم هذا البحث عن الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة ويشتمل هذا البحث على:

  تعريف مختصر للبورصة.

  أهم المعاملات التي تدور فيها.

  عرض للقرارات الصادرة عن المجامع الفقهية حول قضية البورصة.

  ثم تعليقنا على بعض هذه القرارات يمثل رأينا الخاص.

  الخلاصة.

تعريف موجز للبورصة:

اسم البورصة مختلف في أصله التاريخي والظاهر أنها مشتقة من اسم تاجر بلجيكي من القرن 14 كان يقوم بالسمسرة أو من كيس النقود وهو بالفرنسية bourse وكذلك تقريباً باللغات الغربية.

إلا أن الذي ينبغي أن تعرفه هو مضمون هذا المصطلح فالبورصة هي سوق مالية ذات طبيعة خاصة فهي كالسوق في أن كلا منها بحل بيع وشراء واخذ وعطاء إلا أن البورصة تتميز عن السوق بكونها سوقاً منظمة تحكمها لوائح وقوانين وأعراف وتقاليد.

أهم وظائفها:

خلق سوق مستمرة لأدوات الاستثمار المتاحة بحيث يكون بوسع المستثمر في أي وقت تسييل أصوله المالية أو جزء منها بسرعة وسهولة وبأفضل سعر ممكن وبأدنى تكلفة ممكنة وتتحقق السوق من خلال وجود عدد كبير من البائعين والمشترين.

ويمكن أن نفرق بين نوعين من الاسواق سوق الأصدارات الجديدة أو السوق الأولية: وهي سوق تطرح فيها الشركات في طور التأسيس أسهمها للاكتتاب العام لأول مرة قد تكون شركة عقارية أو تجارية.أو شركات قائمة بالفعل تصدر سندات لزيادة رأسمالها.

كيفية التعامل في هذه السوق:

يكون التعامل فيها باحدى الطريقتين:

التعامل المباشر ويتم بالاتصال المباشر بين مصدر السندات والراغبين في الاشتراء ويقوم على العلاقة الشخصية.

التعامل الغير مباشر ويعتمد على استخدام الوسطاء الذين يقومون بدورهم بتولى مسئولية الاصدار وتغطية الاكتتاب وتحمل مخاطر تقلب الاسعار فإذا قررت الشركة طرح أسهمها للأكتتاب العام تتفاوض مع بنك لضمان تغطية الاصدار وقد يكون ذلك على شكل شراء الاوراق المصدرة من الشركة من طرف البنك لاعادة بيعها إلى الجمهور بسعر أعلى وهناك نشرة اكتتاب تتضمن كل المعلومات.

أما السوق الثانوية ( سوق التداول ) الاوراق التي سبق إصدارها في السوق الأولية كيف يجري تداولها والمناقلة فيها؟

الاجابة على هذا السؤال هو تكوين السوق الثانوية فهذ السوق يبيع فيها أصحاب الحقوق في الشركات المساهمة التي قد تكون أصولاً لا تسهل تصفيتها لحساب احد المستثمرين دون حاجة إلى المساس بأصل الثروة ودون مساس بحقوق الاخرين الذين قد لا يريدون بيع سهامهم.

وهذه السوق تسهل على المستثمر- بدل من أن يبحث عمن يشتري سهامه بصفة مباشرة وقد لا يجد – أن يدخل مباشرة إلى الجمهور عن طريق سوق الاوراق المالية التي يتم فيها التعامل عن طريق المزايدة حيث تعرض الايجاب من طرق الباعة والقبول من طرف المشترين في المنافسة للوصول إلى أفضل الاسعار المقبولة من جميع الاطراف.

ويتم تداول الاوراق في قاعة السوق عن طريق المزايدة المكتوبة وذلك بعرض جميع أوامر البيع والشراء على اللوحة المعدة لهذا الغرض طبقاً للقواعد والاجرآت المنصوص عليها في اللائحة التي تحكم التداول في البورصة.

يقصد بمكان السوق ردهة البورصة التي يتم عليها تداول الاوراق المالية علنا عن طريق وسطاء مرخص لهم يقومون بتنفيذ أوامر عملائهم في البيع والشراء.

وهذا يقتضي وجود قاعدة معلوماتية عن الشركات التي تعرض أصولها وأسهمها للبيع حتى يكون المشتري على بينة من أمره فعليه أن يعرف العائد المطلوب تحقيقه،العائد الخالي من المخاطر،العائد الموزع في نهاية أخر السنة المالية متوسط معدل نمو الارباح خلال السنوات الخمس الماضية.

ولكن للسوق حركتها التي تؤدي إلى رفع الاسعار وخفضها في مهب ريح المضاربات.

ولهذا نشأت جهات متخصصة كمؤشر دواجنز الذي يختار عدداً من الشركات ويقوم بوضع نظرية حركة متوسط اسعار هذه الشركات طبقاً لمعايير خاصة لا يستطيع المستثمر أن يوفرها لنفسه إلا عن طريق هذه الجهات المتخصصة تخصصاً دقيقاً وبالتالي فإن هذه الجهات توفر أساساً للخيارات والبدائل للمستثمرين وقد أسس داوجنز مؤشراً للشركات الاسلامية قبل سنة وسماه ” مؤشر داوجنز الاسلامي” واختار فيه مجموعة من الشركات العالمية من انحاء العالم وليس من الشرط أن تكون هذه الشركات مملوكة للمسلمين ولا معلنة تقيدها بالشريعة الإسلامية ولكن يشترط أن يكون تعاملها موافقاً للشريعة الاسلامية حسب المعايير التي وضعها وهي أن لا يكون نشاطها حراماً فهي لا تتعاطى الصريفة الربوية ولا تبيع الخمر ولا الخنزير وأن لا يزيد تعاملها ” العارض” مع جهات الاقراض الربوية على 5 % وأن لا تزيد ديونها أو التي عليها على حد معين ومنها شركات أمريكية ويابانية. وهكذا وفر داوجنز هذه القاعدة المعلوماتية لمن يريد أن يتعامل في أسهم هذه الشركات.

سنعرض هنا بعض أهم المعاملات التي تجري في البورصة لتكون مقدمة لفهم أليات الاسواق المالية على أن يكون حكمنا عليها من خلال تعليقنا على قرارات المجمعين الفقهيين.

أولاُ: عقود على الاسهم:

سواء في طور التأسيس في السوق الاولى أو عند تسبيل بعض المساهمين لحصصهم في السوق الثانية( سوق التداول) والظاهر أن ذلك لا يطرح معضلة في الشرع فاشتراء هذه الاسهم جائز باعتبار هذه الاسهم تمثل جزءاً شائعاً من رأسمال الشركة – التي تكون صناعية تجارية أو زراعية – الذي قد يكون عروضاً وسلعاً وعقارات كما تكون نقوداً وفي هذه الحالة يشترط فيها ما يشترط في بيع النقود بعضها ببعض إذا كان مشترياً الاسهم أما إذا كان مؤسساً أو داخلاً في حال اكتتاب لزيادة رأس المال فان الامر لا يكون كذلك والجواز فيها فرع عن جواز انشاء شركة المساهمة وإذا كان الأصل في العقود والمعاملات الجواز إلا ما نص الشارع على تحريمه فان شركة المساهمة وان كانت غير منضبطة بالضوابط التي اعتمدها أكثر الفقهاء في العقود والشركات فتدخل تحت هذا الأصل ولعل ابن تيمية قد نبه على أهمية التحرر من الصيغ وعزا إلى الامام أحمد أن هذا الاصل في العادات العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله ورسوله وإلا دخلنا في قوله تعالى:” قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق” واضاف وأما السنة والاجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من صيغ أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات علم بالضرورة انهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين والآثار بذلك كثيرة. الفتاوى

فمن يشتري السهم يشتري جزءاً مشاعاً من الشركة.

قلت وهو جائز ولهذا أجاز الامام احمد بعض الشركات التي لاتدخل في حد أي من الشركات التي أجازها الآخرون.

وق أفتى شيخ الازهر محمد شلتوت بجواز الاسهام في هذه الشركات وكذلك شيخ الازهر حسن مامون.

والذي يؤخذ على هذه الشركات هو مسؤلية الشريك لا تتجاوز مقدار حصته من رأس المال وبالتالي فلو فلست الشركة ماكان على الشركاء أي تبعة في أموالهم الخاصة.

ويؤخذ عليها ما يدعى من الغرر في أن الذي يشتري السهم لا يدري حقيقة ما يشري ولم يعتبر مجمع الفقه الاسلامي بجدة في قراره الذي سيذكر لاحقاً ما أشرنا إليه سبباً للتحريم فأجاز شركات المساهمة ذات المسؤلية المحدودة ومع تحفظي على عدم مسؤلية الشريك خارج مال الشركة فإن قرار المجمع يمكن أن يكون أساساً مقبولاً فتكون شركة المساهمة جائزة إلا إذا كانت غايتها محرمة أو تعاملت بالحرام أخذا وعطاء فحينئذ يحرم الاشتراك فيها واشتراء أسهمها في السوق الاولى والسوق الثانية.

والعقود على هذه الاسهم هم من البيوع التي يجري تنفيذها في أسواق الاوراق المالية على أصول مالية تتحدد أسعارها من خلال العرض والطلب عند أعلى سعر يعرضه المشترون وأدنى سعر يقبله البائعون.

وهي من نوع بيوع المزايدة لان البيع أنواع منه مساومة ومرابحة ومزايدة وقد أجمع الجمهور على جواز بيع المزايدة كما يقول ابن رشد الحفيد.

ثانياً عقود الخيارات:

ومن المعلوم أن الخيار التعاقدي عند الفقهاء هو:( بيع وقف بته أولاً على امضاء يتوقع) على حد تعريف ابن عرفة المالكي.

وانما قولنا التعاقدي احترازاً من خيار المجلس وخيار النقيصة لأن هذه لم يتعاقد عليها الطرفان، والخيار أنما يكون في اشتراء سلعة مالية، اما هذا الخيار فهو أن يكون لأحد المتعاقدين الحق في فسخ العقد في موعد التصفية، أو قبل حلوله، أو تنفيذ العقد إذا جاءت تقلبات الاسعار في صالحه. وذلك في مقابل مبلغ يدفع مقدماً، ولا يرد للمضارب،يعرف بالتعويض ويعطي هذا الحق المشتري فيكون له الخيار بين استلام الصكوك ودفع الثمن المتفق عليه أو فسخ الصفقة مقابل تعويض.

هل هذا التعويض يدخل في بيع العربون الذي قال به عمر وابنه وابن سيرين وذهب إليه احمد.

وهناك خيار الشراء بسعر كذا أو البيع بسعر كذا دون تحديد من البائع والمشتري.

وبتدقيق النظر في هذا النوع نرى أنه من باب تعليق اللزوم وقد نص المالكية على تعليق لزوم البيع على الاتيان بالثمن (كابيعك بشرط الا ينعقد البيع إلا بدفع الثمن وهذه جائزة معمول بها كما لأبي الحسن على المدونة ) الزرقاني ج5ص5 وتسمى تعليق لزوم لأن البيع قائم.

ثالثاً: عقود المستقبليات

وهي شبيهة بالسلم. والسلم مشروع بعموم الكتاب ونصوص السنة وإجماع الامة. أما عموم القرآن فهو قوله تعالى (وأحل الله البيع) والسلم بيع، واما السنة فالحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىالله عليه وسلم قدم المدينة وهو يسلفون في التمر العام والعامين فقال:”من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم“.

إلا أن سلم البورصات الذي يسمى بالمستقبليات أو البيوع الآجلة أنواع منوعة وألوان متلونة، فمنها ما يكون على سلع وهي معاملات تتحكم فيها قوانين البورصة وأعرافها. ومن أهمها أن يبيع الانسان سلعة من شخص إلى أجل يتم فيها التسليم والبائع لا يملك السلعة إلا أنه يمكنه الحصول عليها عند الاجل المحدد.

إلا أن المشتري لا يدفع الثمن الآن بل انه سيدفعه فقط عند تسليم السلعة أو التصفية وتمكن الزيادة في الاجل مقابل ثمن.

وهذا العقد في أصله سلم إذ أن السلم هم بيع سلعة موصوفة في الذمة في مقابل ثمن عاجل من غير جنسها).

وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف السلم طبقاً لاختلافهم في بعض صور السلم وصيغه فقد عبر أكثرهم بأن الثمن يدفع في المجلس بينما عبر البعض بأنه يدفع عاجلاً. ولعل أهم عقدة في هذا العقد هي أن الثمن فيه مؤجل وهذا يخالف رآي جمهور العلماء ولكن… هذه العقدة جعلت كافة الكتاب الإسلاميين المعاصرين في الاوراق المالية يجزمون بأن هذه المعاملة ممنوعة شرعاً وطبقاً لذلك ضربوا صفحاً عن هذه المعاملة وجاءت قرارات المجامع الفقهية لتسير في هذا الاتجاه وتصب في هذا المجرى وقد يكون من المناسب أن ننقل هنا إلى اخواننا في المجلس الاوروبي نص هذه القرارات.

وهي قرارات صادرة عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وأخرى صادرة عن محمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

وغنى عن القول أن هذين المجمعين الدوليين يضمان خيرة علماء العالم الإسلامي من كل المذاهب والاتجاهات.

وبعد عرض هذه القرارات بنصها سأعلق عليها بما يسر لي ربي، ليكون موضوع بحث الزملاء الكرام وأكتفي بمحل الاتفاق في القرارات باعتباره يمثل رأيي وأعلق على محل الاختلاف معها.

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.

قرار رقم: 63 ( 1/7بشأن الاسواق المالية

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7 – 12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 –14 أيار( مايو)1992م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع “الاسواق المالية” الأسهم،الاختيارات،السلع،بطاقة الائتمان، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله قرر ما يلي:

أولأ الأسهم:

1 – الإسهام في الشركات:

أ – بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز.

ب – لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو انتاج المحرمات أو المتاجرة بها.

ج – الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات،كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة .

2 – ضمان الإصدار ( UNDER WRITING):

ضمان الاصدار هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم أو جزء من ذلك الإصدار وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لايكتتب فيه غيره وهذا لا مانع منه شرعاً إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الاسمية بدون مقابل لقاء التعهد ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه – غير الضمان- مثل أعداد الدراسات وتسويق الاسهم.

3 – تقسيط سداد قيمة السهم عند الاكتتاب:

لا مانع شرعاً من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه، وتأجيل سداد بقية الاقساط لأن ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجل دفعه والتواعد على زيادة رأس المال ولا يترتب على ذلك محظور لأن هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير، لأنه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاقدين مع الشركة.

4- السهم لحاملهبما ان المبيع في ( السهم لحامله ) هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعاً من أصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها.

5 – محل العقد في بيع السهمإن محل المتعاقد عليه في بيع السهم هم الحصة الشائعة من أصول الشركة وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة.

6 – الأسهم الممتازةلا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية أو عند توزيع الارباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالامور الإجرائية أو الإدارية.

7 – التعامل في الاسهم بطريقة ربوية:

أ – لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.

ب- لا يجوز أيضاً بيع سهم لا يملكه البائع إنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم لأنه من بيع مالا يملك البائع ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض.

8 – بيع السهم أو رهنه:

يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقضي به نظام الشركة كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقاً أو مشروطاً بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة.

9 – إصدار أسهم مع رسوم إصدار:

إن إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم لتغطية مصاريف الإصدار لا مانع منها شرعاً مادامت هذه النسبة مقدرة تقديراً مناسباً.

10 – إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم ( خصمإصدار:

يجوز أصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم – حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة – أو بالقيمة السوقية.

11 – ضمان الشركة شراء الاسهم:

يرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.

12 – تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة:

لا مانع شرعاً من أنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محددة برأس مالها، لأن ذلك معلوم للمتعاقدين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة.

كما لا مانع شرعاً من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام. وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودو المسؤولية.

13 – حصر تداول الاسهم بسماسرة مرخصين، واشتراط رسوم للتعامل في أسواقها:

يجوز للجهات الرسمية المختصة أن تنظم تداول بعض الأسهم بأن لا يتم إلا بواسطة سماسرة مخصوصين ومرخصين بذلك العمل لأن هذا من التصرفات الرسمية المحققة لمصالح مشروعة.وكذلك يجوز اشترط رسوم لعضوية المتعامل في الأسواق المالية لأن هذا من الأمور التنظيمية المنوطة بتحقيق المصالح المشروعة.

14 – حق الأولوية:

يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.

15 – شهادة حق التملك:

يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.

 

ثانياً: الاختيارات:

أ – صورة عقود الاختيار:

إن المقصود بعقود الاختيارات الاعتياض عن الالتزام ببيع شئ محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة أو في وقت معين إما مباشرة أو من خلال هيئة ضمانية لحقوق الطرفين.

ب – حكمها الشرعي:

إن عقود الاختيارات – كما تجري اليوم في الاسواق المالية العالمية – هي عقود مستحدثة لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماه.

وبما أن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه فإنه عقد غير جائز شرعاً.

وبما أن هذه العقود لا تجوز ابتدءً فلا يجوز تداولها.

ثالثاً: التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الاسواق المنظمة:

1 – السلع:

يتم التعامل بالسلع في الاسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي التالية:

الطريقة الأولى:

أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسليم الثمن في الحال مع وجود السلع أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه.

وهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة.

الطريقة الثانية:

أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسليم الثمن في الحال مع إمكانهما بضمان هئية السوق.

وهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة.

الطريقة الثالثة:

أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم وأن يتضمن شرطاً يقتضي أن ينتهي فعلاً بالتسليم والتسلم.

وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين، ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة،فإذا استوفى شروط السلم جاز.

وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلماً قبل قبضها.

الطريقة الرابعة:

أن يكون العقد على تسليم السلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرطاً يقتضي أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين، بل يمكن تصفيته بعقد معاكس.

وهذا هو النوع الأكثر شيوعاً في أسواق السلع، وهذا العقد غير جائز أصلا.

2 – التعامل بالعملات:

يتم التعامل بالعملات في الاسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربع المذكورة في التعامل بالسلع.

ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة.

أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة.

3 – التعامل المؤشر:

المؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة يقصد منه معرفة حجم التغير في سوق معينة، وتجري عليه مبايعات في بعض الاسواق العالمية.

ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة وهو بيع شئ خيالي لا يمكن وجوده.

4 – البديل الشرعي للمعاملات المحرمة في السلع والعملات:

ينبغي تنظيم سوق اسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية وبخاصة بيع السلم، والصرف، والوعد بالبيع في وقت آجل، والاستصناع، وغيرها.

