ارشيف ل

الموسيقى مع النشيد &المولد النبوي

فتوى لمعالي العلامة ابن بيه في حكم الإحتفال بالمولد النبوي الشريف وكذالك فتوى حول السماع للموسيقى مع النشيد

الفرق بين الضرورة والحاجة تطبيقا على بعض أحوال الأقليات المسلمة.

 

الفرق بين الضرورة والحاجة تطبيقا على بعض أحوال الأقليات المسلمة.

 

 

 

 

فضيلة الشيخ

عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه

استاذ بجامعة الملك عبد العزيز

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه..

 

مقدمــة :

إن إعمال الحاجة في الأحكام أصبح من المشتبهات التي لا يعلمها كثير من الناس ، أضف إلى ذلك أن أكثر القضايا الفقهية المعاصرة سواءً تلك التي وقع البت فيها من طرف المجامع أو تلك التي لا تزال منشورة أمامها ترجع إلى إشكالية تقدير الحاجة وتقدير الحكم الذي ينشأ عنها : هل تلحق بالضرورة فتعطي حكمها أو لا تلحق بها ؟

 

سواءً كانت قضايا طبية تتعلق بعلاج العقم مثلاً أو الإجهاض ، أو قضايا اقتصادية تتعلق بالعقود الجديدة من إيجار ينتهي بالتمليك أو تأمين بأنواعه ، أو أحكام الشركات والأسهم وعقود التوريد والشروط الجزائية الحافزة على الوفاء بمقتضى العقد . مما يعني أن تحديد علاقة الحاجة بالضرورة أصبح مفتاحاً لأقفال معضلة المعاملات الفقهية في العصر الحديث .

 

وسأحاول الآن – عوداً على بدء – أن أنثر كنانة هذا الموضوع لأعجم عيدانها وأغور في أغوارها وأصعد في قنانها (وكم بالقنان من محل ومحرم) .  وذلك حسب الخطة التالية :

 

تعريف الضرورة :

لغة واصطلاحاً : من نصوص اللغويين ونصوص الأصوليين والفقهاء .

أصل مشروعية الضرورة .

تعريف الحاجة :

لغة واصطلاحاً : من نصوص اللغويين ونصوص الأصوليين والفقهاء مع أمثلة فقهية تبرز الفرق بينها وبين الضرورة .

أصل مشروعية الحاجة .

نتيجة التعريفين : التشابك اللغوي والتداخل الفقهي والأصولي ، منشأه الاشتراك أو التشكيك .

المصطلحات ذات العلاقة بموضوع الضرورة والحاجة .

إجمال الفروق بين الضرورة والحاجة بناءً على ما ذكرناه من الفقهاء والأصوليين واللغويين .

وأخيراً تطبيقات معاصرة من قرارات المجلس الأوربي للإفتاء ومجمع الفقه الإسلامي بجدة مع التعليق على هذه القرارات .

خاتمة تتضمن نتائج البحث .

تعريف الضرورة لغةً واصطلاحاً :

 

الضرورة في الاصطلاح لها ثلاثة معانٍ : المعنى الفقهي الخاص الذي يبيح المحرم والمعنى الاستعمالي الموسع وهو يشمل الحاجة ، والمعنى الأصولي .

 

الضرورة لغة : قال مجد الدين الفيروز أبادي في القاموس ممزوجاً بشرحه : (والاضطرار الاحتياج إلى الشيء) وقد (اضطر إليه) أمر ( أحوجه وألجأه فاضطُر . بضم الطاء) بناؤه افتعل جعلت التاء طاء لأن التاء لم يحسن لفظه مع الضاد (والاسم الضرة) بالفتح . قال دريد بن الصمة :

 

وتخرج منه ضرة القوم مصدقاً              وطول السرى دري عضب مهند

 

أي تلألؤ عضب، وفي حديث علي رضي الله عنه رفعه أنه نهى عن بيع المضطر. قال ابن الأثير:  وهذا يكون من وجهين أحدهما أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه ، قال : ” وهذا بيع فاسد لا ينعقد ، والثاني أن يضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤنة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس للضرورة ، وهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه ولكن يُعان ويُقرض إلى الميسرة أو تُشترى سلعته بقيمتها فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه صح ولم يفسخ مع كراهة أهل العلم له ” . ومعنى البيع هذا الشراء أو المبايعة أو قبول البيع .

 

 وقوله عزَّ وجلَّ :{فمن اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ}  أي فمن أُلجيء إلى أكل الميتة وما حرم وضيّق عليه الأمر بالجوع وأصله من الضرر وهو الضيق .

 

( والضرورة الحاجة ) ويجمع على الضرورات ( كالضارورة والضارور والضاروراء) الأخيران نقلهما الصاغاتي وأنشد في اللسان على الضارورة :

 

أثيبي أخا ضارورة أصفق العدى                     عليه وقلت في الصديق أواصره

 

وقال الليث : الضرورة اسم لمصدر الاضطرار ، تقول حملتني الضرورة على كذا وكذا .

 

قلت : فعلى هذا الضرورة والضرة كلاهما اسمان فكان الأولى أن يقول المصنف كالضرة والضرورة ثم يقول وهي أيضاً الحاجة الخ كما لا يخفى .

 

وفي حديث سمرة يجزيء من الضارورة صبوح أو غبوق . أي إنما يحل للمضطر من الميتة أن يأكل منها ما يسد الرمق من غداء أو عشاء وليس له أن يجمع بينهما.(والضرر) محركة (الضيق) يقال مكان ذو ضرر أي ذو ضيق . (تاج العروس : 3/349) .

 

وإنما ذكرت هذا النص على طوله ليستبين القارىء الشيات اللغوية التي كانت – وبدون شك – عاملاً من عوامل تفاوت أقوال الفقهاء في معنى الضرورة. وقد يكون من المطلوب أن ينبّه إلى بعض الألفاظ التي وردت في هذا النص لتعريف الضرورة وهي الاحتياج والحاجة والإلجاء والضيق وما يكون حافزاً لها من دين يركب المضطر أو مؤنة ترهقه أو إكراه يجبره أو جوع يلجؤه أو أعداء يصفقون عليه كل هذه المعاني التي أشار إليها أهل اللغة وهي معانٍ تشير إلى الشدة والحرج وهي التي دندن حولها الفقهاء كما سترى .

 

الضرورة اصطلاحاً :

 

والضرورة في الاصطلاح فقهية وتطلق إطلاقين أحدهما : ضرورة قصوى تبيح المحرّم سوى ما استُثني . والثانية : ضرورة دون ذلك وهي المعبّر عنها بالحاجة إلاّ أنهم يطلقون عليها الضرورة في الاستعمال توسعاً .

 

وغير الفقهية وتُسمى ضرورة أصولية وهي : الضرورة العامة بالجنس ، ولعل إمام الحرمين من أول من انتبه إلى ذلك حيث قال في البرهان : ” إن الضرورة على أقسام ، فقد لا تبيح الضرورة نوعاً يتناهى قبحه كما ذكرناه . وقد تبيح الضرورة الشيء ولكن لا تثبت حكماً كليّاً في الجنس ، بل يعتبر تحققها في كل شخص كأكل الميتة وطعام الغير (وهذه هي الضرورة التي تعني بالضرورة الفقهية بالمعنى الأخص) . والقسم الثالث ما يرتبط في أصله بالضرورة ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في معناه(البرهان: ص942).

 

ولنبدأ في تعريف أقسام الضرورة :

 

1 – الضرورة الفقهية بالمعنى الأخص :

 

عرّفها السيوطي بقوله : (فالضرورة بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب وهذا يبيح تناول الحرام) (الأشباه والنظائر : ص61). وهذه هي الضرورة التي قال عنها إمام الحرمين أنها لا تثبت حكماً كلياً في الجنس بل يعتبر تحقيقها في كل شخص كأكل الميتة وطعام الغير كما أسلفنا .

 

قال في مغني المحتاج وهو ” شافعي ” : (من خاف من عدم الأكل على نفسه موتاً أو مرضاً مخوفاً أو زيادته أو طول مدته أو انقطاعه عن رفقته أو خزف ضعف مشي أو ركوب ولم يجد حلالاً يأكله ووجد حراماً لزمه أكله). الرملي :

 

الدردير في الشرح الصغير ” مالكي” : (الضرورة هي حفظ النفوس من الهلاك أو شدة الضرر) – (الدردير : 2/183) .

 

وفسّر الزرقاني في شرحه الضرورة قائلاً : (وهي خوف الهلاك على النفس علماً أو ظناً) إلاّ أنه بعد ذلك نقل عن التتائي على الرسالة قوله :”وهل حد الاضطرار خوف الهلاك أو خوف المرض ، قولان لمالك والشافعي”. (الزرقاني: 3/8).

 

عرّفها الجصاص (حنفي) : “هي خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء بترك الأكل” (أحكام القرآن : 1/195) .

 

قال القرطبي : الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو يجوع من مخمصة والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك ، وقيل معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرّمات . (القرطبي : 2/225) .

 

2- الضرورة بالمعنى الاستعمالي الفقهي الموسع والتي تعني الحاجة :

 

قال خليل : ” وصح قبله (أي بدو الصلاح) مع أصله أو ألحق به أو على شرط قطعه إن نفع واضطر ” أي احتيج كما في التوضيح عن اللخمي لا بلوغ الحد الذي ينتفي معه الاختيار ” . (الزرقاني : 5/187) .

 

ومن استعمال الضرورة ويُراد بها الحاجة قول المازري في شروط اغتفار الغرر اليسير : قال ابن عرفة : ” زاد المازري كون متعلق اليسير غير مقصود وضرورة ارتكابه ، وقرره بقوله منه بيع الأجنة وجواز بيع الجبة المجهول قدر حشوها الممنوع بيعه وحده وجواز الكراء لشهر مع احتمال نقصه وتمامه وجواز دخول الحمام مع قدر ماء الناس ولبثهم فيه والشرب من الساقي إجماعاً ، في الجميع دليل على إلغاء ما هو يسير دعت الضرورة للغوه ” . ابن عبد السلام في زيادة المازري إشكال ورد هذا ” الإشكال ” ابن عرفة (الموّاق في التاج والإكليل بهامش الحطاب 4/365) . بينما عبّر خليل بالحاجة في هذه المسألة حيث قال : ” واغتفر غرر يسير للحاجة لم يقصد ” – (نفس المرجع والصفحة) .

 

وقد نبَّه البناني في حاشيته على عبارة المازري قائلاً : “ولذا عبّر المازري عن قيد الحاجة بالضرورة وهي أخص من الحاجة لكن الخطاب سهل ” (حاشية البناني على الزرقاني : 5/80) .

 

وممن استعملـها بمعنى الحاجة من الشافعية صاحب نهاية المحتاج قائلاً : ” نعم الأولى بيعه ما زاد عليها ما فضل عن كفايته ومؤنة سنة ” ويجبر من عنده زائد على ذلك في زمن الضرورة . وعلم مما تقرر اختصاص تحريم الاحتكار بالأقوات ” (2/47) .

 

فالضرورة هنا الحاجة ، لأن الاضطرار إذا تحقق لم يبق للمالك كفاية سنة حسب عبارة أبي الضياء الشبراملسي في الحاشية على نفس الصفحة .

 

3- المعنى الأصولي للضرورة :

 

للضرورة معنى ثالث هو المعنى الأصولي ونبَّه عليه إمام الحرمين في البرهان في القسم الثالث ، وقد ذكرناه . وقد زاد الأمر وضوحاً عندما قال : “وهو يعتبر البيع من الضروري ويلتحق به (الضروري) تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجرّ ذلك ضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا آل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا ثبتت قواعدها فلا نظر إلى طلب تحقيقها في آحاد النوع . (ص 923 وما بعدها) .

 

وقد أوضح الشاطبي بأنها إحدى الكليات الثلاث التي ترجع إليها مقاصد الشريعة حيث يقول : ” فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ” وتكلم الشاطبي عن مراعاة الضرورة من جانب الوجود ومراعاتها من جانب العدم ومثَّل لذلك بأصول العبادات والمعاملات ( فليراجع : 2/8-9) .

 

وهذا هو الكلي المعبّر عنه بالضروري لأنه من ضرورات سياسة العالم وبقائه وانتظام أحواله حسب عبارة الطوفي (3/209) .

 

ويعبّر عنها بالضرورة بالنظر إلى المصلحة الواقعة في محلها ، فمن ذلك قول الغزالي متحدثاً عن المصلحة المرسلة : ” وإن وقعت في موقع الضرورة جاز أن يؤدى إليها اجتهاد مجتهد بشرط أن تكون قطعية كلية ” (الطوفي:3/211) .   ومثله قول الشوكاني : ” أنها إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر ، والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس وبالكلية أن تعم جميع المسلمين ، لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة “. (الشوكاني: إرشاد الفحول: ص242) .

 

وقال الشاطبي : ” مجموع الضروريات خمس وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل ” (الموافقات: 3/10) .

 

وأما لماذا سُميت بالضرورة ؟ إما لأنها ضرورة لانتظام حياة الناس كما تقدم ، أو لأن اعتبارها (التفات إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر – (إرشاد الفحول: ص242) .

 

وقد تحدث أكثر الأصوليين عن الضرورة والضروري في المعرض المناسب المرسل لإثبات حكم بالمصلحة المستندة إليه من غير اعتبار القياس بشروطه ، والأحكام التي تثبت عند القائل بها ، كمالك ، أحكام مستمرة وهي لا يتأتى العمل بها إلاّ عند غيبة النص .

 

وقد تكون استثناء من عموم كما يدل عليه الاستشهاد التالي :

 

قال الباجي : ” واختلف قول مالك في الرجل يأتي دار السكة فيدفع إليهم فضة وزناً ويأخذ منهم وزناً دراهم ويعطيهم أجرة العمل . فقال مرة : أرجو أن يكون خفيفاً . وذكره ابن المواز ورواه عيسى عن ابن القاسم ومنع ذلك عيسى بن دينار وحكاه ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي .

 

وجه رواية الجواز على الكراهية ما احتج به من ضرورة الناس إلى الدراهم وتعذر الصرف إلاّ في ذلك الموضع مع حاجة الناس إلى الاستعجال وانحفاز المسافر للمرور مع أصحابه وخوفه على نفسه في الانفراد ويخاف إن غاب عنه ذهبه أن لا يعطاه ويمطل به والضرورة العامة تبيح المحظور .

 

أما اليوم فقد صار الضرب بكل بلد واتسع الأمر فلا يجوز ووجه رواية المنع أنه لا يخلو أن يكون بيعاً أو إجارة ، فإن كان بيعاً ففيه التفاضل في الذهب ، وإن كان إجارة فهو إجارة وسلف وذلك غير جائز في الوجهين (المنتقى: 4/259) .

 

قلت: وضرورة الناس المذكورة هنا وكذلك الضرورة العامة إنما هي بمعنى الحاجة العامة ولكن يفهم من كلام أبي الوليد أن ما كان هذا سبيله من إثبات الأحكام من أجل الضرورة العامة بالاجتهاد يزول بزوال الوضع الذي أدى إليه وليس كتلك الثابتة بنص الشارع .

 

وعن استعمال الضرورة في معنى الحاجة بالمعنى الأصولي قول مالك في مسألة الرد على الدرهم (من مسائل الصرف) ؛ قال مالك : كنا نمنعه ويخالفنا أهل العراق ثم أجزناه لضرورة الناس ولأنهم لا يقصدون به صرفاً .

 

فكان سيدي ابن سراج رحمه الله يقول : رجع مالك في الرد على الدرهم لقول غيره من أجل الضرورة . (الموّاق: 4/301) .

 

وبعد التعريف بالضرورة لغة وبالضرورة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين نلاحظ أن الضرورة أمر يورث ضيقاً ومشقة إلاّ أن هذا الضيق يتفاوت في شدته فالضرورة من باب الكلي المشكك عند المناطقة وهو كما قال الأخضري في شرحه لنظمه (السلم) في المنطق وإن اختلف فيها بالشدة والضعف سمي كلياً مشككاً كالبياض فإنَّ معناه في الورق أقوى من معناه في القميص مثلاً . وهذا بخلاف المتواطيء وهو الذي اتحد معناه في أفراده كالإنسان . (يُراجع شرح السلم عند قوله) :

 

ونسبة الألفـاظ للمعاني             خمسة أقسام بلا نقصـان

تواطؤ تشاكك تخالـف              والاشتراك عكسه الترادف

وأرى أن التنبيه على الضرورة والمشقة والحاجة ثلاثتهن من باب الكلي المشكك قد يكون مفتاحاً لفهم اختلاف عبارات اللغويين والفقهاء ، فالضرورة يمكن أن تُطلق في حال الشدة القصوى كما يمكن أن تُطلق في حالات دون ذلك وبالتالي تترتب أحكام مختلفة على ذلك كما رأيت .

 

أصل مشروعية حكم الضرورة :

 

في قول الله تعالى : } وقد فصَّل لكم ما حُرِّم عليكم إلاَّ ما اضطُررتم إليه{  ]سورة الأنعام:6:119 [

 

قال الجصاص : ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات وأطلق الإباحة في بعضها لوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله تعالى : } وقد فصَّل لكم ما حُرِّم عليكم إلاَّ ما اضطُررتم إليه{  ]سورة الأنعام:6:119 [فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وُجدت فيها . (أحكام القرآن للجصاص : 1/147) .

 

وقال تعالى: } فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه{  ]البقرة:173[. قال ابن عطية : ” ومعنى اضطر عدم ” وغرث ، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء . وقيل : معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات : ” (المحرر الوجيز لابن عطية: 2/71). والنصوص كثيرة بهذا المعنى .

 

وبالوقوف عند قوله تعالى: } وقد فصَّل لكم ما حُرِّم عليكم إلاَّ ما اضطُررتم إليه{ ، يفهم المرء معنيين : المعنى الذي ذكره الجصاص وهو وجود الإباحة حيثما وجدت الضرورة . ومعنى آخر وهو إنما فصّل من المحرمات لا تبيحه إلاّ الضرورة . وهذا ما يشير إليه الحصر في استثناء عموم من عموم يمكن أن يفهم منه بسهولة أن الحاجة إنما تدخل المجملات ولا تدخل في المفصلات والله أعلم .

 

تعريف الحاجة :

 

فقد قال الفيروز أبادي ممزوجاً بشارحه :

 

(والحاجة) المأربة (م) أي معروفة ، وقوله تعالى : } ولتبلغوا عليها حاجةً في صدوركم { ]غافر:80[. قال ثعلب : يعني الأسفار . وعن شيخنا : وقيل أن الحاجة تُطلق على نفس الافتقار وعلى الشيء الذي يفتقر إليه ، وقال الشيخ أبو هلال العسكري في فروقه : الحاجة القصور عن المبلغ المطلوب ، يُقال الثوب يحتاج إلى خرقة والفقر خلاف الغنى والفرق بين النقص والحاجة أن النقص سببها والمحتاج يحتاج إلى نقصه والنقص أعم منها لاستعماله في المحتاج وغيره ، ثم قال : قلت وغيره فرق بأن الحاجة أعم من الفقر وبعض بالعموم والخصوص الوجهي وبه تبين أن عطف الحاجة على الفقر هو تفسيري أو عطف الأعم أو الأخص أو غير ذلك فتأمل . قلت : صريح كلام شيخنا أن الحاجة معطوف على الفقر وليس كذلك بل قوله والحاجة كلام مستقل مبتدأ وخبره قوله معروف كما هو ظاهر فلا يحتاج إلى ما ذكره من الوجوه (كالحوجاء) بالفتح والمد (و) قد (تحوج) إذا (طلبها) أي الحاجة بعد الحاجة وخرج يتحوج يتطلب ما يحتاجه من معيشته ، وفي اللسان تحوج إلى الشيء احتاج إليه وأراده (ج حاج) قال الشاعر :

 

وأرضع حاجة بلبان أخرى                     كذاك الحاج ترضع باللبان

 

أما الحاجة في الاصطلاح فعلى ضربين : حاجة عامة قد تنزل منزلة الضرورة وهذه هي الحاجة الأصولية وقد سمّاها بعضهم بالضرورة العامة كما أسلفنا ، وحاجة فقهية خاصة حكمها مؤقت تعتبر توسيعاً لمعنى الضرورة .

 

أولاً : الحاجة العامة (الأصولية):

 

قال إمام الحرمين في المعنى الأول : ” والضرب الثاني ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة ، ومثل هذا تصحيح الإجارة فإنها مبنية على الحاجة إلى المساكن ، مع القصور عن تملكها ، وضنة ملاكها بها على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ الضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه الجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد ، وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس ، وهذا ما يتعلق بأحكام الإيالة والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن ” . (البرهان:924) .

 

وقال أيضاً : ” ونحن نرى أن ننبّه قبل تبيين القول فيه على أمر وهو أن الإجارة جازت خارجة عن الأقيسة التي سميناها جزئية في القسم الأول فإن مقابلة العوض الموجود بالعوض المعدوم خارج عن القياس المرعي في المعاوضات فإن قياسها أن لا يتقابل إلاّ موجودان ولكن احتمل ذلك في الإجارة لمكان الحاجة وقد ذكرنا أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الأشخاص ” . (البرهان:931) .

 

وسلك تلميذه أبو حامد الغزالي مسلكه في كتابه ” شفاء العليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل ” حيث قال في معرض كلامه عن الضرورة التي سنعود إليه في محله من هذا البحث : ” والحاجة العامة في حق كافة الخلق تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق الشخص الواحد ” (ص 246) .

 

وإلى جانب هذا الكلام نرى الغزالي نفسه عندما يتحدث عن المصلحة يقول  ” إنها وإن وقعت في موضوع الحاجة أو التتمة لم تعتبر وإن وقعت في موضع الضرورة جاز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد بشرط أن تكون قطعية كلية كما أسلفنا” .

 

وقفى على أثره تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي حيث قال في كتابه القبس (القاعدة السابعة) :”اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرّم ” وبعد أن ضرب مثلاً لذلك باستثناء القرض الذي يضرب له أجل عند مالك من بيع الذهب بالذهب إلى أجل ، أضاف : ” ومن ذلك حديث العرايا وبيع التمر فيها على رؤوس النخيل بالتمر الموضوع على الأرض وفيه من الربا ثلاثة أوجه : بيع الرطب باليابس والعمل بالحرز والتخمين في تقدير المالين الربويين وتأخير القابض إن قلنا أنه يعطيها له إذا حضر جذاذ النخل ” (القبس : 2/790-791) .

 

إلاّ أن بعض الفقهاء كابن نجيم والسيوطي نقلوا الحاجة من مفهومها الأصولي إلى القواعد الفقهية دون تقديم ضوابط مما أوهم بعض الباحثين المعاصرين أنه كلما لاحت لوائح مشقة أو عرضت حاجة يعلن الإباحة وكأنه يستند إلى قاعدة قطعية تدل على الحكم بلا واسطة شأن الضرورة الفقهية بمعناها الأخص لا فرق بينهما . ولهذا فسنعرض نص القاعدة عند السيوطي لتكون مدخلاً لإبداء الفروق الكثيرة بين الضرورة والحاجة .

 

قال السيوطي (القاعدة الخامسة) :

 

الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة . (من الأولى) مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة ونحوها جوزت على خلاف القياس لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة ، وفي الثانية من الجهالة وفي الثالثة من بيع الدين بالدين لعموم الحاجة إلى ذلك . والحاجة إذا عمّت كانت كالضرورة ومنها ضمان الدرك جوز على خلاف القياس إذ البائع إذا باع ملك نفسه ليس ما أخـذه من الثمن ديناً عليه حتى يضمـن لكـن لاحـتياج الناس إلى معاملـة من لا يعرفون ولا يؤمن خروج المبيع مستحقاً ، ومنها مصلحة الصلح وإباحة النظر للمعاملة ونحوها وغير ذلك . من الثانية تضبيب الإناء بالفضة ويجوز للحاجة ولا يعتبر العجز عن غير الفضة لأنه يبيح أصل الإناء من النقدين قطعاً بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سواء التزيين كإصلاح موضع الكسر والشد الوثيق ومنها الأكل من الغنيمة في دار الحرب جائز للحاجة ولا يشترط للأكل أن يكون معه غيره . (الأشباه والنظائر: ص 62-63) .

 

فائدة : كان القياس من السيوطي أن يزيد قد التقليلية في هذه القاعدة وكأنه لكثرة ما دخلت فيه لم يزدها ولكن الأحسن إثباتها فليتأمل .

 

وعبارة الزركشي رحمه الله تعالى الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس ، ثم قال : الحاجة الخاصة تبيح المحظورات . انتهى.

 

وما ذكرته أقرب إلى استعمالهم الأكثر ، أن الحاجة لا تقوم مقام الضرورة فتأمله.  (الجرهزي بهامش الأشباه والنظائر : ص 121-122) .

 

وهذه الحاجة التي ذكرها السيوطي وابن نجيم هي حاجة أصولية بدليل بقاء حكمها واستمراره بدون حاجة لتحققها في آحاد أفرادها وهي الحاجيات عند الأصوليين التي تعني على حد قول الشاطبي الحاجيات : ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب وإذا لم تراع دخل على المكلفين – على الجملة – الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ الفساد المتوقع في المصالح العامة وهي جارية في العبادات والعادات والعاملات والجنايات (الموافقات: 2/10-11) .

 

مناقشة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة :

 

قلت أن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة في إباحة المحرّم ، بل إن الأصل أن الضرورة وحدها تبيح المحرّم وأن هذا الحكم لا ينسحب على الحاجة كما قال الشافعي : ” وليس يحل بالحاجة محرّم إلاّ في الضرورات ” (الأم: 3/28) . وقال الشافعي : ” الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره ” (نفس المرجع : ص77) .

 

والسيوطي نفسه صرّح بذلك : “أكل اميتة في حالة الضرورة يقدم على أخذ مال الغير ” (الأشباه والنظائر:ص62) .

 

ذلك أن أكل الميتة فيه حق الله تعالى فقط وأخذ مال الغير ومنه الربا فيه حق الله تعالى وحق الآدمي . قال القرافي : ” وقد يوجد حق الله تعالى وهو ماليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات. (الفروق: 1/140-141) .

 

فهذه العقود محرّمة لحق الله وحق العباد فكيف يمكن تنزيل الحاجة فيها منزلة الضرورة بإطلاق .

 

وأكثر العلماء رأوا أن المصلحة الحاجية لا يترتب عليها حكم . قال الطوفي في شرحه لمختصر الروضة : ” لا يجوز للمجتهد أنه كلما له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتّب عليه الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهداً من جنسها ” (الطوفي : 3/207) .

 

وقال ابن قدامة في الروضة في سياق حديثه عن المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين ، وهذا على ثلاثة ضروب : أحدها مايقع في مرتبة الحاجات (وضرب له أمثلة) . الضرب الثاني ما يقع في موقع التحسين (وذكر له أمثلة) ثم قال : ” فهذان الضربان لا نعلم خلافاً في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك كان وضعاً للشرع بالرأي ولما احتجنا إلى بعثة الرسل” (روضة الناظر:1/413 وما بعدها).

 

ومن قال بتأثير المصلحة في محل الحاجي شرط أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده متفقة مع مبادئه ومقاصده بحيث لا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من أدلته . (الشاطبي “الاعتصام” : 2/129).

 

لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها بالسماح مقيداً بما هو جار على أصولها، وليس تتبعاً للرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها . (الموافقات للشاطبي:4/145) .

 

أما ما ليست قطعية كلية ولا في موضع الضرورات فإنها من نوع المصالح التي قال عنها الغزالي أيضاً : “فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من  الكتاب والسنّة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشارع فهي باطلة ومطروحة ومن صار إليها فقد شرع ” أي حرام تبيحه الحاجة على القول بها إن مراتب الأحكام متفاوتة وأعلاها النهي ومراتب النهي عديدة وأعلاها الحرام والحرام مراتب .

 

ولإيضاح ما نريده نورد كلمات القرافي الآتية في فروقه : (الفرق الحادي والثلاثون بين الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة من الإباحة إلى الحرمة يكفي لها أيسر الأسباب) . (الفروق للقرافي: 3/273)

 

وضرب أمثلة من المحرمات  التي لا تباح إلاّ بأشد الشروط وأعلى الرتب ، والحاجة ليست من أعلى الرتب ، ومعلوم أن المنهي عنه يجب اجتنابه بنص الكتاب والسنّة ، ويرد للتحريم في أغلب الأحيان ومقتضى التحريم يغلب على مقتضى التحليل غالباً وهذه قواعد معروفة .

 

 إلاّ أن المحرم أنواع ، فمنه المحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير ، ومنه الحرام لكسبه : كالمأخوذ غصباً أو عقد فاسد وهذا التقسيم لابن تيمية . (الفتاوى: 29/320).

 

والمحرم لكسبه متفاوت ؛ فمنه محرم تحريم المقاصد ؛ ومنه المحرم تحريم الوسائل والذرائع . فالأول أشد من الثاني .

 

والربا أشد محرمات العقود ، وحرم الربا لأنه متضمن للظلم ، فإنه أخذ فضل بلا مقابل ، وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر (ابن تيمية)، وقال أيضاً : ” إن تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم محقق ” .

 

والربا متفاوت : فربا الفضل لا يساوي ربا النساء ، فإن تحريم هذا من تحريم المقاصد ، وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ، ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة . (ابن القيم “أعلام الموقعين” : 2/107) .

 

ولتوضيح ما ذكره ابن القيم نذكر قول القرافي: “الأحكام على قسمين : مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ، ووسائل : وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد ” (الفروق: 2/33) .

 

من ذلك ندرك تفاوت مراتب النهي وأن الحاجة لا تدخل في نهي من مرتبة عليا .. بالإضافة إلى أن ما قاله ابن القيم يمكن أن يقيّد بقيد آخر غير التفريق بين المقاصد والوسائل بل إن الحاجة لا تؤثر حيث يوجد نص بخلافها كما قال ابن نجيم : ” المشقة أو الحرج إنما يعتبر في موضع لا نص فيه وأما مع النص بخلافه فلا يجوز التخفيف بالمشقة ، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد – رحمهما الله – بحرمة رعي حشيش الحرم المكي وقطعه إلاّ الأذخر”.(الأشباه والنظائر:1/117). ومفاد كلامه أن النص لا يعارض إلاّ بالضرورة لأنه من باب الرخص وذلك فرق آخر بين الحاجة العامة والضرورة .

 

إن الحاجة العامة لا تدخل في المفهوم الخاص للرخصة لأن أثرها مستمر وإن كانت تدخل معها في الاستثناء من أصل كلي فالرخصة هي ما شرع لعذر مع قياس الدليل المحرّم لولا العذر .

 

وقد نبه الشاطبي على ذلك في بحثه في الرخصة إذ قال :” وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق ، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه ” .

 

وفسّر الفقرة الأخيرة بقوله : ” وكونه مقتصراً به على موضع الحاجة خاصة من خواص الرخص أيضاً لا بد منه وهو الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكليّة وما شرع من الرخص فإن شرعية الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة. فإن المصلّي إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم . والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصلِّ قاعداً وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم .

 

وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة،ونحو ذلك مما هو يشبه الرخصة فإنه ليس برخصة في حقيقة الاصطلاح لأنه مشروع أيضاً وإن زال العذر.

 

فيجوز للإنسان أن يقترض وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض وأن يساقي حائطه وإن كان قادراً على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه وأن يقارض بماله وإن كان قادراً على التجارة فيه بنفسه أو بالاستئجار وكذلك ما شبهه . والحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي . والرخصة راجعة إلى جزئي مستعصي عن ذلك الأصل الكلي . (الموافقات للشاطبي :1/300-303) .

 

 وإذا كان كلام إمام الحرمين وتلاميذه يرمي إلى تعليل نصوص شرعية- غير اجتهادية – بالحاجة فإن المالكية توسعوا في بناء الفروع الاجتهادية على الحاجي الكلي .

 

قال المواق – بعد أن ذكر أنواعاً من عقود الإجارة التي لايجيزها مالك- : “وكان سيدي ابن سراج رحمه الله فيما هو جار على هذا لا يفتي بفعله ابتداء ، ولا يشنع على مرتكبه فقصارى أمر مرتكبه أنه تارك للورع. وما الخلاف فيه شهير لا حسبة فيه ولا سيما إن دعت لذلك حاجة . ومن أصول مالك أنه يراعي الحاجيات كما يراعي الضروريات فأجاز الرد على الدرهم مع كونه يجعل مد عجوة من باب الربا وأجاز تأخير النقد في الكراء المضمون .

 

إلى أن قال : ويُباح الغرر اليسير بخلاف باب الربا . وذكر من أجوبة لأصبغ بن محمد : قيل وكذلك ما يضطر إليه الرجل يستأجر الأجير يجري له الزرع وله بعضه ، قال ينظر إلى أمر إذا اضطروا إليه فيما لا بد لهم منه ولا يجدون العمل إلاّ به فأرجو ألاّ يكون به بأس إذا عم ما بين ذلك مما يرجع فيه إلى أعمال الناس ولا يجدون عنه بدّاً مثل كراء السفن في حمل الطعام .

