ارشيف ل August, 2010

Building Peace in Pakistan (1) پاکستان میں بلڈنگ سلام

The shaykh addressed his comments to the situation in Pakistan

في رسالة بثها التلفزيون الباكستاني : العلامة ابن بيه يدعوا الجماعات المتمردة في باكستان الى الاستماع الى صوت الحكمة والشرع

دعا العلامة عبد الله بن بيه – رئيس المكز العالمي للتجدي والترشيد -الجماعات المتمردة في باكستان الى مراجعة نفسها والإنصات لصوت الشرع والعقل. وقال ابن بيه في حوار اجراه معه التلفزيون الباكستاني الرسمي بعنوان “بناء السلام في باكستان” : انني اقول وبعبارات واضحة وقاطعة ان الغالبية الساحقة من العلماء المسلمين لايجيزون التفجيرات الأنتحارية واستهداف المدنيين ويرون انها ليست من الإسلام في شيء.
وختم بالقول ان العالم الاسلامي- وباكستان تسكن القلب منه- ينبغى ان يشرع في التنمية والنهوض والا يستمربعض ابناءه في اشعال الفتن والحرائق. يذكر ان اللقاء قد تم بثه في ساعات الذروة على التلفزيون الرسمي ولقي ترحيبا كبيرا من المشاهدين الذين عبروا عن سرورهم بشاهدة شخصيات اسلامية ذات وزن دولي تتدخل لمساعدة باكستان في تجاوز موجات الغلو والتفجير.

لمشاهدة الحوار :

فتاوى رمضان5

حلقات افتائية يجيب فيها الإمام ابن بيه على كل مايتعلق بشهر الصوم من مسائل فقهية وروحية

لقاء خاص مع التلفزة الموريتانية -3

لقاء خاص اجرته التلفزة الموريتانية مع العلامة ابن بيه.

الولاء بين الدين وبين المواطنة ( نموذج المسلمين في بلاد الأقليات)

                                                           الولاء بين الدين وبين المواطنة

العلامة : عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

 

قال تعالى “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا…” وقال سبحانه وتعالى “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” وقال جل وعلا “الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ” وقال” لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ””وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ” وقال تعالى “فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ”، “وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا”

وقال عليه الصلاة والسلام : إن بنى فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المؤمنون”. “من كنت مولاه فعلي مولاه”. وقال علية الصلاة والسلام :” الولاء لمن أعتق”. وقال:”الولاء لحمة كلحمة النسب”. “وأيما امرأة نكحت بغير أذن وليها”. وجاء في حديث المسند ” البلاد بلاد والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيراً فأقم”. وفي حديث ابن حبان: يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء وأسكن من أرض قومك حيث شئت”، والولاء يفتح ويكسر فإذا فتح كان اسم مصدر وإذا كسر كان مصدراً مقيساً من والاه موالاة وولاء وأصله من فعل ولي إذا قرب ودنا ومصدره وَلْيُ كما في قول علقمة:

يُكلِفُني لَيلى وَقَد شَطَّ وَلْيُها       وَعادَت عَوادٍ بَينَنا وَخُطوبُ

واسم الفاعل منه الوليُّ وله معان كثيرة منها المحب والصديق والنصير وفي معناه المولى ويطلق على واحد وعشرين معنى منها الرب جل وعلا والمالك والمُعتق والقريب والجار والحليف والعم والشريك والنزيل والناصر والمُنعم والمنعم عليه والمحب والتابع …إلى آخره، وهي معان منتشرة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ويقول مرتضى الزبيدي في تاج العروس: وأكثرها (هذه المعاني) قد جاءت في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه”، ومعنى ذلك أن الأمر يرجع إلى السياق لأنه لفظ مشترك ، وليس حقيقة لا لغوية ولا شرعية ولا عرفية يتعين حمل الكلام عليها،  بل إن القرائن والسياقات هي التي ترشح محمله ، وهذا المعروف عند اللغويين، إلا أن بعض طوائف المسلمين الذين جعلوا من قوله عليه الصلاة والسلام :” من كنت مولاه فعلي مولاه” مبدأ عقدياً وقد بالغوا في مفهوم الولاء والولاية حيث استبعدوا الولاية لغير عليِّ رضي الله عنه من الخلفاء كما هو معروف، وقد تختلف المصادر باختلاف المعنى فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والعتق، والولاية بالكسر في الإمارة، والوِلاء في العتق والولاء ، والموالاة من والى القوم موالاة مصدران مقيسان، وقال بعضهم: الوَلاء بالفتح للقرابة والولاء بالكسر ميراث يستحقه شخص بسبب عتق شخص في ملكه أو بسبب عقد موالاة كما كان في صدر الإسلام “وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ” ولهذا فإن المنطلق اللغوي واختلاف المدلول حسب السياق يجعلنا نقرر أن هذا المفهوم ليس جامداً أو حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة وإنما يعنى أحياناً انتماء إلى الدين بنصرته وموالاة أهله وبخاصة في حالة الاعتداء عليه وفي هذا السياق ” إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا” أو انتماء للقرابة وفي هذا السياق  “وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ” ” وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي” أو ولاء برابطة الحلف والعتق “فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ” وإني لأعجب ممن يناضل عن السنة ويحارب البدعة بدءا من المصطلحات إلى المضامين فهو ينكر المجاز لأنه ما نطق به الأولون فراراً من البدعة والحدث ثم يُحْدِثُ مصطلحاً حذر منه السلف ويتكلف له ويحيطه بسياج من الأفعال والمظاهر بدلاً من إجراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على مجاريها وفهمها في سياقها لتتضامن مع الآيات الأخرى التي تحث على التضامن مع بقية البشرية كلها في أوجه الخير والتعاون معها في مواجهة الشر كما يدل عليه حديث حلف الفضول وحديث فديك :” يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء واسكن من أرض أقومك حيث شئت”، وتدل عليه وثيقة المدينة التي أخرجها ابن إسحاق في سيرته.