ويرى المجمع ضرورة القيام بدراسة وافية لشروط هذه البدائل وطرائق تطبيقها في سوق إسلامية منظمة.

قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة البورصة في الدورة السابعة للمجمع صدر القرار التالي سنة 1404ى هـ القرار الأول حول سوق الأوراق المالية والبضائع ( البورصة)

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد:-

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في موضوع سوق الأوراق المالية والبضائع (البورصةوما يعقد فيها من عقود – بيعاً وشراءً – على العملات الورقية وأسهم الشركات، وسندات القروض التجارية والحكومية والبضائع وما كان من هذه العقود على معجل، وما كان منها على مؤجل.

كما اطلع مجلس المجمع على الجوانب الإيجابية المفيدة لهذه السوق في نظر الاقتصاديين والمتعاملين فيها، وعلى الجوانب السلبية الضارة فيها.

أ – فإما الجوانب المفيدة فيها:

أولاًأنها تقيم سوقاً دائمة تسهل تلاقي البائعين والمشتريين، وتعقد فيها العقود العاجلة والآجلة على الاسهم والسندات والبضائع.

ثانياً: أنها تسهل عملية تمويل المؤسسات الصناعية والتجارية والحكومية عن طريق طرح الأسهم وسندات القروض للبيع.

ثالثاًأنها تسهل بيع الأسهم وسندات القروض للغير والانتفاع بقيمتها لأن الشركات المصدرة لا تصفي قيمتها لأصحابها.

رابعاًأنها تسهل معرفة ميزان اسعار الاسهم وسندات القروض والبضائع وتموجاتها في ميدان التعامل عن طريق حركة العرض والطلب.

ب – وأما الجوانب السلبية الضارة في هذه السوق فهي:

أولاًأن العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق ليست في معضمها بيعاً حقيقياً،ولا شراءً حقيقياً لأنه لا يجري فيها التقابض بين طرفي العقد فيما يشترط له التقابض في العوضين أو في أحدهما شرعاً.

ثانياًأن البائع فيها غالباً يبيع ما لا يملك من عملات وأسهم أو سندات قروض أو بضائع،على أمل شرائه من السوق وتسليمه في الموعد دون قبض الثمن عند العقد كما هو الشرط في السلم.

ثالثاًأن المشتري فيها غالباً يبيع ما اشتراه لآخر قبل قبضه،والآخر يبيعه أيضاً لآخر قبل قبضه. وهكذا يتكرر البيع والشراء على الشئ ذاته قبل قبضه إلى أن تنتهي الصفقة إلى المشتري الأخير الذي يريد أن يستلم المبيع من البائع الأول، والذي يكون قد باع ما لا يملك أو أن يحاسبه على فرق السعر في موعد التنفيذ، وهو يوم التصفية بينما يقتصر دور المشتريين والبائعين-غير الأول والأخير- على قبض فرق السعر في حالة الربح،أو دفعه في حالة الخسارة، في الموعد المذكور كما يجري بين المقامرين تماماً.

رابعاًمايقوم به المتمولون من احتكار الأسهم والسندات والبضائع في السوق للتحكم في البائعين الذين باعوا ما لا يملكون ؛على أمل الشراء قبل موعد تنفيذ العقد بسعر أقل، والتسليم في حينه،وإيقاعهم في الحرج.

خامساًأن خطورة السوق المالية هذه تأتي من اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة، لأن الأسعار فيها لا تعتمد كلياً على العرض والطلب الفعليين من قبل المحتاجين إلى البيع أو إلى الشراء،وإنما تتأثر بأشياء كثيرة بعضها مفتعل من المهيمنين على السوق أو من المحتكرين للسلع أو الأوراق المالية فيها كإشاعة كاذبة أو نحوها. وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعاً لأن ذلك يؤدي إلى تقلبات غير طبيعية في الأسعار مما يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيئاً.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: يعمد كبار الممولين إلى طرح مجموعة من الأوراق المالية من اسهم أو سندات قروض، فيهبط سعرها لكثرة العرض فيسار صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك وزيادة خسارتهم فيهبط سهرها مجدداً بزيادة عرضها فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل بغية رفع سعرها بكثرة الطلب وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة، وهو صغار حملة الأوراق المالية نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة. ويجري مثل ذلك أيضاً في سوق البضائع.

ولذلك قد أثارت سوق البورصة جدلاً كبيراً بين الاقتصاديين والسبب في ذلك أنها سببت – في فترة معينة من تاريخ العالم الاقتصادي – ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير بينما سببت غنى للآخرين دون جهد حتى أنهم في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالب الكثيرون بإلغائها ؛إذ تذهب بسببها ثروات، وتنهار أوضاع اقتصادية في الهاوية، وبوقت سريع كما يحصل في الزلازل والانخسافات الأرضية.

لذلك كله، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، بعد اطلاعه على حقيقة سوق الأوراق المالية والبضائع( البورصة) وما يجري فيها من عقود عاجلة وآجلة على الاسهم وسندات القروض والبضائع والعملات الورقية ومناقشتها في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية يقرر ما يلي:

أولاًأن غاية السوق المالية (البورصة) هي إيجاد سوق مستمرة ودائمة يتلاقى فيها العرض والطلب والمتعاملون بيعاً وشراءً وهذا أمر جيد ومفيد ويمنع أستغلال المحترفين للغافلين والمسترسلين الذين يحتاجون إلى بيع أو شراء، ولا يعرفون حقيقة الأسعار، ولا يعرفون المحتاج إلى البيع ومن هو المحتاج للشراء.

ولكن هذه المصلحة الواضحة يواكبها في الأسواق المذكورة (البورصة) أنواع من الصفقات المحظورة شرعاً والمقامرة والاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل

ولذلك لا يمكن إعطاء حكم شرعي عام بشأنها ؛بل يجب بيان حكم المعاملات التي تجري فيها، كل واحدة منها على حدة.

ثانياًأن العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجري فيها القبض- فيما يشترط له القبض في مجلس العقد شرعاً- هي عقود جائزة، مالم تكن عقوداً على محرم شرعاً، أما إذا لم يكن المبيع في ملك البائع فيجب أن تتوفر فيه شروط بيع السلم، ثم لا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه.

ثالثاًأن العقود العاجلة على أسهم الشركات والمؤسسات حيث تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعاً، ما لم تكن تلك الشركات أو المؤسسات موضوع تعاملها محرم شرعاً كشركات البنوك الربوية وشركات الخمور، فحينئذ يحرم التعاقد في اسهمها بيعاً وشراءً.

رابعاًأن العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة بمختلف أنواعها غير جائزة شرعاً، لأنها معاملات تجري بالربا المحرم.

خامساًأن العقود الآجلة بأنواعها، التي تجري على المكشوف، أي على الاسهم والسلع التي ليست في ملك البائع، بالكيفية التي تجري في السوق المالية

(البورصةغير جائزة شرعاً؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك أعتماداً على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد.وهذا منهي عنه شرعاً لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لا تبع ما ليس عندك”،وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه:” أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم“.

سادساًليست العقود الآجلة في السوق المالية (البورصة) من قبيل بيع السلم الجائز في الشريعة الإسلامية،وذلك للفرق بينهما من وجهين:

أ – في السوق المالية(البورصة) لا يدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد، وإنما يؤجل دفع الثمن إلى موعد التصفية،بينما الثمن في بيع السلم يجب أن يدفع في مجلس العقد.

ب – في السوق المالية(البورصةتباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول-وقبل أن يحوز المشتري الأول– عدة بيوعات وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشتريين غير الفعليين،مخاطرة منهم على الكسب والربح،كالمقامرة سواء بسواء بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السلم قبل قبضه.

وبناء على ما تقدم يرى المجمع الفقهي الإسلامي أنه يجب على المسئولين في البلاد الإسلامية ألا يتركوا أسواق البورصة في بلادهم حرة تتعامل كيف تشاء في عقود وصفقات ؛سواء أكانت جائزة أم محرمة،وألا يتركوا للمتلاعبين بالاسعار فيها أن يفعلوا مايشاؤون،بل يوجبوا فيها مراعاة الطرق المشروعة في الصفقات التي تعقد فيها، ويمنعوا العقود غير الجائزة شرعاً؛ ليحولوا دون التلاعب الذي يجر إلى الكوارث المالية ويخرب الاقتصاد العام، ويلحق النكبات بالكثيرين ؛لأن الخير كل الخير في التزام طريق الشريعة الإسلامية في كل شئ،قال الله تعالى:” وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون“.

والله سبحانه هو ولي التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

إن قرارات المجمعين استوعبت كثيراً من الصور التي يقع بها التعامل في البورصات وأصدرت عليها احكاماً بالقبول أو الرد.

إلا أن لدي ثلاثة ملاحظات على القرارات السالفة الذكر وهي:

 

الملاحظة الأولى:

مسألة منع بيع المسلم فيه قبل القبض، وتداول السند الممثل للسلعة المسلم فيها مثال ذلك أن يشتري شخص سلماً كمية من البترول أو الحديد أو النحاس،لتسلم له بعد أربعة أشهر،ويستلم سنداً (وثيقة بدين) تمثل هذه الكمية فلا خلاف بين المجمعين في أنه لا يجوز أن يبيع هذه الكمية حتى يقبضها وبالتالي فإن هذا السند لا يمكن تداوله كما هو الحال في البورصات.

وتعليقاً على هذا –مع الاحترام لقرار المجمعين- أن هذا العقد صحيح ويمكن تداول السندات الممثلة لدين السلم قبل القبض بناء على مذهب مالك والاوزاعي في جواز بيع سلع الدين قبل قبضها وقبل حلول أجلها بما فيها دين السلم ما لم تكن طعاماً. وإليكم النصوص التالية:

قال مالك في الموطأ:( ومن سلف في سلعة إلى أجل وتلك السلعة مما لا يؤكل ولا يشرب فإن المشتري يبيعها ممن شاء بنقد أو عرض قبل أن يستوفيها من غير صاحبها الذي اشتراها منه ولا ينبغي له أن يبيعها من الذي ابتاعها منه إلا بعرض يقبضه ولا يؤخره).

قال القاضي عبدالوهاب البغدادي في المعونة:( وما عدا الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال وما لا يكال وما يوزن ومالا يوزن كان عيناً معينة أو سلماً مضموناً في الذمة فبيعه قبل قبضه جائز) ص 973.

وقد جمع مالك بين احاديث الباب بأن ردها كلها إلى معنى الطعام. قال أبو عمر بن عبدالبر في حديث حكيم:(ياابن أخي إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه) حمل الشافعي والثوري هذا الحديث على عمومه في كل بيع وجعله مالك ومن تبعه مجملاً يفسره قوله صلى الله عليه وسلم:(من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) وكذلك حملوا ربح ما لم يضمن على الطعام وحده.

وقال عيسىسألت ابن القاسم عن ربح ما لم يضمن؟ فقال:ذكر مالك أن ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وربحه حرام. قال وأما غير الطعام من العروض والحيوان والثياب فإن ربحها حلال لا بأس به لأن بيعها قبل استيفائها حلال.

وكذلك قال مالك وقال ابن وهب عن مالك: أرى أن ربح ما لم يضمن: بيع الطعام قبل أن يستوفي وبيع كل ما ابتاع المرء بالخيار شهراً أو شهرين أو أقل أو أكثر من ذلك وكل ما تضمنته من البائع والله أعلم.الإستذكار ج19ص262.

وحجة مالك ومن قال بقوله في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص الكعام ألا يبيعه كل من ابتاعه حتى يستوفيه ويقبضه فإدخال غير الطعام في معناه ليس بأصل ولا قياس لأنه زيادة على النص بغير نص……..)

وأما حديث حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إذا ابتعت بيعة فلا تبعه حتى تقبضه) فإنما أراد الطعام بدليل رواية الحافظ لحديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:(إذا ابتعت طعاماً فلا تبعه حتى تقبضه) الاستذكار ج 20 ص 154.

قلت ووجه الحمل واضح حيث حمل العام على الخاص وهو أمر معهود عند الاصوليين.

ولهذا فإن الفتوى هنا في ديار الاقليات ينبغي أن تكون بمذهب مالك والاوزاعي وهو رواية عن أحمد وتوسعة على العباد وترجيحاً يستند إلى قاعدة التيسير.

أما الملاحظة الثانية:

وتتعلق بصيغة هي الاكثر شيوعاً في البورصات وهي العقد على سلعة مؤجلة الا أن المشتري لا يدفع الثمن عاجلاً وهذا يسمى “بتأجيل البدلين” ولا خلاف بين المجامع في تحريم هذا العقد إلا أنه توجد عقود صححها العلماء وفيها تأجيل البدلين من ذلك بيع أهل المدينة وهي أن تشتري من دائم العمل كالخباز مثلاً ما يحتاج إليه من الخبز شهرياً على أن تدفع له الثمن في نهاية الشهر ويبدأ بتسليم السلعة شيئاً فشيئاً ويسمى ذلك بالاستجرار والمالكية خرجوه على أن قبض الأوائل ينزل منزلة الأواخر،كما أن جواز تأجيل البدلين في عقد الاستصناع أمر معروف وبخاصة في المذهبين المالكي والحنفي كما روى أشهب عن مالك جواز فسخ الدين في منافع الاجارة وهي منافع يتأخر قبضها.

ولا يختلف أكثر أهل العلم في تحريم السلم مع تأجيل البدلين وهو ما يسمى بالنسئة من الطرفين الذي قال عنه ابن رشد في البداية:فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه).

إلا أن التحريم ليس منصوصاً في كتاب ولا سنة وكلمة من أسلف التي وردت في الحديث يصدق على العقد كما تصدق على النقد، ولأن العلة هي الغرر فإذا انتفت عن طريق توثيق البيع في البورصة التي تمثل طرفاً ثالثاً يضمن إيصال كل ذي حق لحقه واعتبرنا أن السلم مستثنى من بيع ما ليس عندك بنص الشارع للحاجة والرفق بالناس فهذا من السلم الذي يحتاج إليه الناس.

أضف إلى ذلك أن مالكاً لا يوجب نقد ثمن السلم (رأس المال) في المجلس بل يجوز تأخيره عنده بالشرط إلى ثلاث وبدون شرط مطلقاً فهذا داخل في العقود المباحة(وأحل الله البيع). وجواز تأجيل البدلين قول سعيد بن المسيب كما نص عليه ابن يونس في جامعه، وابن المسيب اعلم التابعين بالبيوع، وهو أفضل التابعين كما يقول الإمام أحمد رحمه الله واتفق المحدثون والفقهاء على قبول حديثه المرسل وليست هذه الخاصية لغير سعيد رضي الله عنه والحق بعضهم الحسن البصري.

ثم أن عمدة الجمهور هو حديث النهي عن التكالئ بالتكالئ وهو حديث لم يثبت كما صرح به الحافظ وقال أحمد ليس في هذا حديث يصح.

ولو صح فإن العلماء اختلفوا في تفسير الكالئ فذهب المالكية أن معناه فسخ الدين في الدين أي أن يكون لك على شخص مائة ديناً إلى أجل فتبيعها له بمائة وعشرين إلى أجل أبعد فهذا هو فسخ الدين بالدين وهو الكالئ بالكالئ ولهذا اجازوا ابتداء الدين بالدين.

وقال ابن تيمية وهو يمدح مذهب المالكية( فأصول المالكية في البيوع أجود من أصول غيره فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال:هو أفقه الناس في البيوع كما كان يقال عطاء افقه الناس في المناسك وإبراهيم افقههم في الصلاة والحسن اجمعهم لذلك كلهلهذا وافق أحمد كل واحد في أغلب ما فضل فيه لمن استقر ذلك من اجوبة وأحمد موافق لكالك في ذلك في الأغلب) الفتاوىج29ص26-27.

الملاحظة الثاثة:

اشكال بيع الخيار الذي منعته المجامع والذي يذهب أكثر الفقهاء المعاصرين إلى تحريمه بناء على أنه ليس متمولاً وأن المالية لا تثبت الا بالتمول والتمول حيازة الشئ واحرازه).

على حد عبارة الاحناف فيشترط إمكان الحيازة وإمكان الانتفاع به على وجه معتاد.واذا كان غير الحنفية جعلوا المنافع مالاً وإن كانت لا تحاز مستقلة فحيازتها بحيازة أصلها ومصدرها.

إلا ان المالكية قد أجازوا المعاوضة في بعض المعاملات فقالوا عن ابن رشد إذا قال شخص يسوم سلعة لأخر يريد أن يسومها: كف عني ولك دينار جاز ولزمه الدينار اشترى أو لم يشتر ولو قال كف عني ولك بعضها على وجه الشركة جاز)

واستشكل ابن ملال ماقاله ابن رشد من جواز المعاوضة على ترك الزيادة قائلاً أنه من أكل اموال الناس بالباطل وقال ابن عبدوس: لا اشكال فيه لانه عوض على ترك وقد ترك) يراجع الزرقاني والبناني على هامشه ج5ص90-91.

ويجري على هذه المسألة من اراد أن يتزوج امرأة فقال له آخر كف عن خطبتها ولك كذا)

وكذلك”جواز أخذ شئ من دراهم ونحوها في نظير إباحة صيد من بركة ماء” حسب عبارة الزرقاني ج 5 ص222.

قلت ومعلوم بأن السمك في الماء لا يجوز بيعه لأنه من الغرر والجهالة ولكن حق الاصطياد تجوز المعاوضة فيه.

لعل هذه الفروع عند المالكية تدل على أن العقود يمكن أن ترد على فعل أو ترك امتياز مما يرغب فيع المتعاقدان ويحقق لهما مصلحة. والله تعالى أعلم.

خلاصة البحث:

فتحصل من هذا أن ما يجري في البورصات:

 – 1إذا كان اشتراء لأسهم شركات فهو جائز أياً كانت عقارية أو صناعية أو تجارية ذات أصول لا يغلب على رأس مالها الدين وكان الثمن معجلاً. سواء كانت في طور التأسيس أو قائمة بالفعل باعتبار صك السهم انما يعتبر وثيقة بحصة شائعة في موجودات الشركة.

 -2 إن أسهم الشركات التي تتعامل بالحرام أو في حرام لا يجوز اشتراؤها ولا يجوز الاقتراض الربوي لشراء الاسهم.

 -3 تفاصيل ضمان الاسهم وتقسيط السداد والسهم لحامله لا مانع منها طبقاً لما ورد في قرارات المجمع.

 -4 البيع العاجل ثمناً ومثمناً مع وجود السلع أو ايصالات ممثلة لها بشروط البيع المعروفة ويمكن أن تضمن العقد ضمان هيئة السوق.