 

وسُئل سيدي ابن سراج رحمه الله : هل تجوز المشاركة في العلوفة أن يكون الورق على واحد وعلى الآخر الخدمة وتكون الزريعة بينهما على نسبة الحظ المتفق عليه ؟ فأجاب : قد أجاز ما ذكر بعض العلماء ، فمن عمل بذلك على الوجه المذكور للضرورة وتعذّر الوجه الآخر فيرجى أن يجوز إن شاء الله . ورأيت له فتيا أخرى قال فيها : ” ويجري ذلك على مقتضى قول مالك في إجازة الأمر الكلي الحاجي ” .

 

 وسئل عن الجباح(1) لمن يخدمها بجزء من غلتها ، قال هي إجارة مجهولة وكذلك في الأفران والرحى. وإنما يجوز ذلك على من يستبيح القياس على المساقاة والقراض وحكى هذا عن ابن سيرين وجماعة ، وعليه يخرج اليوم عمل الناس من أجرة الدلال لحاجة الناس إليه وعليه الضمان لقلة الأمانة وكثرة الخيانة كما اعتذر مالك بمثل هذا في إباحة تأخير الأجرة في الكراء المضمون في طريق الحج لأن الأكرياء ربما لا يوفون ، فعند مالك هذا ضرورة إباحة الدين بالدين فالناس مضطرون لهذا والله المخلص (الموّاق: 5/390) .

 

وقريب من هذا المنحى ما ذهب إليه بعض الأحناف في مسائل الإجارة حيث قالوا : ” وجاز إجارة القناة والنهر مع الماء ، به نفتي لعموم البلوى مضمرات ” (الدر المختار) . علّق ابن عابدين بقوله : قوله (مع الماء) أي تبعاً قال في كتاب الشرب من البزارية لم تصح إجارة الشرب لوقوع الإجارة على استهلاك العين مقصود إلاّ إذا أجر أو باع مع الأرض فحينئذٍ يجوز تبعاً “.

 

 وأضاف ابن عابدين (تتمة) قال في التاتر خانية وفي الدلال والسمسار يجب أجر المثل وما تواضعوا عليه أن في كل عشرة دنانير كذا فذاك الحرام . وفي الحاوي سئل محمد ابن مسلمة عن أجرة السمسار فقال أرجو أنه لا بأس به وإن كان في الأصل فاسداً لكثرة التعامل وكثير من هذا غير جائز فجوزه للحاجة لحاجة الناس إليه كدخول الحمام .

 

وعنه قال : رأيت ابن الشجـاع يقاطـع نساجاً ينسج له كل سنة.(الحاشية: 5/38) . وفي الدر المختار : ( ويفتي اليوم بصحتها ” الإجارة ” لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ويجبر المستأجر على دفع ما قبل ) .

 

علّق ابن عابدين بقوله : ” قال في الهداية : وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لظهور التواني في الأمور الدينية ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى ” .

 

وذكر مجموع ما أفتى به المتأخرون من مشايخنا وهم البلخيون على خلاف في بعضه مخالفين ما ذهب إليه الإمام وصاحباه (حاشية ابن عابدين:5/34-35).

 

وهكذا نرى المتأخرين من أتباع الإمامين مالك وابن حنيفة يتوسعون في التعامل مع الحاجي أحياناً مع مخالفة منصوص الإمام بناءً على ما فهموه من قواعد الإمامين .

 

وقد احتج الشيخ تقي الدين بن تيمية لابن عقيل في مسألة إجارة الأرض والشجر بقوله : ” فإن قيل إن ابن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعاً لأجل الحاجة وأنه سلك مسلك مالك لكن مالكاً اعتبر القلة في الشجر وابن عقيل عمم فإن الحاجة داعية إلى إجارة الأرض البيضاء التي فيها شجر وإفرادها عنها بالإجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فجوز دخولها في الإجارة كما جوز الشافعي دخول الأرض مع الشجر تبعاً في المساقاة (الفتاوى : 30/231) .

 

وفي مذهب الشافعي ما حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعي رحمه الله أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل قبضها . وبعد ذكره للخلاف في هذه المسألة ، قال النووي : ” ودليل ما قاله الأول وهو الأصح أن هذا القدر من المخالفة للقاعدة احتمل للمصلحة والرفق بالجند لمسيس الحاجة ” (المجموع: 9/268) .

 

وقد أصل أبو إسحاق الشاطبي هذا المفهوم الحاجي واضعاً إياه في إطاره الأصولي قائلاً : ” ومما ينبني على هذا الأصل قاعدة الاستحسان ” .

 

وهو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي . ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس ، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه ، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً إلاّ أنّ ذلك الأمر يؤدي إلى فوات المصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك .

 

وكثيراً مات يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي . والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقاً في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي ، أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر .

 

وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلاً فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل ، ولكنه أبيح لما فيه من الرفق والتوسعة على المحتاجين ، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين .

 

ومثله بيع العرية بخرصها تمراً فإنه بيع الرطب باليابس ، لكته أبيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعرِي والمُعَرى ولو امتنع مطلقاً لكن وسيلة لمنع الإعراء ، كما أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر ، وقصر الصلاة ، والفطر في السفر الطويل ، وصلاة الخوف ، وسائر الترخصات التي على هذا السبيل ، فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص ، حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك لأنا لو بقينا مع أصل هذا الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة ، فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه ومثله الاطلاع على العورات في التداوي والقرض والمساقاة وإن كان الدليل العام يقتضي المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة .

 

هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك وأصحابه .

 

وقد قال ابن العربي في تفسير الاستحسان بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص ، لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته .

 

ثم جعله أقساماً : فمنه ترك الدليل للعرف كرد الأيمان إلى العرف وتركه إلى المصلحة كتضمين الأجير المشترك أو تركه للإجماع كإيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة القاضي وتركه في اليسير لتفاهته لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق كإجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة وإجازة بيع وصرف في اليسير.

 

وقال في أحكام القرآن : الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين فالعموم إذا استمر والقياس إذا أطرد فإن مالكاً وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى .

 

ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس ، ويريان معاً تخصيص القياس ونقص العلة .

 

ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصاً . وهذا الذي قالا هو نظر في مآلات الأحكام من غير اقتصار على مقتضى الدليل العام والقياس العام . (الموافقات للشاطبي: 4/205-209) .

 

ونتيجة لما تقدم من كلام الشاطبي فقد تدخل الحاجة في تخصيص عموم وفي الغالب يكون عموماً ضعيفاً .

 

ومعنى الضعف أن تكون الجزئية الوارد عليها التخصيص من نوادر الصور ويختلف في دخولها في حكم العام . قال في مراقي السعود :

 

هل نادر في ذي العموم يدخل                      ومطلق أو لا خلاف ينقل

 

ويعني بالنادر ما لا يخطر غالباً ببال المتكلم لندرة وقوعه ولذا قال بعضهم: لا تجوز المسابقة على الفيل وجوزها بعضهم . والأصل في ذلك لا سبق إلاّ في خف ..

 

قال زكريا : وجه عمومه أنه نكرة واقعة في الإثبات وأنه في حيز الشرط معنى إذ التقدير إلاّ إن كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم . (راجع نشر البنود: 1/208 وما بعدها) .

 

وأجاز مالك تلاوة الحائض للقرآن حتى لا تنسى وهو مخصص لعام منع التلاوة للجنب.

 

وإذا قلت كيف تخصص الحاجة وهي ليست من المخصصات اللفظية من نصوص وظواهر الكتاب والسنّة وغيرها كالإجماع والمفهوم بنوعيه والقياس ؟

 

 قلت : إنما يعزى التخصيص للاستصلاح أو الاستحسان الذي يعتمد على الحاجة وذلك أمر معروف في المذهبين الحنفي والمالكي كما تقدم عن الشاطبي .

 

وإن الذي ينبغي التنبيه عليه أن هذه المسائل التي أجازها من أجازها للحاجة فإنها وإن كانت تخصيصاً من العموم في النهي عن قراءة الجنب للقرآن والنهي عن قرض يجر نفعاً والنهي عن بيع قبل القبض ، فإنه عموم ضعيف في المسائل المخصوصة لأن حديث الجنب جاء في معرض جنابة غير الحائض وهو حديث علي ، فكان الحيض بمنزلة الصورة النادرة بالنسبة لراوي الحديث .

 

وكذلك فإن استثناء السفتجة وهي منفعة لا تشتمل على زيادة من الصور النادرة بالنسبة للمتكلم فإنه عندما يتحدث عن جر النفع فإنه يعني بالأصالة الزيادة أو الهدية أو نحو ذلك وعلى هذا نبّه ابن قدامة من طرف خفي عندما قال إنه لا نص في تحريمها أي بخصوصها .

 

وقل مثل ذلك في مسألة الأرزاق ومعلوم أن نوادر الصور مختلف في دخولها في العموم كما أسلفنا .

 

ثانيا – الحاجة الفقهية : الملحقة بالضرورة الفقهية وهي من باب التوسع في معنى الضرورة والاضطرار ، إذ الضرورة لفظ مشكك ، وهو كلي يكون معناه أشد في بعض أفراده من بعض ، فمن توسع أطلق على الحد الوسيط (الحاجة) ومن لم يتوسع اقتصر على الحد الأعلى : الضرورة . وليس هذا من باب القياس وإنما هو من باب الأدلة اللفظية .

 

وهذه الحاجة الفقهية لا تحدث أثراً مستمراً ولا حكماً دائماً بل هي كالضرورة تقدّر بقدرها وقد ذكرنا مثالاً لذلك نعيده باختصار هو مسألة بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وشروط الاستثناء من المنع ، حيث قال خليل (وصح قبله) أي بدو صلاحه مع أصله أو ألحق به أو على قطعه واضطر أي احتيج كما في التوضيح (له) من المتبايعين أو أحدهما كما يعطيه ترك تقيده مع بنائه للمجهول (الزرقاني) .

 

وهذه حاجة فقهية لأنها تثبت حكماً فقط في محل الاحتياج وهي شخصية بمعنى أنها لا تجوز لغير المحتاج ولا تتجاوز محلها . وهذا ما يفرق الحاجة الفقهية عن الحاجة الأصولية التي تثبت حكماً مستمراً ولا يطلب تحققها في آحاد أفرادها . فالسلم يجوز للمحتاج وغير المحتاج كما قدمنا ، وكذلك قول خليل في مسألة تلقي السلع : ” وجاز لمن على ستة أميال أحذ محتاج إليه “.

 

ومعناه أن من كان بعيداً عن المدينة يجوز له اشتراء مايحتاج إليه من السلع قبل وصوله السوق. قال الحطاب عن ابن رشد : ” وأما إن مرت به السلع على قرية على أميال من الحاضرة فيجوز له أن يشتري ما يحتاج إليه لا لتجارة ، لمشقة النهوض عليه إلى الحاضرة . (الحطاب: 4/380) .

 

هذه هي الحاجة الفقهية وتعتبر توسعاً في معنى الضرورة فتقدّر بقدرها وهي حاجة شخصية .

 

هذا هو الفرق بين الحاجة الأصولية العامة التي تثبت بها الأحكام بالنص أو الاستحسان والاستصلاح وبين الحاجة الفقهية الخاصة التي تعتبر توسعاً في الضرورة ؛ مهم جداً في تصنيف الحاجة وترتيب الأحكام عليها.

 

وبذلك ندرك وجود نوعين من الحاجة أحدهما حاجة عامة والأخرى حاجة خاصة شخصية .

 

وحيث إن الحاجة الفقهية ملحقة بالضرورة فقد يُختلف في بعض الفروع هل تشترط فيها الضرورة القصوى أو الحاجة ؟

 

ففي مسألة إيجاب بيع الأقوات على من هي عنده وقت الغلاء يختلف في الضرورة التي توجب ذلك . فعند القرطبي إنما يجب البيع إن خيف بحبسه إتلاف المهج (أي الضرورة) فإن مست الحاجة ولم يكن الخوف المذكور بل دونه وجب عند ابن رشد (الزرقاني: 5/4) .

 

فابن رشد ألحق الحاجة هنا بالضرورة إلاّ أن الضرورة التي لا تعني الحاجة قد يصرح معها بما ينفي ذلك كما في رواية ابن القاسم في فسخ الدين في منافع يتأخر قبضها من الغريم . قال فيه إلاّ عند الضرورة التي تحل أكل الميتة مثل أن يكون في صحراء بحيث لا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك إن لم يأخذ منه دابة يبلغ عليها ، وأشهب يجيز أن يأخذ منه دابة لما بقي له وإن لم تكن له ضرورة (الحطاب: 4/368) .

 

المصطلحات ذات العلاقة :

 

المصلحة :

 

مصدر ميمي من صلح يصلح بفتح عين الفعل وضمّها في الماضي والمضارع ، وهي ضد المفسدة والصلاح ضد الفساد وأصلها جلب منفعة أو دفع مضرة . قال الشوكاني : ” قال الخوارزمي : والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود  الشرع بدفع المفاسد عن الخلق ” (إرشاد الفحول : ص 242) .

 

وبين المصلحة والحاجة عموم وجهي ، فقد تُطلق المصلحة على الحاجة وغيرها ، وكذلك الحاجة قد تكون في محل المصالح واستعملت المصلحة بمعنى الحاجةالعامة في قول العز بن عبد السلام ( لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة) ( قواعد الأحكام : ص 326) .

 

وقول ابن قدامة في السفتجة بعد أن ذكر الخلاف فيها حيث قال : ” وقد نصّ أحمد على أن من شرط أن يكتب بها سفتجة لم يجز ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر . وروى عنه جوازها كونها مصلحة لهما جميعاً ” وبعد أن ذكر أقوال المجيزين والمانعين قال : ” والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر لواحد منهما . والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرّة فيها بل بمشروعيتها ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة (المغني : 6/436-437) .

 

عموم البلوى :

 

وهو الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيراً من الناس ويتعذّر الاحتراز منها (ابن عابدين : الحاشية 1/310) .

 

أو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال (كشف الأسرار: 3/16) كنجاسة النعل والخف تطهر بالدلك وإن كان رطباً على قول أبي يوسف وهو الأصح المفتى به لعموم البلوى (ابن عابدين : 1/309-310) .

 

وعموم البلوى كالحاجة لا يرفع نصاً . قال ابن نجيم : لا اعتبار عند أبي حنيفة بالبلوى في موضع النص كما في بول الآدمي فإن البلوى فيه أعم (الأشباه والنظائر ص 84) .

 

الغلبة :

 

الغلبة تنزل منزلة الضرورة وفي إفادة الإباحة . ألا ترى أن أسواق المسلمين لا تخلو عن المحرّم . (البدائع : 6/30)

 

 عسر الاحتراز :

 

ومعناها صعوبة التحفظ عن أمر وهي في العبادات وغيرها. قال الكاساني: كل فضل مشروط في البيع ربا سواء كان الفضل من حيث الذات أو من حيث الأوصاف إلاّ ما يمكن التحرز عنه دفعاً للحرج ( بدائع الصنائع: 5/187) .

 

وعبّر عنه القرافي بالتعذر حيث قال : ” المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف ” (الفروق: 3/198) .

 

وأما خليل فقد قال : ” لا إن عسر الاحتراز منه ” (الزرقاني: 1/17) .

 

وعفى عما يعسر كحدث مستنكح (أي عما يعسر الانفكاك عنه بعد وجود سببه وهو المشقة) (الزرقاني وبحاشيته البناني :1/41) .

 

كل ما لا يمكن الاحتراز منه معفو عنه (ابن تيمية الفتاوى:1/592) وعسر الاحتراز هو عبارة عن المشقة اللاحقة في العبادة أو المعاملة .

 

المشقة :

 

التي تكون بمعنى الحاجة هي الواقعة في مرتبة متوسطة . ولإيضاح ذلك ننقل كلام القرافي في الفروق على أقسام المشقة حيث يقول ممزوجاً بابن الشاط باختصار محمد بن علي بن حسين المالكي في تهذيب الفروق ما يلي : (الفرق الرابع عشر بين قاعدتي المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا تسقطها) :

 

 (اعلم أن التكليف إلزام الكلفة على المخاطب يمنعه من الاسترسال مع دواعي نفسه هو أمر نسبي موجود في جميع أحكامه حتى الإباحة. ثم يختص غير الإباحة بمشاق بدنية بعضها أعظم من بعض . فالتكليف به إن وقع ما يلزمه من المشاق عادة أو في الغالب أو في النادر كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك، لم يؤثر ما يلزمه في العبادة لا بإسقاط ولا بتخفيف لأن في ذلك نقص التكليف إن لم يقع التكليف بما يلزمه من المشاق كان التكليف على ثلاثة أقسام :

 

الأول: متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف كالخوف على النفوس أو الأعضاء والمنافع لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة مع الخوف على ما ذكر لثوابها لأدى لذهاب أمثالها.

 

الثاني:  متفق على عدم اعتباره في ذلك كأدنى وجع في أصبع لأن تحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة المشقة .

 

الثالث:  مختلف فيه فبعضهم يعتبر في التخفيف ما اشتدت مشقته وإن بسبب التكرار لا ما خفت مشقته وهو الظاهر من مذهب مالك . فيسقط التطهير من الخبث في الصلاة عن ثوب المرضع كل ما يعسر التحرز منه كدم البراغيث ويسقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه والعجز عن استعماله . وبعضهم يعتبر في التخفيف شديدة المشقة وخفيفها.

 

هذه الأقسام الثلاثة تطرد في جميع أبواب الفقه فكما وجدت المشاق الثلاثة في الوضوء ، كذلك نجدها في العمرة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع والطعام عند حضور الصلاة والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل وغضب الحكام وجوعهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك . وكذلك الغرر في البيع ثلاثة أقسام وهكذا في كل أبواب الفقه (1/131-132).

 

وبين أن لكل عبادة مرتبة . قلت : وكذلك منهيات المعاملات لكل منها مرتبة .

 

مجالات تدخل فيها الحاجة :

 

الحاجة والغرر :

 

من أهم المجالات التي تدخلها الحاجة عقود الغرر وتقدمت بعض النصوص التي تدل على اغتفار يسير الغرر للحاجة .

 

ونريد أن نذكر الآن ما هو الغرر ؟ وأصل النهي عنه ومدى تأثير الحاجة في إلغاء حكمه .

 

والغرر عرّفه القرافي بأنه : الشيء الذي لا يدري هل يحصل أو لا . وعرّف الجهالة بأنها : ما عُلم وجوده وجهُلت صفته .

 

 وعرّف الجرجاني الغرر بأنه : ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أو لا (التعريفات).

 

وقيل: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان (التاج: 3/443) .

 

وبيع الغرر ممنوع شرعاً بعموم الكتاب لقوله تعالى :} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل { ]البقرة2/88[ .

 

ومحرّم بنصوص السنّة . ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اله عليه وسلّم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (شرح مسلم للنووي : 11/156). وأخرجه مالك في الموطأ مرسلاً عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر(المنتقى للباجي:5/41).

 

علّق الباجي بقوله ” نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فساده ومعنى بيع الغرر – واله أعلم – ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر فهذا الذي لا خلاف في المنع منه ” .

 

وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع فإنه لا يكاد يخلو منه عقد. وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيها من الغرر هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها ، فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه : من جهة العقد ، والعوض ، والأجل (المنتقى:5/41).     قلت : وجه ما ذكره الباجي وغيره أن مجرد وجود الغرر ليس مبطلاً للعقد حتى يكون غالباً ناشئاً عن كون إضافة البيع إلى الغرر هي من إضافة الموصوف إلى الصفة . ووصف ابن مالك – في التسهيل – هذا النوع من الإضافة بأنه من شبه المحضة ومثل له بمسجد الجامع لأن المسجد هو الجامع وذلك صفته ومعنى هذا أن النهي وارد على بيع غرر وليس عن بيع فيه غرر والفرق يدركه البصير بموارد الألفاظ .

 

وقال القرافي : ” قاعدة : الغرر ثلاثة أقسام : متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء ومتفق على جوازه كأساس الدار ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما ؟

 

فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة . فـ (ح) يرى إن كان المبيع معلوم الأوصاف حق للعبد فيجوز له التصرف فيه وإسقاطه بالشرط ، وغيره يراه حق الله تعالى وأنه حجر على عباده في المعاوضة على المجهول . و (ح) يرى أن غرر العيوب في شرط البراءة من الغرر المغتفر لضرورة البائع لدفع الخصومة عن نفسه وغيره يراه من الغرر الممنوع لأنه قد يأتي على أكثر صفات المبيع ، فتأمل هذه المدارك فهي مجال الاجتهاد وانظر أيها أقرب لمقصود الشرع وقواعده فاعتمد عليه والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد (الذخيرة للقرافي : 5/93) .

 

ويقول النووي : ” (فرع) الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه ( فأما ) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها  وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك  فهذا يصح بيعه بالإجماع .

 

ونقل العلماء الإجماع أيضاً في أشياء غررها حقير (منها) أن الأمّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو باع حشوها منفرداً لم يصح ، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهراً مع أنه قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين ، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام .

 

قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلاّ بمشقة أو كان الغرر حقيراً جاز البيع وإلاّ فلا .

 

وقد يختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة وبيع الحنطة في سنبلها ويكون اختلافهم مبنياً على هذه القاعدة ، فبعضهم يرى الغرر يسيراً لا يؤثر ، وبعضهم يراه مؤثراً والله سبحانه وتعالى أعلم (المجموع للنووي: 9/258) .

 

أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فإنه قيّد الحاجة بالشدّة عندما قال في حديثه عن الجوائح : ” والحاجة الشديدة يندفع بها الغرر اليسير والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها مصلحة راجحة أبيح المحرّم فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ” (الفتاوى) .

 

الغرر المضاف :

 

واعتبر المالكية أن الغرر إذا كان مضافاً لأصل جائز يغتفر للحاجة بخلاف ما لو كان الغرر أصلاً في العقد فيبطل العقد . قال المواق: ” ومن المدونة من باع أمة وله رضيع حر وشرط عليهم رضاعته ونفقته سنة فذلك جائز إذا كان إن مات الصبي أرضعوا له آخر .. (ابن يونس) والفرق بين هذا وبين الظئر لا يجوز أن يشترط إن مات الطفل أن يؤتى بغيره ، أن مسألة الأمة الغرر فيها تبع لأنه انضاف إلى أصل جائز .

 

كقول مالك في بيع لبن شاة جزافاً شهراً أنه لا يجوز وأجاز كراء ناقة شهراً واشترط حلابها ، أصله جواز اشتراط المبتاع ثمراً لو يؤبر – انظر بعد هذا عند قوله – وخلفه الفصيل .

 

وقال أشهب إلا أنه على قوله يعطي الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة في العقود إذا قال وعسر الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة باطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع .

 

وانظر بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير لا لتبعية في بيع الحلي- من ابن يونس – ( المواق حاشية على مواهب الجليل : 4/365) .

 

وهذا الكلام واضح في أمرين أحدهما أن الغرر قد يجوز تبعاً للحاجة ويجوز منه اليسير وأن الربا لا يجوز منه قليل ولا كثير .

 

وهذه نصوص تبين حدود تأثير الحاجة في المنهيات وذلك بحسب مرتبة النهي فما كان في مرتبة وسطى كالغرر تؤثر فيه بشروط وما كان في مرتبة عليا لا يتأثر بها.

 

ومن هذا القبيل تأثير الحاجة معتمدة على اشتمال العقد على معنى الرفق والمعروف فقد يكون العقد في أصله حراماً ولكنه يباح للحاجة بناءً على ما علم من التفات الشارع للمعروف والرفق .

 

ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ”أعني بغلامك لأعينك بغلامي”.

 

 وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجاً بشارحه الزرقاني : ” وجاز أعني بغلامك على حرثي ونحوه لأعينك بغلامي . أراد أو نفسي على حرثك أو غيره . ولذا حذف متعلق حال كون ذلك ، إجارة لا عارية  ، لأنها بغير عوض وهذا بعوض ، تحدث المنفعة أم لا ، تساوى زمنها أو اختلف ، تماثل المعان به للآخر أم لا ، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل) . وهذه إجارة ، ومعلوم أن الإجارة كالبيع .

 

أركانها ، والركن الثاني – الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفاً قدراً وصفة ” هذا كلام ابن عرفة (المواق:5/389).

 

وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها ؛ لأنها قد تكون ثوراً في مقابل غلام ، وقد تكون حرثاً في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني (نفس المرجع) .

 

 قال ابن شاس لو قال أعني بغلامك يوماً وأعينك بغلامي يوماً فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق (المواق:5/269) .

 

وسمع القرينان لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعني خمسة أيام وأعينك خمسة أيام في حصاد زرعك ودرسه وعمله (ابن رشد) .

 

لأنه من الرفق فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك وإنما يجوز ذلك فيما قل وقرب من الأيام وإن اختلفت الأعمال (المواق: 4/418) .

 

قلت : قوله فكان ذلك ضرورة إلى آخره معناها هنا الحاجة كما قدمنا . وكذلك نصّوا على أن (قولهم الصفقة تفسد إذا جمعت حلالاً وحراماً مخصوص بالمعاوضات المالية بالبيع والشراء) (في الزرقاني: 7/79) .

 

قاله في معرض التعليق على بعض عقود الوقف التي تجمع حلالاً وحراماً ومفهومه أن التبرعات لا تبطل بالجمع بين الحلال والحرام بل يبطل فقط الجزء الذي تعلقت به الحرمة ويصحح غيره وذلك لأن عقود المعروف والرفق يتسامح فيها نظراً لقصد الشارع العام في إيقاعها ما لا يتسامح في غيرها ويغتفر فيها من الخلل الذي تدعو إليه الحاجة ما لا يغتفر في عقود المكايسة المحضة .

 

ومن هذا القبيل ما ذكر ابن يونس في جامعه وهو يعلل بعض عقود الصرف:” انظر هل العلة أنهم إذا قصدوا الإقالة جاز لأنها معروف ، وإذا قصدوا التبايع لم يجز لأنها مكايسة .

 

فيجب على هذا إذا ابتاع حنطة بوازن فأعطاه ناقصاً ورد عليه من الحنطة ، إن قصدوا التبايع لم يجز ولو قصدوا الإقالة فقال المشتري وقد وجد ديناره ينقص سدساً أقلني بهذا النقص من سدس الطعام وخذ الدينار الناقص لجاز ” (كتاب الصرف من ابن يونس) .

 

في هذه المجالات برز إعمال الحاجة لتصحيح خلل مضاف للعقد وليس متبوعاً في تصحيح خلل يتعلق بعقد إرفاق ومعروف .

 

الحاجة ترجح المختلف فيه بين العلماء :

 

وقد نصَّ المالكية على جواز العمل بالضعيف بثلاثة شروط : أن تلجيء إليه الضرورة ، وأن لا يكون ضعفه شديداً جداً ، وأن تثبت نسبته إلى قائل يُقتدى به علماً وورعاً . ذكره البناني في حاشيته على الزرقاني عن المسناوي(5/124).

 

ونظمه سيدي عبدالله في مراقي السعود حيث قال :

 

وذكر ما ضعف ليس للعمل      إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل

بل للترقي في مدارج السنا        وليحفظ المدرك من له اعتنى

ولمراعاة الخلاف  المشتهر      أو المراعـاة لكل ما سطـر

وكونه يلجي إليه الضـرر         إن كان لم يشتد فيه الخـور

ثبت العـزو وقد تحــققا             ضراً من الضـر به تعلقـا

 أصل مشروعية الحاجة رفع الحرج والتيسير فهي تشترك مع الضرورة في مسألة رفع الحرج وهي مبنية على التسهيل والتيسير والتوسع .

 

قال الشاطبي (المسألة السادسة) : فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور :

 

أحدها : النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى :} ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم { ]الأعراف : 157[ . وقوله :}  ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا { ]البقرة: 286/2 [ . وفي الحديث : ” قال الله تعالى قد فعلت ” (حديث رقم 180 أخرجه مسلم عن ابن عباس – باب الإيمان). وقد جاء : } لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها { ]البقرة 286 [. و  } يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر { ]البقرة: 185 [ . و } وما جعل عليكم في الدين من حرج { ]الحج : 78 [ . و } يريد الله أن يخفف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفا { ]النساء : 28 [ . و } ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليُطهركم { ]المائدة : 6 [ .

 

وفي الحديث : ” بُعِثتُ بالحنيفية السمحة ” (الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه ، حديث رقم 21260 باقي مسند الأنصار) ، وحديث : ” ما خُيِّرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ” (الحديث أخرجه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها ، حديث رقم 23702 باقي مسند الأنصار) . وإنما قال : ” ما لم يكن إثماً ” لأن ترك الإثم لا مشقّة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه ذلك مما في هذا المعنى . ولو كان قاصداً للمشقة لما كان مريداً لليسر ولا التخفيف ولكان مريداً للحرج والعسر وذلك باطل .

 

والثاني : ما ثبت أيضاً من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الاضطرار ، فإن هذا نمط يدل قطعاً على مطلق رفع الحرج والمشقّة ، وكذلك ماجاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال . ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكلف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف . (الموافقات:2/121-122) .

 

فالنصوص السالفة الذكر عامة في المشقّة بنوعيها الشديد والمتوسط ، وإذا فرضنا أن رفع الحرج مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعداً عند مشقة طلب القيام ، والقصر والفطر في السفر ، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر ، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل .

 

وأطال النفس (إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد لرفع الحرج فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء) . (الموافقات: 2/299)

 

إجمال الفروق بين الضرورة والحاجة :

 

بعد هذا العرض يتبين أن الفرق بين الضرورة والحاجة يرجع إلى :

 

التعريف في أن الضرورة في معناها الفقهي الأخص شدة وضيق في المرتبة القصوى تبيح المحرّم ، وفي معناها الأصولي كلي ينتظم الأحكام التي بها قوام الأديان والأبدان .

 والحاجة مشقة في مرتبة وسطى في معناها الفقهي تلحق بالضرورة   لفقهية في إباحة منهي ضعف دليله وتدنت مرتبته في سلم المنهيات وفي معناه الأصولي كلي أورث عدم اعتباره مشقة وحرجاً للعامة وأدى اعتباره إلى سهولة ويسر فكان أصلاً لعقود منصوصة حادت عن قياس أو خرجت عن قاعدة كلية أو أدى إليها اجتهاد مجتهد استصلاحاً أو استحساناً .

 

أصل المشروعية في أن النصوص المتعلقة بالضرورة نصوص واضحة محددة تتعلق برفع حرج وشدة من نوع خاص .

 والنصوص التي ترجع مشروعية الحاجة إليها تتعلق برفع الحرج بصفة عامة أعم من تلك التي قبلها وأقل تحديداً .

 

وهذان الفرقان بين الضرورة وبين الحاجة ثابتان في الضرورة بالمعنى الأصولي (الضروري) ومتعلقها مستمر ، أي أن الحكم الملحق من أجلها على خلاف القياس مستمر بناء على دليل الاستحسان أو المصلحة المرسلة وفي الضرورة بالمعنى الفقهي ومتعلقها موقت من باب الرخصة بالمعنى الأخص وهي تغيير حكم لعذر مع علة الحكم الأصلي .

 

وفي الحاجة بمعنى الحاجي وهو المعنى الأصولي ومتعلقها مستمر أي أن الحكم ثابت بها مستمر سواء كان منصوصاً معللاً بها كالسلم والإجارة… إلى آخره ، أو منسوباً إليها استحساناً كالاستصناع للحاجة والتعامل أو استصلاحاً كجواز تلاوة الحائض عند مالك.

 

والحاجة بمعنى الحاجي يشترط فيها أن تكون عامة وأما الحاجة الفقهية وهي كالضرورة الفقهية لأنها ملحقة بها وتوسيع لمعناها وهذه ترفع الحرج مؤقتاً بخلاف الضرورة بمعناها الفقهي فإنها تبيح مع قياس النص المانع صريحاً فيما توجد فيه فترفعه مؤقتاً وتشاركها الحاجة الفقهية في التوقيت لكنها تختلف معها في مرتبة دليل الحكم الذي ترفقه ، فالأولى ترفع حكماً دليله قطعي كالنص بدليله الظاهر والاقتضاء والإشارة والمفهوم والقياس .

 

أما الثانية فإنها ترفع حكماً دليله ظني كحال العام وبخاصة العام الضعيف في نوادر الصور كما أسلفنا وهذا الاختلاف في طبيعة الدليل الذي تواجهه كل منهما ناشيء عن اختلاف المشقتين  فالمشقّة في محل الضرورة هي مشقّة كبرى بينما المشقّة في محل الحاجة هي مشقّة وسطى .

 

أما الضرورة بمعنى الضروري عند الأصوليين فإنها تكون تأصيلاً لأحكام منصوصة من الشارع أو مجتهد فيها عن طريق المصلحة المرسلة .

 

يكمن الفرق بين الضروري والحاجي في أن ما كان من قبيل الضروريات فهو أرفع مرتبة مما كان من قبيل الحاجيات تأصيلاً وتعليلاً ، فما كان من الضروريات من حفظ نفس ودين ونسل ومال وعقل يقع في المرتبة العليا من المصالح الشرعية ولهذا فإنه معتبر في غيبة الشاهد الخاص عند من يعمل بالمصالح المرسلة وهو مالك رحمه الله تعالى ولم يستبعده من لا يعمل بها كالغزالي في المستصفى بشروط وابن قدامة في الروضة  .