حيث تتشكل منظومة من الولاءات تدل عليها مجموعة الآيات والأحاديث النبوية التي تزكي القيم الصالحة أياً كان مصدرها وتذم الرذائل والعدوان والطغيان، وهذا ما تشهد له أكثر الآيات القرآنية التي توجه البراءة إلى الأعمال لا إلى الرجال قال تعالى :”وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ”  “وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ “يونس41 :وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ : “قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ” ” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ “، وقد وردت البراءة من الأشخاص في سورة الممتحنة في قوله حكاية عن إبراهيم قوله: “إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ “، كما ورد في صدر سورة التوبة براءة من المشركين في سياق إلغاء العهود والإنذار بالحرب بعد أن أسلم أهل الجزيرة العربية ولم يبق إلا عصابات تخريبية،  وفي الحديث: إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، ووجه هذا الكلام أن المرء قد يكون فيه ما يبغض وما يحب،  فيحب من وجه ويبغض من وجه لهذا كانت البراءة من العمل وليس من الرجل في الغالب. والله اعلم.

وأنكر أحمد بن حنبل إمام أهل السنة رحمه الله تعالى الولاء والبراء قائلاً –كما رواه عنه الأصطخري-: والولاية بدعة والبراءة بدعة وهم الذين يقولون نتولى فلاناً ونتبرأ من فلان وهذا القول بدعة فاحذروه. ( طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين الفراء 1/35)

وفي كتاب السنة لعبدالله بن أحمد رد السلف الصالح هذا الشعار بأشد العبارات لأن البراءة التي وردت في مطلع سورة التوبة موجهة إلى المشركين في سياق محدد يتعلق بالعهد والحرب والسلام وأعلن في تلك السنة في الحج الأكبر إعلاناً لنهاية علاقة كانت قائمة بعد أن أسلم جل أهل الجزيرة العربية، لكن بعض الطوائف المسلمة جعلته شعارا تتبرأ فيه من فلان وتوالى فيه فلاناً فأنكر من أدركه ذلك من السلف فقال: كان أبو سعيد الخدري يقول: الشهادة بدعة والبراءة بدعة والإرجاء بدعة، وعن أبي البختري، قلت لشريك عن علي رضي الله عنه فذكره، قال: «الإرجاء بدعة، والشهادة بدعة، والبراءة بدعة»، وعن سلمة بن كهيل، قال: اجتمعنا في الجماجم أبو البختري وميسرة وأبو صالح وضحاك المشرقي وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة والولاية بدعة والبراءة بدعة والشهادة بدعة، وعن سعيد الطائي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : « الولاية بدعة ، والإرجاء بدعة، والشهادة بدعة»(1).

قال الأشعري رحمه الله تعالى في “مقالات الإسلاميين” واصفاً غلو بعض المبتدعة في الولاء والبراء: ومن العطوية أصحاب عبد الكريم بن عجرد ويسمون العجاردة وهم خمس عشرة فرقة: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنه يجب أن يدعى الطفل إذا بلغ وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام ويصفه هو.

 – والفرقة التاسعة من العجاردة الصلتية أصحاب عثمان بن أبي الصلت والذي تفرد به أنه قال: إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعون إلى الإسلام فيقبلونه، أما تنزيل آيات النصر والولاية والحب وأحاديث الولاية والنصر والحب على هذا المصطلح وجعله مصطلحاً إقصائياً يطرد كل علاقة مع الغير فهو غير سديد لأنه يهمل مضامين آيات وأحاديث أخرى تحث على البر والأقساط والقسط والتعاون على البر والتقوى مع كل الناس وقد نسب الأنبياء إلى أقوامهم ” وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ” “وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ” “وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ” وتحكى حبهم لأقاربهم من غير تعنيت ولا تبكيت ”  إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ “، وحبهم لبلادهم واشتياقهم لها كما في حديث أصيل: قدم أصيل الهذلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فقال رسول الله: يا أصيل ، كيف تركت مكة ؟ قال : يا رسول الله ، تركتها وقد احجن ثمامها واغدف اذخرها وامشر سلمها فقال ايها أصيل دع القلوب تقر.” كما في كتب السير، وهذا الانتماء إلى الأقوام وحب الديار والأوطان هو ضرب من الولاء.

أما المواطنة: فلها مفهوم جديد فهي تعرف الآن بأنها عبارة عن علاقة متبادلة بين أفراد مجموعة بشرية تقيم على أرض واحدة وليست بالضرورة منتمية إلى جد واحد ولا إلى ذاكرة تاريخية موحدة أو دين واحد إطارها دستور ونظم وقوانين تحدد واجبات وحقوق أفرادها إنها شبه جمعية تعاونية ينتمي لها بصفة طواعية أفرادها بشكل تعاقدي فالذي ينضم اليوم إليها له نفس الحقوق التي كانت لأقدم عضو.