 -5 بيع السلعة المشتراة قبل قبضها –إذا لم تكن طعاماً- وتداولها على مذهب مالك عكساً لما ورد في قرارات المجمعين.

 -6 جواز تأجيل البدلين بأن يكون العقد على سلعة آجلة ليكون تسلم السلعة مقروناً بتسليم الثمن للأدلة التي ذكرناها عكساً لما ورد في قرارات المجمعين.

 -7 جواز اشتراء حق الخيار لكن لا يمكن تمديد أجل الخيار أو تأخير التسليم مقابل عوض لأنه من باب أما أن تقضي أو تربي.

 -8 تجب دراستها مع الاختفاظ في الوقت الحاضر بموقف المجمع الفقهي المتمثل في المنع.

أولاًمسألة الاسهم الممتازة التي لها خصائص تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح.

ثانياًمسألة التصفية دون تسلم السلعة المتعاقد عليها.

هذه نتائج موجزة بنيناها على جهد مجامعنا الموقرة وأضفنا إليها بعض الاراء التي توخينا فيها أن لا تكون مصادمة لنص صريح من كتاب أو سنة أو قاعدة قطعية مع تقيدنا بالعزو إلى من يقتدى به من هذه الامة وبذلك نخلص أنفسنا من ربقة مخالفة الاجماع التي قد يتصورها المرء بادي ذي بدء. ورائدنا إن شاء الله هو التيسير في ظروف الاقليات التي هي ضروف ضرورة، أو حاجة تلامس الضرورة بناء على قاعدة رفع الحرج، وقاعدة تغير الاحكام بتغير الزمان وقاعدة تحكيم العرف الذي لا يصادم نصاً غير قائم عليه وقاعدة تحقيق المناط لتأصيل فقه التيسير فمن اختار العزيمة وآثر الاخذ بالاشد فذلك له وهو مأجور -إن شاء الله- بحسب نيته إلا أنه يطلب منه أن يتأمل وأن يتجنب إتهام من خالفه فمبدأ حسن الظن في الاختلافات الفرعية يجب أن يسود علاقات أعضاء المجامع الفقهية تطبيقاً لأدب الخلاف الرفيع الذي ورثناه عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

وأود أن انبه على أن ما ذكرته ليس من باب الفتوى بل هو أراء معروضة أمام سماحة الرئيس حفظه الله تعالى وأعضاء المجلس المحترمين لمناقشة الموضوع وتقدير الحاجة. واستغفر الله العظيم ونسأله التوفيق في القول والعمل.

العلامة عبدالله بن بيه الدين والفن الجزء الخامس

محاضرة القيت في مهرجان جوائز المحبة عام 2008

معالم وضوابط التواصل مع الآخر ووسائله وآلياته

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

                            ورقة معالي الشيخ عبد الله بن بيــّه المقدمة إلى مؤتمر                             

 نحن… والآخر” بدولة الكويت 6-8 مارس 2006 م 


     بناء على دعوة كريمة من وزارة الأوقاف الموقرة والتي تضمنت طلب بحث حول ” معالم وضوابط التواصل مع الآخر ووسائله وآلياته”. وبعد تقديم واجب الشكر والدعاء بالمثوبة والأجر لصاحب الدعوة يطيب لي أن أُقدم هذا البحث الذي سيكون في مقدمة وفصلين وخاتمة:

       أما المقدمة فإنها تؤكد على ضرورة البحث عن أسس للتواصل.

       بينما يكون الفصل الأول عن معالم وضوابط التواصل. 

       والفصل الثاني عن الوسائل والآليات. 

       ثم خاتمة هي خلاصة البحث.  

 

 

مقدمة:

هل هناك ضرورة للبحث عن أسس التواصل ؟

 

 إن التواصل هو تفاعل بين اثنين فأكثر فهو إقامة صلة مادية أو معنوية وهو باللغة الأجنبية Communication وتستعمل في حقيقتها الأولى لإقامة علاقة مع شخص ما. وقد نبه الكاتب الفرنسي دومينك ولتون في كتابه “العولمة الأخرى” إلى أن الإعلام مثلاً ليس هو التواصل قائلاً: أميز جيداً مصطلح أعلم: أخبر عن مصطلح تواصل لأن عولمة الإعلام توصلت إلى إعلام الناس بالأخبار لكنها لم تجعلهم يتواصلون ليتفاهموا بشكل أفضل”.

إن الإعلام بالتأكيد أداة من أدوات التواصل التي من أهمها الحوار الذي أصبح ضرورة وواجبا مقدساً فقد بلغ السيل الزبى فإذا كان التواصل يفترض وجود إشكاليات يراد التغلب عليها أو عقبات يرجى تجاوزها أو سوء فهم تُحاول إزالته فإن الجواب لا بد أن يكون إيجابياً والتواصل ضرورة في هذه المرحلة من التاريخ ليس فقط لوجود سوء فهم تاريخي لم تستطع لغة الاتصالات ووسائل المواصلات أن تمحوه من الذاكرة يضاف إليه حوادث عارضة تتهم فيها أطراف تنتمى إلى الإسلام على الرغم من أنها تتم بدون استشارة ولا إشارة من الغالبية العظمى من المسلمين.

 وهكذا انضاف إلى السخيمة التاريخية المتراكمة ركام حوادث تحولت إلى أحداث مدوية فصدَّق كهانُ صدام الحضارة ظنهم وتحولت الكهانة إلى كارثة 

  فما هو أصل سوء الفهم هذا أو سوء الظن ذلك ؟

 فلنقل أولاً: إن الاحتكاك طبيعي بين الجيران وهذا الاحتكاك قد يتحول إلى معارك حول “البحيرة” البحر الأبيض فكان كل من الجيران يجتاز البحر هذا الحاجز المائي أو الواصل المائي إلى الضفة الأخرى فكان ما قدره بعض الباحثين بـ 3000 معركة كبرى.

إذ أن ظهور الإسلام في القرن السابع كقوة -حضارية وروحية وإمبراطورية – عازلة بين أوربا وإفريقيا وتخوم آسيا وما تلا ذلك من أحداث امتدت فصولها عبر قرون بدأت بفتح الشام وباقتطاع جنوب المتوسط عن الإمبراطورية الرومانية والاستيلاء على الأندلس وفتح القسطينطنية جعلت الإسلام يشار إليه في الغرب بأنه العدو الأكبر والعدو اللدود الذي يجب القضاء عليه بكل السبل العسكرية والثقافية واستعمال أسلحة السب والتشهير ووجدت تلك الألفاظ البذيئة والصفات المقيتة طريقها إلى ما يسمى “بالكتاب التنويريين” من أمثال دانتي وجان جاك روسو وفولتير وغيرهم ليكرسوا صورة نمطية سيئة للإسلام والمسلمين.

وهكذا نشبت الحروب الصليبية و”الاستردادية” بعد نداء البابا اوربان 1059م.

ولم يكن سقوط الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر وتراجع الجيش التركي عند أسوار فيينا 1683م إلا بداية للمد الاستعماري الغربي وبقية القصة معروفة وقد انتهت بإنشاء دولة إسرائيل في قلب العالم العربي.          

  وهناك سبب آخر انتبه له بعض الكتاب الغربيين – مارسل بوزار- وسماه بعقدة الأقارب باعتبار أن الأقارب هم أقل الناس تفاهما فالمسيحي يجد في الإسلام أشياء كثيرة تذكر بدينه وأفكارا قريبة جدا من أفكاره .

 فإذا كان المسيحيون أظهروا تسامحا إزاء الأديان السابقة أنبياء اليهود فقد قابلوا الإسلام الذي ظهر لاحقا بالرفض المطلق فقد اعتبروه انحرافا للنصرانية وقد كانوا يظنون أن بإمكانهم تشويه الإسلام و انشأوا لذلك الاستشراق الذي كان يحاول أن يعرف الإسلام معرفة جيدة ليحاربه محاربة جيدة كما يقول بوزار. وإذا كنا في شك من النوايا المبيتة ضد الإسلام في الدراسات الاستشراقية فما علينا إلا أن نراجع خطاب أرنست رينان الذي ألقاه في كوليج دي فرانس في 23فبراير1862حيث يقول: في هذا الوقت المناسب إن الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الإنشاء هو تدمير كل ماله علاقة بالسامية ألحقة تدمير سلطة الإسلام التيوقراطية لان الإسلام لا يستطيع أن يعتبر إلا كدين رسمي وعندما يختزل إلى وضع دين فردي فإنه سينقرض هذه الحرب الدائمة الحرب التي لن تتوقف إلا عند ما يموت آخر أولاد إسماعيل  بؤسا أو يرغمه الإرهاب علي أن ينتبذ في الصحراء مكاناً قصياً .

 إن الإسلام هو التعصب إن الإسلام هو احتقار العلم ،هو القضاء على المجتمع المدني,انه سذاجة الفكر السامي المرعبة, إنه يضيق الفكر الإنساني, يغلقه دون كل فكرة دقيقة, دون كل عاطفة لطيفة, ودون كل بحث عقلاني ..  إلى آخر كلامه.        

 إنه تصريح لا يحتاج إلى تفسير وإن كل تعقيب من شأنه إضعاف النص كما يقول المستشرق الفرنسي المنصف فنسان مونتاي (يراجع كتاب الإسلام اليوم-منشورات اليونسكو)

 ومع الأسف فإن رواسب هذا الحقد أو”الجهل” لنسميه باسمه مازالت في الكتب المدرسية في الغرب لتُلقِن الأجيال دائما تلك الصورة المشوهة عن الإسلام وهكذا فإن لجنة من جمعية دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة أبرزت الأخطاء التي تتضمنها الكتب المدرسية في الوقائع المتعلقة بالإسلام والمسلمين والعرب يراجع هذا التقرير فهو لا يحتاج إلى تعليق .

  فالإسلام قلما يقدم كإحدى ديانات التوحيد الكبرى  

وكذلك أجريت دراسة في فرنسا فأظهرت نتائج مزعجة وتحاول بعض التعديلات التربوية أن تعالج السببين الرئيسين لتشويه الإسلام وهما النسيان أو التناسي وتكرار القوالب المغلوطة وكذلك الصورة في وسائل الإعلام. – يراجع “الإسلام اليوم”.

كما أن أعمالاً مأساوية وعبثية في نفس الوقت يقوم بها أشخاص ينتمون إلى الإسلام – إذا صح أنهم قاموا بها- دون أي توكيل من سلطة دينية أو زمنية تضاعف من سوء الفهم لتوصله إلى الذروة وتخرج نظريات السوء من خزائن كهان الفتن إلى ذرى المنابر السياسية لتتحول إلى مكاتب وزارات الدفاع فتصبح أساطيل تمخر البحار وطائرات تسبح في الأجواء وصواريخ تتحرى الإطلاق وأصابع على الزناد تزرع الدمار- أطلقت الصواريخ بالفعل وأزهقت الأرواح البريئة والمتهمة في مناطق عدة من العالم الإسلامي ولم تصل القصة إلى نهاية بعد-  إذا كانت هذه اللوحة السوداء الحمراء هي التي تبرز الآن فإن الحوار ضروري لإنقاذ أنفسنا وإنقاذ الغرب من نفسه.

إذ الغرب كما يقول المؤرخ توينبى : عرض حياة الآخرين لعدم الاستقرار وأن قوة الغرب عرضت نمط حياته هو نفسه للخطر نظرا لانعدام الكوابح والرقابة اليقظة .

 والبلدان الغربية مصممة تصميما شيطانيا- حسب عبارته- على متابعة هذا السياق الفاجع فلم يعد من الوارد أن يعود إليه الوعي لينقذ نفسه من المصير المحتوم وينقذ معه باقي الإنسانية وإذا كان لا بد من إعادة الاستقرار إلى حياة الإنسانية التي جعلها الغرب حائرة وإذا كان لا بد من تخفيف غلواء الديناميكية الغربية لجعلها قوة تهب الحياة لا الدماء فلا بد من البحث عن موجهى هذه الحركة من خارج الغرب. ( حركات التاريخ الكبرى عبر العصور)

ليس من الضروري أن نوافق توينبي على تقويمه للحضارة الغربية لأن الحضارة الغربية ككل حضارة ذات أوجه وألوان وأطياف فهي حضارة التكنولوجيا والعلوم والديمقراطية وحقوق الإنسان ولكنها في نفس الوقت تلغى حضارة الآخر وتضيق ذرعا بالتنوع الحضاري وأحيانا تحاول فرض توجهها العلماني على الآخر وتكرس اقتصاد السوق على حساب فقراء العالم الثالث فكيف أكون معها أو ضدها ؟  

 لكن من الأكيد أن كل الحضارات مدعوة للتعاون لإنقاذ البشرية من النزوات الضارة مهما كان مصدرها.  

إن الغاية من هذا التواصل هو البحث عن نقاط الالتقاء عن طريق المنطق والعقل والفهم للوصول إلى أرضية مشتركة تعتمد على المصالح المتبادلة تكشف عن زيف رواسب التعصب التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين.

والغاية الأخرى هي المثاقفة والتلاقح الفكري الذي يسمح بالتأثر والتأثير وليحل التسامح محل نظرة الاستعلاء والتفوق لدى قطاع كبير من قادة الفكر في الغرب وهي نظرة تتلخص في إقصاء الآخر كما شرحتها الكاتبة الفرنسية صوفي بسيس في كتابها ” الغرب والآخر”.

ونتيجة لهذه النظرة الاستعلائية يحاول الغرب جاهداً أن يفرض رؤيته على الآخرين ولا يعترف بحق التنوع والاختلاف ومن لم يقبل بذلك فهو من معسكر الشر لأن العالم ينقسم إلى أخيار وأشرار وعلى هذه الأساس تقوم فكرة صراع الحضارات التي تعتبر الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي لا تزال العصية على الاحتواء الغربي وعلى الحداثة. كما يقول فوكوياما وهو لا يختلف في ذلك عن صاموئل هانتغتون.

إن الإيحاء بحتمية الصدام نتيجة تنوع الحضارات إنما هو دليل على فشل إحدى الحضارتين في أن تدرك أهمية الاعتراف بحق التنوع وهو الحق الذي سيكون أساسا للحوار ووسيلة التعارف.

 وهكذا فإن مفهوم التواصل يتقدم ليواجه مفهوم الصدام ولقد اخترعت بعض الدوائر الغربية ما سمته “بالحوار النقدي” مع بعض الدول الأخرى.

فالهدف الأسمى من الحوار والتواصل هو إيجاد خرق في جدار هذا التصور الغالي المتطرف، الذي لن يؤدي إلا إلى تطرف وغلو وصدام، ففي المثل: من يزرع الريح لن يحصد إلا العاصفة.

إن أوضح مثال على هذا التباين هو موقف الكثير من المثقفين في الغرب من الرسوم الرامية إلى الإساءة إلى صورة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنهم إذا لم يؤيدوا الإساءة صراحة فإنهم يمتعضون من رد فعل العالم الإسلامي ويعتبرون أن ما تقوم به الصحيفة أمر طبيعي يدخل في حرية التعبير.

إن عملية التواصل ستحاول تجاوز الحاجز النفسي والثقافي ومد الجسور بين الحضارات لجعل الآخر يفهم البدائل المتاحة عن للصراع الدائم والعقيم في نفس الوقت.              

الفصل الأول: معالم التواصل وشروطه.

إن أول معالم التواصل التي يجب أن يركز عليها هو معلم الاعتراف بالاختلاف والتنوع الثقافي والحضاري الذي لا يعني القطعية بين الحضارات والتقوقع على الذات والفصام بين الحضارات فهناك جوامع بين الحضارات وإنما يعني أن يكون نقطة البداية حتى يكون الطرفان على درجة من الاستعداد النفسي لاستيعاب الاختلاف وتحييد أسباب الصراع ليتحول الاختلاف إلى إثراء وليس إلى عداء ذلك هو الشرط الذي لا غنى عنه.

لهذا فالاختلاف سنة كونية قال تعالى ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾

قال تعالى﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود… ﴾

إن الاختلاف الذي نؤكد عليه هو اختلاف في القيم والرؤى والأعراف والقوانين والثقافات وأيضا السياسات والمصالح.

وهو أمر يضيق به الكثير من الغربيين ذرعاً ولهذا فعلينا أن نؤكد مشروعيته.

ونبرز بعض نقاط الاختلاف في القيم بين الفكر الإسلامي والحضارة الغربية لأن الاعتراف بها يمثل منطلقاً جيداً للحوار.

لعل أهم نقاط الاختلاف ترجع إلى اختلاف في القيم.

وأهم وثيقة تحظى بالإجماع هي: إعلان حقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م لم تسلم من تجاهل خصائص الحضارات الأخرى ، وإغفال التنوع الذي يقوم على الخصائص الثقافية ، التي تفترض التعددية في النظم ومن خلال وقفات مع هذه الوثيقة تلمح بعض أوجه الاختلاف مع الغرب.

لنؤكد على حق شعوب العالم الإسلامي في أن تطالب بالتعددية الحضارية ، استنباطاً من قوله تعالى] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [()

فالآية تشير إلى تعددية تمد من فوقها جسور التعارف والتعايش ، وإذا أصر الغرب على العالمية وأصرت الحضارة الإسلامية على العالمية – وهي كذلك حتمًا – وقد اعترف فوكوياما بالصفة العالمية للحضارة الإسلامية في كتابه نهاية التاريخ .

فيمكن للحوار من خلال العالميتين أن يوصلنا إلى شيء من النسبية لهذا سنتعرض لبعض أوجه الاختلاف التي تمثل خلفية الاختلاف القيمي مع الغرب.

أولاً: مصدر الحقوق:

في المادة الأولى : “يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة وقد وهبوا عقلاً وضميرًا” .

ما أصل هذه الكرامة ؟ من هو الفاعل المجهول في وهبوا ؟ لقد سماها الإعلان الفرنسي حقوقًا مدنية ؛ حيث ينص في مقدمته على الآتي : لما كان جهل أو نسيان أو ازدراء حقوق الإنسان هي الأسباب الوحيدة للمصائب العامة ولفساد الحكومات قرر ممثلو الشعب الفرنسي المجتمعون في جمعية عمومية عرض الحقوق الطبيعية المقدسة وغير القابلة للتصرف في إعلان مهيب ؛ لكي يبقى هذا الإعلان حاضرًا ، ونصب أعين جميع أعضاء الجسم الاجتماعي فيذكرهم بحقوقهم .