 

أما الحاجيات فلتدني مرتبتها  فإن الاستصلاح في محلها نفاه كثير من العلماء كالغزالي في المستصفى وابن قدامة في الروضة .

 

وكل هذه الفروق تدعو إلى التأمل في هذه القاعدة وإعادة النظر في موقعها والذي نراه أنها قاعدة أصولية وليست فقهية وأن العقود والفروع التي تثبت عليها مقررة بالنص فذكرها إذاً من باب التعليل والتأصيل وليست مطردة ولهذا عبّر بعضهم بقد التقليلية وأن الأولى أن تذكر مع الضرورة الأصولية لأنها تثبت حكماً دائماً وهي من الكلي الذي لا يتوقف على تحققه في كل فرد من أفراده بل يكتفى بتحقيقه بالجملة في الجنس .

 

وأعتقد أن هذا المنحى هو الذي انتحاه إمام الحرمين حيث تحدث عن الضرورة الأصولية في القسم الثالث وجعل منها البيع ثم تحدث عن إلحاق الحاجة بها في المرتبة التي تليها ووضع بها الإجارة وتلاه تلاميذه .

 

وهذا في رأي هو القول الفصل وإن وضعها قاعدة فقهية أحدث ارتباكاً عند كثير من الباحثين حيث أباحوا بالحاجة دون استفصال ودون النظر في شروط الاستصلاح والاستحسان .

 

ولم ينتبهوا إلى أن الحاجة لا تؤثر فيما ثبت النهي عنه بأدلة قوية بحيث تعتبر في مرتبة قوية من مراتب النهي فلا تؤثر في تحريم الخمر والميتة والدم.

 

بل إنما تؤثر في عموم ضعيف كثرت أفراده وتناوله التخصيص وإنما تؤثر في مرتبة المنهيات لا توصف بأنها في أعلى درجات المنهيات فمن المعلوم أن محرّمات المقاصد ليست كمحرّمات الوسائل والذرائع وهذه فروق دقيقة توزن بميزان دقيق .

 

فالأولى لا تبيحها إلاّ الضرورة الخاصة بينما تتأثر الأخيرة بالحاجة منزلة منزلة الضرورة وتؤثر الحاجة في بعض العمومات وبعض المنهيات الأقل قوة بحيث يلاحظ الفقيه أن الشارع لم يشدد فيها فليست حرمة الربا كحرمة القمار والميسر والغرر فالربا أشد من هذه كما يقول ابن تيمية .

 

ثم إن الحاجة لا يمكن أن تفني العام بمعنى أنه لا يمكن تحت ضغوط الحاجة أن نقر أن الغرر كله أصبح جائزاً أو أن بيع ما ليس عندك أصبح جائزاً ، بل إن الحاجة تتعامل مع جزئيات فقط من هذه العمومات لأن العام نص فيما يصدق عليه أقله فإلغاؤه يصبح إلغاء للنص .

 

وإذا كانت العبادات ليست على وزان واحد كما يقول الشاطبي فكذلك المعاملات ليست على وزان واحد .

 

وباختصار فإن الفرق بين الضرورة وبين الحاجة يتجلى في ثلاث مراتب: مرتبة المشقّة ومرتبة النهي ومرتبة الدليل .

 

فإن الضرورة في المرتبة القصوى من المشقّة أو من الأهمية والحاجة في مرتبة متوسطة .

 

والنهي الذي تختص الضرورة برفعه هو نهي قوي يقع في أعلى درجات النهي لأن مفسدته قوية أو لأنه يتضمن المفسدة فهو نهي المقاصد بينما تواجه الحاجة نهياً أدنى مرتبة من ذلك لأنه قد يكون نهي الوسائل .

 

أما مرتبة الدليل فإن الدليل الذي ترفع حكمه الضرورة قد يكون نصاً صريحاً من كتاب أو سنّة أو سواهما . أما الدليل الذي تتطرق إليه الحاجة فهو في الغالب عموم ضعيف يخصص ، أو قياس لا يطرد في محل الحاجة ، أو قاعدة يستثنى منها .

 

من خلال التعامل مع هذه المراتب الثلاث يتبين فقه الفقهاء وفطنة الأذكياء في التمييز بين الضرورة بمعنييها الفقهي والأصولي والحاجة بمعنييها الأصولي والفقهي .

 

وعلى ضوء هذا يكون إعمال الحاجة في العقود المتجددة يقتضي أن لا يكون العقد كله مبنياً على الفساد بل يكون الفساد لاحقاً ببعض أوجه العقد كما قالوا في بيع الوفاء .

 

 فالفساد يلحق ببعض أوجهه دون بعض، وذلك إنما يعتبر في عقد منفرد ولا يعتبر في عدة عقود أو معاملات بعضها فاسد وبعضها صحيح ، فلا يمكن تصحيح الفاسد بناء على صحة الصحيح.

 

وهذا مع الأسف ما خفي على بعض الفضلاء فطبقوا حالة الفساد اللاحق بجزء من العقد والذي يمكن جبره إذا كان غرراً يسيراً مثلاً مضافاً إلى أصل جائز ، طبقوا ذلك الحكم على عقود متعددة بعضها مستقل عن بعض وبعضها ممنوع وبعضها جائز بدعوى العين المنغمرة.

 

وهذا كما هو واضح غير صحيح ، ولا يمكن قبوله من خلال مبدأ الحاجة بحال من الأحوال.

 

تطبيقات معاصرة

 

فيما يلي بعض التطبيقات المعاصرة لمبدأ الحاجة :

 

1 – فتوى المجلس الأوروبي بشأن شراء بيوت السكنى في ديار غير المسلمين:

 

نبدأ هذه التطبيقات بفتوى أثارت جدلاً في الساحة الفقهية وهي فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المتعلقة بقرار إباحة شراء بيوت السكنى في ديار غير المسلمين ترجيحاً لمذهب أبي حنيفة ومن قال بقوله انطلاقاً من مبدأ الحاجة .

 

نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها ، وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية .

 

وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض قُرئت على المجلس ، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة ، انتهى بعدها بأغلبية أعضائه إلى ما يلي :

 

يؤكد المجلس على ما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا وأنه من السبع الموبقات ، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله ، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام .

يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية التي لا شبهة فيها ، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية ، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشيء مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين ، وغير ذلك .

كما يدعو التجمعات الإسـلامية في أوروبا أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعاً ، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل ، فإن هذا سيجلب لهم عدداً كبيراً من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة ، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوروبية ، وقد رأينا عدداً من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعها لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية ، كما في البحرين وغيرها . ويمكن للمجلس أن يساعد في ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك لتعديل سلوكها مع المسلمين .

وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسراً في الوقت الحاضر ، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية ، لا يرى بأساً من اللجوء إلى هذه الوسيلة وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته ، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه ، وأن يكون هو مسكنه الأساسي ، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة ، وقد اعتمد للمجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين :

المرتكز الأول :

 

قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وهي قاعدة متفق عليها مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع ، منها قوله تعالى في سورة الأنعام :} وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه { ]الآية: 119[ . ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرّمات الأطعمة :} فمن اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربَّك غفور رحيم { ]الآية:145[ . ومما قرره الفقهاء هن أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة ، خاصة كانت أو عامة .

 

والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلم في حرج وإن كان يستطيع أن يعيش بخلاف الضرورة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها ، والله تعالى رفع الحرج عن هذه الأمة بنصوص القرآن كما في قوله تعالى في سورة الحج :} وما جعل عليكم في الدين من حرج { ]الآية:78[ ، وفي سورة المائدة :} ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج { ]الآية:6[ . والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي سعته وفي مرافقه بحيث يكون سكناً حقاً .

 

وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة ، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها ، وهي أن ما أبيح للضرورة يقدّر بقدرها ، فلم يجز تملّك البيوت للتجارة ونحوها .

 

والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة ، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال :}  والله جعل لكم من بيوتكم سكناً { ]النحل: 80[ ، وجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم المسكن الواسع عنصراً من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم ، ولا يشعره بالأمان ، وإن كان يكلف المسلم كثيراً بما يدفعه لغير المسلم ويظل سنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجراً واحداً ، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه ، كما أنه إذا كبرت سنه أو قلّ دخله أو انقطع عرضة لأن يُرمى به في الطريق .

 

وتملك السكن يكفي المسلم هذا الهم ، كما أنه يمكنه أن يختار المسكن قريباً من المسجد والمركز الإسلامي والمدرسة الإسلامية ، ويهيىء فرصة للمجموعة المسلمة أن تتقارب في مساكنها عسى أن تنشيء لها مجتمعاً إسلامياً صغيراً داخل المجتمع الكبير ، فيتعارف فيه أبناؤهم ، وتقوى روابطهم ، ويتعاونون على العيش في ظل مفاهيم الإسلام وقيمه العليا .

 

كما أن هذا يمكن المسلم من إعداد بيته وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والاجتماعية مادام مملوكاً له .

 

وهناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكل مسلم الحاجة العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلية خارج دار الإسلام ، وهي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية ، حتى يرتفع مستواهم ، ويكونوا أهلاً للانتماء إلى خير أمة أُخرجت للناس ، ويغدوا صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين ، كما تتمثل في أن يتحرروا من الضغوط الاقتصادية عليهم ، ليقوموا بواجب الدعوة ويساهموا في بناء المجتمع العام ، وهذا يقتضي ألاّ يظل المسلم يكد طول عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات عيشه ، ولا يجد فرصة لخدمة مجتمعه أو نشر دعوته .

 

المرتكز الثاني : (وهو مكمل للمرتكز الأول الأساسي)

 

هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني  – وهو المفتى به في المذهب الحنفي – وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل ، ورجحها ابن تيمية – فيما ذكره بعض الحنابلة – من جواز التعامل بالربا – وغيره من العقود الفاسدة – بين المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام .

 

ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات ، منها :

 

أن المسلم غير مكلف شرعاً أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام ، لأن هذا ليس في وسعه ، ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها ، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي . وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فرداً مثل أحكام العبادات وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية ، بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلاً .

أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا – في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سبباً لضعفه اقتصادياً وخسارته مالياً ، والمفروض أن الإسلام يقوّي المسلم ولا يضعفه ، ويزيده ولا ينقصه ، وينفعه ولا يضرّه ، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم بحديث : ” الإسلام يزيد ولا ينقص ” أي يزيد المسلم ولا ينقصه ، ومثله : ” الإسلام يعلو لا يعلى ” ، وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم سيضطر إلى أن يعطي ما يطلب منه ولا يأخذ مقابله ، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم ، فعليه الغرم دائماً وليس له الغنم ، وبهذا يظل المسلم أبداً مظلوماً مالياً بسبب التزامه بالإسلام ، والإسلام لا يقصد أبداً إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به ، وأن يتركه – في غير دار الإسلام – لغير المسلم يمتصه ويستفيد منه ، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة والمعترف بها عندهم .

 وما يُقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء  لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلاّ بشرطين الأول : أن يكون فيها منفعة للمسلم ، والثاني : ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم ، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم .

 

فالجواب : أن هذا غير مسلَّم ، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير ، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب ، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد إذ به يتملك المنزل في النهاية.

 

وقد أكّد المسلمون الذي يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة : أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك ، بل أحياناً تكون أقل ، ومعنى هذا أننا إذا حرّمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته ، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبّر الفقهاء ، وربما يظل عشرين سنة أو أكثر يدفع إيجاراً شهرياً أو سنوياً ولا يملك شيئاً على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة – وربما أقل – أن يملك البيت .

 

فلو لم يكن هذا التعامل جائزاً على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه لكان جائزاً عند الجميع للحاجة التي تنزل أحياناً منزلة الضرورة في إباحة المحظور بها .

 

ولا سيما أن المسلم هنا إنما يؤكل الربا ولا يأكله ، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها والأصل في التحريم منصب على (أكل الربا) كما نطقت به آيات القرآن ، وإنما حرم الإيكال سداً للذريعة كما حرمت الكتابة له والشهادة عليه فهو من باب تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد .

 

ومن المعلوم أن أكل الربا المحرّم لا يجوز بحال ، أما إيكاله – بمعنى إعطاء الفائدة – فيجوز للحاجة ، وقد نصّ على ذلك الفقهاء وأجازوا الاستقراض بالربا للحاجة إذا سدت في وجهه أبواب الحلال .

 

ومن القواعـد الشـهيرة هنا : أن ما حـرم لذاته لا يباح إلاّ للضرورة ، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة ، والله الموفق .

 

وتعليقنا على هذا القرار : نقول عنه باختصار إنه لا يبيح التعامل بإطلاق بالربا في ديار غير المسلمين كما هو مقتضى مذهب أبي حنيفة ومن قال بقوله لكنه يبيحه في حالة الحاجة الشخصية التي لا تتجاوز محلها فهو ترجيح مقيد بالحاجة طبقاً لشروط الترجيح بالحاجة التي نقلناها عن مالك .

 

وإن كنت لا اتفق مع صياغة بعض الفقرات وبخاصة فيما يتعلق بالقول أن الحاجة وحدها تكفي في إباحة هذا التعامل .

 

والحقيقة أن الحاجة لا تكفي في إباحة الربا وإنما تعتمد الفتوى على قول العلماء القائلين بهذا مرجحاً بأصل عام شهد الشرع باعتباره وهو الحاجة والتيسير .

 

 2 – قرار مجمع الفقه الإسلامي : 63(1/7) بشأن شراء أسهم في شركات تتعامل أحياناً بالربا :

 

 فيما يلي بعض البنود التي وردت بقرار مجمع الفقه الإسلامي فيما يختص بهذا الموضوع :

 

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7 – 12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9-14 مايو 1992م .

 

بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع “الأسواق المالية” الأسهم ، الاختيارات ، السلع ، بطاقة الائتمان ، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله ، قرر ما يلي :

 

أولاً ـ الأسهم :

 

1- الإسهام في الشركات :

 

أ)     بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز .

 

ب)   لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرّم ،  كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرّمات أو المتاجرة بها .

 

ج)   الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرّمات كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة .

 

2 – تحديد مسؤولية الشركات المساهمة المحدودة :

 

لا مانع شرعاً من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محدودة برأس مالها، لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة .

 

ثانياً ـ التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة :

 

السـلع : يتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي :

الطريقة الأولى :

 

أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع وجود السلع أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه . وهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة .

 

الطريقة الثانية :

 

أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع إمكانهما بضمان هيئة السوق .

 

وهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة .

 

الطريقة الثالثة :

 

أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد أجل ودفع الثمن عند التسليم وأن يتضمن شرطاً يقتضي أن ينتهي فعلاً بالتسليم والتسلم ، وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين ، ويمكن أن يعدّل ليستوفي شروط السلم المعروفة ، فإذا استوفى شروط السلم جاز . وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلماً قبل قبضها.

 

الطريقة الرابعة :

 

أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمّة في موعد أجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرطاً يقتضي أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين ، بل يمكن تصفيته بعقد معاكس . وهذا هو النوع الأكثر شيوعاً في أسواق السلع ، وهذا العقد غير جائز أصلاً .

 

وتعليقنا على هذا القرار المتعلق بالأسواق المالية نرى أن المجمع تارة لم يعتبر الحاجة لما عارضها من الدليل الذي يجعل اعتبارها ملغي وتارة اعتبرها . فعلى سبيل المثال :

 

1- الفقرة (ج) : الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرّمات كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة .

 

           وبهذا يرى المجمع أن الربا لا تبيحه الحاجة ولا عبرة بقلته بالنسبة لأعمال الشركة وأنشطتها باعتبار ذلك وصفاً طردياً والمجمع في ذلك كان مصيباً كل الإصابة لأن الربا كما أسلفنا في مرتبة من النهي لا تبيحها إلاّ الضرورة .

 

          وكان بودي أن تُحذف كلمة (الأصل) التي أصبح البعض يتذرّع بها لإباحة الاشتراك في هذه الشركات بدعوى التطهير ، وقد بيّنا خطأ ذلك في بحث آخر.

 

2-   قرر المجمع أن لا مانع شرعاً من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محددة برأس مالها .

 

      والمجمع تجاوز عن مشكلة الديون التي على الشركة فإن أصحابها وإن كانوا يعلمون أنها مرتبطة برأس مال الشركة فإنهم مع ذلك إنما تعاقدوا مع أرباب الشركة وهذا القرار فرع عن الاعتراف بالشخصية المعنوية والأصل في الشريعة اعتبار الذمّة الشخصية والمجمع قرر ذلك للحاجة .

 

3-   في الفقرة الأخيرة من الطريقة الثالثة قرر المجمع أنه ( لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلماً قبل قبضها ) ولم يعتبر الحاجة مع أن مذهب مالك والأوزاعي جواز ذلك ما لم تكن السلعة طعاماً .

 

 هذه القرارات تدل على تعامل حذر مع مبدأ الحاجة ، ولعل بحثنا هذا يسهم في إيضاح معايير التعامل مع الحاجة.

 

بالإضافة إلى ما تقدم فقد منع المجمع عقود التوريد في قرارات سابقة وأكّد هذا المنع في دورته الأخيرة بالرياض بتاريخ 25 جمادى الثانية 1421هـ ، ماعدا ما يتعلق منها بالاستصناع بناءً على تأجيل العوضين .

 

والذي يظهر لي: أن عقود التوريد من المجالات التي تدخل فيها الحاجة لعدم وجود نص فيها وقد أجاز مالك تأجيل العوضين في السلم بشرط لثلاثة وإلى غاية أجل المسلم بلا شرط النقد وأجازه في الاستجرار في الشراء من دائم العمل كالخباز .

 

وأجازه في أكرياء الحج وهو كراء مضمون تأجل فيه العوضان بحاجة الناس إلى ذلك وقد نقلنا كلام ابن سراج عن المواق وفيه أن مالك ( أجاز تأخير النقد في الكراء المضمون).(التاج والإكليل:5/390) .

 

قال خليل 🙁 أو في مضمونه لم يشرع فيها إلاّ كراء حج فاليسير) وكان مالك يرى أن لا بد أن ينتقد ثلثي الكراء في المضمونة إلى أجل ، ثم رجع وقال :” قد اقتطع الأكرياء أموال الناس فلا بأس أن يؤخروهم بالنقد ويعربونهم الدينار وشبهه ” (التاج والإكليل: 5/3939) .

 

قلت : قوله (ويعربونهم) أي : يعطونهم عربوناً .

 

كما أجيز الاستصناع للحاجة وقد أقر المجمع جوازه مع أن جواز تأجيل العوضين مذهب ابن المسيب رضي الله عنه .

 

وأنا أرى إعمال الحاجة في مثل هذه العقود مما لم يرد فيه نص إذا ثبتت الحاجة المعتبرة التي يؤدي عدم ارتكابها إلى مشقة وحرج يلحق العامة بغض النظر عن تحقق ذلك في آحاد صورها وقد شرحنا رأينا في تأجيل البدلين في بحثنا في البورصات المقدم إلى المجلس الأوروبي للإفتاء .

 

 

 

نتائج البحث

في هذا البحث الوسيط عرفنا الضرورة لغة بأنها الضيق والشدة والحاجة وأنها اصطلاحاً ” أمر إذا لم يرتكبه المضطر هلك أو قارب الهلاك ” في معناها الأخص وأنها تطلق على الحاجة .

 

وأنها أصولياً الكلي الذي ينتظم المحافظة على ضرورات الحياة الخمس من جهة الوجود ومن جهة العدم . وبيّنا أصل مشروعية الضرورة .

 

 وعرّفنا الحاجة لغة بأنها الافتقار إلى الشيء وذلك هو المأربة والمأربة هي الحاجة.  وعرّفناها اصطلاحاً بأنها ما نزل عن الضرورة بحيث يؤدي فقده إلى مشقة وقلق وحصوله إلى سعة وتبسط .

 

ثم إن الحاجة منها ما هو حاجة عامة بشرية وهذه تحدث حكماً مستمراً وهي من باب الكلي الذي لا يجب تحققه في آحاد صورة فتكون أساساً للاستحسان والاستصلاح .

 

وحاجة خاصة فقهية تعتبر توسيعاً للضرورة تعطي حكمها وتقدر بقدرها وأنها رخصة بالمعنى الأخص ، وذكرنا أمثلة لذلك وناقشنا وضع قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في القواعد الفقهية وأخرجنا أصلها الأصولي مسلسلاً من الجويني إلى تلاميذه .

 

كما أوضحنا أن قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة ليست على إطلاقها وإن الحاجي لا يمكن أن يكون نداً للضرورة الفقهية وأن الأمثلة التي ذكروها منها – وهو أغلبها – منصوصة في الشرع فما معنى كون الحاجة تنزل منزلة الضرورة فيه إلاّ أنه استثناء من أصل يفيد التحريم كما الضرورة استثناء من نصوص تقضي بالتحريم .

 

وما عدا هذه المقارنة الجزئية فلا يبدو تنزيلها منزلة الضرورة مطرداً حتى يكون قاعدة فقهية قد بيّنا أنه لا تبيح ما كان النهي فيه قوياً كمحرمات المقاصد فلم تنزل منزلة الضرورة فيها .

 

 وأشرنا إلى تفاوت درجة النهي في المنهيات وبيّنا أنها لا تواجه نصاً بالرفع ولا ترفع عامّاً في كل مدلوله بل ترفع جزئية من جزئياته وهي في الغالب جزئية تنتمي إلى العام بضعف وتلك نكتة لم يطلع عليها الباحثون وقد أيدناها بالاستقراء .

 

كما أبدينا أوجهاً أخرى تدخل فيها الحاجة حيث لا يكون الخلل في العقد مقصوداً أو حيث يكون الغرض من العقد معروفاً أو فيه شائبة المعروف والارتفاق أو يكون الخلل تابعاً وليس متبوعاً ، أو تتوخى الحاجة مواقع الخلاف لتكون مرجحاً لقول مرجوح عرف قائله وثبت عزوه .

 

وأجملنا الفروق الجوهرية في المراتب الثلاث : مرتبة المشقّة ، ومرتبة النهي ، ومرتبة الدليل .

 

وهكذا اتضحت الخطوط الدقيقة للفرق بين الضرورة والحاجة التي فصلناها في القائمة الملحقة .

 

وذكرنا بعض التطبيقات من قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة تراوحت بين الإقدام والإحجام طبقاً لتقدير النهي والحاجة والتفاتاً في الغالب إلى وجود نقل يستأنس به أو أصل يعتمد عليه .

 

بعد أن ذكرنا قراراً واحداً للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ، وعلقنا على هذه القرارات تعليقاً موجزاً دون مناقشة قد تطول وتخرجنا عن سياق المطلوب في هذا البحث وأبدينا وجهة نظرنا الخاصة التي توافق قرارات المجمعين أو تخالف وتباين القرارات وبخاصة في مسألة تأجيل البدلين .

 

كل ذلك باختصار تارة بالعبارة الصريحة أو بالإشارة السريعة التي يفهمها أهل الاختصاص .

 

الفروق :

 

من حيث التعريف : الضرورة شدة وضيق ومشقّة تبيح المحرّم كالميتة والدم ولحم الخنزير ومال الغير ، والحاجة : افتقار ونقص فهي أعم من الضرورة .

الضرورة : أدلتها نصوص واضحة ، والحاجة : أدلتها عمومات .

الضرورة الفقهية : لا تحتاج إلى نص في كل حالة تنزل فيها بل إن الإذن بها عام سوى ما استثنى لأدلة أخرى وقرائن . والحاجة : تفتقر إلى نص لإثبات اعتبارها وأكثر الأمثلة المذكورة كالإجارة والقراض والمساقاة منصوصة .

الضرورة : ترفع النص وغيره ، والحاجة مجالها هو تخصيص العموم عند من يراها وبخاصة ماكان تناوله بالعموم ضعيفاً ، وقد تخالف قياساً وتستثنى من قاعدة .

الضرورة : أثرها مؤقت محدود بها والحاجة العامة أثرها مستمر .

الضرورة شخصية لا ينتفع بها غير المضطر والحاجة لا يشترط فيها تحقق الاحتياج في آحاد أفرادها .

الضرورة رخصة بالمعنى الأخص والحاجة العامة ليست رخصة بالمعنى الأخص .

الضرورة ترفع نهياً في مرتبة عليا من سلم المنهيات كما ترفع غيره . والحاجة لا ترفع نهياً في مرتبة عليا من مراتب النهي بل تتوخى محرّمات الوسائل دون محرمات المقاصد .

الضرورة تبيح العقود التي يكون الخلل فيها أصلياً أو تابعاً والحاجة تبيح العقد الذي يكون فيه الخلل تابعاً ومضافاً .

الضرورة تبيح الكثير واليسير والحاجة تبيح اليسير لا الكثير .

الضرورة تبيح الخلل المقصود وغيره ، والحاجة تبيح غالباً الخلل غير المقصود في العقد .

الضرورة لا تختص بعقد دون آخر ، والحاجة تبيح الممنوع أحياناً في سياق إرفاق ومعروف دون قصد المكايسة .

الضرورة لا تفتقر إلى خلاف ، والحاجة ترجح الضعيف في محل الاختلاف بشروط .

      وأخيراً لعلنا بهذه الفروق التي تسجل لأول مرة بهذه الطريقة أسهمنا في تجلية هذه المسألة أو على الأقل بيّنا الوجهة الصحيحة التي يجب على الباحثين أن يأموها والمسالك التي ينبغي للدارسين أن يسلكوها . وناقشنا مناقشة غير مسبوقة قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في القواعد الفقهية مع أننا لا ندعي الاستيعاب حيث إن العادة جرت في ميدان البحوث المنشورة أن تكون مختصرة غير منتشرة .

 

والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء السبيل…

 

مراجع البحث:

 

ابن تيمية ، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ، ت 728هـ ، مجموع الفتاوى ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت 1397هـ ـ 1978هـ .

ابن رشد ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي، ت 595هـ ، البيان والتحصيل ، إدارة إحياء التراث الإسلامي ، قطر .

ابن عبد السلام ، عز الدين عبد العزيز ، قواعد الأحكام ، دار الجيل ، بيروت 1400هـ .

ابن عابدين ، محمد أمين ، ت 1258هـ ، حاشية رد المختار على الدر المختار ، مصطفى البابي ، القاهرة 1386هـ .

ابن العربي ، أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي ، ت 542هـ ، القبس ، شركة عيسى الحلبي ، القاهرة 1376هـ .

ابن عطية ، أبو محمد عبد الحق المحاربي الغرناطي ، ت 541هـ ، البحر الوجيز ، مؤسسة دار العلوم ، القاهرة .

ابن قدامة ، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ، ت 620هـ ، المغني ، مكتبة القاهرة ، القاهرة 1389هـ .

ابن قيم الجوزية ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، ت 751هـ ، إعلام الموقعين عن رب العالمين، مكتبة الكليات الأزهرية،القاهرة 1388هـ .

إمام الحرمين ، أبو المعالي عبد الملك بن أبي عبد الله الجويني ، البرهان ، دار الأنصار ، القاهرة 1400هـ .

الباجي ، أبو الوليد بن سليمان بن خلف ، ت 494هـ ، المنتقى شرح موطأ الإمام مالك ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1332هـ .

الحطاب ، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المغربي ، ت 954هـ ، مواهب الجليل على مختصر خليل ، دار الفكر ، بيروت .

الدردير ، أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد ، ت 1201هـ ، الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، مطبعة المعاهد الأزهرية، القاهرة 1386هـ .

الرملي ، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة ، ت 1004هـ ، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1386هـ.

الزرقاني، عبد الباقي ، شرح على المختصر ، دار الفكر ، بيروت 1398هـ.

السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر، ت911هـ ، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ، مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة 1378هـ.

الشاطبي ، أبو إسحاق إبراهيم ، الموافقات ، دار المعرفة ، بيروت .

الشاطبي ،أبوإسحاق إبراهيم ،الاعتصام ،دار الكتب العلمية ، بيروت 1988م.

الشوكاني ، محمد بن علي بن محمد ، ت 1250هـ ، إرشاد الفحول ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1419هـ .

الطوفي ، نجم الدين ، شرح مختصر الروضة ، مؤسسة الرسالة ، القاهرة .

العلوي ، سيدي عبد الله ، نشر البنود على مراقي السعود، صندوق إحياء التراث ، القاهرة .

الغزالي ، أبو حامد محمد بن أحمد ، ت 505هـ ، شفاء العليل ، تحقيق: حمد الكبيسي ، مطبعة الإرشاد ، بغداد 1316هـ .

القرافي ، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس ، ت 684هـ ، الذخيرة ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت .

القرافي ، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس ، ت 684هـ ، الفروق ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1344هـ .

القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري ،ت 671هـ، الجامع لأحكام القرآن ، دار القلم ، القاهرة 1386هـ .

الكاساني ، علاء الدين أبو بكر بن مسعود ، ت 587 هـ ، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، دار الكتاب العربي ، القاهرة .

المواق ، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري ، ت 897هـ ، التاج والإكليل حاشية على الحطاب ، دار الفكر ، بيروت 1992م .

النووي ، أبو زكريا محي الدين بن شرف الشافعي ، ت 676هـ ، المجموع شرح المهذب ، دار الفكر ، بيروت

(1) الجباح : خلايا النحل – قال في اللسان : هي مواضع النحل في الجبل وفيها تعسل (المحرر) .

علاقة الدين بالدولة: وجهة نظر إسلامية

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه  

 

علاقة الدين بالدولة: وجهة نظر إسلامية  

الأستاذ/ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه  

     

((ولقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ))

الدين: -هنا- مجموعةُ العقائد والقواعد والأعمال المتلقاة للرسول من الله الخالق يَعدُ العاملين بها بالنعيم المقيم والمعرضين عنها بالعقاب.

وقد يُطلقُ على الشريعة -وهي سلسلةٌ محكمةٌ من القواعد والضوابط- المبادئ والأحكام التفصيلية، مغطيةً العقائدَ والأخلاق والسلوك والمعاملات في كل أبعادها، منظمةً علاقةَ الإنسان بربّه، وعلاقته بأبناء جنسه “البشر”، فكانت إيمانًا وعبادات مقرونةً بالعمل الصالح، مما جعل القيم أساسًا لقوانين المعاملات، إنَّه تسلسلٌ مترابطٌ نسيجُ وحده بين الإيمان والعمل والمعاملة ، يحقق العدالةَ والسعادة في حياة البشر، ويجنّبهم الظلمَ والطغيان والشقاء.

الدولة-هنا- سلطاتٌ عامةٌ تمارس الحكمَ على شعبٍ وعلى أرضٍ.

وللحديث عن العلاقة بين الدين والدولة لعلي أستعين بهذا العنوان المثير لمستشار فيدرالي في الإتحاد السويسري هو موريتيس …

لمحاضرة ألقاها في جامعة لوزان في 2 فبراير 2005م كالتالي: هل الإله ضرورة للدولة ؟             

وقد بنى عليه العديدَ من الأسئلة التي تواجه الفيدرالية السويسرية التي تُعتبر من الدول النادرة في أوربا التي ينص دستورها على أنها دولةٌ دينيةٌ وكنيستها هي كنيسة دولة مع ما يترتب على ذلك من إلتزامات الدولة تجاه المؤسسة الدينية.

ولعلَّ سبب طرح السؤال هو الوجودُ الحديث لأديانٍ غير المسيحية في سويسرا والتي أصبح الموقف منها قبولاً ورداً وتسامحاً واعتراضاً يدفع إلى الواجهة تساؤلات أهمها: ما مدى ضرورة انحياز الدولة لدينها الرسمي؛ لتمنع ذبح الأعياد والحجاب بالنسبة للمسلمين وحياديتها للتسامح مع الديانات، أو يضعها على قدم المساواة مع الكنيسة فتقدم لها الدعم المادي والمعنوي لتبني دور العبادة وتدفع الرواتب للأئمة.

لكنْ لنتجاوز دوافع السؤال التي هي سويسرية وربما أوروبية أيضا في العلاقة بين الدين والسلطات.

ودعونا نصوغ السؤالَ بطريقة أخرى ليكون أقرب إلى مفهوم المسلمين وهو: هل الدولة ضرورة للدين ؟

  لهذا آثرنا عبارة :  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وقد تلاحظون أنَّ السؤالَ قد لا يُمثل حرفياً قلباً للقضية التي طرحها لكنه يمكن أنْ يمثله بالقوة إذ أننا معشر المسلمين لا يمكن أنْ نعتبر شيئاً ضرورة للإله وذاك بالتأكيد هو موقف المسيحيين؛ لأنَّ الإله يفتقر إليه كل شيء ولا يفتقر إلى شيء: هل الدولة ضرورة للدين ؟

هناك موقفان من هذه القضية:

الموقف الأول: وهو موقف قلة من الأولين وثلة من المحدثين يرى أنه لا دولةَ في الدين. فالجواب إذا بالنفي.

فمن الأولين بعضُ المعتزلة كعبدالرحمن بن كيسان الأصم الذي قال بأنَّ الدينَ لا يوجب نصب الحكام وأنَّ الناسَ يمكن أنْ يتركوا على حالة الطبيعة أو أخيافاً. حسب عبارة إمام الحرمين في “الغياثي”.