إن قيم هذه المجموعة في المفهوم الحديث هو عكس المفهوم التاريخي الذي يقوم على العرق أو الدين أو التاريخ المشترك على فرضية أن التنوع نفسه يصبح قيمة كبرى من خلالها يكون الانسجام من طريق التفاعل بين مختلف الخصوصيات للوصول إلى المصالح الكبرى للمجموعة بتفعيل المشترك الإنساني وتحييد عنصر الإقصاء والطرد كما يستبعد عنصر نقاء النسب الذي يؤدي إلى تقسيم المواطنين إلى درجات كما كان عند الرومان أو العرب في عصر الجاهلية، المواطنة رباط أو رابطة اختيارية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور أو ما سماه الفيسلوف الألماني هابرماس بالوطنية الدستورية أي شعور الفرد بانتمائه إلى جماعة مدنية مؤسسة على المشاركة في القيم الأساسية.

والمواطنة تتسامى على الفئوية لكنها لا تلغيها والمطلوب أن تتواءم معها وتتعايش معها تعايشاً سعيداً، لعل ذلك أهم تحول في مفهوم المواطنة في العصر الحديث ولعله هو أهم جسر لتكون القيم الدينية لكل مجموعة بشرية محترمة ومقبولة وإن هذا يلتقي مع مفهوم الإسلامي للتعايش البشري والمسلم لا يجد حرجاً بل قد يكون متعاونا معها، في هذا المنعطف التاريخي لتشكل المجتمع الغربي الذي يكون المسلمون كغيرهم جزء منه ومن خلال الوحدة الكبرى لأوربا على المسلمين أن يشاركوا في تحقيق مفهوم المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتماءات وذلك عن طريق فهم صحيح وتقويم سليم للموروث التاريخي الأوربي والمتغيرات التي حدثت في العالم ليكونوا مدركين لمشكلات أوطانهم وعلى دراية بأسبابها وطبيعتها حتى يتفاعلوا مع الأغلبية ويصوغوا معاً المعايير الجديدة للمواطنة وذلك ما لا يكون إلا بنوع من تجاوز الذات لتحديد أبعاد المواطنة التي سيكون من أهمها بالنسبة للأقليات احترام الآخر والاعتراف بوجود ديانات وثقافات مختلفة وتحقيق الحريات والاشتراك في إدارة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن العنف، لتكون المواطنة بوتقة تنصهر فيها كل الانتماءات وبقدر الانسجام والانتظام بين هذه العناصر والجماعة يجد المواطن نفسه والجماعة مكانتها، وإذا كان الانتماء مفهوم نفسي ، اجتماعي ، فلسفي ، وهو نتاج العملية الجدلية التبادلية بين الفرد والمجتمع أوالجماعة التي يفضلها المنتمي ، باعتبار الانتماء ذا طبيعة نفسية اجتماعية ، فإن وجود المجتمع أو الجماعة هام جداً كعالم ينتمي إليه الفرد ، حيث يعبر عن الانتماء بالحاجة إلى التجمع والرغبة في أن يكون الفرد مرتبطاً أو يكون في حضور الآخرين ، وتبدو هذه الحاجة وكأنها عامة بين أفراد البشر، لهذا فيمكن اعتبار الولاء دوائر ومراتب وبإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلاً من أن تتصادم وتتقاتل فالولاء للدين أمر مسلم به عند كل مسلم بل بالنسبة لكل متدين وهو أعلى قمة هرم الولاءات، وهو لا يطرد الولاء للوطن بمفهوم المواطنة ألذي أشرنا إليه إذ هو لا يتنافى والولاء للدين ما دام عقد المواطنة لا يشتمل على خروج من الدين أو انصراف عن الشعائر أو حجر على حرية المسلم أن يعيش إيمانه.

إن العلاقة بين عقد المواطنة وبين الدين يمكن أن يتصور في دوائر منها ما هو مطلوب شرعاً ومرغوب طبعاً كحق الحياة والعدالة والمساواة والحريات وحماية الممتلكات ومنع السجن التعسفي والتعذيب وحق الضمان الاجتماعي للفقراء والمسنين والمرضى والتعاون بين أفراد المجتمع للصالح العام وما يترتب عليه من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن الوطن ضد العدوان والامتثال للقوانين وفاء بعقد المواطنة وهذا في حقيقته يدخل في الوفاء بالعهد واحترام مقتضياته وذلك داخل في الولاء للدين ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ”، وإن وسائل ما تقدم من اشتراك في الانتخابات وانتساب إلى الأحزاب والجمعيات له حكم مقاصدها كما هو مقرر في كتب أصول الفقه وبخاصة عند العز بن عبدالسلام والقرافي وغيرهما.

ويدخل في التعاون على البر والتقوى قال تعالى ” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”، وقد نزلت في العلاقة مع المشركين المحاربين فكيف لا يجوز مع المواطنين المسالمين فإن العلاقة مع هؤلاء تحكمها آية الممتحنة “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “

 

 

إن القيم الكبرى للعلمانية المحايدة تعتبر قيماً إيجابية من:

1- احترام المعتقدات 2- والحياد بين مختلف الديانات 3- الاعتراف بحقوق الإنسان الفردية والجماعية تسهر الدولة على حمايتها. 4- حق الاختلاف والتنوع والتغيير عن خصائص الأفراد والجماعات.