فهكذا اعتبرها حقوقًا طبيعية ومقدسة ولكن من قدسها ؟

ويقول هيكتور جروس إشبيل – وزير خارجية أورجواي الأسبق ورئيس محكمة حقوق الإنسان الأمريكية -: إن الأساس العالمي لهذه الحقوق هو الكرامة الكامنة في الكائنات البشرية”.

من أعطى هذه الكرامة ؟ من أودعها في الإنسان ؟

ذلك ما تجنبه ميثاق حقوق الإنسان العالمي ، بل إنه في المناقشات التي دارت في اللجنة التحضيرية لميثاق حقوق الإنسان رُفضت الإشارةُ إلى الله تعالى وإلى كلمة “الخلق” وما تصرف منها ، كما يقول في مذكراته الأستاذ شارك مالك – الحقوقي اللبناني والعضو في اللجنة التحضيرية لإعلان حقوق الإنسان – حيث كانت النتيجة هي اعتبار الإنسان نفسه مركزيًّا وكأنه هو الله تعالى وتقدس.

أما المرجعية الإسلامية فهي إلهية ، وهذا ما جاء في القرآن الكريم حيث يقول سبحانه وتعالى : ] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[ () .

ولهذا صرح إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام في المادة الثانية :”الحياة هبة من الله ، وهي مكفولة لكل إنسان”.

هذه الهبة التي وردت في الإعلان العالمي غير مسندة إلى أحد ، فمصدر تعيين الحقوق الكبرى الخمس هو الله سبحانه وتعالى ، بينما المصدر في الإعلان العالمي إنساني ، والمصدر في الإسلام رباني حيث ترجع ثوابت الحقوق إلى الكليات الخمس وتدور في فلكها.

لكن ذلك لا يستبعد دور الإنسان ولكنه يحجمه وبخاصة في مجال الأخلاق والسلوك حيث توجد ثوابت دينية قوية تحدد إطارا حقوقيا وبخاصة في تقسيم الحقوق إلى حق لله تعالى وحق للآدمي ممنوح من البارئ الذي منحه الكرامة (ولقد كرمنا بنى آدم ) بينما في النظرة الغربية التي ترجمها إعلان حقوق الإنسان سنة 1948م ” حقوق الإنسان هي إنسانية فالإنسان هو الذي منح نفسه هذه الحقوق والمادة الأولى من الإعلان تقول: يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة وقد وهبوا عقلا وضميرا”

 

ثانياً : وانطلاقًا من ذلك نشأ اختلاف في بعض المفاهيم :

مفهوم الترجيح بين الحق الجمعي أو حق الجماعة وبين حق الفرد :

بينما تبدو النظرة الغربية أكثر ميلاً وترجيحًا لحق الفرد أو مصلحة الفرد تكون النظرة الإسلامية أكثر توازنًا ، فهي تقوم على أساس أن الحرية تساوي المسؤولية ، أي مسؤولية الفرد تجاه نفسه وتجاه غيره: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” ،
] وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [() . وإن الفرد ينظر إلى مصالحه ومفاسده من خلال جهته الفردية ومن خلال علاقته بالمجتمع: ] وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [() ، فلا يجوز أن يضر نفسه ، ولا أن يتسبب في ضرر غيره.

 وقد شبه r تعسف الفرد في استعمال حقه في الحرية وحق الجماعة في الحد من هذه الحرية لمصلحة الجميع بأصحاب السفينة ، وذلك في الحديث : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا ؛ فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا” () .

إن هذا الحديث يدل على أهمية حق الجماعة وترجيحه على حرية الفرد لصالح الجماعة والفرد معًا ، وإن الحدود الشرعية إنما جاءت لحماية الجماعة والمجتمع .

وكذلك في الحديث : “لا ضرر ولا ضرار” ، ومن القواعد : “دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص” ، و “وارتكاب أخف الضررين” ،  “تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة” .

أما النظرة الغربية فإنها أكثر انحيازا إلى الفرد.

ثالثًا: مفهوم النظام العام :

وقد لا يبعد عن هذا المفهوم ما نسميه في الإسلام بالمعروف ” ، أو “قاعدة المصلحة” على اختلاف في المدلولين ، وقد أشار إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كشرط من شروط التطبيق الميداني لمقتضيات الإعلان في المادة التاسعة والعشرين : “يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط ؛ لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي”.

وقد فسر القانونيون النظام العام بأنه : أمر يتعلق بتحقيق مصلحة عامة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى ، ولا نستطيع أن نحصر النظام العام في دائرة دون أخرى ، فهو أمر متغير يضيق ويتسع حسبما يعده الناس في حضارة معينة مصلحة عامة ، ولا توجد قاعدة ثابتة تحدد النظام العام تحديدًا مطلقًا يتماشى مع كل زمان ومكان ؛ لأن النظام العام شيء نسبي ، وكل ما نستطيعه هو أن نضع معيارًا مرنًا يكون معيارًا المصلحة العامة ، وتطبيق هذا المعيار في حضارة معينة يؤدي إلى نتائج غير التي نصل إليها في حضارة أخرى”. هذا ما يراه السنهوري.

إن تعريف السنهوري هو تعريف دقيق للنظام العام من كونه مبدأ يختلف من نظام إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى باعتباره راجعًا إلى النظام الأعلى للمجتمع ؛ ولهذا عبر عنه بعض القانونين الغربيين بأنه مبدأ غامض ، وأن هذا الغموض متعمد ليتيح للسلطات المعنية تقدير الحاجة إلى التدخل مثلاً ، فهو غموض يؤسس للمرونة التي يقصد المقنن إليها لتحقيق المصلحة المتوخاة .

ويرى السنهوري في كتابه “مصادر الحق” أن النظام العام يرادفه في الفقه الإسلامي “حق الله تعالى” في مقابل الحق الخاص ، وهو حق لا يمكن إسقاطه ولا العفو ، وبني على ذلك كثيرًا من المسائل الفقهية والقانونية مقارنة .

ومن أمثلة ذلك في الشريعة أنه لا يمكن أن يتنازل عن نسبه لينسب إلى غير
أبيه ، وكل العقود التي يعترض فيها الشرع على إرادة المتعاقدين: كالعقود الربوية ، والعقد على المحرمات : كالخمر ، والخنزير. (1/86 ) .

وسبق أن شرحنا أن النظام العام قد يرادف العرف ، وهذا حيث يوجد فراغ تشريعي ، وهو أكثر “النظام العام” عند الغربيين ؛ ولكنه قد يكون تطبيقا لنص
أو قاعدة ، وحينئذ يكون قريبًا من حق الله تعالى الذي أشار إليه العلامة السنهوري .

وقد أشار القانوني الفرنسي هنري كابتان إلى أن “النظام العام” قد يكون ناشئًا عن مبادئ غير مكتوبة “العرف” ومبادئ مكتوبة ؛ حيث يقول: إن النظام العام هو مجموعة المبادئ المكتوبة وغير المكتوبة ، التي تعتبر في النظام القضائي أساسية ؛ ولهذا فإنها تلغي أثر الإرادة الفردية ومفعول القوانين الأجنبية” .

أما الأستاذ كريستوف فيبيرا فيعرف النظام العام بما يلي: كل مجتمع يلزم أعضاءه باحترام مجموعة تضيق وتتسع من القواعد التي لها الأولوية المطلقة ، والتي يطلق عليها عبارة “النظام العام” ، فكلمة النظام (Ordre) توعز بفكرة التوجيه والأمر والترتيب ، وإضافة العمومي أو العام إليها تبرز أسبقية المصلحة العامة على المصلحة الشخصية الخاصة ( من بحثه النظام العام والمجلس الدستوري ) بالفرنسية .

ويقول كريستوف فينبر أيضا وهو المحاضر في جامعة روان بفرنسا: إن مبدأ النظام العام مبدأ غامض لأنه يختلف بحسب الوقائع والظروف والوضع المجتمعى وأصول وأهداف المجموعة تبعا للفلسفات والأخلاقيات والسياسيات”.

 – راجع بحثه القيم في دورية القانون الدستوري تحت عنوان: النظام العام في فقه قضاء المجلس الدستوري -باللغة الفرنسية ”

 ولهذا فالنظام العام يختلف بحسب الحضارات والمصالح والأخلاقيات لكل قوم فمن الطبيعي أن يختلف بين الإسلام وبين الحضارة الغربية ولأزيد الأمر وضوحاً أقدم مثالاً هو منع الحكومة البريطانية عرض فيلم يمس شخصية المسيح عليه السلام في بريطانيا بحجة أنه يسئ إلى النظام العام – حماية لمشاعر المسيحيين من الإساءة – وعندما رفعت بعض الجهات المهتمة بحقوق الإنسان دعوى  أمام محكمة حقوق الإنسان الأوربية  ضد قرار الحكومة البريطانية باعتبار هذا الحظر منافيا لحق الإنسان في التعبير عن رأيه ونشر رأيه إلى آخر الحقوق المكفولة أصدرت المحكمة قرارها في القضية المعروفة” وفقروف والمملكة المتحدة”أيدت المحكمة موقف الحكومة البريطانية وذلك في 25 نوفبر 1996 لاشتمال الفيلم على الشتم والوقاحة “. يراجع بحث الحقوقي الفرنسي جيل اندريان الأستاذ بكلية الحقوق برانسون تحت عنوان” تألق وفاقة النظام العام الأوربي” باللغة الفرنسية .

 ولكن بريطانيا نفسها دافعت عن سلمان رشدي في مفترياته المسيئة إلى مشاعر المسلمين مع ما اشتمل عليه من وقاحة وتفاهة انه منطق النظام العام والاختلاف الحضاري .

وعندما يشير إلى المبادئ غير المكتوبة فإنه يمنح للجهة التي تطبق القانون دورًا كبيرًا في تقدير نظرية “النظام العام” أو خلقها وكذلك للقاضي ؛ وهو ما يجعل النظام العام يدخل في فقه القضاء أو عمل المحاكم .

إن مجموع الحريات لا يمكن أن تكون مطلقة ، فلو كانت كذلك لأدت إلى فوضى من كل نوع . ومن هنا تبرز فكرة “النظام العام” .

إن وظيفة النظام تنحصر في ثلاثة أمور: كأداة تحديد الحريات هذه هي وظيفتها ، وكمعيار لأهلية السلطات للتدخل ، وكوسيلة لرقابة المجلس الدستوري .

والأمثلة على ذلك من قرارات المجلس الدستوري الفرنسي عديدة ، ومنها قرارات المجلس الدستوري في 25 / 1 / 1985م بصلاحية البرلمان في إعلان حالة الطوارئ في جزر  “نوفل كالدوني” ، وهى حالة ليست منصوصة في الدستور ، مع أنها تحد من الحريات الفردية ، وبرر المجلس ذلك بالمحافظة على النظام العام .

ومحكمة حقوق الإنسان الأوربي أيدت قرار السلطات التركية الذي يحظر حزب الرفاه الإسلامي ، وذكرت في حيثياتها أنه يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ، وذلك مالا يتفق ومنظومة القيم الأوربية ، وبمعنى آخر “النظام العام الغربي” .

وقد أشرنا إلى قرار المحكمة بتأييد حظر الفيلم المسيء إلى المسيح عليه السلام.  

والمحكمة في كلتا الحالتين تحترم منظومة القيم الغربية التي تعتبر المسيح u مقدسًا ، وبالتالي فإن التضييق على حرية التعبير مشروع إذا كان يمس بتلك
القدسية ، انطلاقًا من مبدأ النظام العام ، بينما تعتبر شريعة الإسلام غير مقدسة طبقًا لنفس القيم الغربية ، فيجب تضييق نطاق حرية التعبير على من يطالبه بها.

وما موقف كثير من قادة الرأي في الغرب من الرسوم السيئة السمعة ببعيد.   

ذلك هو منطق النظام العام الغربي ، ولا يعنينا هنا أن نناقش الغربيين أو نبرز تناقض موقفهم نتيجة التعصب والاستعلاء ، بل نعتبر أن موقفهم ينسجم مع نظرتهم الخاصة ؛ ولكن عليهم أن يحترموا الآخر. وإذا كانوا قد مارسوا حقهم في التعامل مع مبدأ نظامهم العام فلا أقل من أن يعترفوا لغيرهم بحقه في ممارسة نفس المبدأ ، وأن يعترفوا في النهاية بالنسبية في مبدأ النظام العام ، فلكل أمة نظامها العام ومنظومتها القيمية ، وهكذا فإن مادة ( 27 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عندما تنص على تقييد الحريات المنصوص عليها في الإعلان عندما تتعارض مع “النظام العام” وهو يختلف من بيئة إلى بيئة وثقافة إلى ثقافة ، فقد يعتبر ذلك اعترافًا ضمنيًّا بتأثير التنوع الثقافي في حقوق الإنسان.

وعليهم أن يحترموا الآخر المسلم ونظرته إلى الكون والحياة ونظامه العام ومقدساته.

وهناك اختلافات في قوانين الأسرة وفي البيوع والمعاملات وتجريم بعض السلوكيات ترجع إلى اختلاف القيم.

تلك أمثلة عن بعض أوجه الاختلاف القيمي فما ظنك بالاختلاف الناشئ عن العنصرية المبطنة والحقد والكراهية فيما أصبح يعرف بالإسلاموفوبيا وتلك الناشئة عن المصالح بين دول الغرب وبين العالم الإسلامي في استغلال الموارد والاستثمار والتجارة.

إن الاعتراف بالاختلاف يمثل أهم منطلق لحل الخلاف ولعلنا نحتم بهذه الفقرات لفيلسوف غربي: فأفضل ما يعبر عن النسبية واعتماد القيم على البيئة هذه الفقرات لوايتهيد في كتابه مغامرات الأفكار حيث يقول: وتفاصيل هذه المقاييس الخلقية تتعلق بالظروف الاجتماعية الخاصة بالمحيط المرافق للحياة في زمن معين على الجانب الخصب من الصحراء العربية، والحياة على المنحدرات السفلى من جبال الهملايا، والحياة في سهول الصين أو سهول الهند، والحياة في دلتا أي نهر عظيم.

كما أن معني المقاييس متغير وغامض، فهناك مثلاً مفاهيم الملكية والعائلة والزواج والعقل، والله سبحانه وتعالى، فالسلوك الذي ينتج في محيط ما وفي مرحلة ما مقياسه المناسب من الإشباع المتوافق قد يكون في محيط آخر وفي مرحلة أخرى منحطًا انحطاطًا مدمرًا، ولكل مجتمع نمطه الخاص من الكمال وهو يحتمل صعوبات معينة حتمية في مرحلته.

وهكذا فإن المفهوم القائل بوجود مفاهيم تنظيمية معينة مضبوطة ضبطًا كافيًا لإيضاح تفاصيل السلوك لكل الكائنات العاقلة على الأرض، وفي كل كوكب آخر، وفي كل مجموعة شمسية، هو مفهوم يستحق الإهمال، فذلك هو مفهوم نمط واحد من الكمال يهدف إليه الكون كله”. ()

إلا أن هذه النسبية تقابلها قيم مطلقة وذلك هو المعلم الثاني: الذي يقابل الأول وهو البحث عن المشترك ليشكل أرضية للتفاهم    

فما هي القيم؟

إذا راجعنا ما يمكن أن يرادف هذه الكلمة في اللغات الغربية لوجدنا كلمة ETHIQUES التي تدل على مجموعة قواعد السلوك، كما نجد كلمة VALEUR باللغة الفرنسية، ومن معانيها ما يعتبر حقًا وجميلاً وخيرًا طبقًا لمعايير شخصية أو اجتماعية ويوظف كمعيار ومرجع لمبدأ خلقي.

أما ما تشير إليه الكلمة وتوحي به ظلالها في اللغة العربية، فالقيم جمع قيمة، وهي ما يكون به الشيء ذا ثمن أو فائدة، يقول المثل العربي: قيمة كل امرئ ما يحسنه”.

وتشير القيمة إلى الخصلة الحميدة والخلة الشريفة التي تحض الإنسان على الاتصاف بها كحرصه على اقتناء الأشياء ذات القيمة الثمينة والاحتفاظ بها، والقيمة ثمن الشيء الذي يقوم مقامه.

وترد القيم مفردًا مصدرًا، ومنه: ]دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ[ [إبراهيم:161]، في قراءة جماعة من القراء، وكذلك ورد في قوله تعالى: ]وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَمًا[[النساء:5]، في قراءة نافع، أي بها تقوم أموركم.

والشيء القيّم الذي له قيمة عظيمة مبالغة، وأصله قويم على رأي الفراء، وفيعل شاذ على رأي سيبويه، وقرأت طائفة ]دِينًا قِيَّمًا[ أي مستقيمًا أو كافيًا لمصالح العباد يقوم عليها.

وهي عند بعض الفلاسفة حكم يصدره الإنسان على الأشياء وينبع  منه الاعتراض والاحتجاج على الوجود كما هو قائم ومفروض لتحويل هذا الوجود وفق ما ينبغي أن يكون.

تبعًا لهذا الأصل اللغوي فإن القيم هي تلك المبادئ الخلقية التي تمتدح وتستحسن وتذم مخالفتها وتستهجن، ولعلنا لا نتوقف طويلاً عند وصف هذه المبادئ بأنها خلقية؛ لأن الأخلاق تحتاج إلى تعريف، وباختصار فهي تلك السجايا الكامنة في النفس، وهي أيضًا المظهر الخارجي لتلك السجايا.

وقد رأي بعضهم :أن الخلق هو صفة نفسية لا شيء خارجي، والمظهر الخارجي هو سلوك أو معاملة” ().

وإذا كان الأمر كذلك فلا يسمى قيمة إلا ما كان مستحسنًا على أن يحظى باستحسان عام ومستمر، فما يحبه شخص من طعام لا يمكن أن يُسمي قيمة، لكن هذا الاستحسان العام قد يكون قاصرًا على مجتمع معين أو يكون عامًا للبشرية كلها.

إن القيم الخاصة بالمجتمعات المعينة والتي مردها إلى العرف والعادة أو الدين أمر لا شك فيه، ولكن القيم العامة المشتركة أمر له أهميته.

إن تحرير محل النزاع كما يقول أهل الأصول هو: ما هو مركز القيمة؟ وهل للخير الذي هو أساس القيم وجود موضوعي مطلق؟ وهل هناك خير بالمعني العام؟ أو هو دائمًا نسبي تبعًا لرضا فرد معين أو فئة معينة؟

لقد اختلف الفلاسفة في هذه المسألة الأساسية اختلافًا شديدًا وذهبوا فيها مذاهب، فكانوا طرائق قددًا من اقتصاديين واجتماعيين ونفعيين ومثاليين، أعفيكم من ذلك بل أُجمل الكلام في موقفين هما موقف من يقول بالنسبية، أي أن القيمة هي نسبية وقد قدمنا بعضه ولا توجد قيم عامة بغض النظر عن العنوان الذي يوضع ذلك تحته، ومن يقول بعموم القيم بغض النظر عن دوافعه، ثم أعرج على موقف الإسلام من ذلك.