ومن المحدثين عليّ عبد الرزاق ولا بأس من سوق بعض نصوصهم التي تعترف بمضمون دولة ما دون الاعتراف بدولة في الدين الإسلامي فعلى سبيل المثال يقول برهان غليون: أما الإسلامُ فقد انطلق من موقف مشابه للموقف المسيحي الإنساني والعالمي، فجعل من الهداية إلى طريق الله والدعوة لدينه والشهادة في سبيله رسالته الجوهرية.

: قل لابن أخيك أنْ يترك هذا الدين، وإنْ أراد مالاً جمعنا له من أموالنا حتى يكون أكثرنا مالاً، وإنْ كان يطلب به الشرف فينا فنحن نسوده علينا، وإنْ كان يريد به ملكاً ملكناه علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيه رئياً تراه قد غلب عليه بذلنا له أموالنا في طلب الطب حتى نبرئه منه أو نعذر فيه. عن عزمه، قالت لأبي طالب عم الرسولوعند ما حاولت قريش أنْ تثني الرسولَ

 قولته المشهورة: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أنْ أترك هذا الأمرَ ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.فقال الرسول

 يدعو المسلمين كذلك إلى الاستعداد لليوم الآخر، وكان يطلب منهم تجنيد أنفسهم في سبيل الله لنشر دعوته والموت من أجلها وليس لبناء سلطة لهم باسمه، إنَّ ما جعل من الإسلام خاتم الرسالات وأكملها معاً هو جمعه بين رسالة السيد المسيح التي هي التبشير والبشارة بالخلاص عن طريق الإيمان بالله الواحد، ورسالة موسى التي لا تكتفي بالتبشير الروحي ولكنها تدعو المؤمنين إلى القتال والشهادة في سبيل نشر الدين الحق. لكن هذا القتال لا يغير من هدف الرسالة وغايتها؛ إنه ليس قتالاً في سبيل الملك ولا في سبيل الدولة ولكن في سبيل الله.وكان محمد 

وكذلك فإنه كان يدعو ملوك الأرض إلى الدين ولا يطلب منهم التنازل عن ملكهم فمن قبل بالدين أُمر بالصلاة والزكاة ليوزعها على فقراء بلده فمنهم من أسلم كالنجاشي وبقي ملكاً على شعب مسيحي.

وكذلك لم يُعين أحداً ليخلفه في الحكم وإنما عينه ليخلفه في إمامة الصلاة لكن أصحابه هم الذين انتخبوا الحاكم”.

أما الفئة الكاثرة من مختلف المذاهب الإسلامية فلا تتردد في أنَّ الدولةَ جزء من الدين بمعنى أن إيجاد سلطة حاكمة مطلبٌ ديني.

فالجواب بنعم: الدولة ضرورة للدين بناء على مجموعة من الأدلة:  

أولاً: الأصل في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام مارس تصرفات تعتبر من باب الحاكمية لكونه حاكماً لجماعة المسلمين أو رئيساً للدولة، ولقد ظهر في فقه الصحابة ما يدلُ على أنَّ هذه التصرفات ترتبط بالمصلحة الراجحة العامة، وليس لها حكم الدوام والاستمرار.

 بوصف القضاء يقتضي ذلك، وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاث؛ ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به  أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة فإنْ كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح، وإنْ كان منهياً عنه اجتنبه كل أحد بنفسه، وكل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أنْ يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام؛ ولأنَّ سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه  بهذه الأوصاف تختلفُ آثارها في الشريعة فكل ما قاله  منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً، ومنها ما يجمع الناسُ على أنه قضاءٌ، ومنها ما يجمع الناسُ على أنَّه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماءُ فيه لتردده بين رتبتين فصاعداً فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته  بالتبليغ؛ لأنَّ وصفَ الرسالة غالبٌ عليه ثم تقع تصرفاته  إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته وهو أعظم من كل من تولى منصباً منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة فما من منصب دينيِّ إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه  هو الإمامُ الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم فهو  بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة” قال القرافي: اعلم أنَّ رسولَ الله وقد أصل لذلك الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه “الفروق” في الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرفه [1].

 كانت ذات أبعادٍ مختلفةٍ منها البلاغُ للوحي، ومنها أنَّ يتصرف كرئيس للدولة يوقعُ المعاهداتِ، وكقاض يفصلُ الخصوماتِ. مقتضى هذا أنَّ ممارسةَ النبي 

ومن هذه التصرفات نُدرك اندماج الدولةِ في الدِّين من حيث المبدإ لا من حيث التفاصيل حسب رأي القرافي وحسب رأي بعض الكتاب المحدثين.

ثم إنَّ الصحابةَ انتخبوا حاكماً بعده فكان إجماعاً على حاجةِ الدِّين للدولةِ، ولهذا تنتفي بشكل أو بآخر مقولةَ من يقول: إنَّ الإسلامَ دين فرديُّ وليس دولةً؛ لأنَّ الفرديَّ ليس دائماً منافياً للجماعيِّ بل إنَّه أصلُه.

وتصرفُ الصحابةِ في نصب الحاكم وفي نظام الحكم يدلُ على أهمية الدولة في الإسلام. 

 إلى الرفيق الأعلى بعد أنْ أسلم أهلُ الجزيرة العربية أو سالموا في وقت كان الكثيرُ من الصحابة لا يتوقعون ذلك الرحيل ومن هؤلاء عمر الذي كان يهدد من يقول ذلك. أما البعض الثاني الذين فهموا مغزى خطبة التخيير -والتي أخبر فيها عليه الصلاة والسلام أنَّ عبداً خيرَ بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله- قبل وفاته بأيام فقد توقعوا ذلك وذرفت دموعهم عندما سمعوه على المنبر يعلن ذلك دون أن يصرح به حتى لا تهيج المشاعر.فما أنْ انتقل النبي 

بعد الانتقال تولى الصديق البيعة الذي انتخب في سقيفة بني ساعدة حتى تمايز حقلان من التشريع حقل العقائد: الإيمان بالله الواحد الأحد وبالأنبياء جميعاً وبكتب الله كلها وبالبعث الأخير وأن البشر كلهم إلههم واحد وأبوهم واحد فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج.

فهذه لا يجوز تغيير شيء منها ولا تبديله ولا تأويله تأويلاً مجحفاً.

أما الحقل الثاني فهو التشريعُ المتعلق بأنظمة الحكم؛ سواء كانت سياسة كنظام الدولة واختيار رأس الدولة وطريقة الاختيار ونظام الجيوش والعلاقات الدولية والحروب والمعاهدات وكذلك المعاملات المالية من بيوع وإجارات وغيرهما من أنواع العقود فقد تناولها التأويلُ والاجتهادُ الذي يرجع إلى المعاني من المصالح والمفاسد. وهذا هو الدليل الثاني. 

إما الدليل الثالث فإنَّ القرآن الكريم وجه نوعين من الخطاب؛ خطاب للأفراد وخطاب للجماعة وهذا ما عرف عند علماء الأصول بفرض العين بالنسبة للخطاب الأول كالصلاة والصيام والحج.

وأما خطاب الجماعة وهذا ما يعرف بفرض الكفاية؛ بمعنى أنه ليس موجهاً إلى شخص بعينه وإنما هو موجه إلى الأمة كلها، كإقامة العدل بين الناس وإيصال الحقوق إلى أهلها وإنصاف المظلوم من الظالم، وهذا النوع من الفروض لا يمكن أنْ تقوم به إلا سلطةُ الدولة.

 فقد كان يمتدح الشورى ويمارسها في الشؤون الحياتية، وكان أصحابه يعرفون ذلك، فربما بدأوه بعرض آرائهم بعد جملة التحفظ الاعتيادية: “هل هو الرأي” ، وفي كثير من الحالات يتغير الموقف فيتنازل عن رأيه.ولهذا أقام الصحابةُ حكماً على أساس نظام الشورى والبيعة الذي فهموه من النبي

، وهكذا تمت البيعة الأولى، بيعةُ أهل الحل والعقد.، حيث إنه لم يوص بالخلافة إلى أحد؛ بل أناب فقط صراحة في إمامة الصلاة تاركًا أمر تعين الخليفة –رئيس الدولة- لاختيار الأُمة، فكانوا حزبين: حزب الأنصار سكان المدينة الأصليين، وحزب المهاجرين من أهل مكة، فعقدوا اجتمعًا في بيت زعيم الأنصار تبادلوا فيه الخطب، وقدموا فيه الحجج المعتمدة على المصالح العامة، وهكذا تمت البيعة لأبي بكر الصديق الذي كان معروفًا بإخلاصه الشديد وتفانيه في الدعوة، ولم يكن من بيت النبي لكن القرآن ترك للأُمة أمرَ تفصيل هذا المبدأ الكلي وتحديد معالمه طبقًا لمصالحهم المتجددة وحاجتهم المتطورة، فكان أولُ اختبار لوعي الأمة وقدرتها على تطبيق مبدأ الشورى بعد وفاة النبي 

وكانت البيعة الثانية وهي بيعة الجمهور في المسجد وفي المواطن التي وصلها الإسلام كمكة، وقال العلماء صراحة حيث بويع له فلا بد من هذه البيعة.

يدّعي محمد أسد –وهو مسلم نمساوي- أنَّ هذه أول تجربة ديمقراطية.

وعندي أنها قد لا تكون كذلك، إلا أنها على كل حال تجربة إنسانية عظيمة، أن يجتمع أولئك القوم نصف البدو وهم من المقاتلين الأشداء أن يجتمعوا بدون سلاح ليتناقشوا، وأن لا تستعمل أي كلمة جارحة أو أي تهديد، ثم يتفقون على واحد منهم ليقول في أول خطاب علني بعد تولي رئاسة الدولة: إني وُليتُ عليكم، ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعتُ الله، وإن عصيت فلا طاعة لي عليكم”.

إنَّ نظام الشورى يصب في جدول واحد هو “العدالة” في الإسلام والتي بإمكانها أنْ توفر للإنسان ما نقدر ونظن أنَّ الديمقراطيةَ تبحث عنه من إسعاد الإنسان، وما نظن أنها لم تصل إليه بَعدُ باعتبار الديمقراطية كالشورى وسيلة وليست غاية، والديمقراطية محطة من محطات الإبداع الإنسان وليست نهاية التاريخ، فالبحث عن إسعاد الإنسان إذن هو هدف مشترك للديمقراطية والشورى معًا.

لعلكم تسألون كيف مورست الشورى وكيف تمارس؟

إنه سؤال مشروع، وإنني قدمت لكم مرجعية هذا البحث؛ فإنَّ الإسلامَ هو مثالٌ تجب محاولة الوصول إليه، وبقدر ما نقترب منه يكون وضع العدالة أفضل، ويكون الإنسان أسعد.

وهذا النظام ليس جامدًا ومتصلبًا بل قابل للتطور والتطوير، وقابل للإفادة من التجارب الإنسانية التي تحترم الثوابت والمرجعية وتقدر الأولويات والضرورات الاجتماعية والأمنية.

 وكل إنسان هو خليفة وليس الحاكم وحده.(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فهو سبحانه وتعالى في عليائه إذ هو “العلي” وهو “الأعلى” تلك أوصافه وأسماؤه في الإسلام، ولكنه مع ذلك قريب من خلقه، أقرب إليهم من حبل الوريد، والإنسان مستخلف في الأرض ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَأولاً: مرجعية الشورى: إن مرجعية الشورى هي ربّانية بتطبيقات إنسانية، وهذا يعني أنَّ الإنسانَ وهو يتولى سيادة اختيار الحاكم عن طريق البيعة والشورى له أنْ يضع الأنظمة الكفيلة بنجاح العملية، وهي أنظمة تتأثر بالزمان والمكان، والمصلحة التي هي أساس الشريعة على حد تعبير ابن القيم، ولكن مع ذلك فإنَّ خاصيةَ النظام الإسلامي هي أنَّ كل شيء هو لله، فهو الذي له الخلق، فهو خالق الكون ولكنه لم يخلقهم ويتركهم بل أمرهم ونهاهم. وهذه العلاقة بين الخلق والنظام التي توضحها الآية الكريمة:

إنَّ “الثنائية” بين السيادة المطلقة للخالق في الأمر: وهو أصول التشريع وثوابته وتحديد الحق والباطل، وفي نفس الوقت بين الإمكانية المتاحة للإنسان؛ وليس فقط الإمكانية ولكن التكليف للإنسان بإعمال عقله وفكره ليصل إلى الصلاح العام. 

هذه “الثنائية” هي التي ربما تجعل البعضَ يُحجم عن وصف النظام الإسلامي بصفة الديمقراطية أو تيوقراطية أو أرستقراطية؛ لأن أيًا منها لا ينطبق عليه.

، فعمر يريد أنْ يتحمل خطأ رأيه وصوابه دون أنْ ينسب لله شيئًا.إنَّ الانسجامَ بين هذه الثنائية يمثل حجرَ الزاوية في النظام الإسلامي، وهذا ما يجعله بعيدًا من الثوقراطية التي هي تفويض إلهي للحاكم، ويُفسر بُعدَه عنه قولُ الخليفة الثاني عمر لمّا كتب كاتبه في رسالة كان يكتبها بأمره: هذا ما أري الله عمر. فزجره قائلاً: اكتب: هذا ما رأي عمر؛ لأنَّ هذه الصفةَ مختصةٌ بالنبي 

 [ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَـكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]ولهذا فإنَّ الرقابةَ ثلاثيةٌ لحسن تطبيق خلافة الإنسان في الأرض 

قال إمام الحرمين: في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة:

الإمامةُ رياسةٌ تامة، وزعامةٌ عامّة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظُ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامةُ الدعوة بالحجة والسيف، وكفُّ الخيف والحيف، والانتصافُ للمظلومين من الظالمين، واستيفاءُ الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين[2].

-العلاقة يمكن أن تتصور على ست مستويات:  

المستوى الأول: اندماجٌ كاملٌ بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يعتمد على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوضة من الإله، معصومة، هذا هو مفهوم الثيوقراسية.

المستوى الثاني: نظامٌ يقوم على نصوص دينية يمارسُ السلطةَ فيه علماءُ دينٍ لكنهم ليس لهم تفويض إلهي، فهم لا يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم يسعون ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية.

المستوى الثالث: أنْ يكون التشريعُ مستمداً من النصوص الدينية، ولكن الذين يمارسون السلطةَ فيه ليسوا علماء دين، ولا رجال دين، بل مدنيون ملوك أو قادة جيوش، تارة باسم النسب والعصبية ، وتارة عن طريق القوة والغلبة.

ملاحظة مهمة: إنهم يستمدون شرعيتهم من الدين، ويفسحون المجال لفقهاء الدين لممارسة القضاء والفتوى والتوجيه، وبالتالي تنشأ طبقة الفقهاء موازية لطبقة السلطان.

المستوى الرابع: نظام لا يكون التشريع فيه مستمداً من نصوص الدين؛ لكنه يعترف بمرجعية دينية للشعب أو للدولة، قد يستمد بعض قوانينه من الشريعة كالأحوال الشخصية مثلاً ، وفي نفس الوقت يمارس وصاية على المؤسسات الدينية كالمدارس الدينية ودور العبادة، وفي مقابل ذلك فإنه يتحمل التكاليف المادية اللازمة لتشغيل المؤسسات، ونتيجة لذلك قد يضمن ولاءَ مجموعة من رجال الدين، وقد يَسنُّ قوانين تهتم بالأخلاق أو بالشعائر ويكسب بذلك شيئاً من الشعبية إنْ لم نقل شيئاً من الشرعية مثال المحافظين الجدد وبعض الدول الإسلامية.

المستوى الخامس: دولةٌ تطبق نظاماً مدنياً كاملاً، وتجعل الدين شأناً خاصاً لا علاقة له بالمجال العام ولكنها لا تعارضه: “دولة علمانية”.

المستوى السادس: دولةٌ لا دينية وتناصب الدين العداء؛ بحيث تتدخل في الشئون الدينية تحجيماً وتقليصاً، وقد كان لهذا دعاةٌ في أوربا في وقت من الأوقات ومثاله الدول الشيوعية وتركيا الكمالية.

هذه هي المستويات في التعامل والتفاعل التاريخي بين الدين والدولة، وهو أمرٌ لا يزال له نوع من الوجود في العالم المعاصر، ولا يزال موضوع نقاش في كثير من الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي وخارجه في الجانبين العملي والنظري مع بروز التيارات الإحيائية إلى جانب التيارات العلمانية المغالية.

يمكن أنْ نقول إنَّ الدولةَ في الإسلام ليست دولة دينية بالمعنى التيوكراسية المفهومة في الغرب وبخاصة بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أما في زمن النبي الخاتم فلقد كان يمكن وصفها بذلك؛ لأنه ناطق بالوحي متصرف بإذن الله تعالى مهما يكن من تفسير لتصرفاته.

وإنْ كان البعضُ يراها دولةً مدنيةً أو دولةَ مواطنين فإني شخصياً لا أتصور دولةً مدنيةً بالمعنى الغربي يُديرها نبيُّ مرسلٌ ، إنها دولةٌ دينيةٌ.

 آمراً لجنده: وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا “.أما بعد زمنه فليست كذلك بل إنها دولة يحكمها علماء دين في زمن الخلفاء وهذا هو المستوى الثاني الذي أشرنا إليه في العلاقة بين الدين والدولة، فهم ليسوا ناطقين باسم الإله ولا نواباً عنه يفسر ذلك قوله 

وقول الخليفة الأول: أقول في ميراث الجد برأيي فإن كان صواباً فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.

وقول عمر لكاتبه: “هذا ما رأى عمر” رداً على كاتبه الذي كتب: هذا ما أرى الله تعالى عمر.

لهذا يمكن أن نقول بدون تردد أن نظام الحكم ليس تيوقراطياً بالمعنى المتداول، وإنْ كان قد ورد في كلام بعض الملوك ما يدل على ذلك، فقد روي عن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي أنه بعد أنْ استولى العباسيون على زمام الملك وأصبح الأمر بأيديهم بعد سقوط دولة بني أمية قال في خطبة له بمكة: ” أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه فقد جعلني الله عليه قفلاً إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس[3].

وكذلك تجربة الثورة الإيرانية المعاصرة حيث يقوم على الحكم فيها رجال الدين هناك وعلى رأسهم رجل الدين الأكبر آية الله الخميني ثم خليفته، مما يعطي انطباعاً لأول وهلة أنَّ الحكم ديني بحت؛ لأنه يعتمد نظريةَ ولاية الفقيه، والشيعة الأمامية لهم وجهة نظر في هذا.

وكذلك فإن بعض الشعراء يعبرون عن ذلك. وكان بعض الشعراء في مدائحهم للخلفاء يقولون لهم ما يحبون    

كقول الفرزدق : خَليفَةُ اللَهِ مِنهُم في رَعِيَّتِهِ       يَهدي بِهِ اللَهُ بَعدَ الفِتنَةِ البَشَرا

وكقول آخر: خليفةَ اللهِ إن اللهُ أَهَّلكم       للأمرِ والنهيِ تحيا سنةُ السَّلَفِ

 وبدرجة أقل لصحابته، على الرغم من حاجته السياسية المستمرة للشرعية الدينية.أما بعد الخلفاء الراشدين فلعلي اتفق مع الكاتب المغربي عبدالإله بلقزيز في هذه الفقرة حيث يقول: ويمكننا أن نضيف –هنا- أن تنمية حالة الانفصال بين السياسي والديني جرت بوتائر أسرع حينما انتقلت الخلافة إلى “ملك عضوض”، وبات الخليفة بعيداً عن أنْ يدعي الدور الديني الذي كان للنبي

لقد حصلت تحولات هائلة في نظام المجال السياسي وسلطة الدولة، وفي أنماط الحكم وتقنيات التولية واختيار الحاكم منذ انصرمت حقبة الخلافة الراشدة.

ومع ذلك، لم تتعرض ثوابت النسق السياسي الإسلامي لتغيير جوهري، بل حوفظ عليها وجرت إعادة إنتاجها، وخاصة ما يتعلق منها بالمضمون الزمني للسلطة والنظام السياسي[4].

ولهذا فإنه في فترة طويلة من التاريخ يمكن أنْ نعتبر أنَّ المستوى الثالث أصبح سائداً في دول الخلافة، وكان الفقهاء في أوقات كثيرة حزبان حزب مع السلطة وحزب ضدها.

ففي مرحلة من الدولة العباسية كان المعتزلة بطانة السلطان في عهد المأمون والمعتصم والواثق فحكموا العقل وقالوا بخلق القرآن واضطهدوا أهل الحديث بين القرن الثاني والثالث للهجرة القرن الثامن والتاسع الميلادي، ولكن بموت الواثق 233هـ أصبح أهل السنة -مع المتوكل ومن بعده- في صدور المجالس، وأعلن الخليفة القادر الوثيقةَ القادرية التي يتبنى فيها اعتقاد أهل السنة ويحظر فكر المعتزلة وآرائهم ويجرمها.

وكانت المراجعات الفقهية تتجاذب الدول وتتنازع سلطان الفكر؛ إلا أنَّ الحكومات ظلت تستمدُ شرعيتَها من الدِّين بتطبيق أحكام الشريعة.

ولم يبق هذا الأنموذج إلا في مناطق قليلة لم يمتد إليها الاستعمار وهي بلاد الحرمين لأسباب تاريخية ودينية معروفة.

وفى العصر الحديث وبعد دخول الاستعمار الغربي لديار العالم الإسلامي وانجلاءه عنها ترك ازدواجية قانونية بين الشريعة والقوانين الوضعية التي هي في الحقيقة قوانين أوروبية منتجة هناك مع بعض التعديلات غير الجوهرية وأصبحت المؤسسة الدينية الرسمية تقوم بدورها في الشعائر الدينية والدعوة إلى الأخلاق دون إلزام وهي تشبه إلى حدما دور الكنيسة في اتفاقية الكونكوردات النابليونية في العلاقة بين الكنيسة والدولة.

ولم تلغ أي دولة من الدول الإسلامية إلى الآن دور الدين ولو شكلياً حتى إنَّ المؤسسة الأتاتوركية العلمانية بالمعنى المناهض للدين ظلت تحتفظ بمؤسسة دينية لتنظيم الشعائر.

وفي الحقيقة فإن أياً من المحطات أو المسارات للإصلاح الديني التي وقعت في أوربا وبخاصة في القرن السادس عشر لا تنطبق على التطور التاريخي للعالم الإسلامي.

وفي الواقع فإنَّ العلاقة بين الدين والدولة وفي الحقيقة بين السلطة والدين لا تزال مشكلة من مشكلات العصر في العالم الذي يشهد عمليات تحديث ودعوات للديمقراطية ورياح تهب من وراء المحيطات تؤثر تارة بحرها الساخن وتارة ببرد القارس على جسم شعوب المنطقة التي لم تحسم خيارها بعد.

خلاصة القول: إنَّ الدولةَ هي آلة من آليات الدين، وليست دولة تيوكراسية ولا دولة مدنية بالكامل، لكنها بالتأكيد ليست دولة علمانية، إنها دولة يكون للدين فيها مكانه ومكانته في مزاوجة مع المصالح واتساع من التأويل لا يقوم عليها رجال دين ولكن رجال مدنيون بمختلف الطرق التي يصل بها الحكام إلى الحكم قد تكون بعض الطرق مفضلة بقدر ما تحقق من المصلحة والسلم الاجتماعي والاقتراب من روح الشرع ونصوصه.

إنَّ الأصلَ في النظام الإسلامي أنه يقوم على البيعة والشورى وبتفسير هذين المفهومين نجد أنهما لا يبتعدان في نتائجهما كثيراً عما وصلت إليه الأنظمة العقلانية مع التحفظ على الممارسات التي تتم باسم الدين وذلك أمر مفهوم، فإنَّ الديمقراطيةَ التي يرى البعضُ أنها نهاية المطاف أو نهاية التاريخ قد تمارس بطريقة غير ديمقراطية حتى ولو احترمت الشكلَ فإنَّ المضمونَ قد يكون مُختلاً وفي بعض الأحيان مأساوياً فإنَّ أدولف هتلر وصل إلى الحكم بطرق ديمقراطية والنتائج معروفة.

لكنَّ موقف أكثر علماء المسلمين على أنه لا تلازم بين الحاكم والفقيه وإن كان يوجد نظرياً من يُلزم الحاكم بأن يكون مجتهداً، ولكن سرعان ما وقع فصل تام بين الاثنين منذ الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة فانفصلت طبقة الفقهاء عن طبقة الحكام؛ إلا أنَّ الفقهاء ظلوا يمارسون السلطة القضائية وسلطة الإفتاء والتعليم.

وقد يقع احتكاك بين الفقيه وبين الحاكم حيث شهد التاريخ إشكالات من هذا النوع بين الفقيه أحمد بن حنبل مع الخليفة العباسي المأمون في مسألة القول بخلق القرآن حيث عذب العلماء الذين لم يقولوا بقول الخليفة بل قالوا إن القرآن كلمة الله.

ووقع ذلك لمالك في مسألة أيمان البيعة ولأبي حنيفة في مسألة القضاء، لكن يذكر التاريخ أنَّ فقهاء آخرين كأبي يوسف نعموا بالجاه الكبير في ظل السلطان حيث يكرم السلاطينُ من العلماء من لم يخالفهم في الرأي ولم يؤلب عليهم العامة، وهذا بصفة عامة؛ فإن الفقهاء كانوا بين ملتزم للحياد في مسألة الحكم أو متعامل مع السلطان دون ممالاة وبين ثائر مطالب بالحكم منتقداً سلوك السلطان كما فعلت طائفة الخوارج وبين طائفة أخرى جلست في الزوايا واهتمت بالروحانيات وتصفية النفوس وهم من الصوفية الذين اعتزلوا الجميع ورأوا أن البعد من السلطان ومن الدنيا هو النجاة ووجد منهم من كان مباركاً للسلطان كما وقع في مرحلة معينة من الدولة العثمانية.         

والإشكال في العلاقة بين الدين والدولة ظل قائماً ليمنح شرعية لقول هيجل: لا يكفي أنْ يقول لنا الدين: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لأنه يبقى علينا بعد ذلك أنْ نعلم على وجه الدقة ما هي الأشياء التي لقيصر.

وإذا كان هناك إشكال بالنسبة لعصر العولمة بالنسبة للعلاقة بين الدين والدولة فإنَّ الإشكال لن يكون حله – حسب رأينا- بالدفع إلى القطيعة والحلول الحادة والرؤية الآحادية، وإنما بالبحث عن إبداع الحلول الذكية التي تحافظ على الصلات النافعة، وتقيم الموازنة السعيدة بين مستلزمات المعاصرة ومنتجاتها الفكرية والمادية، وطموحها إلى تذويب البنى وتحويل السلوك وتجاوز الديانة والخصوصيات، وبين القيم الروحية وميراث النبوات والأخلاق الفاضلة والتوفيق البارع بين المتناقضات التي تتجاذب حياتنا……..

 


 

[1] – القرافي          الفروق               1/205- 206 

[2] – إمام الحرمين       الغياثي       ص22        

[3] – تاريخ الطبري وتاريخ دمشق وغيرهما من كتب التاريخ

[4] –  بلقزيز عبدالإله         الإسلام والسياسة           ص45    

 

 

 

القيادة من خلال حجة الوداع

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم نحمده على رحمته لنا بالإسلام ونعمته علينا بالإيمان وتفضله علينا بالانتماء إلى دين سيد الأنام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الأبرار وصحابته الكرام.

 

القيادة من خلال حجة الوداع.

 

أود أن أنبه إلى أن سيرته عليه الصلاة والسلام العطرة في مختلف أبوابها مرجع ثرى وثر للقيادة بجوانبها المتنوعة من رسم الخطط والاستراتيحيات القريبة والبعيدة . 

      

إلا أن أحاديث حجة الوداع هي أحاديث أحكام في معظم ما جاء فيها فهي من نوع البلاغ الذي تحدث عنه القرافي وليست من تصرفات الإمامة “القيادة” كتلك الأحاديث الواردة في باب الجهاد مثلا بالمفهوم القرافي بيد أن ملامح التصرفات القيادية يمكن أن تستشف من خلال التصرفات الاجرائية وبخاصة في علاقة القائد مع الأتباع ومن خلال الكف عن فعل أو التشجيع على عمل أو التسامح فيه ومن طريق أستكناه المقاصد الأصلية والتبعية لفعل أو كف أو لتقرير .

وبناء على الطلب فإن خطتنا كالتالي:

أولاً: ننقل حديث جابر الطويل عن حجة الوداع.

ثانياً: تعريف للقيادة واندارج هذا المفهوم في تنوع أوصاف تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم كما صنفها الشهاب القرافي.

ثالثاً: معالم القيادة في أحاديث حجة الوداع.    

 


حديث جابر رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ – قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِىُّ – عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ فَقُلْتُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ. فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِى فَنَزَعَ زِرِّى الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّى الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَىَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ شَابٌّ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِى سَلْ عَمَّا شِئْتَ. 

فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَقَامَ فِى نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا فَقُلْتُ أَخْبِرْنِى عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِى النَّاسِ فِى الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ « اغْتَسِلِى وَاسْتَثْفِرِى بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِى ». فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَىْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ « لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ ». وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِى يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَلْبِيَتَهُ قَالَ جَابِرٌ – رضى الله عنه – لَسْنَا نَنْوِى إِلاَّ الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاَثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِى يَقُولُ وَلاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) « أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ». فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِىَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِى سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ « لَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْىَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ». فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِى الأُخْرَى وَقَالَ « دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِى الْحَجِّ – مَرَّتَيْنِ – لاَ بَلْ لأَبَدٍ أَبَدٍ ». وَقَدِمَ عَلِىٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَ فَاطِمَةَ – رضى الله عنها – مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ إِنَّ أَبِى أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ فَكَانَ عَلِىٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّى أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ « صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ ». قَالَ قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ « فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْىَ فَلاَ تَحِلُّ ». قَالَ فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْىِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِىٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مِائَةً – قَالَ – فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلاَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلاَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِى فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ « اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى « أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ ». كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ – حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ – بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِى تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِى عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِى ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلاَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ فَأَتَى بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ « انْزِعُوا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ ». فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.

 

 

القيادة :

إن القيادة هي مصدر من قاد قودا وقيادة فهي فعالة مصدر مقيس في الولايات كالإمارة والولاية والخلافة وقاد كساق كلاهما تدل على تحريك موضوعها.

إلا أن القيادة تختص بجذبه من أمام وساق بحثه من الخلف وتستعمل في الماديات كما تستعمل في المعنويات فالقائد الذي يطاع ويأمر وينهي ويبرم وينقض ومنه حديث علي رضي الله عنه: قريش قادة ذادة”. أي يقودون الناس ويذودنهم وعنهم.         

 

أما في المفهوم المعاصر:

فإن: عملية القيادة إما     فعلية أو كامنة: فالعمل الفعلي هو تحريك المنقادين بالنصح والتوجيه أمراً ونهياً . 2- والعمل الكامن وهو القدرة أو قابلية القيادة.

إن القدرة على التأثير في الآخرين تشكل جزءاً فاعلاً في ” عملية القيادة” إن أولئك الذين يقودون السباق بمعنى أنهم في مقدمة المتسابقين ليس لديهم موقع “القيادة” إذا لم يكن لديهم أساساً إمكانية التأثير على الآخرين بأي طريقة، لذا فهنالك تمايز واضح بين “إن تكون في المقدمة” وبين عملية القيادة أن” القيادة توحي بعلاقة بين السلطة وبين القدرة على توجيه الآخرين.

القيادة هي «عملية تحريك مجموعة من الناس باتجاه محدد ومخطط وذلك بتحفيزهم على العمل باختيارهم». والقيادة الناجحة تحرك الناس في الاتجاه الذي يحقق مصالحهم على المدى البعيد. ومهما كان الأمر، فان الوسائل والغايات يجب أن تخدم المصالح الكبرى للناس المعنيين حاضراً وعلى المدى البعيد.

وفيما يخص القيادة النبوية فهي طراز آخر فوق القيادات البشرية فهي المثال الأسمى والأنموذج الأعلى.

وهو عليه الصلاة والسلام القائد الأعظم والأمام الأكرم.

والقيادة إحدى صفاته وليست حصرا لكل صفاته فهو عليه الصلاة والسلام الإنسان المصطفى والنبي المجتبى بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) كان يتصرف بوصف القيادة والإمامة ووصف التبليغ والدعوة ووصف القضاء والفصل في الخصومات.

ولهذا كانت تصرفاته متنوعة وأوجه تعامله متعددة لتعم الرحمة وتتسع دائرة النفع وتتم النعمة كان كل نوع من تصرفاته موسوماً بسمة لائقة به وكل جانب من جوانب معاملته موصوفاً بصفة مناسبة له فنشأت من ذلك أحكام متنوعة. في فروعها ومتعلقاتها متفقة في أصولها ونتائجها لأنها من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) هي شجرة النبوة الباسقة القوام الوارفة الظلال والجنية الثمار العطرة الأزهار التي تنبت في الواد المقدس تعهدها عهاد سحائب الفيض القدسي لتكون كما أراد لها الملك القدوس نورا ينير الظلمات وروحاً تحيا به النفوس ( وكذلك أوحينا إليك روحنا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكنه جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)

فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار وتعانقت أغصان الأشجار بنسائم الأسحار وانقادت الأكوان لغالبات الأقدار صلاة يسلكنا بها في سلك المصلين عليه من الأبرار وينجينا بها في سفن النجاة عند خوض الغمار مع المصطفين الأخيار والمرتضين الأطهار يا حليم يا كريم يا رحمن يارحيم ياغفار.