5- حق التحاكم أمام المحاكم الطبيعية لاستخلاص الحقوق وترتيب واجبات على الأفراد في احترام القوانين ودفع.  دفع الضرائب للإسهام في المجهود الوطني لتسيير المؤسسات.

6- الدفاع ضد العدوان.

كل ذلك لا يتنافى مع القيم الكبرى التي تدعو إليها الديانات السماوية وبخاصة الدين الإسلامي الذي يدعو إلى البر والمحبة والأخوة الإنسانية، وبطبيعة الحال فإن المنطقة الرمادية في التفاصيل ، وكما يقول المثل: فإن الشيطان يقبع في التفاصيل، فقد يفسر البعض العلمانية تفسيراً يزحزحها عن الحياد لتكون تدخلية في خصائص الأقوام وأداة تسلط على المعتقدات وهذا انحراف عن المعنى الأصلي للعلمانية، وعلى كل الفئات أن تظل متمسكة بعلمانية هي وسيلة للتحرر النابع عن القناعة الشخصية وليس خاضعاً لمذهب إيديولوجي شمولي يريد أن يفرض مفاهيم خاصة بناء على أوهام ذاتية.

كما أن على الفئات بالمقابل أن تظهر تجاوزا لبعض المظاهر النفسية للفئة التي تجعلها وكأنها ليست معنية بالهم الوطني الاجتماعي والاقتصادي والأمني وأن تكذب تكهن أولئك الذين يريدون شيطنة تلك الفئة التي يستجيب بعض سفهائها فيرتكبون عمليات تخريب أو إرهاب فيصبحون بذلك حلفاء طبيعيين للمتطرفين من الجانب الآخر الذين يبتهجون لذلك.

إننا نبحث عن تعاون وتضامن بين القيم وليس عن صدام وصراع، ولهذا فإن حملة القيم سيتحالفون للارتقاء بالأوطان ” فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ” وخلاصة القول: أن الولاء هو انتماء وعلاقة بالناس وبالأفكار وبالقيم وقد يكون من المناسب ونحن نتناول هذا الموضوع في ديار الغرب أن نقرر أن الولاء للوطن ليس منافياً للولاء للدين في حدود الضوابط الشرعية الممكنة وأن الولاء هو ولاء للقيم والبر بالوطن والمواطنين قيمة يُزكيها  الشرع والعقل وعلى المسلم “أن يهجر السوء ” كما في حديث فديك، والسوء درجات ومراتب فلا يوالي في تبديل دينه وهذا أعلى درجات السوء بل عليه أن يتمسك بدينه “ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت”. كما في الحديث المتفق عليه الوارد في الفتن.

وهو أمر لا مساومة فيه لو فرض أن ولاء ما أو انتماء يعارضه ويصادمه ثم تتدرج المراتب لتصل إلى المعاصي التي لا يجوز للمسلم أن يتعاون في ارتكابها إلا لضرورة حاقة لا مرد لها فلا يجوز أن يعتدي على دماء الناس ولا على ممتلكاتهم ولا يشارك في المحظورات والمحرمات التي تتفاوت مراتبها من محرمات مقاصد إلى محرمات وسائل، ومراتب الولاء التي أشرنا إليها هي التي سماها الشيخ الطاهر بن عاشور حالة الموالاة وقسمها إلى ثمان حالات عند تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران ” لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، قائلاً: والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقاً والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط وتعتورها أحكام وقد استخلصت من ذلك ثمانية أحوال”.

قلت: وقد جزم بالكفر في حالة واحدة وهي الموالاة في باطن الأمر ميلا إلى الكفر ونواء  لأهل الإسلام وهي حال المنافقين، أما الأحوال الأخرى فتفاوتت بين المعصية الكبرى أو دونها أو الجواز حسب المفسدة المتوقعة أو المصلحة المتوخاة، كما لاحظ العلامة ابن عاشور القيد الذي تشير إليه عبارة ( من دون المؤمنين)  ” الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ” ” لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ” ،فذكر اختلافاً في القيد والإطلاق في الموالاة ومعنى قيد ( من دون المؤمنين) أن يكون الولاء المنهي عنه إنما هو ما كان مبعداً للمؤمنين ومناهضاً أما الإطلاق فيعني النهي عن الولاء مطلقاً.

وفي الختام:

 فإنَّ الولاءَ والحب والنصرة والنصيحة لله ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم أمرُ لا مريةَ فيه، فمنه ما هو ركنُ ماهيةِ الدين وهو الإيمانُ بالله ورسوله وكتبه، ومنه ما هو من كمال الإيمان وتمامه وعلامة إشراق نوره على القلب وهو: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”. وقال عليه الصلاة والسلام كما في العديد من كتب السنن واللفظ لأبي داود : مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، نسأل الله أن يحشرنا في زمرة المحبين، إلا أنَّ هذا الولاءَ ليس سوراً معلقاً إقصائياً طارداً كلَ علاقةٍ دنيويةٍ بالناس لا تَكُر على أصل الإيمان بالنقص ولا تلبس المحبةَ بالبغض ولا الانقياد والطاعة بالرفض؛ بل تتعامل مع الناس في جلب المصالح ودرء المفاسد ، وتتبادل معهم عواطف الود ، وتتعامل معهم طبقاً لقانون الأخلاق وحسن العشرة بالكلمة الطيبة والعمل النافع، طبقاً لقوله تعالى :”وقولوا للناس حسناً” وقوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث الترمذي: وخالق الناسَ بخلق حسن”، فتقوم صداقات وتبرم عهود وصفقات، كل ذلك تزكيه العقولُ وتشهد له السيرة النبوية بالقبول، فقد فرح بانتصار النجاشي المسلمون وبانتصار النصارى على فارس المؤمنون كما في صدر سورة الروم.