عبر عن المذهب المطلق خير تعبير هنترميد بقوله: يمكن التعبير عن موقف المذهب المطلق باختصار بأنه يري أنه لا يوجد إلا معيار واحد أو في حالة الأخلاق قانون واحد هو الصحيح منذ الأزل، وهو الذي يسري على البشر أجمعين، هذا المعيار لا يسري على نحو عالمي شامل فحسب، بل إنه أيضًا مستقل عن العصر، وعن الموقع الجغرافي، والتقاليد الاجتماعية المألوفة، والعرف القانوني وكل شيء آخر، والأمر الذي يشكل التزامًا لي في هذا المكان والزمان هو بالمثل التزام للصيني أو الأسباني أو البولندي.

وهو فضلاً عن ذلك قد كان التزامًا لليوناني القديم والأوروبي في القرون الوسطي سواء أكان يعلم ذلك أم لم يكن، وهو سيكون التزامًا بالنسبة إلى جميع الأجناس والمدنيات التي ستعقب مدنيتنا، فما هو خير الآن كان خيرًا عندئذٍ وسيكون خيرًا في المستقبل البعيد، وما كان شرًا في الماضي ما زال شرًا وسيظل كذلك أبد الدهر، وليس هناك قانون أخلاقي للماضي وآخر للحاضر، ولا معيار للشرقي وآخر للغربي، وإنما الخير والحق شامل يسري على كل زمان ومكان”().

إن نظرية المبدأ المطلق تجد سندها في الديانات السماوية وخصوصًا تلك التي تؤمن بالشمولية، ويعترف هنتر ميد بذلك لأن الحضارة الغربية أصلها مسيحي، قائلا: وحين نقول المسيحي فإننا نعني بالنسبة للفلسفة “التوحيدي”، فالإيمان بإله واحد يحكم الكون الذي خلقه أساس للتفكير الديني للغرب.. وهذه الأوامر أوامر الإله شاملة تنطبق على الناس جميعًا في كل مكان”.

وهذا الإيمان مشترك وقد نبه بعض رجال الدين المنصفين إلى هذا الاشتراك في الإيمان وهو هانس كيونج عندما يقول : بالنسبة لليهود والمسيحين والمسلمين فإن الإيمان يعنى أن الإنسان هنا مع كل ما أوتي من قوة ومن فكر ملتزم بدون قيد أو شرط بالتسليم والثقة بالله وكلماته .( بنقل جاك نيرنيك في حواره مع طارق “هل يمكن أن نعيش مع الإسلام ص14)

المصدر المنطقي: ربما كان “كانت” أشهر العقلانيين في ميدان الأخلاق، فقد كان “كانت” يعتقد أن التحليل يستطيع على الدوام أن يثبت أن خرق القانون الأخلاقي هو أيضًا خرق لقانون المنطق. فاللاأخلاقية تنطوي دائمًا على تناقض، ولنقتبس أشهر الأمثلة التي ضربها “كانت” في هذا الصدد.

فعندما نعطي وعدًا دون أن يكون في نيتنا الوفاء به فإن سلوكنا يكون شرًا؛ لأننا نتصرف على أساس مبدأين متناقضين في آنٍ واحد أول هذين المبدأين هو أن الناس ينبغي أن يؤمنوا بالوعد ولكني أخلفت وعدي، فمعني ذلك أن لكل شخص الحق في أن يخلف وعوده ما دام القانون الأخلاقي ينبغي أن يكون شاملاً، ولو أخلف كل شخص وعوده لما عاد أحد يؤمن بالوعود ولكان لنا مبدأ آخر هو أن من الصحيح أن أحدًا لا ينبغي أن يؤمن بالوعد، وهو مبدأ يتناقض مع الأول”.()

أما نحن المسلمين فكل تصوراتنا الفكرية تشير إلى أساس مشترك للقيم بين الإنسانية على الأسس التالية:

1- قرر الإسلام مبدأ المساواة المطلقة بين الناس وردهم إلى أصل واحد، لأن رّبهم واحد وأباهم واحد، قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[[الحجرات:13].

وقال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كُلّكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى.()

ورسالة النبي الخاتم سيدنا محمد r هي للناس كافة، قال تعالى: ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[[الأعراف:158].

2- قرر الإسلام أن النزعة إلى الخير والإيمان والحق فطرة لكل الناس. قال تعالى: ]فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ[[الروم:30]. 

3- قرر الإسلام أن للحواس دورًا بجانب العقل المركّب في الإنسان قال تعالى: ]وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[[النحل:78].

فليس السمع والبصر وحده، وإنما بالإضافة للفؤاد وهو محل للعقل، يقول السيد قطب في “ظلال القرآن” في تفسير هذه الآية: والقرآن يعبر بالقلب ويعّبر بالفؤاد عن مجموع مدارك الإنسان الواعية، وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل، وتشمل كذلك قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكُنه والعمل”.

وقال صاحب التحرير والتنوير: والأفئدة، أي العقل مقر الإدراك كله فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتها، وهي العلم بالتصورات المفردة، وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيات وإلى النظريات وتُسمي الكسبيات، وهذا ما غاب عن الفلاسفة حين انقسموا إلى حسيين وعقليين، فالحس مصدر من مصادر الإدراك، والعقل مركزها وهو المحمول ومصنع توظيف مدركات الحواس”.

4-اعتني العلماء المسلمون بمسألة التحسين والتقبيح العقلين، وهي أهم إشكالية في أساس قانون القيم، فذهب المعتزلة إلى أن الحسن والقبح هما الأساس والمرجع للحكم على الشيء من الناحية الأخلاقية، وهما أيضًا أساس الأمر والنهي الشرعيين، فجعلوا الشريعة تابعة ونابعة عن موقف العقل ومؤكدة له، وليس هذا إنكارًا للوحي، بل يعني أن الوحي هو من عند الله تعالى والعقل هبة الله فلا يمكن أن يجيء الأول بما يخالف الثاني، وهذه قريبة من عبارة ابن رشد الحفيد.

وقد قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: إن قبح القبيح وحسن الحسن من العلوم الضرورية التي يخلقها الله في الإنسان”.

وقد قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الأفعال حسنة في نفسها أو قبيحة، وأن العقل يدرك هذا الحسن والقبح في بعضها دون الآخر.

فقد قال ابن القيم في مدارج السالكين: إن قوله تعالى: ]يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ[[الأعراف:157]. يؤكد أن هذا الدين الذي جاء به يأمر بما تشهد العقول الصحيحة بحسنه وينهي عما تشهد بقبحه، وإلا فلو كان كونه معروفًا ومنكرًا وخبيثًا وطيبًا إنما هو لتعلق الأمر والنهي به لكان بمنزلة أن يقول: يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه، وأي فائدة من هذا ؟

وقال: إن قبح الفواحش يدركه العقل إلا أن الشرع هو الذي يحدد العقاب”. ()

أما الأشاعرة فجعلوا التحسين والتقبيح بالشرع فقط، فما نهي عنه الشرع العزيز فهو قبيح، وما أمر به فهو حسن.

وفي رأيي أن الأشاعرة لا ينفون الحسن والقبح العقليين، إلا أنه لا يبنون عليهما حكمًا، وهم يعترفون بالملاءمة في الحسن والمنافاة في القبح، وأن الحسن صفة كمال والقبح صفة نقص.

ولعل عبارة ابن القيم في مدارج السالكين تكون توفيقية في قضية الحسن والقبح عندما يقول: إن قبح الفواحش يدركه العقل إلا أن الشرع هو الذي يحدد العقاب”.

وقد نشأ عن الاختلاف حول التحسين والتقبيح الخلاف بين المالكية وغيرهم حول مفهوم الطيب والخبيث في قوله تعالى: ]وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[[الأعراف:157].

فذهب المالكية إلى الرجوع إلى النصوص الأخرى لتعين الطيب والخبيث، فكل ما لم يحرمه الشرع فهو طيب، فأجاز أكل الحيّات إذا أمن سُمها، وخشاش الأرض والأوزاغ ونحوها، وحرم الشافعي ذلك قائلاً:إن الخبث هنا هو خبث طبعي أي ما استخبثة الإنسان”.

واختار القول بالحسن والقبح العقليين الأحناف، وهو مروي عن أبي حنيفة نفسه، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، ومن الشافعية أبو علي بن أبي هريرة وأبو بكر القفال الشاشي الكبير.

واختار إمام الحرمين القول بالتحسين والتقبيح العقلين في أفعال العباد دون أفعال الله تعالى، وتبعه الغزالي، ويتداخل في نظرة المسلمين إلى حد كبير الحسن والخير.

وبالجملة: فإن من يقول بالتحسين والتقبيح العقليين يجعل أساس القيم العقل، وهو أمر مشترك بين الإنسانية جمعاء، فالعدل حسن والجور قبيح إلى آخر قائمة القيم، فكما قال ديكارت: إن العقل هو أحسن الأشياء توزعًا بالتساوي بين البشر كلهم”.

إنه مهما استغرق المرء في مجادلات فكرية حول المبدأ المطلق والنسبي، وتلوت به النظريات الفلسفية في معارج منعرجات لا نهاية لها، فإن من البديهي أنه توجد قيم مشتركة وأن اللغة خير برهان على ذلك.

ففي كل لغة كلمة “العدل” كلمة نبيلة حبيبة على النفوس، وكلمة “الصدق”، وكلمة “الحرية”، “التسامح”، “الوفاء” وغيرها من الألفاظ المحمودة عند كل الأقوام.

وفيها نقيض تلك الألفاظ وهو مذموم لا يقبله أحد مثل “الجور”، “الظلم”، فلو قلت لأشد الناس جورًا إنه جائر لسخط من ذلك وأحب أن يوصف بالعدل “الكذب” حتى الكذّاب لا يريد أن يوصف بذلك، “التعصب”، “الخيانة”، “الغدر”، إنها صفات مذمومة كريهة إلى النفوس ممقوتة من جميع الأقوام، الفطرة والعقل يمجّانها. أليس ذلك دليلاً عمليًا وبرهانًا ساطعًا على وجود قيم مشتركة؟

وأود أن أشير هنا إلى أن لغة العبادة للخالق قيمة مشتركة متأصلة في كل المجتمعات، أو بعبارة أدق التهيؤ للعبادة، ففي كل اللغات توجد كلمة العبادة للخالق، أما في الأديان التي أصلها التوحيد كاليهودية والنصرانية فإن اللغة المشتركة بين المسلمين وبينهم لا تقتصر على العبادة بل تصل إلى التفاصيل: كالصلاة والصيام والحج والصدقة وإن كانت التفريعات مختلفة.

ولعل ذلك مما يسهل التفاهم مع الغرب لو جلينا تلك الأصول التي ترجع إلى ]فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[[الروم:30].

إنه قد تختلف درجة التمسك بهذه القيم والإلحاح عليها بين مجتمع وآخر فيُلح مجتمع ما علي الحرية، ويُلحّ آخر على العدل نظرًا لاهتمامات كل مجتمع أو الأولويات التي تفرضها ظروفه وضروراته، فقد شاع في الستينات في الأنظمة شبه الاشتراكية في العالم العربي “لا حرية لجائع”.

وقد أشار ديكارت إلى ذلك عندما قال: إن العقل هو أحسن الأشياء توزعاً بين الناس بالتساوي. ويجيب على التساؤل: كيف اختلف الناس في المعرفة النظرية وتفاوتوا مع أن منطلقهم واحد؟ فأجاب: إن هذا ينشأ من أننا نوجّه أفكارنا في طرق مختلفة ولا ينظر كل منا في نفس ما ينظر إليه الآخر”.

نعم إن البيئة والفطرة والحواس والعقل وقبل ذلك الوحي، كل تلك هي أصول القيم ومغرس الفضائل، يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”: ولما وُهب الإنسان الفطرة، وأُعين بالفكر، ورفد بالعقل؛ جمع هذه الخصال”.


 

المعلم الثالث: تحديد أهداف التواصل والحوار

إذ أن ضبط وربط التواصل والحوار بأهداف وغايات يضبط المسيرة ويوضح الدرب حتى ولو التوت السبل وتعرجت المسالك وبالعكس فإن الحوار الهائم العائم الذي ليس له هدف ولا غاية هو حوار من أجل الحوار قد يكون مقبولاً في بدايات الطريق لاستكشاف ساحات التواصل واستيضاح مناحى المشاكل ولكنه لا يجوز أن يكون أبدياً وهذا ما حدا بالإتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن يطلب إلغاء اجتماع مع إحدى المنظمات الغربية الناشطة في الحوار بعد عقد دورات معها كانت تنظم بدون جدول أعمال وبدون بيان مشترك وأحياناً في مكان قصي ينأي عن الصحافة والإعلام وقد أشعرناهم باستعدادنا للحوار في ظروف أفضل.

ولهذا فإن هذا الضابط يعتبر مركزياً في عملية التواصل والتبادل التي تسود على الساحة العالمية.

المعلم الرابع: لغة التواصل لها أهميتها

 أسلوب الخطاب ، ترتيب الحجاج ، إن أهم شيء هو العقلانية في الحوار. ولهذا فيجب أن يكون كل من المتحاورين على اطلاع على ثقافة الآخر ومنطلقاته العقدية والفكرية.

وهنا أشير من واقع التجربة إلى أن الطرف الإسلامي غالباً ما يفتقر إلى الكفاءة في القضايا الفلسفية والقانونية لإيصال رؤيته إلى الطرف الآخر. وكذلك فإن الاطلاع على الأسس الدينية من مصادرها لدى الآخر قد يكون مفيداً في جولات الحوار الديني.     

الفصل الثاني: وسائل وآليات للتواصل

إن التواصل ككل عمل بشري إرادي يحتاج إلى وسائل وآليات لتحقيقه في الميدان العملي وهذه الوسائل.

من أهمها: الحوار الهادف الواعي بذاته وبغاياته ولهذا فإن التواصل قد يكون رديفاً للحوار لأنه وسيلته الأولى وأداته المفضلة ولهذا اعتمده القرآن الكريم في تبليغ الدعوة وإيصال الحجة ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ لأنه بالحوار كما يقول أفلاطون يطلع الناس بعضهم بعضاً على البدائل المتاحة عن الصراع فهو قيمة حضارة.

إلا أن مدلول التواصل قد يشمل وسائل أخرى كإنشاء الجامعات والمراكز وعقد الدورات المتخصصة لدراسة أي موضوع فكري قانوني أو فلسفي أو ديني للوصول إلى نتائج معينة.

ومن ناحية عملية يمكن أن نسرد قائمة من الوسائل الرائجة للتواصل :

1- عقد الندوات المشتركة بين فريق أو فرقاء ينتمون إلى خلفيات ثقافية قد تكون مختلفة أو يفترض فيها أن تكون كذلك.

من المستحب أن تبدأ هذه الندوات مصغرة وأن تقدم فيها بحوث متبادلة من الطرفين في موضوعات محددة.

وقد كانت لنا ندوة في الفاتكان من هذا النوع حول “العلمانية والدين”.

2- عقد مؤتمرات تقدم فيها بحوث وتدور فيها منقشات.

3- إنشاء لجان مشتركة تتبادل المعلومات وتتشاور حول قضايا الحضارة والفكر والتواصل وتعد للندوات والمؤتمرات.

4- إنشاء مراكز في مناطق معينة من العالم للقيام بعملية التواصل.

5- إنشاء مكاتب ارتباط لدى لعض الجهات كالبرلمان الأوربي مثلا.

6- كما أن التواصل قد يتم عن طريق الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية.           

7- يمكن للسفارات والبعثات الدبلوماسية أن توظف علاقة دولها في تسهيل التواصل.

 

 

خاتمـة:           

خلاصة القول:

إن عملية التواصل أصبحت ضرورة لإنقاذ البشرية من التردي في هوة سحقية من الاضطراب والفوضى يدحرجها إليها تجار الحروب ودعاة الشر الذين أطاعوا طغوى النفوس وطغيان المطامع العاجلة فضاقت مساحات عقولهم وانكمشت آفاق بصائرهم.

 وأخيراً فإن من أهم أدوات التواصل الحوار الذي يعني تخاطباً بين متقابلين للوصول إلى أرضية مشتركة قد تؤسس على قناعة بالرأي المقابل أو على مصالح متبادلة والحوار قد لا يؤدي إلى اتفاق إلا أنه يمكن أن يقدم البدائل عن الصدام والصراع ويجعل الآخر يفهمك وإن يتفق معك.

وهذا التواصل يجب أن يقوم على دعائم قوية:

أولاً: الاعتراف بالاختلاف للوصول إلى التعارف والائتلاف ذكرنا أمثلة غير حاصرة ولا حاشرة ولا جامعة مانعة وإنما هي أمثلة توجيهية تسعف عملية الحوار بمادة مناسبة تستحق لفت انتباه المتحاورين كاختلاف المصدر واختلاف مفهوم النظام العام وهو المعروف أو العرف الذي يتلقى الرضا العام أو النكير المطلق في أي مجتمع.

إن الاعتراف بالاختلاف يشعر الفرقاء بجدية الحوار وأنه ليس استحواذاً ينكر فيه الآخر على مقابله حقه الطبيعي في الاختلاف ويطلب منه أن يتماهى معه وكأنه يشترط ذلك مسبقاً لقبول التواصل معه.

إن شعار التواصل هو أن يقبل الفرقاء كل واحد منهما الآخر كما هو لا كما يتمناه.

 ثانياً: إبراز المشترك بين الطرفين الذي قد يكون خافياً أو خافتاً أو قد يكون إطلاع الطرفين بعضهم بعضاً عليه يسهل عملية التواصل ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد﴾

ولهذا يجب توظيف المشترك في ثلاث دوائر :

دائرة القيم الإنسانية: فكل الناس يبحثون عن العدل والسلام ويبغضون الجور والطغيان فما لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره إن الضمير الإنساني بتقديم القيم التي يؤمن بها الناس كل الناس من أهم أسس التواصل.

والوثيقة الدولية لحقوق تمثل أهم محاولة لتوظيف المشترك الإنساني. 

دائرة القيم الدينية: مع أصحاب الرسالات السماوية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ كعلاقة المقدس بالدنيوي وتراجع القيم الدينية لصالح العلمانية مثلاً.

دائرة المصالح المتبادلة: كقضايا التجارة في المواد الأولية والمصنعة والطاقة إلى آخر القائمة.