لقد انتبه لتنوع ثمار تصرفاته وتفنن فنون أحكامه لفيف من العلماء والفقهاء ومنهم العالم الفقيه شهاب الدين القرافي رحمه الله تعالى فقال -في الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرفه صلى الله عليه وسلم بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة- : اعلم أنَّ رسولَ الله هو الإمامُ الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم فهو إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته وهو أعظم من كل من تولى منصباً منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة فما من منصب دينيِّ إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه بالتبليغ؛ لأنَّ وصفَ الرسالة غالبٌ عليه ثم تقع تصرفاته منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً، ومنها ما يجمع الناسُ على أنه قضاءٌ، ومنها ما يجمع الناسُ على أنَّه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماءُ فيه لتردده بين رتبتين فصاعداً فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته بهذه الأوصاف تختلفُ آثارها في الشريعة فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة فإنْ كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح، وإنْ كان منهياً عنه اجتنبه كل أحد بنفسه، وكل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أنْ يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام؛ ولأنَّ سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به ؛ ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه بوصف القضاء يقتضي ذلك، وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاث.

وعلق عليه ابن الشاط بقوله: وتحرير الفرق بين القواعد الثلاث وبينها وبين الرسالة هو أن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه وإما أن يكون بتنفيذه فإن كان تصرفه فيه بتعريفه فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى وتصرفه هو الرسالة وإلا فهو المفتى وتصرفه هو الفتوى وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفصل قضاء وابرام وامضاء فذلك هو القاضى وتصرفه هو القضاء وإما أن لا يكون تنفيذه ذلك بفصل قضاء وإبرام وإمضاء فذلك هو الإمام وتصرفه هو الإمامة.(ابن الشاط 1/206)

ولخص هذا الفرق مفتي المالكية بمكة الشيخ محمد علي بن الحسين المالكي في تهذيب الفروق. 

ولكن القرافي في كتابه “الإحكام ” كر على التفصيل في التصرفات النبوية وادعى أن الإمامة -الممارسة الفعلية التنفيذية لشئون الحكم- ليست جزء من ماهية الرسالة.

ولأنه اعتبر أن ماهية الرسالة هي تكليف بتبليغ الوحي قائلا: وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح ودرء المفاسد في ردع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس.

وأطال النفس في ذلك ليقول: وأما الرسالة فليس يدخل فيها إلا مجرد التبليغ عن الله تعالى وهذا المعنى لا يستلزم أنه فوض إليه السياسة العامة فكم من رسل الله تعالى على وجه الدهر قد بعثوا بالرسائل الربانية ولم يطلب منه غير التبليغ لإقامة الحجة على الخلق من غير أن يؤمروا بالنظر في المصالح العامة.)

قلت: إنه لا يظهر لي ما ذهب إليه القرافي رحمه الله تعالى من كون الإمامة خارج مفهوم الرسالة لأنه إذا كانت الإمامة من واجبات الدين وفروضه عند التمكين فكيف تكون خارجة عن الرسالة ثم إن التنفيذ والتطبيق للعدل في حياة الناس وهو مقتضى الإمامة هو في حقيقته طريق من طرق التبليغ قصارى ما يكون أن الرسالة الخاتمة تنوعت وسائلها وتعددت مخارجها ومداخلها بتنوع المهمات والمسئوليات مصداقاً لقوله تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) وإذا كان عدد كبير من المرسلين عليهم الصلاة والسلام إنما يقومون بتبليغ الدعوة إلى الناس فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فمن شاء ائتمر ومن شاء امتنع ويأمرون باطعام الجياع وكسوة العراة فمن شاء أنفق ومن شاء أوكى وأمسك.

فإن سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام كان عليه أن يغير الظلم ويحل مكانه حقائق العدل والإحسان وأن يطعم الجياع ويفك العاني ويغني المحتاج.

ولهذا فإن مهمة الدعوة والتبليغ التي تشمل معه أخوانه المرسلين ليست مهمته الوحيدة وإنما مهمة تغيير العالم بالدعوة والبلاغ وإقامة القسط بين الناس حتى يقوم الناس بالقسط فهو سيد الزهاد وإمام العباد ومعلم العلماء ومؤدب الأمراء ومبين سبيل الحكم والقضاء. ( يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)

بهذا نفهم لماذا كان هذا العنوان مقبولا في حقه عليه الصلاة والسلام ففي مجلسه الكريم ومن مدرسته العظيمة تخرج القادة من أمثال الخلفاء ، وقادة الجيوش من أمثال خالد وأبي عبيدة وسعد والقضاة كعلي ومعاذ وابن مسعود وأبي هريرة ، والزهاد من أمثال أبي ذر. وكان يوجه كل واحد إلى ما يصلحه  : يا أباذر إنك رجل ضعيف فلا تولين على اثنين.

وكلهم من رسول الله ملتمس    غرفا من البحر أو رشفاً من الديم.

ففي شخصه الكريم تجمعت كل الصفات وعلى عاتقه الشريف تحمل كل المسئوليات.

وليس على الله بمستنكر     أن يجمع العالم في واحد

ويمكن أن اختصر وسائل القيادة النبوية في: أسوة حسنة وسلوك به يقتدى وجماعة تنقاد بالطاعة وأهداف يسعى لتحقيقها وغايات يتحرك لبلوغها وأمر يهدي إلى الطريق الأمثل ونهي يصد عن السبيل الأرذل. ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)

( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ولله در البصيري عندما يقول:

نبينا الآمر الناهي فلا أحد   أبر في قول لا منه ولا نعم

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذنه)

الغايــة

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)

فاشعر في أول الآية بأن الاستجابة لله هي الاستجابة للرسول وأعاد الضمير على الرسول فهو داع إلى الله بإذنه.

والغاية هي: الحياة بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من مدلول عظيم من إحياء القلوب والأجساد وانعاش النفوس والأرواح وصلاح الدنيا وفلاح الآخرة.

 

معالم القيـادة في حجة الوداع 

إن الحج وإن كان من نوع العبادات وما سماه القرافي بالتبليغ الذي لا يظهر فيه أثر تصرفات الإمامة إلا أننا مع ذلك سنلمح من خلاله نماذج رفيعة للقيادة تتضمن مقاصد سامية ومبادئ عالية لتعليم القواد وتكوين الرواد ولنستند على حديث جابر الطويل في صفة حجه عليه الصلاة والسلام برواية مسلم وغيره من الأحاديث.  

1- استعمال الإعلام لتعبئة الناس.

“ثم أذن في الناس في العاشرة أنه حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم”.

إن هذه العبارة إذا ترجمت بلغة العصر كانت توازي صدور بيان ونشره في مختلف وسائط الإعلام إلى الجمهور يحثهم على التهيؤ لحضور مؤتمر كبير لتلقي تعليمات مصيرية فهرع الناس رجالاً ونساء شيوخاً وشباناً حتى الأطفال الصغار كان لهم نصيبهم، ألهذا حج؟  قال: نعم ولك أجر.        

إن أهم صفة من صفات القائد هي تحريك الأتباع نحو الأهداف المرسومة مهما كان نوعها عن طريق الاقناع والاشراك والاعلام والصدق والمثال والقدوة.

وقد كانت كلها من صفاته عليه الصلاة والسلام فهو القائد الذي يقنع ببيانه وصدق لهجته ووضوح حجته.

وهو الذي يشرك الناس في الرأي ويستشيرهم إذا لم يرد وحي قاطع تلك إحدى الصفات البارزة في سيرته ففي بدر عقد مجلس شورى قبل الدخول في المعركة الفاصلة.

واستعمل وسيلة الإعلام الصادق حيث أحاطهم علماً بعدد العدو وما هم مقدمون عليه وتركهم كلا يفيض في شرح رأيه فمنهم من حذر من المضي في الحملة ومنهم من أيد الإقدام على المعركة وكان رأي هؤلاء هو الغالب فحينذ اتخذ القرار وبشرهم عليه الصلاة والسلام بحسن عاقبة الأمر.

وفي موضوعنا كان إعلام الناس بحجه عليه الصلاة والسلام قبل موعد الحج والتنبيه على أهمية الخروج معه خير وسيلة لتعبئة جماهير الأمة حتى يشهدوا هذه الحجة التاريخية التي لم تشهدها ولن تشهدها الإنسانية حجة التعليم وحجة التمام وحجة الوداع وحجة الإسلام وحجة البلاغ.

قال النووي: قوله ( ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حاج ) معناه أعلمهم بذلك وأشاعه بينهم ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشهدوا أقواله وأفعاله ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد وفيه أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا.(8/172)

ولهذا وصف جابر في حديثه كثرة الناس بأنهم كانوا مد البصر بين يديه من الجهات الأربع من حوله عليه الصلاة والسلام من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولم يتفق على عدد من حضرها إلا أنه يزيد على مائة ألف نسمة فهل كان مائة وعشرين أو ثلاثين.

2- ترك مساحة للاجتهاد وتشجيع المبادرة

“وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته”.

قال القاضي عياض: فيه إشارة إلى ما روى من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر كتلبية عمر لبيك ذا النعماء والفضل.

وزيادة ابن عمر: والخير بيدك والرغباء إليك. واستحب الاقتصار على تلبيته عليه الصلاة والسلام. ( النووي 8/174)

وكذلك ما ورد في حديث عبدالله بن عمر عند مسلم غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر. وفي رواية أخرى “عنده” منا المكبر ومنا المهلل فلا ينكر عليه وكان يكبر المكبر فلا ينكر عليه.

وفي الرواية الأخرى: فمنا المكبر ومنا المهلل ولا يعيب أحدنا على صاحبه.                     

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ مِنَّا الْمُلَبِّى وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ.

وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ قَالُوا أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى غَدَاةِ عَرَفَةَ فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ فَأَمَّا نَحْنُ فَنُكَبِّرُ قَالَ قُلْتُ وَاللَّهِ لَعَجَبًا مِنْكُمْ كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصْنَعُ.

وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ الثَّقَفِىِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِى هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ.

وَحَدَّثَنِى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ قَالَ قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ غَدَاةَ عَرَفَةَ مَا تَقُولُ فِى التَّلْبِيَةِ هَذَا الْيَوْمَ قَالَ سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ وَلاَ يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ.

  وكذلك فإنه ما سئل عن عمل قدم أو أخر إلا قال: أفعل ولا حرج.  

كل ذلك يدل على إفساح المجال للاجتهاد وأن ترك الشارع لا يدل على الحظر ولا على الكراهة بل أنه يدل على أن ما فعله وواظب عليه هو الأولى لكن لا إنكار في فعل ما تركه على ما وصفنا من اندراجه ضمن السياق العام والأصل المتبع والمنهج الفسيح وهو في حالة التلبية تعظيمه سبحانه وتعالى وتكبيره.

ومن هنا يقول ابن قدامة في طواف الأسابيع دون أن يتخللها ركوع وكونه عليه السلام لم يفعله لا يدل على الكراهة. ويقول ابن حزم : ولم يصم صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا ولا خلاف في جواز ذلك.

وفي هذا تندرج عشرات المسائل مما يسمى ببدع الترك التي يختلف فيها العلماء حيث اعتبرها بعضهم كالشاطبي زيادة في الدين لقيام الموجب وعدم الفعل.

واعتبرها البعض الآخر مرغوبة لاندراجها تحت الدليل العام كالسبكي وأبي سعيد بن لب شيخ الشاطبي.

والذي نراه أنها لو ضبطت بجملة من المعايير ككونها لا تنضاف إلى عبادة لا تتجزء كإضافة ركعة إلى الصلاة أو ركن إلى الحج ولا يحدد لها مقدار معين من الثواب ولا توصف بحكم من أحكام الشرع كالوجوب مثلا أو السنية إلا بدليل خاص إذ أن تحديد ماهية كل عبادة وتقدير الثواب وتحديد الأحكام يرجع إلى الشارع ويبقى الفعل خاضعاً لعموم الأدلة كما حققه القرافي وشيخه العز بن عبدالسلام وغيرهما من الشافعية ومتأخرو المالكية وقد حققنا المسألة في كتاب “المقاصد”.       

3– ضرب القائد المثل بنفسه وأقاربه في النصيحة وتطبيق الأوامر الشاقة التي تصعب على نفوس الرعية وذلك في وضع دماء الجاهلية ورباها.

ويعلق النووي على قوله عليه الصلاة والسلام ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث … إلى قوله: وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله”.

قائلا: وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهي عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام. (8/182)

فهو عليه الصلاة والسلام بدأ بدم ابن عمه وهو ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب فأبطل دمه قطعاً لدابر أحقاد الجاهلية وترات الحروب وبدأ بإسقاط الديون المتراكمة لعمه العباس بن عبدالمطلب على الناس جراء المعاملات الربوية ليكون ذلك محل القدوة ومناط الأسوة.           

4- النظر في مئالات الأمور وعواقب التصرفات

إن هذه القاعدة من أهم القواعد السياسية والحكم حتى قال بعضهم إن السياسة هي النظر في عواقب الأمور وعبر عنها الفقهاء تارة بقاعدة “الذرائع” وتارة بالنظر في المئالات في الأقوال والأفعال كالشاطبي.

والذي يعنينا هو ما أشارت إليه بعض المواقف في هذه الحجة : فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم”.

“لولا حدثان عهد قومك بالجاهلية لنقضت الكعبة ثم لبنيته على أساس إبراهيم”.

إن القائد وهو يتخير أفضل القرارات ويلتمس أكثرها تحقيقاً للمصالح الدينية والدنيوية يجب عليه أن يتصور نتيجة ذلك العمل وعاقبة ذلك التصرف وردود فعل الجمهور التي قد تكون سلبية وعكسية وهو بذلك يحسن وزن المصالح والمفاسد ويتعامل مع الحاضر بعين المستقبل.    

5- النظام والسكينة

إن النظام هو أساس كل حضارة راشدة والعنصر الفعال في كل مشروع ناجح ، وعبادة الحج بطبيعتها عبادة منتظمة وقد كان ارتباط الصحابة بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته وانخراطهم في الإقتداء به مسطرة النظام ولهذا يقول جابر: وما عمل به من شيء عملنا به”. وقال: ” كلهم يلتمس لأن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك فقد كان عليه الصلاة والسلام يذكر السكينة السكينة حتى لا تفيض الحماس “ليس البر بالايضاع” أي السرعة في السير.

وحديث ابن عباس : وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا … إلى آخر الحديث في كتاب “الاستذكار” إنهم يتقدمون إليه أفواجاً أفواجاً وذلك دليل على النظام.

6- مركز القيادة يجب أن يكون بارزاً ومكان القائد يجب أن يكون معروفاً.

ونرى الحالتين: أولاً في أمره عليه السلام قبل التوجه إلى عرفات بأن تضرب له قبة بنمرة”. لتكون مقراً له قبل أن يتوجه إلى جبل الرحمة.

وإن كان شراح الحديث لم يروا في ذلك إلا أنه للاستظلال والاستكنان من الحر فإني أرى فيه إشارة إلى أهمية إقامة مقر للقيادة فلو كان لمجرد الاستظلال فإنه ربما لم يكن أمر بذلك بيوم قبل وصوله إلى المكان ولرتبه على عجل عندما يصل إلى المقر.

أما بالنسبة لمكان القائد فإن طوافه عليه الصلاة والسلام راكباً هو من باب ظهور القائد للناس ليستجيب لطلباتهم وليجيب على تساؤلاتهم.

ولهذا فسر راوي الحديث ذلك بتفسيرين أولهما: ليشرف على الناس أي ليكون على شرف في مكان مرتفع يسمح للناس بتمييزه حتى يستفتوه كما أشار إليه جابر حين علل طوافه راكباً بقوله : ليراه الناس وليشرف وليسألوه”.

والتفسير الثاني: ليتجنب ازدحام الناس عليه الذين قد يحملهم الشوق والمحبة أن يتدافعوا حول شخصه فيؤذى بعضهم بعضاً ويضطر الصحابة لدفعهم وصرفهم وهو عليه الصلاة والسلام لا يسمح بضرب الناس بين يديه ولا بصرفهم عن حضرته الشريفة وهذا تفسير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلة: كراهية أن يُضرب عنه الناس أو يصرف عنه. ولهذا يقول النووي إن كلا الروايتين صحيحة من جهة المعنى.

7-  الرفق بالضعاف وعدم إغفالهم في الخطة العامة: وعليه يدل تقديمه للضعفة وللنساء والولدان دون إلزامهم بالمبيت في منى.

8-  الحرص على إيصال التوجيه والتعليم إلى كل أحد والتأكيد من خلال رفع الصوت ومن خلال اتخاذ مبلغين.

ويدل عليه ما ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع صوته وأحيانا يتطاول على دابته لاسماع الناس ومع ذلك فكان له مبلغ عنه يرفع صوته لابلاغ الناس.

9-  شرح تصرفات قد تصعب على النفوس من جراء أمر أو توجيه: وفي هذا يندرج قوله لما صعب على الناس التحلل ” لولا أني سقت الهدي لجعلتها عمرة”. وقوله: وقفت هنا وعرفات كلها موقف”. “نحرت هنا ومنى كلها …”  

10-                     تشجيع القائمين على خدمة المجتمع والحجيج كالرعاة وأصحاب السقاية بالتيسير عليهم باعفاء الرعاة وأهل السقاية من المبيت بمنى.

وكل ما تقدم يدل على ضرورة القيادة في جوانب الحياة المختلفة دينية أو مدنية طبقاً للعنوان الأصلي وإن كانت القيادة النبوية لا توصف إلا بكونها دينية ولكن طبقاً لمفهوم الدين الشامل. 

 

        

 

 

وأخيراً: فإن خطب حجة الوداع وما جاء فيها من الوصايا هي عمل قيادي رائع لعلكم سمعتم ممن قادة في العالم تحضر آجالهم فينصرفون عن أحوال أممهم ومستقبل شعوبهم ويشتغلون بأنفسهم ويهتمون بها، إلا أنه من النادر أن يهتم القائد بأمور الناس وهو يودعهم لقد جاءت تلك الإشارات معبرة لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا .. لعلكم لا تروني..

إنها الشفقة العظيمة على الأمة : وَيْحَكُمْ – أَوْ قَالَ وَيْلَكُمْ – لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » كما في الصحيح.

.. إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام.

ويقول ابن عمر نزلت إذا جاء نصر الله أوسط أيام التشريق فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم.

وهكذا تعلم خلفاؤه فكانوا رابطي الجأش يديرون أمر الرعية وهم على فراش الموت.

ولقد انبهر بعض المنصفين من المستشرقين لما قرأوا شيئا من سيرته فتحدثوا بإعجاب ونذكر مقتطفات فقد قال عنه المستشرق الألماني سانت هيلر: كان محمد رئيساً للدولة وساهرا على حياة الشعب وحريته وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها فكان النبي داعيا إلى ديانة الإله الواحد وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة.(الشرقيون وعقائدهم)

وفي كلمة لبرنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات خالداً خلود الأبد وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة “يعني أوروبا” إنّ رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوا للمسيحية بل يجب أن يسمى منقذ البشرية وفي رأيي أنه لو تولّى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها”.   

إن المساكين هيلر وشو لا يعرفان أنهما لا يتكلمان عن قائد وزعيم من زعماء العالم الذين يعاطى الناس سيرتهم فيأخذون منها ويردون ، أما نحن فإننا نقر بأن الحديث عن القيادة في حقه إنما هو أمر تقريبي وضرب للأمثال، إننا نتحدث عن إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين وسيد العالمين الحاشر الذي يحشر الناس على قدمه يوم القيامة والعاقب الذي ختم الله به الأنبياء والمرسلين الشافع المشفع والنور المبين الشاهد على الأمة والمبشر بالجنة والنذير من النار فمدده لا ينقطع وغيوث أفضاله لا تنقشع فهو رحمة في حياته ورحمة بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ورحمة في عرصات القيامة حين تشرئب الأعناق إلى شفاعته نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ووالدينا ومن نحب والمسلمين جميعاً ممن تنالهم شفاعته وتحوطهم رعايته وأن يحشرنا في زمرته ويسكننا بجواره في فسيح جنته.

             

عبدالله بن بيـــه

 

 


– القرافي      الفروق           1/205

الخطاب الإسلامي بين القواطع والاجتهاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه

 

“الخطاب الإسلامي بين القواطع والاجتهاديات” 

الخطاب هو: فعال مصدر من خاطبه خطاباً ومخاطبة. وهو يعني كلاماً موجها إلى طرف آخر، قال تعالى:( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) (وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ 

والخطاب عند الأصوليين حسب عبارة الزركشي في البحر المحيط عرفه المتقدمون: بِأَنَّهُ الكلامُ الْمَقْصُودُ منه إفْهَامُ مَنْ هو مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ. وَعَرَّفَهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ أَعَمُّ مِن أَنْ يكون مَن قَصَدَ إفْهَامَهُ مُتَهَيِّئًا أَمْ لا. قِيل: وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِمَدْلُولِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ “.  

وهو في الاصطلاح الغربي: شرح شفوي يتعلق بموضوع معين يوجه إلى الجمهور، وهو عبارة  عن مجموعة المظاهر القولية والمكتوبة التي تمثل إيديولوجية.

وقد ينقسم إلى مستويات كثيرة، هي عند فوكو Michel Foucault   خطاب متغير وخطاب ثابت، فالأول هو خطاب الناس اليومي المعتاد، الذي يفنى وينقضي بانقضاء زمنه، والثاني هو خطاب يتردد في حياة الناس ولا ينقضى، كالخطاب الوارد في الكتب المقدسة.

كما عبروا عن مستويات الخطاب بأنها ترجع إلى موضوعاته، ومصادره، وفحواه، ومحتواه، فمنه الخطاب الديني، والخطاب الفلسفي، والخطاب الأخلاقي، والخطاب القانوني، والتاريخي، والخطاب الاجتماعي السياسي، إلى غير ذلك من أنواع الخطاب.

والخطاب الإسلامي بالنظر لشموله يحتوي كل هذه المناحى، باعتبار عموم مفهوم الدين وكونيته، التي تلج كل مجالات الحياة، ليس بالمعنى الضيق الكنسي للدين الذي يقابل العقل، ولكن بالمعنى الواسع الفسيح الذي يجعل كل نشاط -إنساني وجداني أو عقلي أو سلوكي بمختلف تعبيراته النافعة موزوناً بميزان القيم ومصالح العباد- من الدين.  

وحيث أنَّ البحث يتعلق بالخطاب الإسلامي في جوهره، في قواطعه واجتهادياته، في ثوابته ومتغيراته، فينبغي أنْ نقرر أنَّ الخطاب الإسلامي مبني في أصله على خطاب الله تعالى لعباده، فهو تقديم لمضمون الخطاب الإلهي إلى البشرية، سواء تعلق بالكليات أو الجزئيات، أو بالشكل أو الأساس، أو بالوسائل أو بالمقاصد.

وهنا تكون القواطع والاجتهادات الظنية.

ومعلوم أنَّ خطاب الله تعالى للعباد ينقسم إلى نوعين، خطاب إخباري يجب الإيمان بمقتضاه، كإخباره عن ذاته وصفاته وعن الكون من سموات وأرض وملائكة وجن وعن الآخرة وما فيها من جنان ونيران وحساب وميزان وثواب وعقاب.

وخطاب يتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم به مكلفون، فهذا هو الذي يسمى بالحكم وينقسم إلى خطاب تكليف وخطاب وضع؛ لأنه إما أنْ يكون طلباً أو تخييرا أو وضعاً، على التفصيل المعروف عند الأصوليين.   

فالقواطع من الخطاب -سواء تعلق الأمر بالأخبار أو الأحكام- هي ما كان دليلها قطعياً، وغير القواطع هي ما بني على اجتهادات وظنيات.

يقول الاصفهاني في شرح المحصول: من الأحكام ما يثبت بأدلة حصل العلم بمقتضاها، وذلك في الأحكام الثابتة بنصوص احتفت بقرائن تدفع الاحتمالات المتعارضة عنها، بانحصار تعيين المدلول في واحد. ومنها ما ثبت بأخبار آحاد، أو نصوص لم تعتضد بما يدفع الاحتمالات، فتلك الأحكام مظنونة لا معلومة، قال: هذا هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وذلك بسبب انقسام الطرق إلى الأدلة والأمارات.    

ويرى ابن دقيق العيد أنَّ الأحكام تنقسم إلى متواترات وهي مقطوع بها وإلى ما ليس كذلك.

والحق انقسام الحكم إلى قطعي وظني، وممن صرح بذلك من الأقدمين الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب “الحدود” وابن السمعاني في “القواطع”.

ولشرح ما أشار إليه الأصفهاني من كون القواطع تنشئو عن أدلة يحصل بها القطع.

فلابد من لمحة هنا عن الأدلة القطعية، التي إذا ثبت خطاب أو حكم بها يكون قاطعاً، إنَّ الأدلة القطعية من حيث الدلالة هي نصوص من الكتاب والسنة، لا تحتمل التأويل، ومن حيث الثبوت قطعية الورود؛ لأنها في القرآن الكريم بين دفتي المصحف، أو في متواتر الحديث، على الاختلاف المعروف في حده، أو الإجماع النطقي، المستند إلى دليل من الأدلة القطعية، ويشترط في الجميع الخلو عن المعارض القوي الذي ينهض حجة.

وهناك ما هو قريب من القطعي كالمستفيض، إذا رواه أربعة فما فوق أو اشتهر، وكخبر الآحاد السالم من العلل، المروي في الصحيحين عند بعض العلماء، وقد ندد إمام الحرمين في البرهان بقائل ذلك في خبر الآحاد ببداهة احتمال الخطأ على رواية العدل.           

وكالعام المتكرر عند الشاطبي، وكالكلي المستفاد معناه من معقول النصوص، المشهود له بتفاريق الأدلة، وبشتى القرائن الحافة، والإجماع السكوتي على خلاف، مع الخلو من المعارض، وكذلك قياس الأولى، أو المساوي، إذا كان مستند الأصل قطعياً.

          وجود جامع به متمما شرطٌ    وفي القطع إلى القطع انتمى

بهذه المقدمة يراد إثبات نوعين من الخطاب، لا ترجع إلى القسمة المعهودة للخطاب بين خطاب تكليف وخطاب وضع، وإنما ترجع إلى مرتبة الدليل، ودرجته، قوة وضعفاً، ووضوحاً وغموضاً، تواتراً أو انفراداً، شيوعاً واستفاضة أو خمولاً وزمانة.

فيكسب الدليل القوي المتواتر الواضح مدلوله قوة وقبولاً وشمولاً يرفعه من درجة العمل بمقتضاه إلى مكانة تحتم الاعتقاد بمحتواه وذلك ما علم من الدين ضرورة.

وهذه هي القواطع التي تمثل أساس بناء هذا الدين ومرتكزاته ودعائمه.

فالأساس هو الإيمان وما يجري مجراه وما يتعلق بمقتضياته.

أما الدعائم فهي تلك الأركان التي ترفع سقف الدين فهي برهان الإيمان، وتتفاوت بعد الأساس والدعائم مشمولات البناء التي تمثلها أحكام الشريعة الغراء حيث تتشكل منظومة كاملة وشاملة لمناحي الحياة موزعة في مختلف المهمات، وموجهة إلى مختلف المرامي والغايات، متناغمة في اختلافها، متجانسة في تنوع أهدافها.

فقواطع الخطاب الإسلامي إنما هي تذكير دائم بالأساسيات القطعية في الإسلام اعتقاداً وسلوكاً ومعاملة.

قد لا تكون هناك ضرورة لذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة المعروفة والمتداولة في مختلف المصادر، وإنما التذكير بكبريات قضايا هذا الدين، الذي يقوم على التوحيد ومقتضياته، والنبوة ولوازمها، وتكريم الإنسان وتكليفه، والمحافظة على ضروراته لإيجاد توازن بين الدنيا والآخرة، وبين الروح والجسد.

إيمان بعالم الغيب لا يلغي عالم الشهادة، الذي يقوم دليلا وبرهاناً على عالم الغيب، ومعبراً إليه (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ)  (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،،،)

 

القواطع الكبرى 

تمهيد: إنَّ معظم القواطع كانت في القرآن المكي فيما يتعلق بالأصول العقدية، قال الشاطبي: وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان، أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى.

أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق، غير أنه يأتي على وجوه؛ كنفي الشريك بإطلاق، أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة من كونه مقرباً إلى الله زلفى أو كونه ولداً أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة.

والثاني: تقرير النبوة للنبي محمد، وأنه رسول الله إليهم جميعا، صادق فيما جاء به من عند الله؛ إلا أنه وارد على وجوه أيضا كإثبات كونه رسولا حقا، ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر، أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم.

والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وأنه حق لا ريب فيه، بالأدلة الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به فرد بكل وجه يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر.

فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامة الأمر، وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول الأمر، ويتبع ذلك الترغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك”.

وطبق ذلك الشاطبي على سورة المؤمنين قائلا إنها: ” افتتحت بثلاث جمل:

إحداها: -وهي الآكد في المقام- بيان الأوصاف المكتسبة للعبد التي إذا اتصف بها رفعه الله وأكرمه، وذلك قوله (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ،،، إلى قوله: هم فيها خالدون).

والثانية: بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي حصل له جارياً على مجارى الاعتبار والاختيار، بحيث لا يجد الطاعن إلى الطعن على من هذا حاله سبيلا.

والثالثة: بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في  التربية والرفق والإعانة على إقامة الحياة، وأنّ ذلك له بتسخير السموات والأرض وما بينهما وكفى بهذا تشريفاً وتكريماً.

مما تقدم ومن قوله تعالى:( الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ)

نتحدث عن ثلاث قواطع:

الرحمن( الألوهية والتوحيد)  القرآن( الرسالة والنبوة) الإنسان ( مناط الخطاب).

القاطع الأول: توحيد الله تعالى الخالص

وما يتعلق به من قدرة وقدر وعلم ورحمة ورزق وخلق ونفع وضر إلى آخر الصفات.

فالخطاب في هذا المجال على ثلاثة مستويات:

 المستوى الأول: خطاب التوحيد الموجه إلي المسلمين وإنما يراد منه أن يتمسكوا بالتوحيد الخالص الكامل طبقاً لقوله تعالى{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} دون تشكيك في عقائد المسلمين ونواياهم.

وفي سياق هذا الخطاب تجب الإشارة إلى شيئين هما: أن تكون دعوة التوحيد مقرونة بالإحسان الذي هو قرين الإيمان مما يعني أنْ تكون التربية الإيمانية الروحية الرامية إلى تطهير النفوس والإرتقاء بها في مدارج التوكل والرضا والزهد والحب حاضرة.

أما الشيء الثاني فهو: العمل، فالإيمان قول وعمل، عبادة ومعاملة، فذلك أدنى إلى الهدي النبوي وأنئ عن الجدل والمراء الذي لا يجدي فتيلا.   

المستوى الثاني: الدعوة الموجهة إلى أتباع الديانات السماوية السابقة، وهي تذكير لهم بما في كتبهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)

 (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)

إنه تذكير دائم بأن رسالة التوحيد هي رسالة كل الأنبياء، وأنه عليه الصلاة والسلام إنما هو مكمل لسلسلة الأنبياء، ومتمم لمكارم الأخلاق.

وبهذا الصدد تمكن الاستعانة بما في كتبهم كقول عيسى عليه السلام في أنجيل مرقس : إن أول الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربٌّ واحد. وتحب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى.) إلى غير ذلك من النصوص الواردة في العهد القديم والجديد. 

المستوى الثالث: خطاب موجه إلى سائر الأجناس واللادينيين انطلاقاً من قوله(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وهذا الخطاب –وكل خطاب- يجب أن يعتمد على المنطق والعلم والأدلة الكونية والمنهج القرآني(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ)

لقد كان محمد بن أبي زيد القيرواني موفقاً عندما قال في عقيدته: نبهه بآثار صنعته واعذر إليه على ألسنة المرسلين….”.

ومعنى كلامه أنه سبحانه وتعالى أقام على وجوده ووحدانيته دلائل من كونه، الذي أبرز فيه بالغ حكمته، ودقيق صنعته، ودليل عنايته، وهي دلائل يتلقاها العقل المركب في الإنسان وكأنها كلام ينطق، وضوء يشرق، فتنتبه الفطرة الإنسانية إلى التشوف للخالق.

فتتدخل العناية الإلهية ببيان الوحي الناطق على ألسنة رسله، الذين أيدهم باسمي آيات الصدق، فقامت في نفوسهم وفي نفوس من باشرهم معان اضطرارية بصدق أخبارهم، وسطوع أنوارهم، فكان حديثهم عن الغيب كحال الشاهد الذي لا يتمارى أحد في صدقه، يحدثك عن مدينة لم ترها فتصدقه؛ لما عرفت قبل ذلك وجربته من صدق لهجته.