 وأخيراً: فإن المسلمين في الغرب وهم يتضامنون ويوالون إخوانهم في الدين عليهم أن يتجنبوا الشطط والغلو في التعبير عن عواطفهم وبخاصة إذا ترتب على ذلك من الفساد ما يفوق كل المصالح التي قد تكون موهومة ذلك هو الميزان الذي يقوم على الفقه في الدين والنظر في المئالات والتحلي بالحصافة بالإضافة إلى معرفة واقع العولمة الذي لم يترك بلداً إلا وأصابه من الابتلاء بالمخالفات العلانية للدين ما أصابه وإن كانت البلاد تتفاوت.

                   

الهوامش:

1- عبدالله بن أحمد كتاب السنة 1/318.

لقاء خاص مع التلفزة الموريتانية -2

لقاء خاص اجرته التلفزة الموريتانية مع العلامة ابن بيه.تحدث فيه عن الارهاب ودور العلماء والمركز العالمي للتجديد والترشيد.

لقاء خاص مع التلفزة الموريتانية -1

لقاء خاص اجرته التلفزة الموريتانية مع العلامة ابن بيه.تحدث فيه عن الارهاب ودور العلماء والمركز العالمي للتجديد والترشيد.

العلامة ابن بيه يحاضر في المغرب عن”التجديد بين الدعوة والدعوى”

في اطار الانشطة الثقافية والعلمية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني تستضيف المملكة المغربية محاضرة بعنوان: “التجديد بين الدعوة والدعوى” للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه. وذلك مساء الجمعة 17رمضان 1431 موافق 27 اغسطس 2010.

العلامة ابن بيه يحاضر في المغرب عن منهجية التجديد

تستضيف المملكة المغربية ممثلة في مؤسسة مسجد الحسن الثاني محاضرة بعنوان: “التجديد بين الدعوة والدعوى” للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه.
وذلك الجمعة 17رمضان 1431 موافق 27 اغسطس 2010.

على العلماء والفقهاء أن يلتزموا بخطاب يتسع للجميع

القى العلامة الإسلامي الموريتاني الدكتور الشيخ عبدالله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، محاضرة عن ” الخطاب الديني الإسلامي المعتدل في مواجهة الخطاب الديني المتشددفي مدينة ابو ظبي بدولة الامارات العربية وحضرها الدكتور حمدان مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة لشؤون الإسلامية والإوقاف.
وقال فضيلته إن المسلم إنسان عالمي، وبالتالي يجب أن يتحلى بالصفات الكاملة للإنسان بأوجه الخير المختلفة والبعد عن النقائص؛ لذا يتوجب على العلماء والفقهاء أن يلتزموا بخطاب يتسع للجميع، ولكن بانضباط يتسع لكافة الثقافات والديانات والمجتمعات دون تحلل من القيود الشرعية، وأن يقدم صورة منصفة ومبشرة للمسلمين .
وانتقد العلامة بن بيه عدم فهم المخطوطات الإسلامية كما حدث لمخطوطات شيخ الإسلام بن تيمية التي فسروها حسب أهوائهم، والتي أحلوا بجهلهم لها قتل الآخرين وكذلك جهلهم بفهم دلالات الألفاظ وتراجع الفهم للغة العربية وفنونها أو أسباب النزول، والذي أنتج متطرفين بالغرب والشرق يفتون بلا علم وألصقوا بالمسلمين تهما هي أبعد مما يكون منهم.
وقال “إننا نعاني من دعاة الغلو والتطرف الذين أساؤوا للدعوة الإسلامية، ونحن في أمس الحاجة إلى دعاة علماء ومتفقهين ولديهم القدرة على الاجتهاد لأن تجديد الخطاب الديني مهم للغاية وعلى العلماء أن تتضافر جهودهم لخدمة هذه القضية وتخريج علماء مؤهلين غير منبهرين بالغرب وغيرهم ومتحللين ولا متشددين، وضبط الإفتاء لأن الفتاوى في عصر العولمة أصبحت عامة رغم خصوصيتها في بعض الأحيان.
وأشار إلى أن حل مشكلة التشدد في الأحكام دون فهم ووعي لدلالات الألفاظ يكمن في الازدياد من الفقه، مؤكدا على أن المتشددين ليسوا على قدر كافٍ من العلم والفقه أو حتى اللغة العربية، مما أضر بالمسلمين بالداخل والخارج.
ولفت إلى أن المسلمين المتشددين الموجودين بالغرب قد تسببوا للمسلمين بأضرار بالغة في كل مناطق العالم، كما أن عدم معرفتهم بالأحكام الشرعية أو فهم للآيات حدا ببعضهم إلى تكفير الآخرين؛ وذلك لجهلهم بدلالات الألفاظ.
وأكد أن المسلمين يعانون حاليا وابتلوا من مسألة العنف الداخلي الموجود بالبلاد الإسلامية، لذا لابد من إخراج العالم الإسلامي من العنف الموجود بداخله باستخدام خطاب إسلامي متزن ملتزم بأحكام الشرع لتبرئة عالمنا الإسلامي من التهم الموجهة إليه بخطاب ديني منفتح، منضبط، مبشر، لكنه حازم موجه للعقول والعواطف مبادئه الكتاب والسنة، وصورته تخاطب الإنسان، وغاياته هداية الناس جميعا والقائم بذلك هو العالم.
وانتهى إلى أن الخطاب الإسلامي يقوم على قواطع وثوابت علمت من الدين بالضرورة هي أساس الدين ودعائمه كالألوهية والتوحيد والنبوة والرسالة ومكانة الإنسان في التشريع والكليات التي تحميه وتصوب حياته.
وهذه الثوابت يجب أن توظف كل الأساليب العلمية في بيانها وجمع الأمة حولها وتقديمها للبشرية مدعومة بالحجج العلمية والبراهين العقلية ليهدي الله تعالى بها من يشاء من عباده.