المرتكز الثالث: تقرير غايات للتواصل تشده إلى الأمام وتهون في سبيل الوصول إليه الصعاب وتذلل العقبات.

المرتكز الرابع: أهمية إيجاد لغة مشتركة للتواصل تستوعب الخلفيات الثقافية كالفلسفة والدراسات المقارنة للأديان

وفي الفصل الأخير: استعرضنا زمرة من أدوات التواصل التي يمكن تصنيف بعضها في خانات الوسائط كاعتبار الإعلام واسطة والصحيفة والتلفزة وسيلة مثلاً وهذه الوسائل ليست حصرية وإنما هي أمثلة.      

 

ولعلي أختم بنظرة أبي حيان التوحيدي إلى الإنسان، فقد نظر إلى الإنسان كإنسان، إلى ما يعتريه وما يجري عليه من أعراض اختيارية أو اضطرارية محمودة أو مذمومة ما كان منها من قبيل القيم والأخلاق وما لم يكن كذلك، فعرض منها قائمة طويلة ما كان منها بالفطرة أو ما يكون ناشئًا عن الفكرة فيقول: وقد تقرر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله مختلفة، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضد أو شبيهٍ بالضد كالحياة والموت، والنوم واليقظة، والحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير والشر…… ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع”.

هذا هو الإنسان في كل مكان وفي كل زمان بنقائصه ومزاياه، فهل لنا أن نأمل في تنمية جوانب الخير والقيم الإنسانية الخيرة المشتركة، إن سلوكنا الفاضل، وتسامحنا، وسخاءنا، وصدقنا، ووفاءنا، وأمانتنا من شأنه أن يقنع الآخر، وهو الإنسان الذي حمل نفس الإعجاب بتلك القيم أن يعاملنا بنفس المعاملة النبيلة، فالخير يدعو للخير، والسخاء يستدعي السخاء.

إن إقناعنا للغير بسلوك سبيل الخير أهم قضية إنسانية. ونقتبس من أفلاطون قوله:إن خُلُق العالم هو تعبير عن غلبة الإقناع على القوة.

وتتألف قيمة البشر من قابليتهم للإقناع، فهم يستطيعون أن يقنعوا ويقتنعوا بإظهارهم على مختلف الوسائل التي يمكن أن يُستعاض بإحداها عن الأخرى، فمنها الأحسن ومنها الأسوأ، والحضارة هي الحفاظ على النظام الاجتماعي بواسطة الإقناع الفطري الذي يتجسد باختيار الأفضل.

أما استخدام القوة مهما يكن ذلك حتميًا فإنه يكشف عن فشل الحضارة سواءً كان ذلك بالنسبة للمجتمع العام أم بالنسبة للأفراد”.

فلنبذل جهدًا لإقناع الآخرين بالعدل والمحبة والإخاء والمساواة والوفاء والمسالمة، فإذا شاعت تلك القيم بين الأفراد والمجتمعات والدول عند ذلك نطمع في نظام عالمي ينصف الشعوب الضعيفة والأمم المظلومة، يكون الحوار وسيلته، وصالح البشرية غايته، بدلاً من نظام عالمي يقوم على المصالح الأنانية للأمم القوية، والتمييز العنصري والديني المقنع أحياناً والسافر أحياناً أخرى، ويوم يأتي ذلك النظام الذي يرتكز على القيم الإنسانية المشتركة، قيم العدل والمساواة والحق ينزل الفرج ويسود السلام.

]وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[[الروم:5].

 

   


autre MondialisationL الصادر في فبراير 2004م  

([2]) سورة الحجرات : 13 .

([3]) سورة الإسراء : 70 .

([4]) سورة البقرة : 228 .

([5]) سورة البقرة : 179 .

([6]) أخرجه البخاري .

([7]) مغامرات الأفكار: وايتهيد، ترجمة أنيس زكي حسن، ص439.

أحمد أمين       الأخلاق   ص63  

([9]) هنتر ميد: الفلسفة أنواعها ومشاكلها، ص 264 ترجمة فؤاد زكريا.

([10]) هنتر ميد: المرجع نفسه، ص267.

– أخرجه الترمذي.

– مدارج السالكين: 1/234-2350. 

تحالف القيم الجزء الأول

سماحة الإمام عبد الله بن بيه ،يتناول بالدرس والتحليل موضوع “تحالف القيم بين الشعوب”، انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفا، لو دعيت به في الإسلام لأجبت”. وقد كانت المحاضرة ضمن الدروس الحسنية – 2007

تحالف القيم الجزء الثاني

سماحة الإمام عبد الله بن بيه ،يتناول بالدرس والتحليل موضوع “تحالف القيم بين الشعوب”، انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفا، لو دعيت به في الإسلام لأجبت”. وقد كانت المحاضرة ضمن الدروس الحسنية – 2007 المملكة المغربيه

الثقافة العربية والمستقبل

 

الثقافة العربية والمستقبل 

      

  

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه 

 

عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيـّـه  

وزير المصادر البشرية ووزير العدل والشئون الإسلامية والتعليم بموريتانيا 

والأمين الدائم لحزب الشعب – سابقاً- 

أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز – جدة 

نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين 

عضو المجلس الأوربي للإفتاء بدبلن – خبير بالمجمع الفقهي العالمي 

  


إنه موضوع من أهم المواضيع الفكرية التي تطرح على الأمة وبخاصة على المثقفين أسئلتها، وهو موضوع واسع الأرجاء مترامي الأطراف، جلي وغامض واضح ومشكل، حيث أن الصورة العامة لهذه الثقافة مدركة بالحس، وإن كانت معطيات هذه الصورة بعيدة الأغوار مظلمة الجوانب، ولهذا سيكون تعريف بعض المفردات خطوة أولى في تشرفنا لاكتناه حقيقة. 

إن الثقافة بالمعني الحديث الذي يترجم كلمة culture     فإنه مصطلح قد عرف كما يقول ((كوبر وكلايكون)) بمائة وخمسين تعريفًا لعل أبرزها: 

تعريف لاروس الفرنسي حيث يقول: 

((إن الثقافة هي مجموع النظم الاجتماعية والمظاهر الفنية والدينية والفكرية التي تتميز بها وتحدد بها مجموعة أو مجتمع بالنسبة للآخر)). 

تعريف موسوعة دار الشروق حيث جاء فيه: 

((إن مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما يصدر عن الإنسان من إبداع أو إنجاز فكري أو أدبي أو فيني أو علمي)). 

تعريف الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في كتابه ((التنيمة الثقافية من منظور إسلامي)) حيث قال: 

((إنها مجمل النشاط الإنساني في حقول الإبداع الفكري والأدبي والفني)). 

ويري البعض: 

((أنها حصيلة النشاط الاجتماعي في مجتمع وأساليب الحياة والسلوك وأنماط القيم السائدة فيه)). 

لكن التعريف الانثروبولوجي الواسع الباحث عن المعتقدات واللغة والمؤسسات العوائد التقاليد لكل مجتمع، وعلاقات الكائنات البشرية بعضها ببضع هو التعريف الأولى في نظري. إلاّ أن المهم هنا أن نعرف أن مصطلح الثقافة مصطلح مراوغ أو يزعم الاستئثار بمدلوله، إلا أنه من المؤكد دخول الدين، والتقاليد، واللغة في أفراد هذه المصطلح. 

وسأبدأ بافتراض مسلّمات: 

الأولى: افتراض أن الدين الإسلامي، واللغة العربي، والتقاليد العربية، والعادات، هي الثقافة العربية. فهذا الثلاثي هو الذي يشكل المتخيل العربي وخلفية السلوك ومعيار القيم لدي العربي. 

هنا اتفق مع اليوت عندما يقول: 

((إن الثقافة نتيجة الدين، والدين نتيجة الثقافة حسب الزاوية التي ينظر منها الناظر)). 

أتفق مع الفقرة الأولى وأعدّل الفقرة الثانية لتكون ((التدين نتيجة الثقافة)). 

وإذا كان هذا الدين هو الدين الإسلامي، وهذه الثقافة هي الثقافة العربية، فهما صنوان متلازمان ملازمة اللازم للملزوم والعرض للجرم. 

 

فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه 
 
 

      

أخو أرضعته  أمّه بلبانها
 
 

 

فالإسلام إذن كان ولا يزال هو الآمر الناهي في حياة العربي بوعي أو بدون وعي. 

المسلّمة الثانية: أنه توجد سمات مشتركة بين جميع العرب من معتقدات، وشعائر دينية، ولغة تواصل، وعادات وتقاليد، وحاضر مشترك، وطموح إلى نوع مشترك من المستقبل، وهي سمات تسمح بالحكم بوجود ثقافة عربية واحدة، بالرغم من تفاوت العلاقة بالموروث قربًا وبعدًا، واختلاف شيات وأطياف التفكير والممارسة بين مكونات الأمة، هذا فيما يتعلق بالجزء الأول من العنوان. 

أما الجزء الثاني من العنوان وهو المتعلق بمستقبل الثقافة العربي، فإن المستقبل وإن كان ما يجري فيه مجهولاً لا يعمله إلا من لا يجري عليه الزمان جّل شأنه، وهو يجري الزمان، ويمكن للإنسان أن يتعامل معه طبقًا للسنن الجارية التي تجعل الحاضر مقدمة للمستقبل؛ ذلك أن حاضر هو نتيجة ماضينا، كما يقول الكاتب وليام فولكنر من جنوب أمريكا. 

إن الحاضر بدأ منذ عشرة آلاف سنة، فإن حاضر ثقافتنا بدا منذ حوالي أربعة آلاف سنة، منذ أن رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ومنذ تزوّج إسماعيل من قبيلة جرهم القحطانية وتكلّم العربية، حيث أصبح للعرب بيت عبادة محجوًج استوجب احترام الأمم أخرى وأثر في بعض الأحيان غيرتها، فجالت في جزيرتهم وصالت، التي لا يحسن اجتياب مفاوزها واصطياد مهاها وظبائها سواهم، فأنشأوا الحواضر في أطرافها جيرانًا لأمم الفرس والروم، واحتفظوا بأرومتهم البدوية في قلبها حيث صقلهم شظف العيش وخشونة الصحراء، فامتطوا صهوات الجياد وذللوا النجائب وناحوا على الرسول والأطلال: 

 

ما بكاء الكبير بالأطلال 
 
 

      

وسؤالي وما ترد سؤالي 
 

 

فأنشدوا أجمل القصائد، وحبروا أبدع الخطب في عكاظ ومجنة وذي المجاز.

لكن خصائص العروبة قد تأكدت، وقيادتها وريادتها قد تأدبت وتأيدت، حينانتشر الضياء من جبال فاران من مكة المكرمة، من الأرض عربة على الدنيا بمبعث سيدنا محمد  بالرسالة الخاتمة من الباري جلّ شأنه إلى الناس كافة، حيث حمل القرآن إلى العالم قيم الخير ومبادئ العدل والإحسان وأحسن عادات قيس وعبس وذبيان وتغلب وشيبان، فتفتقت لغة الضاد بأروع بيان، فاهتز وجدان الأمة وتشكل كيانها، ومدت أجنحتها على الشرق والغرب في صحوة دينية وخلقية وفكرية وإنسانية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فقطفوا ثمار علوم من سبقهم من الأمم من غير خجل ولا وهن، فحققوا ونقدوا واستوعبوا وأضافوا وشادوا وأفادوا، وبذلوا خلاصة ما توصلت إليه الإنسانية في أدق العلوم من فلك ورياضيات وصناعات إلى الإنسانية جمعاء، فأخذ الغرب منها سجلاً كان أساس علومه وتقنياته عن طريق معابر البحر الأبيض المتوسط والأندلس.

وبعد قرون عدة تحولت الحركة إلى رتابة والإبداع إلى تقليد وابتاع، فامتدت يد الزمان إليها، فاستطال الأعداء عليها؛ فأظلم صبحها وفزع سرحها؛ لأسباب معروفة قد يطول شرحها. ذلك هو ماضينا نحمله على كواهلنا بانتصاراته وهزائمه، بأعراس ومآتمه، بكل تراكماته في حاضرنا.

 


وإن اختيار هذا العنوان ((الثقافة العربية والمستقبل)) لندوتنا هذه، ولمهرجان الجنادرية هذه السنة يشير إلى الاهتمام الكبير بهذه القضية التي تعتبر أساسًا للتنمية الاقتصادية، والتطور الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية.

وإنه لقلق وإشفاق في محله، وإن الأمر ليس حركًا علينا، فهذه فرنسا يرفع رئيسها عقيرته جاهرًا بالشكوى أمام مؤتمر هانوي الفرنكفوني قائلاً:

((يجب ألاّ يستسقي من نبع ثقافي وحيد، وينبغي أن تحترم الخصائص الثقافية لكل أمة)).

وحتى إن البعض يتخوف من الغزو الثقافي الإسلامي، فيكتب البرتو في جريدة ((بريد المساء)) الإيطالية قبل أشهر ليقول: ((ماذا لو أصبح نصف إيطاليا فقط مسيحًا والنصف الآخر مسلمًا؟)).

إلا أن قلقنا على مستقبل ثقافتنا مبرر بأكثر من سبب، فهناك عوامل داخلية، أي من داخل ثقافتنا، وعوامل خارجية ترجع إلى تأثير ثقافة الغير في ثقافتنا، لعل أبرز هذه الأسباب:

أولاً: وجود ثقافة عالمية عاتية عيل صبرها من رؤية التعدد الثقافي والحضاري تحاول تجاوز المراحل، واختزال الزمان والمكان؛ لتجعل من العالم قبيلة واحدة تتكلم لغة واحدة، تحاول أن تصهر القيم والأعراف في بوتقة واحدة، يكون القدح المعلي فيها لآندي صوتًا والأكثر عدة وعتادًا وعددًا. إنها عالمية تملك الإدارة والتخطيط والوسائل، وتتقمص الشرعية الإنسانية، ومن يراوده أدنى شك فليراجع وثائق مؤتمر السكان في القاهرة، ومؤتمر المرأة في بكين، وهي عولمة حملت المجلة الفرنسية revue litturair الصادرة في نوفمبر على المطالبة بضرورة تضافر الجهود بين فرنسا وألمانيا لتثبيت الثقافة الأوربية في مواجهة العولمة.

ثانيًا: العجز عن اقتراح مشروع ثقافي حضاري شامل يتسلم زمام المبادرة التارخية، يجوز إجماع العرب ويوحد قواهم أمام تحديات القرن القادم، وهذا لا يعني عدم وجود مشروعات حضارية أصيلة وواعدة لدي جهات سوية راشدة من هذه الأمة.

ثالثًا: ردود فعل متباينة ومتضاربة عبّر عنها جسم الأمة تجاه الحالتين السابقين العالمية من خارج الأمة العجز المحلي، ونعني بجسم الأمة تلك الفعاليات المنتجة للمادة الثقافية أو المعيدة لإنتاجها، وهذه الردود قد تكون دوافعها حسنة، هدفها خارجة عن نطاق السيطرة، إذ نزع فيها مقود الحافلة وقفز الركاب جميعًا إلى مقعد السائق كل واحد يريد أن يكون  هو قائد الحافلة، فكانت النتيجة أن انقلبت الحافلة..، كما يقول مانسفلد واصفًا الديمقراطية في الدول النامية في صورتها النمطية والظواهر المتزامنة مع التحول، لقد غابت روح التسامح وأعلنت حرب داحس والغبراء في بعض الفضاءات العربي.

رابعًا: عقم الجامعات والمراكز العلمية: فلا إنتاج ولا إسهام في اختراع، كما تؤكده دراسة أعدها بعض الخبراء، يقول فيها:

((إنه في كل سنة يعد حوالي مليوني بحث علمي، وتُطبع مائة ألف مطبوعة علمية، نسبة إسهام المسلمين جميعًا فيها 3%، فكم ستكون نسبة إسهام العرب في تلك النسبة؟)).

خامسًا: ضحالة الإنتاج الفكري في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهي ضحالة لم تستشن الآداب شعرًا ونثرًا والفنون والعمارة.

سادسًا: قصور واضح في الدراسات الإسلامية لاستجلاء الشريعة نصًا وروحًا، وتقدم المنهج الوسطي الذي يحتوي على ثقافة الوئام وإفشاء السلام على من عرفت ومن تعرف، وعن تكوني جبل قوي يفهم أمور دينه ودنياه، مما نتج عنه انفصام بين التعليمين الديني والدنيوي.

سابعًا: انكماش الاجتهاد الفقهي، مما نتج عنه عجز الفقهاء عن مواكبة مستجدات العصر في المعاملات وحتى في العبادات.

ثامنًا: فقر مدقع في أكثر البلاد العربية في وسائل الثقافة.

تاسعًا: أضف إلى ذلك التخلف التنموي الذي يجر موكب الفقر والبطالة وانسداد الأفق بالنسبة لملايين الشباب.

وقد نشأت عن هذه السمات أنساق اجتماعية واقتصادية وتربوية غير قادرة على إشباع حاجات الإنسان العربي وإحلال الأمة بمجموعها في مكانتها لتشكل فضاء محترمًا له مميزاته وخصائصه، منفتحًا ومتواصلاً مع الفضاءات الثقافية الأخرى، مما يشير إلى وجود خللٍ ما في التمثل السلوكي للتراث في الظرف الراهن في التواصل مع مزيج القيم الذي تقترحه المعاصرة على الذات القابلة.

وهو خلل يشترك فيه عاملان: داخلي وخارجي، تداخل فيه الأثر والتأثر والفعل والانفعال مع ما يعنيه من شطط وغلو واستنجاد بشتى السلبيات، إنه خلل في العوالم الثلاثة كما سماها مالك بن نبي: عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء وفي علاقة هذه العوالم فيما بينها.

إن ثقافة هذا حاضرها وذلك ماضيها ماذا سيكون مستقبلها؟ إن الحديث عن مستقبلها إما أن يكون على أساس استشراف المستقبل من خلال مؤشرات الحاضر وتفاعلات العناصر المؤثرة إيجابًا وسلبًا، وإما يكون تمنيًا واقتراحًا على المستقبل، وهذا ما أثرناه في هذه المداخلة بحثًا عن الحل للأزمة الثقافية.