 والإيمان بالله يقتضى الإيمان بدعائم الإسلام الكبرى المتواترة، من صلاة وزكاة وصيام وحج‘ إذ تلك قواطع معلومة من الدين ضرورة.

ولكل مستوى من هذه المستويات أسلوبه في الخطاب ووسائله. 

وهو خطاب يرد كل الشبهات والمتشابهات إلى المحكمات، ككون عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى فإنه يُرد إلى أصل التوحيد المحكم، وهو أن كل ذلك بقدرة الله تعالى وإذنه.

وهكذا فإن كرامات الأولياء وخوارق العادات لهم أمر واقع ومقبول عند المسلمين؛ لكنه مردود إلى الأصل الثابت وهو قدرة الباري فهو سبحانه جل وعلا الخالق لذلك والمقدر له (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)

القاطع الثاني: النبوة ولوازمها.

وهذا القاطع الثاني يستلزم الإيمان بظاهرة الوحي، الذي هو اتصال إلهي بالإنسان المصطفى، لاطلاعه على جملة من الحقائق، وإبلاغه برسالة إلى البشرية هي مراد الخالق من الخلق، تبين له أساسيات فوق سقف العقل؛ إلا أن العقل لا يحيلها فالوحي وحده هو الذي يعرفه على الخالق جل وعلا، وما يجب في حقه جلت قدرته، وعلى شرائعه وعلى أصل الكون، ومصير البشرية، وأحوال الآخرة والبعث والنشور، وأحوال البرزخ وفتنة القبور والاختبار فيها وأخذ صحف الأعمال بالأيدي على ما يصف القرآن، ووزن الأعمال يوم القيامة والعبور على الصراط والورود على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم – سقانا الله تعالى منه- كما نؤمن بالملائكة وبالجن وبالسحر، وبكل ما ورد به الخبر الثابت، فالأبصار والأسماع محدودة الإدراك في هذه الدنيا. 

بل إنَّ العلوم الكونية فهي كما يقول بحق عالم الفيزيولوجيا –وظائف الأعضاء- الفرنسي كلود برنار في القرن التاسع عشر فإنها إنما تعرف العلل الثانوية، كما يحكيه عنه تلميذه.

تلك هي الحقائق الكبرى التي جاءت بها الرسل، والإسلام يؤكد أن رسالة الرسل هي في جوهرها واحدة (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)

وهو عليه الصلاة والسلام إنما هو حلقة خاتمة لسلسلة الرسالات ومتمم لكلمات الله تعالى إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

ورسالة الرسل تقوم عليها دلائل المعجزات “: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامةً”. حديث صحيح.

وأهم دليل على صدق النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم القرآن الصادق، الذي تضمن الرسالة والدليل في نفس الوقت والدعوى والبينة، فكان تحدياً للبشرية بنظمه وبمعانيه وأخباره التي لم يزدها الزمان إلا جدة وصدقاً، فلم يأت أحد بقرآن يتلى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) محفوظ في الصدور والسطور، فلم تستطيع يد الدهر أن تسطو عليه، يخرج خب الضمائر وينفذ إلى خبايا النفوس.

وهذا الإعجاز العلمي في هذا العصر دليل على أنه من عالم الغيب والشهادة. فآية أطوار الإنسان (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ،،،) وآية الناصية وآية الأصل الدخاني للكون وآية الرتق. كل تلك أدلة لا ريب فيها على صدق القرآن، وقد صدق العلم الحديث ما جاء في القرآن.   

ولقد أقام الباري جل وعلا الدليل على النبوة في الإنسان نفسه (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) وذلك بواردات استشعار الأحداث خارج السياق المعتاد؛ لإدراك الموجودات وذلك من خلال الرُّؤَى التي لا يتمارى أحد في وقوعها، والتي تقدم الأحداث مرموزة فتفسرها الوقائع أو يفك شفرتها من له علم من الكتاب.

وأحيانا تقدم المشهد الذي سيكون كما هو فيكون، ولقد نبه عليه الصلاة والسلام على الرؤيا في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري وغيره فيه: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة”.

وقد اضطرب شراح الحديث في المراد بهذه التجزئة، وفسرها بعضهم بفترة النبوية قبل الوحي، وسكت البعض الآخر، ويمكن أنْ تفسر – والله أعلم- بأنَّ الجزء يشير إلى أنَّ النبوة تشتمل على معان كثيرة، وأنَّ الرؤيا في كشفها للحقيقة الغيبية واستيعابها لها بوضوح تمثل هذا الجزء الصغير من حالة انكشاف المغيبات والوضوح والصدق، فهي مثال للاطلاع والصدق؛ لكنه ضعيف لا يرقى إلى الاطلاع الواضح للنبوة كما لا يجب الاعتقاد به فقد يتطرق إليها الوهم والخطإ والضبابية ما لا يتطرق إلى انكشاف الحقائق في حالة النبوة، ما لم تكن رؤيا نبي من الأنبياء فإنها حق سواء كانت مرموزة كرؤيا إبراهيم إنه يذبح ولده فكانت ابتلاء لتصدق على كبش عظيم يكون سنة وقربة إلى الله تعالى في الغابرين (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ) أو رؤيا يوسف عليه السلام (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) أو رؤيا دانيال من أنبياء بني إسرائيل التي لم يتأكد شراح أهل الكتاب من إدراك حقيقتها.

أما رؤى نبينا عليه الصلاة والسلام وهي التي بدأ بها الوحي فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح.

 وكثير من الرؤى من غير الأنبياء كانت صادقة وصحيحة كرؤيا ملك مصر الواردة في القرآن الكريم التي فسرها يوسف عليه الصلاة والسلام ( إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ)

ورؤيا الموبذان قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام رأى إبلا صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم.

ورؤيا الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن الذي رأى أنه قتل وسجل ذلك فكان كما رأى.

والكثير من الناس قد رأى أو سمع في نومه، إنها شهادة للنبوة قائمة في الإنسان، لأن الرؤيا في بعض صورها خارج دائرة الحس والعقل وما زالت محيرة، رغم تفسير العلم الحديث لها بأنها: ظاهرة نفسية ترد في حالة النوم”. ولهذا يقول الفيلسوف الفرنسي الشاعر بول فاليري :  إن الرؤيا هي فوضوية لأننا لن نعرفها أبدا إلا بالذكرى، Le réve est une hypothése puisque nous ne le connaissons jamais que par le souvenir”     

يجب أن نؤكد دائما على إمكان النبوة.

ومن مستلزمات النبوة العصمة التي تنافي الكذب والخطأ في البلاغ، مع وجوب الاعتقاد والاقتداء (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى)

وكذلك فإن من مستلزمات ذلك أنْ لا تكون العصمة لغير النبي؛ إذ من شأن ذلك أن يوجد مصدرا للوحي غير المصدر النبوي، وهو مناف للعصمة الخاصة ومؤد إلى انتشار المصادر.

فمن العقائد أنه لا قول لأحد مع قوله الثابت جزماً، الواضح دلالة حتماً، ولهذا فقد تبرأ الأئمة المقتدى بهم من مخالفة ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في عبارات قوية وحاسمة كتلك الواردة عن مالك ” كل كلام يأخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر.

وكقول الشافعي: إذا خالف قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. وكقول أبي حنيفة: إذا ثبت الحديث فهو مذهبي”. وقول أحمد: ضعيف الحديث أحب إلي من رأي الرجال”.

ومن مستلزمات النبوة ومكملات إبلاغ الرسالة الاعتراف بمكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغين لرسالته والمطبقين لأوامره والمرآة الأمينة التي تتراءى من خلالها صورة الرسالة النبوية الشريفة.

ولهذا فإن أي دعوة ترمي إلى تجريح الصحابة حملة الرسالة وأمناء الوحي إنما هي في حقيقتها وفي مئالاتها تجريح في الرسالة يكاد يصل إلى التشكيك فيها. ولهذا فإن تظافر النصوص القرآنية والحديثية في الثناء على ذلك الرعيل في الجملة وفي التفصيل لخير دليل على أن تعظيم جنابهم ورعاية حرمتهم والذب عن حريم حماهم بمكانة من الدين فلنقرأ قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

وقوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

وقوله (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.. إلى قوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ…)

ولنستمع لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: لا تسبوا أصحابي فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل جبل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه”.

وعن أبي بردة قال صلَّينا المغرب مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ثم قُلنا لو جلسنا حتى نُصلِّي معه العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: ما زلتم هاهنا، قلنا: يا رسول اللَّه صلَّينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نُصلِي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء، -وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء- فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فإذا ذهب أصحابي أَتى أُمَّتي ما يُوعدون“. رواه مسلم.

وقوله: يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُونَ. نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ “. متفق عليه واللفظ لمسلم.

إلى ما لا يحصى من الأخبار والآثار.

ولهذا أجمع علماؤنا على تقديم أصحابه صلى الله عليه وسلم على غيرهم، والكف عما شجر بينهم رعاية لحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم وحرمة الرسالة، ونأيا بجانب الشريعة عن الطعن، بالإضافة إلى أنَّ لوك تاريخ يفرق الأمة وينشر التفرقة واللعن والسباب لا يفيد الأمة في دينها ولا في دنياها ولا يرضى الله ورسوله، ولهذا فيرد المتشابه إلى المحكم، وبنفس المبدإ فإن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عظيم الحرمة وجزيل الاحترام أبناء وبنات وزوجات فقد اذهب الله تعالى عنهم الرجس وجعل حبهم عنوان الإيمان وطهارة النفس (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)

ولقد أحسن الطحاوي في قوله: ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق”.

وكل ما خالف هذا من المتشابهات فيرد إلى المحكمات، فترد أخبار الآحاد المنافية إلى التواتر، وترد المشتبهات إلى التأويل.

ولهذا فيجب تربية الأمة على أنه لا يوجد تناقض ولا تناف بين حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب الصحابة، وأن الأمة المحمدية بريئة ممن ولغوا في دماء آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم فئة قليلة عليها ما اكتسبت من الإثم (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وهذا ما ندين الله تعالى به.                       

 القاطع الثالث: الإنسان

الإنسان هو هذا المخلوق الذي تحير الفلاسفة في وصفه فهو مادة وروح وعقل وعاطفة وعالم غيب وشهادة، هذا الإنسان المكرم بالعلم وتسخير الكائنات ولعل ذلك ما تشير إليه آيتان (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) (خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ

ويرجع الإنسان إلى آدم الذي خلقه الله تعالى، ونفخ فيه من روحه، وقد كان ذلك إجماع البشرية، وهو رأي الفلاسفة وكل البشر إلى عهد داروين ولامارك ؛ حيث أصبح التمايز بين الأجناس موضوع مراجعة، وأصبح البحث جاريًا عن أصل جديد للإنسان بين البريمات التي يجمعها به كمال الأسنان والقدرة على المشي على رجلين واستعمال اليدين، وأصبحت اكتشافات الحفريات والخيال تمثل مرجعيات لهذا الأصل الذي لم يثبت علميًّا.

وفي أكتوبر 2009م اكتشف العلماء ما سموه “آردي” في حفريات بأثيوبيا: إنسان معتدل القامة مناف للشنبازا لا يتعلق بالأشجار ولا يمشي على أربع، ويرجع إلى أكثر من أربعة ملايين سنة، كل ذلك يدل على أن نظرية داروين إنما كانت رجما بالغيب.        

ونحن نؤمن بالوحي السماوي، ونعتقد أنه الجهة المؤهلة بجدارة للتحدث عن أصل الإنسان الذي هو من المقولات التي تقع فوق سقف الرؤية العقلية.

يقول البعض: إن طبيعة الإنسان ذات أوجه ثلاث :

       الوجه الغريزي البيولوجي كسائر الحيوانات.

       الوجه الاجتماعي فهو اجتماعي يمارس حياته ويتأثر بالمجتمع.

       الوجه الإنساني، الذي يطمح إلى الرقي وإلى ملكوت السماء، ويتعرف على الخالق، ويتوق إلى عالم القيم والروحانيات.

فهو مزيج من الجسم والروح، وفي هذا المزيج تتمثل أوجه الطبيعة: الروح الشفافة الرفافة، والمادة الثقيلة، وحاجاتها الضاغطة.

ولطبيعته المركبة قد يطغى: ] إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآَهُ اسْتَغْنَى [()  وقد يتعجل: ]خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ[ () ، وقد يضعف : ] وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا [() فسرها المفسرون بأنه لا يقاوم شهواته، ] إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [() .

إنَّ الوحي يضع الإنسان أمام مرآة الحقيقة ليرى صورته بدون مجاملة ولا محاباة، فهو كائن مميز بطبيعته الازدواجية المنسجمة وتركيبه النفسي الفريد في عالم ينسجم مع طبيعته وحاجاته وتكوينه في تركيبه العجيب وترتيبه الغريب -سبحان الخالق-.

ولذا كان مخلوقًا مميزًا سخر له الكون، وكان ذلك مظهر الاستخلاف: ] إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [() ، والاستعمار للأرض: ] أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [() ووضعت الأرض مجهزة بمختلف الاحتياجات لاستقبال هذا الضيف الإنساني: ] وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ [ ()

إنَّ هذا الاستخلاف للإنسان مثَّل تشريفًا وتكليفًا أيضًا، اقتضته حكمة الباري -جل وعلا- ليحمل الإنسان مسؤولية الخلافة في الأرض: أيشكر أم يكفر؟ أيصلح أم يفسد؟ وهكذا كان الإنسان مخلوقًا مكرمًا، وليس سيدًا مطلقًا، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي لامارك الإنسان بأنَّه مشروع الله في الأرض.

إلا أنه سبحانه وتعالى انطلاقاً من هذا التكريم ورحمة بالإنسان ومتاعاً له إلى حين أحاطه للمحافظة على كيانه وصيانة لوجوده بكليات تشريعية هي من الثوابت والقطعيات تتمثل في حماية دينه ونفسه وعقله ونسله وماله.

وتبعاً لذلك فهم العلماء مقصداً أعلى للشريعة الغراء أنها إنما جاءت لمصالح العباد حيث يقول الشاطبي: كما أنَّ كلَّ حُكمٍ شرعِيٍّ؛ ففيهِ حقٌّ للعبادِ إما عاجلاً وإمَّا آجلاً؛ بناء على أنَّ الشريعةَ إنما وُضعتْ لمصالحِ العبادِ، ولذلك قال في الحديث: «حقُّ العبادِ علَى اللهِ إذَا عبدُوه ولمْ يُشْرِكوا بهِ شيئاً ألاَّ يُعَذِّبهم».

ويقول العز بن عبدالسلام: معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل وذلك معظم الشرائع”.

ولهذا كانت حقوق الإنسان الكثيرة بإزاء واجباته خادمة لمصالحه في المعاش والمعاد فعلى الخطاب الإسلامي في هذا القاطع أنْ ينبه على كبريات قضايا الإنسان وثوابت حقوقه، وأن يشارك الآخرين في القيم الإنسانية النبيلة، التي تسهم في التعايش البشري وإقامة العدل ودرء المفاسد وجلب المصالح، ومؤكداً على مصدر القيم والحقوق في الإسلام وهو الوحي؛ الذي جعل الإنسان مكرماً، وهذا هو المصدر المتعالى الذي كرم الإنسان، وليس الإنسان منشئ حقوق ولا مصدر قيم باستقلاله، إنها مجالات مهمة يجب أن يلجها الخطاب الإسلامي.     

ثانياً: الاجتهاديات في الخطاب:

لقد قدمنا في المقدمة أن الخطاب ينقسم إلى قاطع وظني، باعتبار الدليل والقرآئن الحافة، فإذا قوي الدليل إلى حد تحصيل العلم صار قاطعاً، وإذا ضعف نزل إلى مرتبة الظن، وأحيانا إلى مرتبة التخمين، وقد قدمنا هناك صنفي الأدلة الواردة على الأحكام والتي مهدت لهذا التصنيف ولهذا فسنعرف الاجتهاد والمجتهد فيه. 

أما الظنيات فهي أخبار الآحاد الصحيحة التي يجب العمل بها إذا خلت عن معارض إلا أنها لا تقيد العلم عند جمهور الأصوليين خلافاً للبعض. قال في نظم ورقات إمام الحرمين:

                وموجب العمل دون العلم      دعاه بالآحاد أهل العلم

والظواهر ومفهوم المخالفة والأقيسة والمصالح المرسلة وسد الذرائع والإجماع السكوتي وقول الصحابي والاستحسان والاستصحاب والاستقراء على خلاف في التام.

  التعريف وتحرير المصطلح: عرف العلماء الاجتهاد بأنه: بذل الوسع من قبل المجتهد للوصول إلى ظن أو قطع بأن حكم الله تعالى هو كذا.

قال الرازي: وهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أيِّ فعل كان يقال: استفرغ وسعه في حمل الثقيل ولا يقال: استفرغ وسعه في حمل النواة. 

وأما في عرف الفقهاء فهو: استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه.

وهذا سبيل مسائل الفروع ولذلك تسمى هذه المسائل مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهد وليس هذا حال الأصول”.

قال: الزركشي: وهو لغة: افتعال من الجهد وهو المشقة وهو الطاقة ويلزم من ذلك أن يختص هذا الاسم بما فيه مشقة لتخرج عنه الأمور الضرورية التي تدرك ضرورة من الشرع إذ لا مشقة في تحصيلها ولا شك أنَّ ذلك من الأحكام الشرعية.

وفي الاصطلاح: بذل الوسع في نيل حكم شرعيِّ عملي بطريق الاستنباط فقولنا: “بذل” أي بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلبٍ حتى لا يقع لوم في التقصير.

وقال أبو بكر الرازيّ: اسم الاجتهاد يقع في الشَّرع على ثلاثة معانٍ:

أحدها: القياس الشرعي لأن العلة لما لم تكن موجبة الحكم لجواز وجودها خالية منه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب فلذلك كان طريقه الاجتهاد.

والثاني: ما يغلب في الظن من غير علة كالاجتهاد في المياه والوقت والقبلة وتقويم المتلفات وجزاء الصيد ومهر المثل والمتعة والنفقة وغير ذلك.

والثالث: الاستدلال بالأصول”.    

ومع تخصيص ولوج باب الاجتهاد بالمجتهد مطلقاً أو مقيداً فإن الفقيه المتبصر إذا تمكن من ترتيب الأدلة الجزئية على المقاصد الكلية وأحسن عملية التنزيل على الواقع يكون أهلا لتقديم الخطاب.

قال في مراقي السعود :  

       بَذْلُ الفَقِيهِ الوُسْعَ أن يُحصِّلا    ظَنَّا بأنَّ ذاكَ حَتْمُ مَثَلا 

فلا بد من بذل الجهد واستفراغ الطاقة من الفقيه، أما غير الفقيه المجتهد وهو المقلد فاستفراغ طاقته لا يكون اجتهاداً بالمعنى الأخص. 

المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العمل ليس فيه دليل قطعي، فخرج بالشرعي العقلي فالحق فيها واحد، والمراد بالعمل ما هو كسب للمكلف إقداماً وإحجاماً.

وبالعلمي ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند العمل إليها. وقولنا: ليس فيها دليل قاطع –احترازا- عما وجد فيه ذلك من الأحكام فإنه إذا ظفر فيه بالدليل حرم الرجوع إلى الظن.      

ومما يجرى هذا المجرى قول الأحناف: إنَّ المجتهد فيه الذي يسوغ فيه الاجتهاد هو: ما لم يخالف كتاباً ولا سنة مشهورة ولا إجماعاً، إذ لو خالف شيئا من ذلك في رأى المجتهد لم يكن مجتهداً فيه، حتى لو حكم به حاكم يراه لا ينفذ.      

قال في الفتح: وعدم تسويغ الاجتهاد لوجود الإجماع، أو النص الغير المحتمل بلا معارضة نص آخر في نظر المجتهد وإن كانت المعارضة ثابتة في الواقع. 

فالمعارضة المشار إليها في كلام صاحب الفتح يردها الأحناف بأحد أمرين باحتمال ناشئ عن الدلالة، كما أنَّ الاحتمال قد يكون ناشئا عن الثبوت.

إن الاجتهادات تتعلق بتفاصيل قيم التسامح والعدل والشورى والتعايش والتواصل والوحدة والتعدد في إطار الثوابت، وهو تعدد تجليه مرونة الفقه وسعته، وتنوع دلالات النصوص، وتوسع نطاق الأدلة الإجمالية في ضوء الزمان؛ لتحقيق مقولة هي بالتأكيد حق: إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ وذلك بتسليط الاجتهاد على الربط المتواصل بين الزمان وبين الشريعة نصوصًا ومقاصد وأصولاً وقواعد، انطلاقًا من مبدأي: العقل المصلحة. وترجمة لثلاثة مقاصد: الضروري الحاجي- والتحسيني.

إن تقرير وجود مساحة واسعة وفسيحة للاجتهاد في الشريعة يجب أن يكسو الخطاب الإسلامي ثلاث سمات هي:

1-   التسامح

2-   التصالح

3-   التيسير

ويمكن ترجمة ذلك في ثلاث قضايا أساسية هي: التسامح في الاختلاف، والتصالح مع الآخرين والكف عن التكفير. والتيسير على الناس.

 السمة الأولى: التسامح في الاختلاف

 إن الاختلاف ظاهرة لا يمكن تحاشيها باعتبارها مظهرا من مظاهر الإرادة التي ركبت في الإنسان إذ الإرادة بالضرورة تؤدي إلى وقوع الاختلاف والتفاوت في الرأي.
وقد انتبه لذلك العلامة ابن القيم عندما يقول: “وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه”

قال ابن عابدين في تعليقه على قول صاحب الدر المختار: “وعلم بأنَّ الاختلاف من آثار الرحمة فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر”.

وهذا يشير إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس وهو اختلاف أمتي رحمة قال في المقاصد الحسنة: رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة”. وأورده ابن الحاجب في المختصر بلفظ اختلاف أمتي رحمة للناس.

  ونقل السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: ما سرني أنَّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.

وأخرج الخطيب أنَّ هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب – يعنى مؤلفات الأمام مالك- ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة. قال: يا أمير المؤمنين إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده وكلهم على هدى وكل يريد الله تعالى. وتمامه في كشف الخفاء ومزيل الإلباس.   

  ولهذا اعتبر العلماء معرفة الاختلاف ضرورية للفقيه حتى يتسع صدره وينفسح أفقه.

فقد قال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه.

وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه.

وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس.

وقال يحي بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب ألي.

إلى غير ذلك من الأقوال يراجع الشاطبي في الموافقات، فقد عد معرفة الاختلاف من المزايا التي على المجتهد أن يتصف بها.   

كما في مسألة أمره عليه الصلاة والسلام بصلاة العصر في بني قريظة فقد صلاها بعضهم بالمدينة ولم يصلها البعض الآخر إلا وقت صلاة العشاء ، ولم يعنف أحدا منهم كما جاء في الصحيحين.

وفي السفر كان منهم المفطر والصائم. وما عاب أحد على أحد كما جاء في الصحيح. حتى في الاختلاف في القراءة في حديث ابن مسعود وحديث عمر وأبي بن كعب…

إنها التربية النبوية للصحابة ليتصرفوا داخل دائرة الشريعة حسب جهدهم طبقا لاجتهادهم.

وبعده عليه الصلاة والسلام كانت بينهم اختلافات حسمت أحيانا كثيرة بالاتفاق، كما في اختلافهم حول الخليفة بعده صلى الله عليه وسلم.

وكما في اختلافهم حول قتال مانعي الزكاة، وحول جمع القرآن الكريم، ورجوع عمر إلى قول علي في مسألة المنكوحة في العدة حيث كان عمر يرى التفريق بينها وبين من تزوجها في العدة وتحريمها أبدا عليه وإعطاءها الصداق من بيت المال ، وكان علي يرى أنها لا يتأبد تحريمها فرجع عمر إلى رأيه. 

وتارة يظل الطرفان على موقفهما وهما في غاية الاحترام لبعضهما البعض.
كقصة عمر مع ربيعة بن عياش في التفضيل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة .

وقصة الأراضي المفتوحة هل تصير خراجية أم توزع على الغانمين.

وقصة عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلاة والسلام للباري جل وعلا.
وبين عائشة وبين الصحابة في سماع الموتى.

وبين عمر وبين فاطمة بنت قيس في مسألة سكنى المبتوتة ونفقتها حيث قالت بنت قيس إنه لا سكنى لها ولا نفقة وقال عمر بخلافها قائلا: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندرى أحفظت أم نسيت.

واختلاف ابن مسعود وأبي موسى الأشعري في مسألة إرضاع الكبير حيث رآه الأول غير مؤثر وراءه الثاني مؤثراً.

واختلاف أبي هريرة وابن عباس في الوضوء مما مست النار حيث أوجبه الأول ولم يوجبه الثاني.

واختلاف عمر مع أبي عبيدة في دخول الأرض التي بها وباء حيث رأى عمر الامتناع من دخولها ورأى أبو عبيدة الإقدام عليها قبل أن يخبرهما عبد الرحمن بن عوف بالحديث.

ويدخل التابعون في بعض الأحيان في حلبة الخلاف كأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مع ابن عباس في عدة الحامل المتوفى عنها هل تعتد بأبعد الأجلين أو تعتد بالوضع.

وتقف عائشة إلى جانب ابن عباس قائلة لأبي سلمة إنما أنت فروج – رأى الديكة تصيح فصاح – معتبرة أنه لم يبلع بعد درجة الاجتهاد ولكن الأمر لا يتجاوز ذلك.

وموضوعات الاختلاف كثيرة جدا ولكنها تحسم بالتراضي أحيانا ، ويسجل لعمر رضي الله عنه كثرة رجوعه إلى آراء إخوانه من الصحابة واعترافه أمام الملأ بذلك قائلا أحيانا: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وتأصيله للقاعدة الذهبية وهي:” أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد” وهي قاعدة تبناها العلماء فيما بعد فأمضوا أحكام القضاة التي تخالف رأيهم واجتهادهم حرصاً على مصلحة إنهاء الخصومات وحسم المنازعات وهي مصلحة مقدمة في سلم الأوليات على الرأي المخالف الذي قد يكون صاحبه مقتنعا به.

أقوال العلماء في الاختلاف :

يقول الحافظ بن رجب: ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظن أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورا وقد لا يكون معذورا؛ بل يكون متبعاً لهواه، مقصراً في البحث عن معرفة ما يبغض، فإنَّ كثيراً كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى والألفة أو العادة، وكل هذا يقدح في أنْ يكون هذا البغض لله، فالواجب على المسلم أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه، خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم.

وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أنَّ كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحاً ويكون فيه مجتهداً مأجوراً على اجتهاده فيه موضوعاً عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصد الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده.

وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته، وأنه لا ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة تقدح في قصده الانتصار للحق فافهم هذا، فإنه مهم عظيم، (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم). انتهى كلام الحافظ ابن رجب في “جامع العلوم والحكم” وهو كلام في غاية الفضل.

قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة”.

وقال الشافعي: ما ناظرت أحداً إلا قلت: اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإذا كان الحق معه اتبعته”.

 

العذر باختلاف العلماء:

عدم الإنكار في مسائل الاختلاف ومسائل الاجتهاد يقول ابن القيم: إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلداً.

ويقول العز بن عبد السلام: من أتى شيئا مختلفا في تحريمه إن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا.

ويقول إمام الحرمين: ثم ليس للمجتهد أنْ يعترض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موقع الخلاف إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا، ومن قال إن المصيب واحد فهو غير متعين عنده فيمتنع زجر أحد المجتهدين الآخر على المذهبين.  

وكان مالك رحمه الله تعالى يستعظم أن يقول المفتي هذا حرام في مسائل الاجتهاد الخلافية وإنما يقول: أكره.

قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال مالك: لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلال وهذا حرام ولكن يقال: أنا أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا، فكان الناس يكتفون بذلك ويرضون به، وكانوا يقولون: إنا لنكره هذا وإن هذا ليتقى، لم يكونوا يقولون هذا حلال وهذا حرام. وقال: وهذا الذي يعجبني والسنة ببلدنا.

أسباب الاختلاف

إن أسباب الاختلاف بعضها يرجع إلى فطرة البشر وإلى طبيعة الأدلة فمن الأول ما يقول فيه ابن القيم : وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه.      

   أما طبيعة الأدلة فيمكن إجمالها في أربعة أوجه تعتبر عناوين كبيرة لأسباب الاختلاف الكثيرة والمتنوعة.

1- اختلاف في دلالات الألفاظ وضوحاً وغموضاً واعتباراً ورداً.

2- اختلاف في أدلة معقول النص التي ترجع إلى مقاصد الشريعة قبولاً ورفضاً.

3- اختلاف في وسائل ثبوت النصوص الشرعية ودرجات الثبوت.

4- اختلاف في ترتيب الأدلة عند التعارض قوة وضعفاً.

فهذه العناوين الأربعة يرجع إليها اختلاف العلماء، وقد ذكر ابن السيد ثمانية أسباب لاختلاف العلماء .                                                          

   وأما الحافظ ابن رجب فقد قال عن أسباب الخلاف: منها أنه قد يكون النص عليه خفياً، لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم.

ومنها: أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما: بالتحليل، والآخر: بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر؛ فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معاً من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ.

ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيراً.

ومنها: ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف أفهام العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه.

إنه بالنظر إلى منهجية مختلف المذاهب ندرك بداهة أنها لا تختلف في اعتبار الكتاب والسنة مصدرين منشأين للتشريع، وهو أصل عقدي للمسلم كما أنها تعتبر الإجماع والقياس مصدرين معرفين على الأصلين، وهذا في الجملة.

أما في التفصيل، فإنَّ ملامح الاختلاف تتحدد على ضوء اجتهاد يتوسع في معتبر الحديث؛ فيعمل بالمراسل والبلاغات والمنقطع والضعيف أحياناً، مقدماً ذلك في الرتبة على معقول النص المدرك بالاجتهاد. وبين مقتصر على اعتبار ما صح بمعايير حديثية صارمة تاركاً للاجتهاد بالقياس وما في حكمه، أو للاستصحاب مساحة أوسع، وربما قدم بعضهم عمل الراوي على العمل بمرويه.

كما أنَّ تفاصيل التعامل مع الإجماع يعرض فيها الاختلاف بين موسع لمفهوم الإجماع ليشمل الإجماع السكوتيّ وإجماع سائر القرون والعصور ومعتبر إجماع أهل المدينة.

وبين مضيق في مفهوم الإجماع لحصره في النطقي، ومن يحصره في إجماع الصحابة فقط.

وكذلك فإن قياس العلة يتفق على اعتباره أكثر العلماء، غير أنَّ الاختلاف يعرض في أنواع أخرى من القياس؛ كقياس الشبه وقياس العكس، وكذلك بعض مسالك العلة.

أما الأدلة الأخرى كالمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وقول الصحابي وشرع من قبلنا.

فتتفاوت المذاهب بالأخذ بها، ولكنها لا تعرو عنها، والتباين إنما هو في التنائي عن النص والشسوع عنه أو اللياطة به واللصوق، كما يشير له إمام الحرمين وهو يقرر موقف الشافعي من المصالح المرسلة.

وبصفة عامة يختلف الأئمة في الأخذ بالمقاصد، فمن متوسع في الأخذ بها متعمق في أغوارها دائر مع إيرادها وإصدارها ومن متشبث بالنصوص متمسك بأهدابها. 

وكل المذاهب بدون استثناء اعتمدت قادة مجتهدين ومجتهدى مذهب ومقلدين متبصرين ومقلدين ناقلين، وجعلت من سلك سبيلهم من عوام المسلمين في سعة في دينه وسداد في أمره، كما أنها اعتمدت ما اشتهر من أقوال هؤلاء وترجح لكنها أيضاً ذكرت جواز العمل بغير الراجح وبغير المشهور لضرورة أو حاجة منزلة منزلتها.

السمة الثانية: التصالح في الخطاب والكف عن التبديع والتكفير.

لخطورة التكفير فقد ورد في الحديث: من رمي مؤمنًا بكفر فهو كقتله”.()

“إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما”.()

والأحاديث بمثل هذا المعني كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرها من البلايا والرزايا نعوذ بالله تعالى منها.

هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذّر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال الإمام السبكي: ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكفيره صعب”.

وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني: لا أكفر إلا من كفرني”.

وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفي الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بالتوحيد خطا، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم.

وبعد أن ذكر أمثلة لطوائف يكفر بعضها بعضاً.

قال: والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق، ووجهه أن كل من نزل قولاً من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي لا تحقق نقصًا فهو من التعبد، وإنما الكذب أنْ ينفي جميع هذه المعاني ويزعم أنَّ ما قاله لا معني له إنما هو كذب محض، وذلك هو الكفر المحض، ولهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازمًا لقانون التأويل؛ لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر”.()

“وفي جامع الفصوليين روي الطحاوي عن أصحابنا: لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا أن لا بادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة إسلام المُكره”.

أقول: قدمت هذا ليصير ميزانًا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل، فإنه قد ذكر في بعضها أنه كفر مع أنه لا يكفر على قياس هذه المقدمة، فليتأمل أحد ما في جامع الفصوليين.

وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر”.

وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أنْ يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينًا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتار خانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه “.

“والذي تحرر أنه لا يفتي بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة، فعلي هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكور لا يفتي بالتكفير فيها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها”. أ.هـ كلام البحر –باختصار-().