ضبط الفتوى.. ومنهجية المذاهب الأربعة

بقلم: || فضيلة الشيخ الدكتور عبـــدالله بــن الشيـــخ المحفــوظ بــن بيـــه||

بالنظر فيما نقل عن مختلف المذاهب ندرك بداهة أنها لا تختلف في اعتبار الكتاب والسنة مصدر التشريع وهو أصل عقدي للمسلم كما أنها تعتبر الإجماع والقياس مصدرين مبنيين على الأصلين وهذا في الجملة.

أما في التفصيل فإن ملامح الاختلاف تتحدد على ضوء اجتهاد يتوسع في معتبر الحديث فيعمل بالمراسيل والبلاغات والمنقطع والضعيف أحياناً مقدماً ذلك في الرتبة على معقول النص المدرك بالاجتهاد.

وبين مقتصر على اعتبار ما صح بمعايير حديثية صارمة تاركاً للاجتهاد بالقياس وما في حكمه أو للاستصحاب مساحة أوسع وربما قدم عمل الراوي على العمل بمرويه.

كما أن تفاصيل التعامل مع الإجماع يعرض فيها الاختلاف بين موسع لمفهوم ليشمل الإجماع السكوتيّ وسائر القرون والعصور. ومعتبر إجماع أهل المدينة. وبين مضيق في مفهوم الإجماع لحصره في النطقي ومن يحصره في إجماع الصحابة فقط.

إلى غير ذلك من التفاصيل. وكذلك فإن قياس العلة يتفق على اعتباره أكثر العلماء غير أن الاختلاف يعرض في أنواع أخرى من القياس كقياس الشبه وقياس العكس وكذلك بعض مسالك العلة.

أما الأدلة الأخرى كالمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وقول الصحابي وشرع من قبلنا. وبصفة عامة يختلف الأئمة في الأخذ بالمقاصد فمن متوسع في الأخذ بها متعمق في أغوارها دائر إيرادها وإصدارها ومن متشبث بالنصوص متمسك بأهدابها.

وكل المذاهب بدون استثناء اعتمدت قادة مجتهدين ومجتهدى مذهب ومقلدين متبصرين ومقلدين ناقلين وجعلت من سلك سبيلهم من عوام المسلمين في سعة في دينه وسداد في أمره كما أنها اعتمدت ما اشتهر من أقوال هؤلاء وترجح لكنها أيضاً ذكرت جواز العمل بغير الراجح وبغير المشهور لضرورة أو حاجة منزلة منزلتها بضوابطها التي ستراها في مبحث مستقل.

وبعد ما رأينا من منهجية المذاهب الأربعة في الفتوى وقبل ذلك منهجية أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن فتاوى العلماء المتأخرين بعد عصر المجتهدين يمكن أن تساعد في استقصاء مرجعية الفتوى في العصور المتأخرة مما يسعف في تجلية بعض الجوانب المساعدة على ضبط منهجية الإفتاء في هذه الزمان وبخاصة في فقه الأقليات الذي هو مجال تطبيق هذا الكتاب. فإنه بدراسة هذه الفتاوى وتصنيفها إلى مجموعات بحسب معتمد الفتوى وطريقة الاستنباط يمكن إبراز ثلاثة نماذج بعد عصر الاجتهاد.

||الأنموذج الأول||: فتاوى تعتمد الينبوع الأصلي من الكتاب والسنّة والقياس وأقوال الصحابة والتابعين، ويمثل هذا التوجه مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يعتمد اعتماداً واصباً على الكتاب والسنّة وأقوال السلف، يصحح ويرجّح أقوالاً للصحابة والتابعين شبه مهجورة إذا ظهر له أنها أسعد بالدليل والقواعد وهو لذلك يقرر أن الإجماع لا ينعقد بعد خلاف الصحابة.

||الأنموذج الثاني|| من الفتاوى: هو فتاوى مجتهدي المذهب والفتيا، وهذه الطبقة تعتمد مذهب إمامها لكنها ترجح في نطاق المذهب وفي بعض النوازل تستشهد بالكتاب والسنّة تعضيداً لما تذهب إليه وتتصرف تصرف المجتهدين إلاّ أن الغالب على هذه الطبقة أنها لا تخرج عن المذهب ولكنها تختار وتستظهر وتضع القواعد وتقسم وتقيس وتخرّج، وتمثّل هذه الطبقة فتاوى ابن رشد وهو يلجأ إلى ذلك غالباً في قضايا يلح فيها النزاع بين جمهرة العلماء، فترفع إليه أو يرد فيها على من انتقد قوله في مسألة.