فما هو الحل؟ وما هي معالمة وخطابة وأسسه ووسائله؟

لقد سمعنا عن وصفات كثير للحل، ولسان حال المستهدفين بها يقول:

 

بكلٍ تداوينا فلم يشفِ ما بنا
 

 

على أنَّ قرب الدار خير من البعد
 

على أنّ قرب الدار ليس بنافعٍ
 

 

إذا كان من تهواه ليس بذي وُدِ
 

 

لقد افترضت أكثر الحلول راديكالية وجذرية وتطرفًا، فمن داع إلى القطعية مع التراث وما تصرف من مادة ((ورث)) ولسان حالةً يقول مع امرؤ القيس:

 

أبيني لنا إن الصريمة راحة
 

 

من الشك ذي المخلوجة المتلبس 
 

 

فأدار ظهره للتاريخ وقلب له ظهر المجن وانبهر بكل حديث، ولم ير في الثقافة الأصلية إلاّ عيوب التخلف الاقتصادي والظلم الاجتماعي، فغني وشدا بديمقراطية الغرب وتقدمه التكنولوجي وضمانه الاجتماعي.. إلخ. لقد جرّبت ذلك إحدى الأمم فلم تكن تجربتها قمة في النجاح.

ومن داعٍ إلى التمسك بالماضي القريب وذكرياته، ولم ير أصحاب هذا الحل في الغرب إلاّ الانحلال الخلقي والتفكك الأسري وملاجئ الكبار والمسنين آباء وأجدادًا، والتبرّم بالحياة الذي يصل إلى حد محاولة الهروب منها بالقتل، فقد أّكدت الإحصائيات في فرنسا أنه في كل سنة تسجل 165 ألف محاولة انتحار تصل منها اثنتا عشر ألف إلى انتهاء الحياة.

إن في كلا الموقفين شططًا وغلوًا، إن القطعية مع التراث خطيئة والتقوقع فيه خطأ. إن الذي أقترحه هو مقاربة للحل أو تذرع للحل وليس وهو الحل النهائي الأبدي كما يحلو للكثيرين منا أن يصفوا حلولهم لمثل هذه القضايا، وإن الحل الذي أقترحه يرفع شعارًا واحدًا هو شعار التجدد.

ومصطلح التجديد ليس غربيًا على ثقافتنا، فقد ورد في الحديث:

((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها))([1]).

وقد يكون هذا المجدد عالمًا مجتهدًا، كالشافعي مخترع علم أصول الفقه وآليات التعامل مع نصوص الشريعة، وقد يكون ملكًا عادلاً كعمر بن عبد العزيز، وهذا بنص العلماء الأوائل.

وإن مصطلح التجديد كان معروفًا للجاهلية. قال زهير بن أبي سلمي:

 

هم جدوا أحكام كل مضلة
 

 

من العقم لا يلفي لأمثالها فصل 
 

 

قال الأعلم الشنتمري: يريد بالتجديد أنهم بينوا أمور الحرب، فتجديد تقاليد الحرب والشجاعة هو تجديد الجاهلية.

ومعالم هذا التجديد تتمثل في معادلة: التراث والمعاصرة:

فما هي معالمة إذن؟

إنه تعامل جديد مع التراث بالتعمق فيه، والاستنجاد بإيجابياته، وتحريره وتأصيله، والتنقيب في أعماقه، وتجليته بكل إمكانيات الإشراق حتى يصبح حيًا، فإن الثقافية الميتة لا يمكن أن تكون إيجابية، ولا يمكن أن تتعامل مع الثقافات الأخرى إلاّ بخنوع وتبعية.

إنه تعامل جديد كذلك مع التراث يهدف إلى استكشاف فضاءات الالتقاء الالتقاء ومجالات التماس والتقاطع، وتوسيع قنوات التواصل والاندفاع بقوة إلى المعاصرة فكرًا وعلمًا بندية وكفاءة، وذلك باحتكام إلى ثلاث قيم أساسية: ((العقلانية –العلم- التسامح)).

بناءً على هذه الجدلية بين ثقافة أصيلة حية وثقافة عالمية دينامية فإن النتيجة ستكون تنسيب المواقف من بعض القيم، ومن بعض الأشياء، ومن بعض الأفكار، وتجسير العلاقة بين الأفكار والأشخاص، فبدلاً من واقع قيم تهاجم وقيم تقاوم، سيكون التعاون والتعاضد والتآزر، ولهذا فإن التجديد لن يكون هدمًا للتراث الأصيل بل سيكون عملاً من خلاله، ولن يكون ترميمًا وتلفيقًا بل سيكون دمجًا وأخذًا وعطاءً، فالنهر يتجه إلى مصبّه ويظل أمينًا لمنبعه، كما يقول فيلسوف غربي.

إنه إحياء لثقافتنا عبر منطلقات جديدة بآليات العصر ووسائله، إن التراث سيكون إطار المرجعية، وإن التجديد هو توسيع وعاء الثوابت لتستوعب الحديث، وقولبة الحديث ليستوعب، إنه انطلاق من عقال الحيرة، وتزحزح عن مفترق الطرق، لسلوك الجادة ولوج الفضاء الرحب في انسجام بين الضمير الجمعي ومتطلبات العصر، إنه مزج الأصالة في أجلي الضمير الجمعي ومتطلبات العصر، إنه مزج الأصالة في أجلي صورها بالمعاصرة في أنجح وسائلها وصيغتها. إن الخيار لاستراتيجي للتجديد هو التحرك من خلال التراث إلى المعاصرة ليكون التفاعل بين الاثنين أساس الصيرورة الثقافية.

خطاب التجديد:

خطاب التجديد موجّه إلى الجميع، إلى كل من يبحث عن صالح هذه الأمة انطلاقًا من قناعة أن مستقبل الأمة هو ما سيصنعه الجميع.

خطاب التجديد خطاب متأنٍ مُتّئد حينما يتعلق الأمر بالمقولات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية التي تقترحها المعاصرة، بل إنه يتعامل بشيء من البطء والتروي إلى حد الانتفاء في الوقت الذي يبذل فيه كل جهد لاستيعاب الجانب العلمي والتكنولوجي بأكبر قدر من السرعة المحكمة، مندفعًا للمنافسة في هذا الجانب بكل قوة.

خطاب التجديد خطاب حضاري واعٍ لا يوجهّ اللوم إلى أحد، إذ يعتبر الجميع بفضائلهم ونقائصهم ومزاياهم ورزاياهم ثمرة ثقافة هذه الحقبة التي نعيشها.

إنه دعوة إلى بناء إنسان جديد فخور بأصالته، متفاعل مع عصره، وهو يهدف إلى تنشئة جيل عربي فاعل وليس مفعولاً به، يستطيع بكفاءته الروحية والخلقية والنفسية والعلمية المنافسة في ميدان الحياة ومواجهة القرن القادم بتحدياته ومجهولاته.

خطاب التجديد يوجّه تحذيرًا واحدًا: هو أن الإشاحة بوجوهنا، الإشاحة بوجوهنا، الصدوف والعزوف عن التجديد من منطلق استنطاق ثقافتنا ومنطق اليأس منها، وكذلك الانكفاء على الذات ومنطق اليأس من خير المعاصرة سيخلفان ويخلدان المتمزق والضياع.

وبالعكس فإن أي خطوة جادة نحو فكر التجديد وممارسته ستنعكس إيجابيًا على الإنسانية ومردود الإدارة والإنتاج وقيمة الوقت والعلاقات الإنسانية والأمن البشري، وسيكون المردود إيجابيًا على العالم كله حيث سنوفر معبرًا إلى رحاب التنوع الثقافي لما لعالمنا من صلات تاريخية بنفس التواصل، ولما لموقعنا الجغرافي بين العالم الأصفر والأبيض وتشابك علاقتنا الثقافية مع هذه العوالم.

فما هي أسس التجديد في مكونات الثقافية الثلاث في تعاملها مع بعد المعاصرة؟

إنه ستكون في الشريعة تجلية قيمها وفضائلها، قيم التسامح والعدل والشورى والتعايش والتواصل والروحانية والوحدة والتعدد في إطار الثوابتن وهو تعدد تجلية مرونة الفقه وسمعة أفقه وتنوع دلالته وتوسع نطاق أدلته الإجمالية في ضوء الزمان؛ لتحقيق مقولة هي بالتأكيد حق: إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ وذلك بتسلط الاجتهاد على الربط المتواصل بين الزمان وبين الشريعة نصوصًا ومقاصد وأصولاً وقواعد، انطلاقًا من مبدأين: العقل المصلحة. وترجمة لثلاثة مقاصد: الضروري الحاجي- والتحسيني وتطبيقًا لخمس قواعد:


 


([1]) رواه أبو داود، والبيهقي، والحاكم.

 


1-   
إلغاء الشك لليقين.

2-   تحكيم أعراف الزمان.

3-   إزالة الضرر وضرورة الإنسان.

4-   رفع المشقات وإحلال اليسر في التكليف محل العسر.

5-   الجريان في التكليف على المقاصد لا على الصور.

بالإضافة إلى الأدلة التي تستند إلى معقول الشرع كالقياس والاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة، أضف إلى ذلك التعامل مع سلم الضرورات والحاجات العامة التي تغير مقتضي الأوامر والنواهي في الشريعة طبقًا لما يسمي بالرخص بأنواعها.

في اللغة: في إحيائها وتعميمها وتفجير معين قواعدها الذي لا ينضب، وغرس شجرتها التي لا تذوي، انطلاقًا من غناها وثرائها في غناها وثرائها في المفرادات والتغير والاشتقاق والأوزان الجموع. فلنا في لغتنا العربية ثلاثون جمعًا يقابلها جمعان في اللغة العبرية التي تعلمت نحوها وضاعت نفسها وأحدثت الشكل والنقط اقتباسًا من العربية في القرن الثامن الميلادي بالأندلس. فهل يغلب جمعان ثلاثين جمعًا؟

في الآداب: بإحيائها نثرًا وشعرًا بمختلف بحوره في أجمل صورة وفي شتي مقاصده، يجب أن تصدح النوادي والبيوت بجماله وفنونه، وتشدو طير الخمائل من جديد على أزهارها المونقة في رياضة المورقة بأنغامه ولحونه.

في العادات والتقاليد: بإحياء الصناعات والتقليد والفنون الجميلة، وباتخاذ كل الطرق التربوية لاستمرار التماسك الأسري، وحب الأدنى، وبر الوالدين، والشهامة والكرم، وإسعاف الآخرين، والوفاء، والبر، والسماحة، كما قال امرؤ القيس:

 

وتعرف فيه من أبيه شمائلاً
 

 

من خاله ومن يزيد ومن حجر 
 

سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا
 

 

ونائل ذا إذا ((بدا وإذا حضر))
 

 

يجب أن نقدم هذه العادات والتقاليد في مقابل الإنسان الأخير، وهو صورة لإنسان الغرب المستقبلي عند فوكوياما اقتباسًا من الفيلسوف نيتشه، حيث يري أن إنسان الديمقراطية الليبرالية سيكون حرًا بأخلاق العبيد، نذلاً لا قيم له ولا خلق ولا غيرة أناني لا يهتم إلاّ بمصلحته الشخصية وشهوته المنحطة، سيخلع إنسانيته! إنه ((الهلباحة))([1]).

إننا بهذه التقاليد النبيلة التي هي قيم ديننا وتراثنا سنسهم في تقديم أنموذج بشري سوي. إن هذه المكونات الثلاث متجددة في نفسها، باحثة في أعماقها، ستعيد صياغة ذاتها متفاعلة مع بعد المعاصرة في حيويته ومقولاته الإنسانية وبخاصة في علومه وتقنياته التي تقترح آفاقًا جديدة يجب أن تغزي، وتكشف أغوارًا عميقة يجب أن تسبر.

وسائل هذا التجديد: حيث إن خطاب التجديد مسالم، بل متعاطف مع كل فعاليات الأمة، فعلي الجميع حكومات وأفرادًا وجمعيات أن تجد الوسائل الكفيلة بتنفيذه، فالصيغ التنظيمة لا قيمة لها في حد ذاتها إلاّ بقدر ما تؤديه من وظيفة نافعة، إلاّ أن العملاء والمفكرين يتحملون عُظم مسؤوليته، فهم الذين سيقع عليهم عبء ترجمته من سماء النظريات والرؤى الفكرية إلى أرضية التطبيق ليصبح برنامجًا عليمًا يصلح للتنفيذ في ظروف الأمة الزمانية والمكانية، وفي ظروف كل جزء منها على حده.

لهذا فإن الكليات التي أشرنا إليها في الشريعة لملامسة جوانب اسعة من جهة، وضبط المسار بثوابت شرعية ليست وظيفتها رفع الحرج عن ضمير الفرد والجماعة حتى يصبح أكثر انسجامًا مع ما تتطلبه مقتضيات العصر فحسب، ولكن ليكون العمل أكثر إيجابية ولصوقًا بالواقع، يصبح وضع الخطط العلمية ضرورة لقيام ورشة أو ورشات عمل لدراسة تلك المبادئ والأصول والقوعد والكليات في ضوء مقترحات المعاصرة، وعلى خلفية تطوير الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولا يكتفي أن نستنبط من هذه المبادئ بل علينا تكوين عقليات اجتهادية جبارة كأبي حنيفة وأضرابه، وهذه الخطوة وسيلتها المجامع الفقيهة والجامعات والمراكز الحكومية والخاصة، كما يجوز لأي كان أن يسهم في وضع مفرادتها وتفصيلاتها.

كما أن دارسة التاريخ والسير لن تسمح بتجلية العبقريات فقط، ولكن بمحاولة الإفادة من كيفية تعامل هذه العبقريات السياسية والقيادية مع ظروفها التاريخية.

كما أنه يجب إدماج الدراسات الإنسانية بالدراسات الإسلامية، بخاصة علم النفس الحديث؛ لتكوين الشباب المؤهل نفسيًا لمواجهة التجديد.

وفي اللغة ستكون المجامع للغوية خير وسيلة، وكذلك النوادي، وكل الهيئات والجماعات ذات الصلة.

وإن الصحافة والجامعات والمراكز العلمية يجب أن تكون أكثر نشاطًا وحيوية، ويجب التركيز على البحوث العلمية المتكيفة مع البيئة المحلية.

أيها الإخوة:

إنني في النهاية لست متشائمًا، فإن مستقبل ثقافتنا هو ما سنكون، ومستقبلنا هو ما ستكون، وهو ما نريد جميعًا –بإذن الله- إذا تم الاتفاق وإذا اتفقت حكوماتنا على خطوط محددة في بناء الجسور الثقافية وتحديد معالم استراتيجية ثقافية، ووضع خطط زمنية لتنفيذ مراحلها، طال الزمن أم قصر، فإن من شأن ذلك أن يشكل منعطفًا تاريخيًا في غاية الأهمية، وقد تكون أهمية مساوية لأهمية اتفاق السوق الاقتصادية الذي برزت تباشيره بإعفاء جزئي لبعض السلع، وإنشاء بعض المناطق الحرة للتبادل التجاري.

إن الثقافة العربية قوية البناء الداخلي، راسخة الجذور، خبرت أزمات التاريخ فحولت جبابرة المغول والأتراك إلى أتباع وخدام أوفياء. إن أحزمة أمنها منتشرة في العالم الإسلامية.

وفي الختام:

فإن التجديد الذي نريده سيكون انطلاقًا من القوى المعنوية والتاريخية عبر معادلات ومرتكزات جديدة تنشئ فكرًا خلاقًا مستوعبًا ومضيفًا متجاوزًا الاستجابة والتكيف إلى الاحتراق والإبداع، والأخذ والعطاء، والشراكة الحضارية والندية.

إنه تطور نابع من عبقرية الأمة وحاجتها، شامل لكل ميدان على مستوى التحديد التاريخي، مبلورًا المشروع الحضاري الواعد الواعي، مدمجًا القيم والتاريخ في بوتقة الحاضر والمستقبل، وفي تناغم وتناسق، في خطاب قديم في مضامينه، جديد في طروحاته، أصيل في مقارباته، ولهذا فهو الجديد بالنوع، القديم بالجنس الذي يجعل من التراث حافزًا، ولا يقيم منه حاجزًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والله ولي التوفيق.


 


([1]) تراجع مقدمة فوكويا، نهاية التاريخ، الترجمة الفرنسية.

 

 

 

تحالف القيم الجزء الثالث

سماحة الإمام عبد الله بن بيه ،يتناول بالدرس والتحليل موضوع “تحالف القيم بين الشعوب”، انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفا، لو دعيت به في الإسلام لأجبت”. وقد كانت المحاضرة ضمن الدروس الحسنية – 2007 المملكة المغربية

تحالف القيم الجزء الرابع

سماحة الإمام عبد الله بن بيه ،يتناول بالدرس والتحليل موضوع “تحالف القيم بين الشعوب”، وقد كانت المحاضرة ضمن الدروس الحسنية – 2007

القيم المشتركة

 

             بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

القيم المشتركة 

نشكر للجهات التي دعتنا لنفكر معاً حول القيم لتكون أساسًا للتفاهم والتقارب والوئام، إذا بحثنا عن الأسس المشتركة، وفتشنا عن أصعدة الالتقاء في مجهود لإبراز كوامنها وتنمية دوافعها وحوافزها؟ ذلك ما انتهيت إليه لأبرّر لنفسي تقديم ورقة في هذا الموضوع.

ولهذا فلا تنتظروا أطروحة فلسفية تفك الاشتباك بين المدارس الفلسفية؛ سأتحدث حديثًا مختصرًا بعد تعريف القيم عن إشكالية وجود قيم مشتركة على ضوء الفلسفة، وعلى ضوء ما يستنتج من نصوص الشرع وأقوال العلماء.

دعونا أولاً نقول ما هي القيم. 

فما هي القيم ؟

إذا راجعنا ما يمكن أن يرادف هذه الكلمة في اللغات الغربية لوجدنا كلمة ETHIQUES     التي تدل على مجموعة قواعد السلوك، كما نجد كلمة VALEURS  باللغة الفرنسية، ومن معانيها ما يعتبر حقًا وجميلاً وخيرًا طبقًا لمعايير شخصية أو اجتماعية ويوظف كمعيار ومرجع لمبدأ خلقي.

أما ما تشير إليه الكلمة وتوحي به ظلالها في اللغة العربية، فالقيم جمع قيمة، وهي ما يكون به الشيء ذا ثمن أو فائدة، يقول المثل العربي: قيمة كل امرئ ما يحسنه”.

وتشير القيمة إلى الخصلة الحميدة والخلة الشريفة التي تحض الإنسان على الاتصاف بها كحرصه على اقتناء الأشياء ذات القيمة الثمينة والاحتفاظ بها، والقيمة ثمن الشيء الذي يقوم مقامه.

وترد القيم مفردًا مصدرًا، ومنه: دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [إبراهيم:161]، في قراءة جماعة من القراء، وكذلك ورد في قوله تعالى: وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا[النساء:5]، في قراءة نافع، أي بها تقوم أموركم.