ومثله نص عليه في تنوير الأبصار مع شرحه رد المحتار، وعلق ابن عابدين على قوله: ولو رواية ضعيفة بقوله: قال الخير الرملي: أقول: ولو كانت الرواية في غير أهل مذهبنا، ويدل على ذلك اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعًا عليه”.()

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفًا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع –والمقصود هنا- أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما”.()

ولهذا فالخطاب الإسلامي ينبغي أن لا يكفر أحداً من الأمة المحمدية من دخل الدائرة الكبرى وهي دائرة التوحيد والاعتراف بالنبوة الخاتمة إلا أن يأتي بناقض غير محتمل عليه من الله برهان قاطع.

هذا الذي رجع إليه العلماء وارتضاه الفقهاء ورجع إليه من خاضوا بحور علم الكلام ودونوا مقالات أهل البدع وأهل الإسلام.            

ولعلي اختم بكلمات للحافظ الذهبي وهي قوله: رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: أشهد على أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات..

قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم”.( الذهبي   سير أعلام النبلاء 15/88 )

السمة الثالثة: التيسير على الناس ورفع الحرج

قال أبو إسحاق الشاطبي:”المسألة السادسة”: فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى:} وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ { وقوله} رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا{ وفي الحديث:”قال الله تعالى قد فعلت” وقد جاء:} لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{  }يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ{ و } وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ { و}يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً{ و} مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ { وفي الحديث:” بُعِثتُ بالحَنِيفية السمحة” وحديث:”ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُما أَيْسَرُ من الآخَرِ إلاّ اخْتَار أَيْسَرَهُما مَا لَمْ يُكنْ إِثْماً فَإنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ”.

وإنما قال:” ما لم يكن إثماً ” لأن ترك الإثم لا مشقّة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه ذلك مما في هذا المعنى. ولو كان قاصداً للمشقة لما كان مريداً لليسر ولا التخفيف ولكان مريداً للحرج والعسر وذلك باطل.

والثاني: ما ثبت أيضاً من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعاً على مطلق رفع الحرج والمشقّة، وكذلك ما جاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال.

ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكلف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف.

وأطال النفس قائلاً: إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد لرفع الحرج فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء.

والتيسير قاعدة من قواعد الترجيح في الخلاف لما تقدم ومن مظاهر التيسير التعامل مع عامل الزمن.

ومن مظاهر التيسير النظر في مئالات الأفعال والأقوال واعتبار الأعراف والعادات.

فالخطاب الإسلامي يجب أن يستوعب كل هذه القواعد ليكون أكثر نجاعة وجدة وتأثيراً لأنه أكثر تيسيراً وتبشيراً.


خلاصة القول: إن الخطاب الإسلامي يقوم على قواطع وثوابت علمت من الدين بالضرورة، هي أساس الدين ودعائمه كالألوهية والتوحيد والنبوة والرسالة ومكانة الإنسان في التشريع والكليات التي تحميه وتصوب حياته.

هذه الثوابت يجب أنْ توظف كل الأساليب العلمية في بيانها، وجمع الأمة حولها، وتقديمها للبشرية مدعومة بالحجج العلمية والبراهين العقلية ليهدي الله تعالى بها من يشاء من عباده.  

ولحسن حظنا وحظ الإنسانية ليس في ديننا ما يناقض العلم أو ينافي العقل، بل إن العلم والعقل خير معين على بيان صحة هذا الدين.

فهل أحسنا العرض وأجدنا الإبرام والنقض ؟

إنَّ الخطاب الجديد في عصر العولمة والقرية الكونية وطغيان القيم المادية الخالية من كل قيم إلاهية أو إنسانية نبيلة مما أوجد الإنسان الحسي أو الجسدي الذي يعيش لذاته مستغرقاً في لذاته فلا نبل ولا كرم ولا إيثار ولا تضامن ولا نظر في المئالات إلا مئالات الربح بلا روح والثروة بلا رائحة، إنه نذل لا غيرة له حسب ما يقول فوكوياما وهو الهلباجة في مفهوم الأعرابي وخلف الأحمر.

فالخطاب الإسلامي متسامح؛ لأنه يقبل الاختلاف ويتسع لمختلف وجهات النظر والآراء، فلا إنكار في مختلف فيه كما أصلنا ذلك، إذا كان اختلافاً معتبرا، ومن لا يستطيع إدراك طبيعة الاختلاف فليس من أهل الميدان ولا من فرسان الشان.

والخطاب الإسلامي متصالح لأنه لا يكفر من دخل الدائرة الكبرى؛ إلا بناقض مجمع عليه قام عليه برهان قاطع.

والخطاب الإٍسلامي ميسر لأنه يتوخى مصالح الناس ويراعى ضعفهم ( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)

والخطاب الإسلامي إنساني لأنه يرفع قيمة الإنسان.

والخطاب الإسلامي ثابت صلب في جوهره مرن في تعبيراته.

ومع ذلك فإن خطابنا بقواطعه وثوابته راسخ رسوخ الجبال الراسيات شامخ شموخ الأطواد المشمخرات ولكنه في تفريعاته مائس مع رياح المصالح ميس فروع البان بنسائم الأسحار على وعساء الكثبان.

والله سبحانه وتعالى وليّ التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.         


– الزركشي       البحر المحيط                   1/96  

– الشاطبي            الموافقات               3/416

([3]) سورة العلق : 6 – 7 .

([4]) سورة الأنبياء : 37 .

([5]) سورة النساء : 28 .

([6]) سورة المعارج : 19 .

([7]) سورة البقرة : 30 .

([8]) سورة هود : 61 .

([9]) سورة الرحمن : 10 – 12 .

– جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه “كتاب الجهاد” وغيره. ومسلم في صحيحه “كتاب الإيمان”.

– القرافي                نفائس الأصول في شرح المحصول         4/513

– الزركشي                  البحر المحيط             4/488

– سيدي عبدالله             نشر البنود                 2/315

– نفس المرجع        2/560

– نفس المرجع        2/574

– ابن القيم           إعلام الموقعين

– قال الملا علي القارئ: إن السيوطي قال: أخرجه تصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند، ورواه الحليمي والقاضي حسين، وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خُرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا.  

– ابن عابدين             رد المحتار      1/46-47  

– الذهبي                            سير أعلام النبلاء          ترجمة الإمام الشافعي

– ابن القيم                 إعلام الموقعين     3/365

– العز بن عبد السلام       قواعد الأحكام    1/109

– إمام الحرمين            الإرشاد         ص 312

– ابن رجب        جامع العلوم والحكم   1/131  

([24]) هو جزء من حديث أوله: ((من خلف بملّة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال))، فتح الباري 8/32.

([25]) متفق عليه، البخاري، فتح الباري 8/32، مسلم 1/79.

([26]) الزركشي، المنثور 2/ 87- 88.

([27]) حاشية ابن عابدين 3/ 289.

([28]) حاشية ابن عابدين: 3/ 289.

([29]) مجموع الفتاوى: 7/ 685.

[30] سورة الأعراف       الآية 157

– سورة البقرة         الآية 286

 أخرجه مسلم عن ابن عباس باب الإيمان حديث رقم180

– سورة البقرة       الآية 286

– سورة البقرة        الآية 185

– سورة الحج        الآية 78  

– سورة النساء       الآية 28

– سورة المائدة       الآية 6

– الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه حديث رقم 21260 باقي مسند الأنصار.

– الحديث أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها كتاب الفضائل رقم 6047

– الشاطبي      الموافقات      2/121- 122

– نفس المرجع    2/ 299

التأمين التعاوني والتأمين التجاري

التأمين التعاوني والتأمين التجاري 

    2/4/2008 م 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

    – التأصيل 

التعريف : التقليدي( التجاري)

التكافلي (التعاوني)

– خصائص كل منهما.

– الفروق.

– الغرر

– عقود فيها شائبة معروف

– الضمان

خاتمة.

 

 تنبيه: قد يستعمل في هذا البحث مصطلح: التعاوني أو التكافلي أو التبادلي للدلالة على مفهوم واحد ولا مشاحة في الاصطلاح إذا فهم المراد.والحال نفسه فالتجاري هو التقليدي.

 

 

 

 

– التأصيل :

 

إن التأمين التكافلي له ثلاثة أصول أحدها: ما عرف من تشوف الشارع الحكيم للتعاون والتضامن قال تعالى ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ حديث الأشعريين “إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم. أخرجه الشيخان.

وقد نبه العلماء كالعيني في عمدة القاري على أن هذا ليس من الهبة وإنما هو من الإباحة. كما نبه بعضهم كالباجي على أنه اعتبارا بهذا الأصل يجوز للإمام أن يفعل ذلك. وذكر ابن بطال أن للسلطان أن يأمر الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك، ويشركهم فيما بقى من أزوادهم أحياء لأرماقهم وإبقاء لنفوسهم.

والثاني: أصل خاص يتعلق بما فهم من قصد الشارع في جنايات إلى تفتيت الضرر وذلك بتسريع العاقلة.

إن نظام العواقل في الإسلام الذي كان يختص بعصبات النسب دليل واضح على قصد الشارع الحكيم تفتيت جبر الضرر، وقد عممه عمر رضي الله عنه ليشمل منسوبي الديوان[1] عندما ضعفت العصبية وأصبح لأهل الديوان الواحد نوع عصبية وتضامن وذلك لما فهم رضي الله عنه من قصد الشارع إناطة الحكم بوصف التضامن الذي يمكن أن ينشأ عن النسب كما يمكن أن ينشأ عن الديوان ففتح الباب للاجتهاد في أي شكل من التضامن الذي وإن كان قد بدأ بالوضع فإنه لا يستبعد أن يكون بالعقد. وهنا يبرز الأصل الثالث: الذي يتمثل في عقد الولاء قال تعالى ﴿ والذين عاقدت أيمانكم فاتوهم نصيبهم﴾ وهذه الآية جعلت لإرادة المتعاقدين حظاً في التوريث الذي كان بالوضع، وهذه الآية وإن كان حكمها منسوخاً عند أكثر العلماء فقد تمسك بها بعضهم كالأحناف في تقريرهم للميراث بهذا النوع من الولاء بشروط.

وهذه الأصول وإن اختلف العلماء في ثبوت الحكم في بعضها وصلوحية ما ثبت فيه للقياس إلا أنها لا أقل من أن تصلح للاستئناس.

فالقياس إن لم يكن بتنقيح المناط من خلال إلغاء الفارق لا بد فيه من أصل معين مخصوص باسم لإلحاق الفرع به ويبقى باب الاستصلاح واسعاً لأنه استنباط حكم عن طريق المناسب المرسل.

الذي لا يرجع إلى شاهد معين بل إلى كلي مصلحي في مرتبة الضرورة أو الحاجة علم اعتبار الشرع له في الجملة.

وانطلاقاً من هذا تكون الحاجة أصلا لهذا النوع على أن يكون الدليل المنطبق على هذا الموضوع هو استحسان مبني على استصلاح وهو نوع من أنواع الاستحسان عند المالكية أو ما يسميه الأحناف بالقياس الخفي مقابل القياس الظاهر كما سيتبينه القارئ عند مطالعة الفقرة المتعلقة بالعقود ذات شائبة المعروف.

 

 

التعريف : التقليدي( التجاري)

 

 

التأمين التجاري يعرف بأنه: ضمان يقدمه مؤمن إلى مؤمن له بتعويضه عن خطر محتمل مقابل نقود يدفعها أو اشتراك[2].

ويعرفه الفرنسي هيما : بأنه عقد بموجبه يحصل أحد المتعاقدين وهو المؤمن له في نظير مقابل يدفعه على تعهد بمبلغ يدفعه له أو للغير إذا تحقق خطر معين المتعاقد الآخر وهو المؤمن الذي يدخل في عهدته مجموعاً من هذه الأخطار يجري مقاصة فيما بينها طبقاً لقوانين الإحصاء.”[3]

 

– أهم مميزات التأمين التجاري:

 

الانفصال الكامل لشخصية المأمن “صاحب المشروع” عن شخصية المؤمن له “مالك وثيقة التأمين”.

تهدف الهيئات الممارسة للتأمين التجاري أساساً إلى تحقيق الربح فالمال الذي يجمع من الأقساط يصبح ملكاً للمؤمن والربح أو الخسارة عبارة عن الناتج عن زيادة الأقساط المتحصلة أو نقصها عن التكلفة الفعلية للتأمين مع ملاحظة تحمل قسط التأمين التجاري المقدر منذ بداية العقد بجزء لمقابلة الأرباح المراد تحقيقها.

يتميز التأمين التجاري بأن الأقساط التي يدفعها المؤمن لهم ثابتة منذ إبرام العقد تتحرر على أسس معينة وتبقى كذلك طيلة مدة العقد فيكون المؤمن لهم لهم على علم بما يلتزمون به منذ البداية.

أما التأمين التكافلي فيقوم على فكرة بسيطة هي قيام جماعة بتجميع مبالغ من المال كل قدر وسعه وحسب طاقته ليتواسوا فيما بينهم وذلك يرجع إلى الثلاثة الأصول السابقة.

 

 

تعريف التأمين التكافلي (التعاوني):

 

وقد ورد تعريف التأمين التكافلي في قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته بدبلن بما نصه: والبديل الشرعي لذلك هو التأمين التكافلي القائم على تكوين محفظة تأمينية لصالح حملة وثائق التأمين، بحيث يكون لهم الغنم وعليهم الغرم، ويقتصر دور الشركة على الإدارة بأجر، واستثمار موجودات التأمين بأجر أو بحصة على أساس المضاربة. وإذا حصل فائض من الأقساط وعوائدها بعد دفع التعويضات فهو حق خالص لحملة الوثائق، وما في التأمين التكافلي من غرر يعتبر مغتفراً؛ لأن أساس هذا التأمين هو التعاون والتبرع المنظم، والغرر يتجاوز عنه في التبرعات”.

وعرفه بعضهم: باعتباره نظاما هو تعاون مجموعة من الأشخاص يسمون “هيئة المشتركين” يتعرضون لخطر أو أخطار معينة على سبيل التبرع على تلافي آثار الأخطار التي قد يتعرض لها أحدهم بتعويضه عن الضرر الناتج من وقوع هذه الأخطار وذلك بالتزام كل منهم بدفع مبلغ معين يسمى “القسط” أو “الاشتراك” تحدده وثيقة التأمين أو “عقد الاشتراك” وتتولى شركات التأمين الإسلامية إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال باعتبارها مضارباً أو مبلغا معلوما باعتبارها وكيلاً أو هما معاً).

و” أنه يقوم على مبدإ التعاون الإسلامي وأن أساسه عقد التبرع الشرعي وأن هذا التبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رضي الله عنه وعلى ذلك فإن “عضو” ما يسمى “بهيئة المشتركين” يصبح ملتزما بدفع القسط بمجرد توقيعه على عقد التأمين وإن كان أساس دفع القسط هو التبرع.

يسأل المؤمن في التأمين التجاري عن أداء التعويضات أو مبالغ التأمين دون إلقاء العبء على المؤمن لهم حتى لو طرأت ظروف غير متوقعة وغير عادية اضطرته إلى دفع مبالغ كبيرة تجاوز مجموع المبالغ التي تحصل عليها كأقساط محسوبة على أساس الظروف العادية والمتوقعة.

درجت القوانين الخاصة بالإشراف والرقابة على هيئات التأمين على اشتراط حد أدنى معين لرأسمال هيئة التأمين التجاري حتى تضمن قدرة الهيئة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المستفيدين من عقودها التأمينية المبرمة حتى في حالة انحراف النتائج الفعلية عن تلك المتوقعة والمتخذة أساساً لحساب الأقساط.

تعمل بعض هيئات التأمين التجاري على الاستفادة من بعض مزايا التأمين التبادلي فصارت في بعض فروع التأمين تعطي للمؤمن لهم قدراً من الأرباح مما يحقق لهم استرداداً جزئياً للأقساط التي دفعوها.

 

 

– أهم مميزات التأمين التعاوني :

 

اتحاد شخصية المؤمن “صاحب المشروع” وشخصية المؤمن له “حامل وثيقة التأمين” ومن هنا جاء وصف هذا النوع من التأمين بالتبادلي حيث يؤمن الأعضاء بعضهم بعضاً فكل منهم مؤمن ومؤمن له في وقت واحد. وتتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره شريكاً مؤمناً من خلال نظام الهيئة الذي يلتزم به أو قرارات الجمعية العمومية التي هو أحد أعضائها أساساً. كما تتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره مؤمناً له من خلال وثيقة التأمين والتي تخضع للأسس الفنية ذاتها التي تخضع لها وثيقة التأمين التجاري.

وتقتصر بذلك عضوية الهيئة التبادلية ” التي هي عبارة عن عضوية اختيارية مفتوحة” على المؤمن لهم وهم المالكون لها وهم الذين يديرونها وهم الذين ينتفعون من خدماتها وهم متساوون في الحقوق أساساً ولكل منهم صوت واحد فقط في الجمعية العمومية على خلاف ذلك في المساهمة للتأمين التجاري التي تعدد فيها الأصوات للمساهم الواحد بقدر ما يملك من أسهم في رأس المال.

عدم استهداف الربح والخلاص من الاستغلال الرأسمالي الذي تمارسه شركات التأمين التجاري.

إن الهدف الأساسي للهيئات التبادلية للتأمين هو تقديم خدمة التأمين للأعضاء بسعر التكلفة بل وبأقل تكلفة ممكنة فلا وجود للربح في عناصر التكلفة التي يتحملها الأعضاء ولا تحتاج غالباً إلى رأس مال للمشروع حيث تنشأ بين عدد كبير من الأفراد المعرضين لخطر معين يتشاركون في تحمل الخسائر التي تحل بأي منهم عند تحقق الخطر وهذا هو الأساس في وصفها بالتعاونية.

-رأس المال تتكون الهيئات التبادلية التعاونية أساساً بدون رأس مال حيث إنها لا تستهدف الربح كما تقدم ولا يوجد بها مساهمون يتقاضون أرباحاً لأسهمهم وتلزم القوانين في بعض الدول الهيئات التبادلية برأسمال تأسيس يقدمه المؤسسون ويحصلون عليه عادة بوساطة الاقتراض وهو يقوم مقام رأسمال المساهمين في الشركات المساهمة للتأمين التجاري وتستهلك “تسدد” القروض خلال مدة عمل الهيئة.

– الاشتراكات والفائض تعتمد الهيئة التبادلية في توفير المال اللازم لعملها على اشتراكات الأعضاء والاحتياطيات التي تحرص على تكوينها بالشكل الكافي لمواجهة الانحرافات التي تتوقعها. وإذا اشترط مقدار من الربح أكثر لبعض الشركاء سواء تفاوتوا في الأسهم أو تساووا لسبب أو آخر طبقاً للإتفاق كما هو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد صح خلافاً للإمامين مالك والشافعي[4].

 

إن الهدف الأساسي للتأمين التكافلي هو تجنب محظورات التأمين التجاري وفي نفس الوقت الوصول إلى صيغ تكون فيها خدمة المؤمنين مساوية لشركات التأمين التجاري أو أفضل منها من بعض الوجوه وبخاصة إذا كانت شركة المضاربة لها نشاط تجاري غير التأمين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك.

ويتميز التأمين التكافلي أساساً بأن الاشتراكات أو الأقساط التي يدفعها المؤمن لهم قد تكون متغيرة حسب نتائج أعمال كل سنة فللهيئة الحق في مطالبة أعضائها بأنصبتهم في العجز في الاشتراكات المحصلة عن التعويضات والمصروفات الفعلية كما أن للأعضاء الحق في استرداد الفائض إن وجد.

وقد يكون ذلك من حيث المبدإ فقط بدفع نسبة مقدرة فقط تمثل الحد الأقصى المقدر للاشتراك أو أن يتم دفع اشتراك ثابت فعلا. لتتماشى والطريقة المثلى في الشرع إلا أنهم في الواقع وفي الغالب إنما يدفعون قسطاً ثابتاً.

إن تعريف المجلس الأوربي إنما هو تعريف لصورة مفضلة من التأمين التكافلي لأن التأمين التكافلي قد يأخذ صوراً متعددة كأن تأسس جماعة شركة مضاربة تقوم بالتجارة في موجودات الشركة ويلحقون بنظام الشركة عقداً تكافلياً يلتزم فيه أعضاء الشركة بتأمين بعضهم البعض وحمايته من الأخطار سواء كان ذلك من ربح الشركة وهو أمر جائز أن يتبرع المضارب بربحه.

وهناك صيغة أخرى طبقناها في بعض البلاد وهي تكوين شركة مضاربة بأموال يقوم فيها بعض أعضاء الشركة بالإدارة لصالح الجميع فيكون لهؤلاء مزيد من الأرباح لأنهم مؤسسون ومشتركون بأموالهم وأبدانهم وهو جائز على مذهب أحمد وقد بين ذلك ابن قدامة حيث قال : وأما المضاربة التي فيها شركة وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفاً ويأذن أحدهما للأخر في التجارة بهما فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زيد على النصف جاز لأنه مضارب لصاحبه في ألف ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف …..

وبعد شرح طويل قال : فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة[5]. وهو مذهب أبي حنيفة.

ومما ذكرنا يتبين أنه قد تكون أفضل صيغة للتأمين الإسلامي أن تكون شركة مضاربة ومعها شركة أموال فيمنح المساهمون الكبار وهم المضاربون بأبدانهم لتوليهم الإدارة وأرباب المال لاشتراكهم بأموالهم حصةً من الربح أكبر من حصص المشتركين حملة الوثائق لوجود التراضى ولهذا فيكون لهؤلاء المشتركين في الجمعية العامة ممثلون – وهذا ما قررناه لشركة التأمين الإسلامي بموريتانيا –

وهي صيغة مختصرة وبسيطة تقوم على تأسيس شركة تجارية من مساهمين كبار تبرعوا بجزء من أموالهم لجبر الإضرار التي تنزل بهم ويلتحق مشتركون صغار بنفس الصيغة أي انهم شركاء بالأقساط التي دفعوها متضامنين مع الآخرين مع قبولهم بمنح جزء أكبر من الربح لهؤلاء المساهمين المؤسسين وهي شركة تلزم بالقول وهذا مذهب مالك قال خليل ( ولزمت بما يدل عرفاً كاشتركنا).

 

– الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التقليدي:

 

1- أن التأمين التقليدي يغلب عليه الغرر فيمكن أن يعبر عنه بأنه عقد هو الغرر بعينه كما قدمنا عن الباجي وبالتالي فهو من الغرر الشديد الغالب المحرم فلا تجيزه الحاجة إلا في ظروف استثنائية.

وأن التأمين التكافلي يخف فيه الغرر وذلك لعنصر التبرع القائم عليه ومحدودية المؤمنين فتجيزه الحاجة، وهذا هو الفرق الأول.

2- أن التأمين التكافلي عقد إرفاق ومعروف؛ لأنه مبني في نيته على التعاون ولهذا يغتفر فيه الغرر.

بخلاف التأمين التقليدي فالقصد الغالب فيه التجارة وكسب الربح ولهذا لا يجوز فيه الغرر، وهذا هو الفرق الثاني.

3- الفرق الثالث أن الغرر في التأمين التقليدي أصل لأن المؤسسة قائمة على كسبها من الحوادث التي لم تحصل بينما الغرر في التكافلي إضافي وتبعي، وكما في مسألة الظئر والرضيع عن المواق.

العناصر الأساسية للتكافل

 

– وأهم شيء في التأمين التكافلي ثلاثة عناصر:

 

1- عنصر التبرع وهو تبرع للمتضرر من أعضاء الشركة بجزء من الربح أو بالربح بكامله، وهذا كما يجوز في المضاربة التبرع بجزء من رأس المال وهذا جائز؛ لأنه يغتفر الغرر في التبرعات.

2- عنصر الشراكة وهو اعتبار كل قسط يدفع إلى الشركة إنما هو قسط اشتراك وليس مدفوعاً في مقابل.

3- عنصر اتحاد الشخص ذي الجهتين بين المؤمن بصيغة أسم الفاعل والمؤمن بصيغة أسم المفعول سواء أداروا الشركة بأنفسهم كشركة أبدان وأموال أو أداروها بواسطة جهاز إداري يمارس عملية وكالة بأجر[6].

 

 

– الغرر:

 

إن أهم مشكلة فقهية يواجهها عقد التأمين وتقف عقبة في سبيل الحكم فيه بالجواز هي أنه عقد يشتمل على الغرر وعليه فإني في هذا البحث الوجيز سألقي الضوء على تعريف الغرر وسند تحريمه وأنواع الغرر من شديد لا يختلف في تحريمه وخفيف جداً لا يختلف في جوازه ومتوسط يختلف العلماء فيه بين من يلحقه بالشديد فيمنعه ومن يلحقه بالخفيف فيجيزه مع النظر إلى اعتبار الحاجة التي من شأنها أن تبيح مثل هذه العقود.

فما هو الغرر ؟ وأصل النهي عنه ومدى تأثير الحاجة في إلغاء حكمه .

فالغرر عرّفه القرافي بأنه : الشيء الذي لا يدري هل يحصل أو لا . وعرّف الجهالة بأنها : ما عُلم وجوده وجهُلت صفته .

وعرّف الجرجاني الغرر بأنه : ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أو لا (التعريفات).

وقيل: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان.[7]

حكم الغرر: بيع الغرر ممنوع شرعاً بعموم الكتاب لقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ]البقرة2/88[ .

ومحرّم بنصوص السنّة . ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اله عليه وسلّم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.[8]

وأخرجه مالك في الموطأ مرسلاً عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن النبي نهى عن بيع الغرر[9].

علّق عليه الباجي بقوله ” نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فساده ومعنى بيع الغرر  واله أعلم  ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر فهذا الذي لا خلاف في المنع منه “.

وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع فإنه لا يكاد يخلو منه عقد. وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيها من الغرر هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها ، فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه : من جهة العقد ، والعوض ، والأجل (المنتقى:5/41).

قلت : وجه ما ذكره الباجي وغيره أن مجرد وجود الغرر ليس مبطلاً للعقد حتى يكون غالباً ناشئاً عن كون إضافة البيع إلى الغرر هي من إضافة الموصوف إلى الصفة . ووصف ابن مالك  في التسهيل  هذا النوع من الإضافة بأنه من شبه المحضة ومثل له بمسجد الجامع لأن المسجد هو الجامع وذلك صفته ومعنى هذا أن النهي وارد على بيع غرر وليس عن بيع فيه غرر والفرق يدركه البصير بموارد الألفاظ.

وقال القرافي : ” قاعدة : الغرر ثلاثة أقسام : متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء ومتفق على جوازه كأساس الدار ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما ؟

فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة . فـ (ح) يرى إن كان المبيع معلوم الأوصاف حق للعبد فيجوز له التصرف فيه وإسقاطه بالشرط ، وغيره يراه حق الله تعالى وأنه حجر على عباده في المعاوضة على المجهول . و (ح) يرى أن غرر العيوب في شرط البراءة من الغرر المغتفر لضرورة البائع لدفع الخصومة عن نفسه وغيره يراه من الغرر الممنوع لأنه قد يأتي على أكثر صفات المبيع ، فتأمل هذه المدارك فهي مجال الاجتهاد وانظر أيها أقرب لمقصود الشرع وقواعده فاعتمد عليه والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد.[10]

ويقول النووي : ” (فرع) الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه ( فأما ) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها  وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك  فهذا يصح بيعه بالإجماع .

ونقل العلماء الإجماع أيضاً في أشياء غررها حقير (منها) أن الأمّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو باع حشوها منفرداً لم يصح ، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهراً مع أنه قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين ، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام .  قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلاّ بمشقة أو كان الغرر حقيراً جاز البيع وإلاّ فلا . وقد يختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة وبيع الحنطة في سنبلها ويكون اختلافهم مبنياً على هذه القاعدة ، فبعضهم يرى الغرر يسيراً لا يؤثر ، وبعضهم يراه مؤثراً والله سبحانه وتعالى أعلم.[11]

أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فإنه قيّد الحاجة بالشدّة عندما قال في حديثه عن الجوائح : ” والحاجة الشديدة يندفع بها الغرر اليسير والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها مصلحة راجحة أبيح المحرّم فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ” (الفتاوى)

 

– الغرر المضاف:

 

واعتبر المالكية أن الغرر إذا كان مضافاً لأصل جائز يغتفر للحاجة بخلاف ما لو كان الغرر أصلاً في العقد فيبطل العقد . قال المواق: ” ومن المدونة من باع أمة وله رضيع حر وشرط عليهم رضاعته ونفقته سنة فذلك جائز إذا كان إن مات الصبي أرضعوا له آخر .. (ابن يونس) والفرق بين هذا وبين الظئر لا يجوز أن يشترط إن مات الطفل أن يؤتى بغيره ، أن مسألة الأمة الغرر فيها تبع لأنه انضاف إلى أصل جائز . كقول مالك في بيع لبن شاة جزافاً شهراً أنه لا يجوز وأجاز كراء ناقة شهراً واشترط حلابها ، أصله جواز اشتراط المبتاع ثمراً لو يؤبر انظر بعد هذا عند قوله  وخلفه الفصيل . وقال أشهب إلا أنه على قوله يعطي الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة في العقود إذا قال وعسر الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة باطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع . وانظر بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير لا لتبعية في بيع الحلي- من ابن يونس[12].

وهذا الكلام واضح في أمرين أحدهما أن الغرر قد يجوز تبعاً للحاجة ويجوز منه اليسير وأن الربا لا يجوز منه قليل ولا كثير.

وهذه نصوص تبين حدود تأثير الحاجة في المنهيات وذلك بحسب مرتبة النهي فما كان في مرتبة وسطى كالغرر تؤثر فيه بشروط وما كان في مرتبة عليا لا يتأثر بها.

 

– العقود التي فيها شائبة معروف:

 

تعامل العلماء معها تعاملاً يعتمد على المقاصد وذلك من وجهين: من جهة قصد العاقد إسداء النفع وتقديم الخير للآخرين، ومن جهة ما علم من قصد الشارع إلى تشجيع عمل البر والمعروف. وقد تفطن الفقهاء لذلك فخصصوا به عموم النهي وحدوا به من اطراد القاعدة وهذا النوع من تخصيص الكلي يعتبر من صميم الاستحسان، وتوضيحاً لذلك نقول: إن العقود تنقسم إلى معاوضات وتبرعات فالأولى يمتنع فيها الغرر والجهالة وغيب السلعة ..إلى آخره. أما الثانية فلا يمتنع فيها شيء من ذلك إلا أننا نجد أن الفقهاء رتبوا أحكاماً خاصة لعقود هي في أصلها معاوضات يمتنع فيها الربا ويمنع فيها من حيث الأصل والأساس الغرر وعيوب الإرادة غير أنهم عولوا فيها على شائبة الإرفاق فأجازوا مداخلة الغرر لها تشجيعاً للمعروف بين الناس والقطوف التالية توضح ذلك قال في التوضيح والأصل منعها “الزيادة القليلة في المبادلة” إلى قوله: ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار أبداله معروفاً والمعروف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره”.

إلى أن قال: ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع فإذا كان على وجه القرض جاز”[13].

وقال ابن رشد في سماع ابن القاسم المتقدم ظاهر هذه الرواية جواز بدل الطعام المعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير ومنعه أشهب كالدنانير الكثيرة النقص”.( 4/333)

قال ابن رشد: كره مالك أن يعطي الرجل المثقال ويأخذ أربعة وعشرين قيراط معدودة مراطلة لأن الشيء إذا وزن مجتمعاً ثم فرق زاد أو نقص، وأجاز ذلك ابن القاسم استحساناً على وجه المعروف في الدينار الواحد كما أجازوا مبادلة الدينار الوازن بالناقص على وجه المعروف.(المواق4/333)

وقد أجاز مالك أن يؤجر الخياط على ما يحتاج هو وأهله من الثياب في السنة والفران على خبز ما يحتاج إليه من الخبر سنة أو شهراً إذا عرف عيال الرجل وما يحتاجون إليه من ذلك”.

وقد علل ابن يونس ذلك بأن أكل الناس معروف والخياطة قريب منه”.

وأجاز مالك الهبة لغير ثواب مسمى قال لأنه على وجه التفويض في النكاح”[14].

وهو شبيه بهبة الثواب عند مالك قال خليل: وجاز شرط الثواب ولزم بتعيينه وصدق واهب فيه إن لم يشهد عرف بضده”.

قال الزرقاني: والحاصل أن هبة الثواب كالبيع في أكثر الحالات فيما يحل ويحرم من عوضها إلا أنه إنما يجوز فيها في العين بأكثر حيث جرى فيه عرف كما قال القابسي وقوله في أكثر الحالات لأنها تخالفه في أقلها وذلك في ستة أمور جوازها مع جهل عوضها حين عقدها وأنه لا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول ولا تفيتها حوالة السوق وعوضها إنما يلزم بتعيينه ويجوز مع جهل أجل العوض ولا يجوز تعويضها بأكثر من قيمتها إلا لعرف.( 7/109)

ومن هذا القبيل تأثير الحاجة معتمدة على اشتمال العقد على معنى الرفق والمعروف فقد يكون العقد في أصله حراماً ولكنه يباح للحاجة بناءً على ما علم من التفات الشارع للمعروف والرفق .

ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ”أعني بغلامك لأعينك بغلامي”.

وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجاً بشارحه الزرقاني : ” وجاز أعني بغلامك على خرثي ونحوه لأعينك بغلامي . أراد أو نفسي على حرثك أو غيره . ولذا حذف متعلق حال كون ذلك ، إجارة لا عارية  ، لأنها بغير عوض وهذا بعوض ، تحدث المنفعة أم لا ، تساوى زمنها أو اختلف ، تماثل المعان به للآخر أم لا ، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل) . وهذه إجارة ومعلوم أن الإجارة كالبيع . أركانها ، والركن الثاني  الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفاً قدراً وصفة ” هذا كلام ابن عرفة (المواق:5/389).

وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها ؛ لأنها قد تكون ثوراً في مقابل غلام ، وقد تكون حرثاً في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني (نفس المرجع) .

قال ابن شاس لو قال أعني بغلامك يوماً وأعينك بغلامي يوماً فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق (المواق:5/269) .

وسمع القرينان لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعني خمسة أيام وأعينك خمسة أيام في حصاد زرعك ودرسه وعمله (ابن رشد) .

لأنه من الرفق فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك وإنما يجوز ذلك فيما قل وقرب من الأيام وإن اختلفت الأعمال (المواق: 4/418) .

قلت : قوله فكان ذلك ضرورة إلى آخره معناها هنا الحاجة كما قدمنا . وكذلك نصّوا على أن (قولهم الصفقة تفسد إذا جمعت حلالاً وحراماً مخصوص بالمعاوضات المالية بالبيع والشراء) (في الزرقاني: 7/79)

قال في معرض التعليق على بعض عقود الوقف التي تجمع حلالاً وحراماً ومعناه أن التبرعات لا تبطل بالجمع بين الحلال والحرام بل يبطل فقط الجزء الذي تعلقت به الحرمة ويصحح غيره وذلك لأن عقود المعروف والرفق يتسامح فيها نظراً لقصد الشارع العام في إيقاعها ما لا يتسامح في غيرها ويغتفر فيها من الخلل الذي تدعو إليه الحاجة ما لا يغتفر في عقود المكايسة المحضة .

ومن هذا القبيل ما ذكر ابن يونس في جامعه وهو يعلل بعض عقود الصرف:” انظر هل العلة أنهم إذا قصدوا الإقالة جاز لأنها معروف ، وإذا قصدوا التبايع لم يجز لأنها مكايسة . فيجب على هذا إذا ابتاع حنطة بوازن فأعطاه ناقصاً ورد عليه من الحنطة ، إن قصدوا التبايع لم يجز ولو قصدوا الإقالة فقال المشتري وقد وجد ديناره ينقص سدساً أقلني بهذا النقص من سدس الطعام وخذ الدينار الناقص لجاز ” (كتاب الصرف من ابن يونس) .

في هذه المجالات برز إعمال الحاجة لتصحيح خلل مضاف للعقد وليس متبوعاً في تصحيح خلل يتعلق بعقد إرفاق ومعروف.( يراجع بحثنا : الضرورة والحاجة لمزيد من التفصيل)

 

– مسألة الضمان:

 

الضمان شغل ذمة بالحق وصح “ولزم” من أهل التبرع إلى أن قال: وصح الضمان عن “الضامن” وإن تكرر بأن ضمن ضامن أو متعدد وضمن الضامن ضامن كذلك وهكذا.( خليل بشرح الزرقاني 6/3)

وبعد أن قرر العلماء امتناع الضمان بجعل فإنهم استثنوا منه حالة اشتراء سلعة يدين شركة من طرف اثنين أو أكثر ويضمن كل منهم صاحبه في قدر ما ضمنه فيه فإنه جائز وبيعهما سلعة أواقتراضهما.

حسب الزرقاني تعليقاً على قول خليل لا في اشتراء شيء بينهما أو بيعه ” كان أسلمهما شخص بشيء وتضامنا فيه” كقرضهما فالتضامن جائز على الأصح عند ابن عبدالسلام وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار خلافاً لابن الفخار ورآه سلفاً جر منفعة وعلل الجواز في هذه الأمور الثلاثة بعمل الماضين….

ويترتب على التضامن بين المشترين قول خليل: فإن اشترى بستمائة بالحمالة فلقي أحدهم أخذ منه الجميع ثم إن لقي “المؤدى” أحدهم أخذه بمائة لأصالة ثم بمائتين “حمالة” ثم إن لقي أحدهما ثالثاً أخذه بخمسين وبخمسة وسبعين فإن لقي الثالث رابعاً أخذه بخمسة وعشرين وبمثلها ثم أخذه باثني عشر ونصف وستة وربع فإن لقي سادسا أخذه بستة وربع” وهناك صور لقي الأول الثالث بعد أن لقي الثاني يراجع الزرقاني.

من المدونة إن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قضي لفلان على فلان أو قال أنا كفيل لفلان بماله على فلان وهما حاضران أو أحدهما غائب لزمه ما أوجبه على نفسه من الكفالة والضمان لأن ذلك معروف والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه”. ( المواق 5/100)

وقال البرزلي يجري على ضمان ما لا يضمن في الإجارات والعواري وفيه خلاف.( الحطاب 5/391)

من هذه النصوص يمكن حل إشكالية ضمان المشتركين بعضهم لبعض أو تبرع الشركة المديرة بالضمان.

 

– خلاصة القول:

 

في مطلع هذا البحث أشرنا إلى الأدلة الكبرى التي تبين مقاصد الشريعة في هذا العقد وأمثاله من عقود التعاون والمشاركات وهي مقاصد من شأنها أن تخصص ما علم من مقصد الشارع في منع الغرر والجهالات.

وأن التأمين التكافلي بصيغه المختلفة يمكن تخريجه على عقود تبيحها الحاجة وبخاصة تلك التي تشتمل على شائبة المعروف التي تجيز الغرر ويكون تضامن المؤمنين مسموحاً فيه بشائبة الجعل.

كما أن ضمان الهيئة المأجورة على الإدارة يمكن أن يخرج على مسألة المدونة وهي الإلتزام بالكفالة.

وباختصار فإن التأمين الإسلامي يمكن أن يصاغ في شكل عقد مضاربة وشركة أموال معقودة على التبرع بالربح أو جزء من رأس المال للمتضرر من أرباب المال والمضاربين الذين يشكلون جمعية إدارة الشركة وأن هذا العقد الجديد بهذا الشكل يجوز مع اشتماله على قدر من الغرر لأنه عقد معروف ورفق وأن التبرع لاحق بالعقد والغرر في لواحق العقد وفي سوى وجه الصفقة يجوز للحاجة كما أوضحنا في مبحث الفرق بين الضرورة والحاجة في كتابنا “صناعة الفتوى”.

كما أن الشروط والضوابط الشرعية يجب توفرها كما تجب الإشارة إلى نقطة أخيرة وهي أن شركات التأمين التكافلي يجب أن ينص نظامها على عدم التعامل بالربا .

وخلاصة القول : أن شركات التأمين التكافلي عليها أن تحاول صياغة عقودها من جديد على ضوء العناصر التي أشرت إلى بعضها وأن توحد – إن لم تكن هيكلها فعلى الأقل- أسس أنظمتها لإحداث شيء من الانسجام والاقتراب ما أمكن من العقود الشرعية للشركات.

وختاماً : فالفرق واضح بين التأمين التقليدي وبين التأمين التكافلي لمن له دراية بالفقه أوعناية بالاستنباط. ( قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبتك كثرة الخبيث).

وأخيراً: فقد يكون من المناسب عقد ندوة خاصة بالتأمين لتأصيل المعاني التي وردت وسترد في البحوث والدراسات الأخرى ووضعها في القوالب التنظيمية العملية واقتراح الأدوات الكفيلة بتطبيقها. والله تعالى وتقدس ولي التوفيق.

عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيـّه

رئيس هيئة الرقابة الشرعية للمجموعة المتحدة للتأمين التعاوني.



[1] – وإلى فعل عمر ذهب أبو حنيفة ومالك في أحد قوليه وهو في العتبية والمازونية ومشى عليه خليل في مختصر حيث يقول:” وبدئ بالديوان إن أعطوا”. خلافاً لمذهب المدونة.

أما الشافعي وأحمد فيريان أن العاقلة هي عصبة النسب فقط وهي رواية المدونة عن مالك فلهذا فقد اعتمدها الشروح بناء على أن العاقلة أصل على غير قياس كما بينه الشافعي من كون الأصل أن الأنسان هو الذي يضمن جنايات نفسه ومن قال بالقياس رءاه أمراً معقول المعنى.

وقد عبر إمام الحرمين عن المعنى الذي فهم منه بقوله: والمقدار الذي ذكره العلماء في المعنى الذي فهموه من غرض الشارع –وإن كان لا يستند على السبر اعتبارُه- أن العرب كانت تتناصر ويذبّ بعض العشيرة عن البعض، بالنفس والمال، ويناضل البعض دون البعض، فورد الشارع بإعانة المخطئ إذا ورد منه زلل، وقد كانوا يتعاطون استعمال الأسلحة للتدرب بها، ولا يبعد إفضاء استعمالها في وجوه من الخطأ، فهذا ما تخيله الناظرون على البعد، وإنما ذكرناه لأنا في تفصيل المسائل قد نعتضد بأطراف هذا المعنى.[1]

وما قاله إمام الحرمين في تعاطى العرب للسلاح مبررا تشريع العاقلة، فإن الأخطار التي نجمت عن … الحديثة التي تفضى إلى أنواع من الحوادث غير مسبوقة تبرر بدون شك إيجاد وسائل لتفتيت الديات وبجبر الأضرار والتعاون على الكوارث والأخطار.

 

[2] – لاروس الصغير الفرنسي

[3] – الوسيط للسنهوري  7/1090

[4] – والدليل على جواز ذلك عند الحنابلة قول الخرقي:( والربح على ما اصطلحا عليه ) قال ابن قدامة : يعني في جميع أقسام الشركات.

وبعد ذكر الإجماع في المضاربة على أن الأمر فيها على ما يتفق عليه بين رب المال والمضارب تعرض” لشركة العنان” وهو أن يشترك بدنان بماليهما فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين. ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال وبهذا قال أبو حنيفة.

وذكر خلاف مالك والشافعي رحمهما الله تعالى .

وقال في : شركة الأبدان فهي معقودة على العمل المجرد وهما يتفاضلان فيه مرة ويتساويان أخرى فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل كما ذكرنا في شركة العنان بل هذه أولى لا نعقادها على العمل المجرد…

وأما شركة الوجوه فكلام الخرقي بعمومه يقتضى جواز ما يتفقان عليه من مساواة وتفاضل .

وهو قياس المذهب لأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه فكذلك هذه.

وذكر خلاف القاضي في هذه الأخيرة فقط ورد عليه ثم قال : وأما المضاربة التي فيها شركة وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفاً ويأذن أحدهما للأخر في التجارة بهما فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زيد على النصف جاز لأنه مضارب لصاحبه في ألف ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف …..

وبعد شرح طويل قال : فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة .( المغني 7/ 138-139-140 دار هجر)

يبقى إشكال واحد هو موقع الجزء المتبرع به في عقد الشركة فيمكن أن يكون ذلك في صلب عقد المضاربة من باب اشتراط بعض الربح للمضارب أو رب المال ولو شرطه لمن شاء المضارب فإن شاءه لنفسه أو لرب صح الشرط .( الدر المختار   )

وقول المالكية في اشتراط جميع الربح ( وجاز “الربح” أي اشتراطه كله لأحدهما أو لغيرهما من رب المال والعامل لأنه من باب الهبة فإن اشترطه لمعين قضي له به إن قبل) يراجع الزرقاني 6/219 وغيره من كتب المالكية وهذا يحل المشكلة.

فالشركة تقوم على اشتراط جزء لأرباب المال وذلك جائز ولو كان لأجنبي معين حكم له به ولو كان لغير معين وجب من غير قضاء وبذلك تعرف أنه لا داعي إلى تخريجه على مسألة ملكية الهبة بالقول لأن المسألة منصوصة في القراض .

ويضاف إلى التبرع بالربح التبرع بجزء من رأس المال وهو تبرع مشروط بالحاجة ومع أن هذا العقد فيه تلفيق لأقوال العلماء فإن ذلك يجوز للحاجة التي تبيح محرمات الوسائل والتي تبيح عقود الرفق والمعروف كما في مسألة المالكية المعروفة بأعنى بغلامك على أن أعينك وهي إجارة في الأصل فاسدة أجازه ابن القاسم و رآه من الرفق – حسب عبارة المواق 5/269-

 

[5] – ابن قدامة    المغني    7/138-139-140

[6] – قرار المجلس الأوربي : التأمين وإعادة التأمين:

ناقش المجلس البحث والأوراق المقدمة إليه في موضوع التأمين وما يجري عليه العمل في أوربا، واطلع على ما صدر عن المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات العلمية بهذا الشأن، وانتهى إلى ما يلي :

أولا: مع مراعاة ما ورد في قرارات بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري -الذي يقوم على أساس الأقساط الثابتة دون أن يكون للمستأمن الحق في أرباح الشركة أو التحمل لخسائرها- ومشروعية التأمين التعاوني – الذي يقوم على أساس التعاون المنظم بين المستأمنين، واختصاصهم بالفائض – إن وجد – مع اقتصار دور الشركة على إدارة محفظة التأمين واستثمار موجوداتها- فإن هناك حالات وبيئات تقتضي إيجاد  حلول لمعالجة الأوضاع الخاصة، وتلبية متطلباتها، ولا سيما حالة المسلمين في أوروبا حيث يسود التأمين التجاري، وتشتد الحاجة إلى الاستفادة منه لدرء الأخطار التي يكثر تعرضهم لها في حياتهم المعاشية بكل صورها، وعدم توافر البديل الإسلامي ( التأمين التكافلي) وتعسر إيجاده في الوقت الحاضر، فإن المجلس يفتي بجواز التأمين التجاري في الحالات التالية وما يماثلها:

1-حالات الإلزام القانوني مثل التأمين ضد الغير على السيارات والآليات والمعدات، والعمال والموظفين ( الضمان الاجتماعي، أو التقاعد) وبعض حالات التأمين الصحي أو الدراسي  ونحوها.

2-حالات الحاجة إلى التأمين لدفع الحرج والمشقة الشديدة، حيث يغتفر معها الغرر القائم في نظام التأمين التجاري.

ومن أمثلة ذلك:

1-التأمين على المؤسسات الإسلامية كالمساجد، والمراكز، والمدارس، ونحوها.

2-التأمين على السيارات والآليات والمعدات والمنازل والمؤسسات المهنية والتجارية، درءا للمخاطر غير المقدور علي تغطيتها، كالحريق  والسرقة وتعطل المرافق المختلفة.

3-التأمين الصحي تفاديا للتكاليف الباهظة التي قد يتعرض لها المستأمن وأفراد عائلته، وذلك إما في غياب التغطية الصحية المجانية، أو بطئها، أو تدني مستواها الفني.

ثانياً: إرجاء موضوع التأمين على الحياة بجميع صوره لدورة قادمة لاستكمال دراسته.

ثالثاً: يوصي المجلس أصحاب المال والفكر بالسعي الحثيث لإقامة المؤسسات المالية الإسلامية كالبنوك الإسلامية، وشركات التأمين التكافلي الإسلامي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

-التأمين على الحياة:

ناقش المجلس البحوث المقدمة إليه حول التأمين على الحياة، واطلع عل ما صدر عن المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات العلمية بهذا الشأن.

وبعد المناقشة والتحاور حول جوانب هذا الموضوع وما عليه أحوال المسلمين في أوروبا وسائر البلاد غير الإسلامية، ومع مراعاة ما يجري عليه العمل في شركات التأمين التجاري والتأمين التعاوني في أوروبا انتهى إلى ما يأتي:

أولاً: تأكيد ما صدر عن المجلس في دورته السادسة حول موضوع التأمين وإعادة التأمين.

ثانياً: تأكيد ما صدر عن بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري على الحياة، وجواز التأمين التعاوني إذا خلا عن الربا والمحظورات الشرعية، وعلى ما صدر من الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي التي حضرها ثلة من الفقهاء المعاصرين والاقتصاديين في 1413 هـ – 1992 م وانتهت إلى إصدار الفتوى التالية:

1- التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً لاشتماله على الغرر الكثير، والربا والجهالة.

2- لا مانع شرعاً في التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني (التكافلي) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساط غير مرتجعة[6]، وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين والمبدأ الذي لا يتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها العامة.

ثالثاً: ومع ما سبق فإن حالات الإلزام قانونياً ، أو وظيفياً، مسموح بها شرعاً، إضافة إلى ما سبق استفتاؤه في قرارات الدورة السادسة.

 

 

[7] – الزبيدي    تاج العروس        3/443

[8] – شرح مسلم للنووي             11/156

[9] – الباجي       المنتقى على الموطأ     5/41

[10] – القرافي          الذخيرة            5/93

[11] النووي           المجموع            9/258

[12] – المواق      حاشية على مواهب الجليل              4/365

[13] – الحطاب        مواهب الجليل        4/ 322

[14] – المواق    حاشية على مواهب الجليل   5/390

تأثر الفتوى بمفهوم الاستطاعة والنوازل المستجدة

 

بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

 

“تأثر الفتوى بمفهوم الاستطاعة والنوازل المستجدة”

عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

 

في هذا البحث الوجيز 1- تعريف الفتوى 2- أصل اعتبار الاستطاعة وتعريفها ومفهومها وتوظيفها في الحج 3– التيسير مقصد من مقاصد الشريعة ناشئ عن مشروعية الاستطاعة. 4–قواعد ذات علاقة بالاستطاعة 5–أمثلة.

الفتيا اصطلاحاً: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه.

قال القرافي: إنها إخبار عن الله تعالى فالمفتي كالمترجم ، قال الزقاق في المنهج بعد تعريف الحكم معرفاً الفتوى:

  …………………..           ورَسْمُهَا: إِخْبَارُ مَنْ  قَدْ عُرِفَا

بَأَنَّهُ أَهْــلٌ بِحُكْمٍ شُــرِعَا      والحُكْمُ وهْيَ فِي سِواهُ اجْتَمَعا.

قال في التكميل:

    إِخْبَارٌ الفَتْوَى كَمَنْ يُتَرْجِمُ    والحُكْمُ إِلزَامٌ كنَائِبِ اعْلَمُوا

وعن ابن القيم: المفتي بمنزلة الوزير الموقع عن الملك.

وقد أسند جل وعلا الفتوى لنفسه فقال تعالى:  } وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ { } يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ { ِ.

الاستطاعة:

أصل من أصول التكليف وأساس من أسس الرخص والتخفيف، قال في مراقي السعود ناظماً لجمع الجوامع:

   العلم والوسع على المعروف     شرط يعم كل ذي تكليف

قال إمام الحرمين في البرهان: يكلف المتمكن ويقع التكليف بالممكن.

والوسع والطاقة والتمكن والإمكان بمعنى الاستطاعة.

 وأصلها من الكتاب والسنة: (فاتقوا الله ما استطعتم) قال تعالى( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) وقال تعالى( وعلى الموسع قدره) (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يارسول الله فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه”.

ذلك هو أصل الاستطاعة بعمومها وفي الحج بخصوصه ورد قوله تعالى( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)

وقوله صلى الله عليه وسلم: وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا” متفق عليه، وفسرها عليه الصلاة والسلام بأنها “الزاد والراحلة”، كما في حديث الترمذي وابن ماجه والدار قطني.

ولهذا صار جمع من العلماء إلى أنه لا بد من ملك الزاد والراحلة فعلا ولا يحج بسؤال الناس على مذهب الجمهور ولا يحج إلا بما فضل عن قوت عياله ومسكنهم وخدمهم لما ورد في حديث أبي داود عنه عليه السلام : كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت”. ولا يبيع عقارا يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقتهم أو بضاعة يختل ربحها بالبيع فتنقص بذلك عن نفقتهم.

ثم إن الاستطاعة نتفاوت والواجبات تتفاوت كذلك فقد يكون المرء مستطيعاً من وجه عاجزاً من وجه.

ويمثل لذلك بالعذر المبيح للتيمم، فقد يكون المرء قادرا على استعمال الماء لكنه فاقد الماء أو ليس عنده إلا ما يكفيه لشرابه، وقد يكون واجداً ماءا إلا أنه لو استعمله لمرض بحمى ونحوها فهو قادر من جهة توفر الماء عاجز من جهة المرض.   

     

قال الرَّاغِبُ : الاستطاعَةُ عندَ المُحَقِّقينَ : اسمٌ للمعاني التي بها يَتَمَكَّنُ الإنسانُ مِمّا يُريدُه من إحداثِ الفعلِ وهي أَربعَةُ أَشياءَ : بِنْيَةٌ مَخصوصَةٌ للفاعِلِ وتَصَوُّرٌ للفِعْلِ ومادَّةٌ قابِلَةٌ لتأْثيرِهِ وآلَةٌ إنْ كانَ الفِعْلُ آلِيّاً كالكِتابَةِ فإنَّ الكاتبَ يحتاجُ إلى هذه الأَربعَةِ في إيجادِه للكِتابَةِ ولذلكَ يُقال : فلانٌ غيرُ مُستَطيعٍ للكتابَةِ : إذا فقدَ واحِداً من هذه الأَربَعَةِ فصاعِداً ويُضادُّهُ العَجْزُ وهو أَن لا يَجِدَ أَحَدَ هذه الأَربعةِ فصاعِداً ومَتى وَجَدَ هذه الأَربعةَ كلَّها فمُستطيعٌ مُطلَقاً ومتى فقدَها فعاجِزٌ مُطلَقاً ومتى وجَدَ بعضَها دونَ بعضٍ فمُستَطيعٌ من وَجهٍ عاجِزٌ من وَجهٍ ولأَنْ يُوصَفَ بالعجزِ أَولَى . والاستِطاعَةُ أَخَصُّ من القُدْرَةِ وقوله تعالى : ” ولِلَّه على النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلاً ” فإنَّه يحتاجُ إلى هذه الأَربعة وقولُه صلّى الله عليه وسلَّم : ” الاستِطاعَةُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ ” فإنَّه بيانٌ لِما يُحتاجُ إليه من الآلةِ وخصَّه بالذِّكْرِ دونَ الآخر إذْ كانَ مَعلوماً من حيثُ العقلُ مُقتَضى الشَّرعِ أَنَّ التَّكليفَ من دونِ تلكَ الأُخَرِ لا يَصِحُّ . ( التاج   5/444)

وبذلك ندرك أن الاستطاعة مفهوم واسع لا يعنى عدم القدرة البتة؛ ولهذا فإن مقصد التيسير يلتقي مع مفهوم الاستطاعة وهو مقصد مؤصل من الكتاب والسنة.

 

قاعدة التيسير ورفع الحرج وتجلياتها

قال أبو إسحاق الشاطبي:”المسألة السادسة” : فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى:} وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ { وقوله} رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا{ وفي الحديث:”قال الله تعالى قد فعلت” وقد جاء:} لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{  }يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ{ و } وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ { و}يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً{ و} مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ { وفي الحديث:” بُعِثتُ بالحَنِيفية السمحة” وحديث:”ما خُيِّرَ رسولُ الله r بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُما أَيْسَرُ من الآخَرِ إلاّ اخْتَار أَيْسَرَهُما مَا لَمْ يُكنْ إِثْماً فَإنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ”.

وإنما قال:” ما لم يكن إثماً ” لأن ترك الإثم لا مشقّة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه ذلك مما في هذا المعنى. ولو كان قاصداً للمشقة لما كان مريداً لليسر ولا التخفيف ولكان مريداً للحرج والعسر وذلك باطل.

والثاني: ما ثبت أيضاً من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعاً على مطلق رفع الحرج والمشقّة ، وكذلك ماجاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال.

ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكلف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف.

 

مما يرجع إلى الاستطاعة قاعدة عموم البلوى:

وهو الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيراً من الناس ويتعذّر الاحتراز منها.

أو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال.

عسر الاحتراز:

ومعناها صعوبة التحفظ عن أمر وهي في العبادات وغيرها. قال الكاساني: كل فضل مشروط في البيع ربا سواء كان الفضل من حيث الذات أو من حيث الأوصاف إلاّ ما يمكن التحرز عنه دفعاً للحرج.

وعبّر عنه القرافي بالتعذر حيث قال: المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف. 

 

المشقة:

وهي أنواع نقتبس من اختصار فروق القرافي: اعلم أن التكليف إلزام الكلفة على المخاطب يمنعه من الاسترسال مع دواعي نفسه هو أمر نسبي موجود في جميع أحكامه حتى الإباحة.

ثم يختص غير الإباحة بمشاق بدنية بعضها أعظم من بعض . فالتكليف به إن وقع ما يلزمه من المشاق عادة أو في الغالب أو في النادر كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك، لم يؤثر ما يلزمه في العبادة لا بإسقاط ولا بتخفيف لأن في ذلك نقص التكليف إن لم يقع التكليف بما يلزمه من المشاق كان التكليف على ثلاثة أقسام:

الأول: متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف كالخوف على النفوس أو الأعضاء والمنافع لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة مع الخوف على ما ذكر لثوابها لأدى لذهاب أمثالها. 

الثاني:       متفق على عدم اعتباره في ذلك كأدنى وجع في أصبع لأن تحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة المشقة. 

الثالث:      مختلف فيه فبعضهم يعتبر في التخفيف ما اشتدت مشقته وإن بسبب التكرار لا ما خفت مشقته وهو الظاهر من مذهب مالك.

فيسقط التطهير من الخبث في الصلاة عن ثوب المرضع كل ما يعسر التحرز منه كدم البراغيث ويسقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم الماء والحاجة إليه والعجز عن استعماله.

هذه الأقسام الثلاثة تطرد في جميع أبواب الفقه فكما وجدت المشاق الثلاثة في الوضوء، كذلك نجدها في العمرة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل وغضب الحكام وجوعهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك . وكذلك الغرر في البيع ثلاثة أقسام وهكذا في كل أبواب الفقه.

 

تأثر الفتوى بعوارض الاستطاعة في الزمان والمكان نفياً للحرج نقتبس من إعلام الموقعين لابن القيّم في تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد: هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالّة عليه وعلى صدق رسوله r.

ومن القرافي في الفروق: والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج إيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحاً مستغنية عن النيّة.

 عدم الاستطاعة تلجؤ إلى العمل بالضعيف بشروط العمل بالضعيف ثلاثة: أن لا يكون القول المعمول به ضعيفاً جداً وأن تثبت نسبته إلى قائل يُقتدى به علماً وورعاً وأن تكون الضرورة محققة ومعناها الحاجة أو المشقة وحينئذ يترجح الضعيف كما نص عليه البناني نقلا عن المسناوي من المالكية ونظمه سيدي عبدالله في مراقي السعود:

     وذِكْرُ ما ضَعِّفَ لَيْسَ للعَمَلْ         ………………………

إلى قوله : وكَوْنِهِ يُلْجى إليهِ الضَّرَرُ         إنْ كانَ لَمْ يَشْتَـدّ فِيهِ الخَوَرُ

        وثَبَتَ العَزْوُ وقَـدْ تَحَقَّقَا            ضُرّاً من الضُّرِّ بِهِ تَعَلَّـقَا.

وهذا طريق لاحب للفقهاء لا يمترى فيه من عرف مقاصد الشريعة وذاق طعم حكمها ووزن الأحكام بميزانها الذي لا يحيف.              

وقد يعتبر البعض أن هذا من باب التساهل في الفتوى المنهي عنه وليس الأمر كذلك فمعنى التساهل عند ابن الصلاح: هو أن لا يتثبت “الفقيه” ويُسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنطقة وذلك جهل. ولأن يُبطئ ولا يخطئ أكمل به من أن يعجل فيضل ويُضل، وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلباً للترخيص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه.

وبذلك يتضح أن التساهل غير التسهيل.

وقاعدة النظر في المئالات إنما هي في حقيقتها قاعدة الموازنة بين مصلحة أولى بالاعتبار أوبين مصلحة ومفسدة ، إلا أنها في الغالب تعنى أن المصلحة أو المفسدة المرجحة متوقعة.

وهذا التوازن أساس من أسس الفتوى والاجتهاد لا يجوز للفقيه أن يغفل عنه أو يتغافل فالمصالح ليست على وزان واحد كما أن المفاسد ليست على وزان واحد وبالتالي درجة الحكم بحسب درجة المصلحة اكادة في الواجبات أو درجة المفسدة فقد يترك الواجب للمحافظة على الواجب الآكد وإرتكاب المفسدة الصغرى لتفادي المفسدة الكبرى.

ولعل قصة الخضر وموسى عليهما السلام تقدم أروع مثال في هذا السياق من قتل الغلام وخرق السفينة تفادياً لمفاسد متوقعة هي الطغيان والكفر الذي سيحمل عليه والده ﴿ فخشينا أن يرهقهما ظغياناً وكفرا ﴾ وخرق الخضر السفينة خشية أن يغصبها الملك ﴿ فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾

ومن هذا المنطلق في وزن المصالح والمفاسد ومراعاة أنواع المشتقات ودرجة الواجبات يقوم ميزان الاستطاعة بالقسط فرمي الجمار ليس كطواف الإفاضة والمبيت بمنى ليس كالوقوف بعرفة فالمنجبر بالدم ليس كغيره وما اختلف فيه العلماء ليس كما اتفقوا عليه وما دليله قول صريح ليس كما دليله فعل محتمل وما دليله فعل ليس كما دليله ترك.

والاستطاعة تختلف باختلاف الزمان والمكان إذ أن الاستطاعة من الكلي المشكك الذي يختلف في آحاده قوة وضعفاً مقابل المشقة التي هي متفاوتة.

فهناك نوازل جديدة بالكلية كالصلاة بالطائرة لم يكن لها نظير لتقاس عليه، وإنما تؤخذ من وجوب ا لعمل بقدر الطاقة؛ ولهذا اصلوا لقاعدة الميسور لا يسقط بسقوط المعسور.

وهناك قضايا مستجدة بالنوع قديمة بالجنس، بمعنى أن المقتضى والمواجب أصبح أقوى مما كان عليه، فالرمي كانت فيه مشقة من الدرجة الثالثة التي لا تأثير لها ولكنها بسبب الأعداد الهائلة من الحجاج انتقلت إلى الدرجة الثانية المؤثرة على خلاف أو الأولى التي لا خلاف في تأثيرها.

وهذا هو تحقيق المناط الذي تترتب مراجعة الحكم على ضوء ما عرف من الشارع من مراعاة ذوى الأعذار مما تحرر منه بالاستقراء مقصد شرعي هو التيسير وترتبت عليه أحكام فرعية وكذلك في المبيت بمنى؛ وهو موضوع خلاف.

من شأن ذلك أن يرفع شق الخلاف المرجوح إلى الرجحانية لأن دليل القول المرجوح دعمه المقصد الشرعي في التيسير بناء على تغير المقتضيات وتطور المعطيات.

وهكذا فإن الميزان الثلاثي: الجزئي – والمقصد الكلي –وواقع القضية “المشقة” “المصلحة المتقاضاة” “المفسدة المتحاماة” هو الذي سيكون أساس الفتوى التي تخضع للمؤثرات التي يزنها الفقه حسب معايير دقيقة لا تكون متاحة لمن يجمد على ظواهر النقول ولا لمن يتحلل منها معتمدا على نتائج العقول، وكان بين ذلك قواماً.

والله ولي التوفيق. 

عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيـّه

 


الموسوعة الفقهية الكويتية 32/     وشرح المنتهى3/456

– المنجور   شرح المنهج    ص614

[3] سورة الأعراف       الآية 157

– سورة البقرة         الآية 286

 أخرجه مسلم عن ابن عباس باب الإيمان حديث رقم180

– سورة البقرة       الآية 286

– سورة البقرة        الآية 185

– سورة الحج        الآية 78  

– سورة النساء       الآية 28

– سورة المائدة       الآية 6

– الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه حديث رقم 21260 باقي مسند الأنصار.

– الحديث أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها كتاب الفضائل رقم 6047

– الشاطبي      الموافقات      2/121- 122

– ابن عابدين       رد المحتار     1/310

– البزدوي        كشف الأسرار      3/16

– نفس المرجع       5/187

– القرافي       الفروق            3/198

– ابن حسين المالكي    تهذيب الفروق          1/131-132

– ابن القيم    إعلام الموقعين     3/11

– القرافي         الفروق     1/176- 177

– ابن الصلاح      أدب الفتوى وشروط المفتي   ص65 

 

ياأهل لبنان … مقابلة صوتية مع العلامة عبدالله بن بيه

استماع تحميل

“في رحاب الشريعة”(4)

استماع تحميل

يا فضيلة الشيخ.. العلامة عبدالله بن بيه

اذاعة اسلام اون لاين

استماع تحميل

تحالف القيم بين الشعوب

الدروس الحسنية

استماع تحميل

فقه الأقليات المسلمة : ضوابط واحكام

قناه الحوار

استماع تحميل

حلف الفضول

استماع تحميل

قناة الجزيرة

فتاوى رمضانية

قناه اقرا

استماع تحميل

لقاء خاص

استماع تحميل

التلفزة الموريتانية