أما || الأنموذج الثالث||: فهو طبقة المقلدين التي لا ترتقي في استدلالها إلى نصوص الشارع ولكنها تعتمد على روايات المذهب وأحياناً على أقوال المتأخرين وتخريجاتهم كفتاوى قاضي خانة من الأحناف، وعليش من المالكية وغيرهما، وهو الأنموذج الشائع الفاشي في القرون الماضية.

إن هذا التصنيف سيكون مقدمة ضرورية للتعامل مع البحر المتلاطم من الأقوال والآراء التي تزخر بها فتاوى الطبقات الثلاث من المفتين للتعرف على ضوابط الفتوى بالنسبة لكل طبقة ومرجعيتها في الإفتاء.

أن الضوابط في مجملها لا يختلف عليها فالمفتي يجب أن يكون عالماً ورعاً.

ولكن الاختلاف في ماهية العلم المشترط في الفتوى، فالعلم بالنسبة للمجتهد هو علم بالكتاب والسنّة كما قدمنا، وبالنسبة للمقلد علم بنصوص إمامه وفي كلتا الحالتين عليه أن يكون ورعاً غير متساهل في الفتوى. والمراد من هذا أن الفتاوى التي تصدر عن فقهاء هذا الزمن على أصحابها أن يصنّفوها في إحدى الطبقات حتى يلتزموا بالضوابط الشرعية لكل طبقة، فعندما يقيس المفتي عليه أن يلتزم بشروط القياس، وعندما يقلّد قولاً عليه أن يقلّد القول الصحيح، وعندما يقلّد الضعيف عليه أن يبيّن سبب ذلك. إن فتاوى أهل زماننا بحاجة إلى التأصيل على ضوء أصول فتاوى الأولين انطلاقاً من مجموع الضوابط والشروط التي وضعها العلماء سواء في العصور الأولى لازدهار الاجتهاد، أو تلك التي وصلوا إليها للضرورة والحاجة عندما أجازوا قضاء المقلّد وفتواه، بشرط أن يحكم بالراجح والمشهور وما عليه العمل بشروط أو ما به الفتوى الذي يوازي عند غير المالكية العمل عند المالكية.

كما تسوغ الفتوى بالضعيف للضرورة التي ليست ضرورة بالمعنى الفقهي التي هي الأمر الذي إذا لم يرتكبه المضطر هلك أو قارب الهلاك، فهذه تبيح المحرّم ولا يحتاج إلى قول لتستند عليه.

لكنها الضرورة التي تعنى الحاجة وهو تعبير مستفيض في كلام الفقهاء سنشرحه لاحقاً.

وأخيراً- الفتوى الجماعية: إنه من حسنات هذه الأمة المحمدية المحروسة المرحومة المعصومة إنها كما وصفها نبينا – صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحاديث “مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره”. رواه أحمد والترمذي عن أنس وأحمد عن عمار وأبو يعلى عن عليّ والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

وهكذا بدأ العصر الأول بالفتوى الجماعية وأشرنا إليها في حديثنا عن دليل الإجماع في عهد أبي بكر عليه رضوان الله، حيث كان يجمع رؤوس الناس وخيارهم ويستشيرهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به كما في حديث الدارمي. وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يستشير عشرة من فقهاء المدينة وبعض الناس يسمى ذلك بالاجتهاد الجماعي وليس الأمر كذلك.

فالاجتهاد في تعريفه إنما يرجع إلى قناعة شخصية لأنه بذل المجتهد وسعه للوصول إلى الحكم الشرعي ولكنه إفتاء جماعي. وقد أحيا العالم الإسلامي في مطلع القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجري الفتوى الجماعية بإنشاء المجامع الفقهية العالمية سواء كانت رسمية أو شعبية مستقلة.

إن هذه المجامع يجب أن تعني بالقضايا العامة التي من شأنها أن يكون لها أثر على الأمة سواء كانت قضايا سياسية كقضايا النظم: الشورى والديمقراطية ومشاركة المرأة.

أو قضايا اقتصادية كالاشتراك في الشركات العملاقة عابرة القارات مع ما يشوب معاملاتها من أوجه الفساد الشرعية.


والانخراط في المنظمات كمنظمة الغات للتجارة العالمية. وقد ركزت هذه المجامع على بعض القضايا الاجتماعية كالعلاقة بين الرجل والمرأة من حيث الواجبات والحقوق المتبادلة.

ويحتاج الأمر في البحث إلى

|| أولاً||: إلمام واسع بالواقع من كل جوانبه ورؤية شاملة لكن زواياه. وهو أمر يوجب على المجامع أن تعطى مكانة كبيرة للخبراء السياسيين والاقتصاديين وأيضاً للاجتماعيين دون إفراط في منحهم وظيفة إصدار الحكم الشرعي.

||أما المحدد الثاني||: فهو أن يرتفع أعضاء المجالس في معالجتهم للقضايا إلي النظر المتوازن بين الكلي والجزئي لتضع نصب عينيها المقاصد الشرعية الأكيدة دون أن تغيب عن بصرها وبصيرتها النصوص الجزئية التي تؤدي إلى إيجاد نسبية لاطراد المقصد وشموله إن ذلك بعينه هو الوسطية.