والشيء القيّم الذي له قيمة عظيمة مبالغة، وأصله قويم على رأي الفراء، وفيعل شاذ على رأي سيبويه، وقرأت طائفة دِينًا قِيَمًا أي مستقيمًا أو كافيًا لمصالح العباد يقوم عليها.

وهي عند بعض الفلاسفة حكم يصدره الإنسان على الأشياء وينبع  منه الاعتراض والاحتجاج على الوجود كما هو قائم ومفروض لتحويل هذا الوجود وفق ما ينبغي أن يكون.

تبعًا لهذا الأصل اللغوي فإن القيم هي تلك المبادئ الخلقية التي تمتدح وتستحسن وتذم مخالفتها وتستهجن، ولعلنا لا نتوقف طويلاً عند وصف هذه المبادئ بأنها خلقية؛ لأن الأخلاق تحتاج إلى تعريف، وباختصار فهي تلك السجايا الكامنة في النفس، وهي أيضًا المظهر الخارجي لتلك السجايا.

وقد رأي بعضهم :أن الخلق هو صفة نفسية لا شيء خارجي، والمظهر الخارجي هو سلوك أو معاملة” ([1]).

وإذا كان الأمر كذلك فلا يسمى قيمة إلا ما كان مستحسنًا على أن يحظى باستحسان عام ومستمر، فما يحبه شخص من طعام لا يمكن أن يُسمي قيمة، لكن هذا الاستحسان العام قد يكون قاصرًا على مجتمع معين أو يكون عامًا للبشرية كلها.

لا أضيف لكم علماً إذا قلت إن الفلاسفة لم يكونوا متفقين على وجود قيم مشتركة واسمحوا لي بتقديم استشهادين لوجهتي نظر يوضحانها.

إن القيم الخاصة بالمجتمعات المعينة والتي مردها إلى العرف والعادة أو الدين أمر لا شك فيه، ولكن القيم العامة المشتركة هي أمر تردد فيه الفلاسفة.

إن تحرير محل النزاع كما يقول أهل الأصول هو: ما هو مركز القيمة؟ وهل للخير الذي هو أساس القيم وجود موضوعي مطلق؟ وهل هناك خير بالمعني العام؟ أو هو دائمًا نسبي تبعًا لرضا فرد معين أو فئة معينة؟

لقد اختلف الفلاسفة في هذه المسألة الأساسية اختلافًا شديدًا وذهبوا فيها مذاهب، فكانوا طرائق قددًا من اقتصاديين واجتماعيين ونفعيين ومثاليين، أعفيكم من ذلك بل أُجمل الكلام في موقفين هما موقف من يقول بالنسبية، أي أن القيمة هي نسبية ولا توجد قيم عامة بغض النظر عن العنوان الذي يوضع ذلك تحته، ومن يقول بعموم القيم بغض النظر عن دوافعه، ثم أعرج على موقف الإسلام من ذلك، ثم أنتهي إلى مقولة لغوية.

إن أفضل ما يعبر عن النسبية واعتماد القيم على البيئة هذه الفقرات لوايتهيد في كتابه مغامرات الأفكار حيث يقول:وتفاصيل هذه المقاييس الخلقية تتعلق بالظروف الاجتماعية الخاصة بالمحيط المرافق للحياة في زمن معين على الجانب الخصب من الصحراء العربية، والحياة على المنحدرات السفلى من جبال الهملايا، والحياة في سهول الصين أو سهول الهند، والحياة في دلتا أي نهر عظيم.

كما أن معني المقاييس متغير وغامض، فهناك مثلاً مفاهيم الملكية والعائلة والزواج والعقل، والله سبحانه وتعالى، فالسلوك الذي ينتج في محيط ما وفي مرحلة ما مقياسه المناسب من الإشباع المتوافق قد يكون في محيط آخر وفي مرحلة أخرى منحطًا انحطاطًا مدمرًا، ولكل مجتمع نمطه الخاص من الكمال وهو يحتمل صعوبات معينة حتمية في مرحلته.

وهكذا فإن المفهوم القائل بوجود مفاهيم تنظيمية معينة مضبوطة ضبطًا كافيًا لإيضاح تفاصيل السلوك لكل الكائنات العاقلة على الأرض، وفي كل كوكب آخر، وفي كل مجموعة شمسية، وهو مفهوم يستحق الإهمال، فذلك هو مفهوم نمط واحد من الكمال يهدف إليه الكون كله” ([2])، وهذا هو مذهب النسبية.

وإلى جانبه المذهب المطلق، وعبّر عنه خير تعبير هنترميد بقوله: يمكن التعبير عن موقف المذهب المطلق باختصار بأنه يري أنه لا يوجد إلا معيار واحد أو في حالة الأخلاق قانون واحد هو الصحيح منذ الأزل، وهو الذي يسري على البشر أجمعين، هذا المعيار لا يسري على نحو عالمي شامل فحسب، بل إنه أيضًا مستقل عن العصر، وعن الموقع الجغرافي، والتقاليد الاجتماعية المألوفة، والعرف القانوني وكل شيء آخر، والأمر الذي يشكل التزامًا لي في هذا المكان والزمان هو بالمثل التزام للصيني أو الأسباني أو البولندي.

وهو فضلاً عن ذلك قد كان التزامًا لليوناني القديم والأوروبي في القرون الوسطي سواء أكان يعلم ذلك أم لم يكن، وهو سيكون التزامًا بالنسبة إلى جميع الأجناس والمدنيات التي ستعقب مدنيتنا، فما هو خير الآن كان خيرًا عندئذٍ وسيكون خيرًا في المستقبل البعيد، وما كان شرًا في الماضي ما زال شرًا وسيظل كذلك أبد الدهر، وليس هناك قانون أخلاقي للماضي وآخر للحاضر، ولا معيار للشرقي وآخر للغربي، وإنما الخير والحق شامل يسري على كل زمان ومكان”([3]).

إن نظرية المبدأ المطلق تجد سندها في الديانات السماوية وخصوصًا تلك التي تؤمن بالشمولية، ويعترف هنتر ميد بذلك أن الحضارة الغربية أصلها مسيحي، قائلا: وحين نقول المسيحي فإننا نعني بالنسبة للفلسفة “التوحيدي”، فالإيمان بإله واحد يحكم الكون الذي خلقه أساس للتفكير الديني للغرب.. وهذه الأوامر أوامر الإله شاملة تنطبق على الناس جميعًا في كل مكان”.

المصدر المنطقي: ربما كان “كانت” أشهر العقلانيين في ميدان الأخلاق، فقد كان “كانت” يعتقد أن التحليل يستطيع على الدوام أن يثبت أن خرق القانون الأخلاقي هو أيضًا خرق لقانون المنطق. فاللاأخلاقية تنطوي دائمًا على تناقض، ولنقتبس أشهر الأمثلة التي ضربها “كانت” في هذا الصدد.

فعندما نعطي وعدًا دون أن يكون في نيتنا الوفاء به فإن سلوكنا يكون شرًا؛ لأننا نتصرف على أساس مبدأين متناقضين في آنٍ واحد أول هذين المبدأين هو أن الناس ينبغي أن يؤمنوا بالوعد ولكني أخلفت وعدي، فمعني ذلك أن لكل شخص الحق في أن يخلف وعوده ما دام القانون الأخلاقي ينبغي أن يكون شاملاً، ولو أخلف كل شخص وعوده لما عاد أحد يؤمن بالوعود ولكان لنا مبدأ آخر هو أن من الصحيح أن أحدًا لا ينبغي أن يؤمن بالوعد، وهو مبدأ يتناقض مع الأول”.([4])

أما نحن المسلمين فكل تصوراتنا الفكرية تشير إلى أساس مشترك للقيم بين الإنسان على الأسس التالية:

1- قرر الإسلام مبدأ المساواة المطلقة بين الناس وردهم إلى أصل واحد، لأن رّبهم واحد وأباهم واحد، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[الحجرات:13].

وقال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كُلّكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى.([5])

لهذا فأنا مع وجهة النظر التي تؤمن بوجود قيم مشتركة واعتقد أن العولمة في العالم الحالي ووسائلها والمواصلات والتواصل ألغت الحاجز المادي الذي تحدث عنه الفيسلوف وايتهد إلا أن الحاجز النفسي لا يزال قائماً.

ورسالة النبي الخاتم سيدنا محمد  هي للناس كافة، قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[الأعراف:158].

قرر الإسلام أن النزعة إلى الخير والإيمان والحق فطرة لكل الناس. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ[الروم:30].

إنه مهما استغرق المرء في مجادلات فكرية حول المبدأ المطلق والنسبي، وتلوت به النظريات الفلسفية في معارج منعرجات لا نهاية لها، فإن من البديهي أنه توجد قيم مشتركة وأن العقل الذي هو أحسن الأشياء توزيعاً بين الناس كما يقول ديكارت واللغة هما خير برهان على ذلك.

فكل عقل وكل لغة يعتبر فيها “العدل” كلمة نبيلة حبيبة على النفوس، وكلمة “الصدق”، وكلمة “الحرية”، “التسامح”، “الوفاء” وغيرها من الألفاظ المحمودة عند كل الأقوام.

وفيها نقيض تلك الألفاظ وهو مذموم لا يقبله أحد مثل “الجور”، “الظلم”، فلو قلت لأشد الناس جورًا إنه جائر لسخط من ذلك وأحب أن يوصف بالعدل “الكذب” حتى الكذّاب لا يريد أن يوصف بذلك، “التعصب”، “الخيانة”، “الغدر”، إنها صفات مذمومة كريهة إلى النفوس ممقوتة من جميع الأقوام، الفطرة والعقل يمجّانها. أليس ذلك دليلاً عمليًا وبرهانًا ساطعًا على وجود قيم مشتركة؟

إنه بتفعيل قيم الأخلاق الكريمة وليس فقط حقوق الإنسان التي تمثل الحد الأدنى الذي لا غنى عنه لتعايش البشرية : كالرأفة والرحمة والإيثار والتضامن ومساعدة المحتاج من الفقراء والعاجزين دون التفات إلى عرقهم أو دينهم أو أصولهم الجغرافية من شأن ذلك أن يقدم مفهوماً جديداً للإنسانية يتجاوز المبدأ المحايد لحقوق الإنسان المتمثل في المساواة وعدم الاكتراث بالاختلاف إلى الإيجابية في التعامل التي تشعر الآخر بدفء المحبة والأخوة.

وهو يوافق الحكمة العربية المأثورة: عامل الناس بما تحب أن تعامل به. والحديث النبوي يشير إلى معان أعمق عندما يقول: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

إنه يضيف قيمة “الحب” وقيمة “الأخوة الإنسانية” التي تشعر بوشيجة القربى. ليس ذلك التفسير من قبلي للمناسبة. فالعلماء قبل قرون من الزمن كابن رجب الحنبلي في شرحه للأربعين والشبراخيتي قالوا إن الأخوة في الحديث هي الأخوة الإنسانية.

إن الحب قيمة جميلة لأن كل إنسان يحب أن يكون محبوباً بل قل أن تجد إنساناً يود أن يبغضه الآخرون ومن المفارقات أن بعضهم يحارب الآخرين بدعوى أنهم لا يحبونه إنه يخطئ الوسيلة كما قال صاحبنا الموريتاني.

فإذا تحقق الحب من الجانبين انتفى العدوان إن الحب عواطف وسلوك وعنوان وإعلان ولهذا جاء في الحديث: ” إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه بذلك”.

لماذا هو قيمة لأن كل الناس يعجبون به حتى من لم يسلك طريقه وذلك هو معيار القيمة لا يرضى أي شخص إلا أن يتصف بها فلا يرضى أحد إلا أن يكون عادلاً إلا أن يكون متسامحاً.

إلا أن هذه القيم قد تذبل إذا لم تتعهد وتنمى بالتربية ولهذا يقول الشاعر: 

     هي الأخلاق تنبت كالنبات       إذا ُسقِيَت بماء المكرُمات

إن أهم قيمة يمكن أن تكون مفتاحاً لحل مشاكل العالم هي احترام الاختلاف بل حب الاختلاف بحيث ينظر إليه كإثراء كجمال كأساس لتكوين المركب الإنساني.

إنه بحسن إدارتنا للاختلاف وترقية الفضيلة –قانون الفضيلة- إلى جانب قانون حقوق الإنسان يمكن أن نضع أساساً لتفعيل القيم المشتركة ليكون الاختلاف انسجاماً والعداوة محبة طبقاً للآية أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم  إنه قانون أخلاقي يثبته القرآن “الإحسان” يورث الإحسان والحب يعطي الحب.

فهل لنا أن نأمل في تنمية جوانب الخير والقيم الإنسانية الخيرة المشتركة، إن سلوكنا الفاضل، وتسامحنا، وسخاءنا، وصدقنا، ووفاءنا، وأمانتنا من شأنه أن يقنع الآخر، وهو الإنسان الذي حمل نفس الإعجاب بتلك القيم أن يعاملنا بنفس المعاملة النبيلة، فالخير يدعو للخير، والسخاء يستدعي السخاء. إن إقناعنا للغير بسلوك سبيل الخير أهم قضية إنسانية. ونقتبس من أفلاطون قوله:إن خُلُق العالم هو تعبير عن غلبة الإقناع على القوة.

وتتألف قيمة البشر من قابليتهم للإقناع، فهم يستطيعون أن يقنعوا ويقتنعوا بإظهارهم على مختلف الوسائل التي يمكن أن يُستعاض بإحداها عن الأخرى، فمنها الأحسن ومنها الأسوأ، والحضارة هي الحفاظ على النظام الاجتماعي بواسطة الإقناع الفطري الذي يتجسد باختيار الأفضل.

أما استخدام القوة مهما يكن ذلك حتميًا فإنه يكشف عن فشل الحضارة سواءً كان ذلك بالنسبة للمجتمع العام أم بالنسبة للأفراد”.

 وكذلك فإن هذا الانسجام لن يكون مقتصراً على المجتمعات المختلفة الثقافة بل إننا بحاجة إلى إيجاد هذا الانسجام في حياة كل فرد والذي قد ينتمي إلى ثقافات مختلفة وبالتالي قد ينشأ في نفسه نوع من صراع القيم الذي يجب أن يتحول إلى انسجام وإلى إثراء لشخصيته فهو مثلاً آسيوي بأصوله مسلم بالديانة بريطاني المولد والمنشأ.

وهكذا كنا ندرسه في تراجم العلماء الأقدمين فهو ثراء وليس تناقضاً أو يمكن أن يكون كذلك

كذلك فلنجرب فلنبدأ حتى يكون رجاؤنا مبنياً على أساس وإلا فإنه ليس برجاء إنما هو غرور فلا يمكن أن تتصور إذا كنت لم تقدم أي وسيلة للحب أن تصل إليه إنما هو غرور كما يقول أبوحامد الغزالي إنه كحال من لم يزرع ولم يبذر الزرع وهو ينتظر الحصاد أو من لم يتزوج وهو ينتظر الأولاد .

 

وأيضا فإن هناك مشكلة اتساع الخلف بين القول والعمل. كما يقول الطغرائي إنه النفاق.

فهناك اختلاف كبير بين سياسات الساسة وبين القيم وهو اختلاف لو انكمش لأمكن تجنب كثير من التضحيات الحمقاء إنها تعمى الأبصار .

توجيه النظر إلى زاوية قيم التسامح بدلاً من الكراهية والعنف وصرف طاقات الشباب وشجاعتهم في قنوات الإبداع والمصالح العامة بدلاً من إكراههم على الحروب في الجيوش أو تطوعهم للموت في الفرق الانتحارية وتقديم بدائل للوصول إلى المصالح بدون حروب مطلقاً أو بعمليات عسكرية واستخبارية أقل كلفة وأقل عدوانية.

إن صحوة ضمير عالمي ضرورة لإعادة كتابة دستور للفضيلة وللتذكير بحقوق الإنسان من جديد وإنها لكل إنسان ؛ ولكن عندما نسمع السجال بين الديمقراطيين والجمهوريين في أكبر قوة عالمية تدرك أن هذه الصحوة مازالت بعيدة المنال إذ كل الجدال حول الوسائل وليس حول الأهداف ولا المبادئ ، إنه أمر مزعج يدل على أن ساعة الانتظار مازالت طويلة وأن فك الاشتباك لا يتوقع قريباً.

وأخيراً : فإنه اختلاف في القيم الأساسية الكبرى كالحق في الحياة والكرامة والحرية ، ولكن لعل الاختلاف في التفاصيل المتمثلة فيمن يستحق الحياة ومن يستحق الحرية.

إن احترام الاختلاف وترسيخ أهميته ومد جسور الوحدة وغيره هو وحده الذي يعيدنا إلى قيمة الإنسان وهو أننا جميعاً نستحق هذه القيم.    

وفي الختام : فإنه لترسيخ هذه القيم وتحجيم القيم المضادة يجب أن يكون رجال الدين جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة كما شاهدناه من انزلاق بعضهم على الضفتين ومن مختلف الديانات في إثارة نعرات الخلاف ومحاولة إرضاء جمهوره بما يعود سلباً على قيم التضامن الإنساني وحسن التفاهم.

كما أن وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث مدعوة لأن تلعب دوراً إيجابياً في تنمية القيم كما أن القادة السياسيين مدعوون للانخراط في جهد جاد لتخفيف وطأة الظلم والفقر حيثما وجدا لإيجاد حلول للقضايا المزمنة ولو نصف حلول أو نصف عدالة لأن الحل بالوسائل العسكرية غير أخلاقي وأيضا غير ممكن تلك إحدى الحقائق.         

إننا هنا لا نملك أكثر من الوعظ الذي يحاول أن يركز على ثلاثة أهداف أساسية:

أولاهم: تقديم دروس قيم مقنعة لأهل أوربا وبخاصة لشباب المسلمين تردعهم وإلى الأبد عن ارتكاب حماقات الإرهاب والجريمة.

ثانياً: دعوة الجهات المعنية في الغرب بمنحهم حقوقهم وبخاصة الحقوق الثقافية ليكونوا عنصراً فعالاً له خصائصه التي لا تتناقض مع المجتمع الأوربي في الخطوط الأساسية.

ثالثاً: دعوة الغربيين إلى إعادة النظر في العلاقة بالعالم الإسلامي على ضوء القيم لإيجاد تعايش أكثر إسعاداً للجميع لأنه أكثر أخلاقية وأكثر ذكاء وسخاء.             

 


 


[1] أحمد أمين       الأخلاق   ص63  

([2]) مغامرات الأفكار: وايتهيد، ترجمة أنيس زكي حسن، ص439.

([3]) هنتر ميد: الفلسفة أنواعها ومشاكلها، ص 264 ترجمة فؤاد زكريا.

([4]) هنتر ميد: المرجع نفسه، ص267.

[5]– أخرجه الترمذي.