وهو أيضاً إحياء سنة الصحابة في عرض الأمور العامة على الجماعة كما فعل عمر في مسألة الأراضي الخراجية وانتشار ظاهرة الخمور فلم يرد عمر أن تعالج قضايا الأمة من طرف أفراد مهما كانت درجتهم العلمية وإنما يصدر فيها حكم جماعي يكون مستنداً للأمة ومراعياً للمصلحة العامة.

 

كيف نستفيد من هذه الفتاوى؟ يمكن الاستفادة منها من وجهين:

|| أولاً||: دراسة نماذج من فتاويهم للتعرف على القواعد والضوابط والأسس التي أقام عليها المفتون أحكامهم وفتاويهم في مختلف العصور، وهي قواعد تنير دروب تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة، فقد كانت القواعد والمبادئ العامة خير معين على مقارعة صعاب النوازل وتقويم اعوجاج ملتويات المسائل.

وهذه القواعد تتعلق برفع الحرج: المشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع، وجلب المصالح ودرء المفاسد، ونفي الضرر وارتكاب أخف الضررين، والنظر في المآلات، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وسد الذرائع وتحكيم العرف، وتحقيق المناط والإذن في العقود وفي مدونات الفتاوى تطبيق حي للقواعد والضوابط على الواقعات نقتطف منه بعض الأمثلة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم ولا يبطل إلاّ ما دلَّ للشرع على تحريمه نصاً أو قياساً.

وقد قال الشاطبي: إن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يدل دليل على خلافه. وسُئل الشاطبي رحمه الله عن الاشتراك في الألبان وخلطها لإخراج الزبد والجبن فتختلف النسبة ويجهل التساوي، فقال إنه لا يعرف فيه نصاً بعينه ولكنه أجازه لقوله تعالى: {$ (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) } [البقرة] وذلك في شأن الأيتام واعتبر هذا النوع من الشركة من المخالطة رفعاً للحرج و اغتفاراً للغرر اليسير والربا اليسير قائلاً: “وله نظائر في الشرع كبيع العارية بخرصها تمراً أو رد القيراط على الدرهم في البيع”.

إنها أمثلة لتطبيق قاعدة رفع الحرج والتخفيف فيما يصلح الناس في مقابل المزابنة المحرمة بالنص وقد ذكر ذلك في مقابل قاعدة الشك في التماثل كتحقق التفاضل.

|| ثانياً||: الاستفادة من الفتاوى القديمة في القضايا المعاصرة|| وذلك بالبحث عن بعض النوازل التي تشبه القضايا المعاصرة في وجه من الوجوه وصورة من الصور فيطبق عليها أو يستأنس بها لإيجاد حل للقضية المعاصرة.

ومن الواضح أن كل زمان يطرح قضاياه ونوازله وبخاصة في زماننا الذي أمحت فيه الحدود وزالت فيه الحواجز، وغزت العالم الإسلامي في عقر داره أعراف العالم الآخر ونظمه وقوانينه والمبادلات على أسس لا توافق في أحايين كثيرة الأسس الفقهية المعروفة. بيد أن الأمر ازداد تعقيداً بظهور المخترعات العلمية الحديثة التي قطرت معها قطاراً من المسائل نشأت عن الحاجات التي أوجدتها لدى المجتمع كتلك المتعلقة بالطب من زراعة الأعضاء ونقلها، إلى الهندسة الوراثية.

ولهذا فإن الفتاوى والنوازل القديمة قد لا تجدي فتيلاً في حل المسائل المعاصرة التي يمكن أن تحل من خلال القواعد كما أسلفنا، ومع ذلك فإنه بإمعان النظر في كتب الفتاوى والعمل يستطيع المتوسم أن يعثر على فروع ومسائل تشبه تلك التي تطرحها المعاملات المعاصرة.

وينبغي التنبيه على أن دلالتها عليها قد لا تكون دلالة مطابقة ومفهومها قد لا يكون مفهوم موافقة، بل إنها تدل عليها دلالة تضمن أو التزام بوجه من الوجوه وشكل من الأشكال تنبئ عما وراء الأكمة بدون غوص في مضامينها أو تعمق في محتواها غير ملتزم بترجيح وجه من أوجه الخلاف، إذ إن المقصود إثارة الموضوع ليعلم أن له شواهد في النوازل تبيحه أم تحرّمه أو تحكي الخلاف فيه وهو أمر سيتيح للفقيه عندما يعالج أياً من هذه النوازل سنداً يستند إليه ليرجح من الخلاف على أساس من المرجحات ويكفيه منقبة لهذا الخلاف أنه يرفع عن الباحث إصر مخالفة الإجماع ويسلكه في مسلك الإتباع.

||السلم المتوازي|| من أسلم ذهباً إلى شخص في قمح وباع منه قمحاً بذهب إلى أجل. فأجاب الفقيه ابن الحاج: (إن ذلك جائز إذا كان في صفقتين ولا يجوز إذا كان في صفقة واحدة لأنه ذهب وطعام بذهب وطعام). (المعيار6/162).

المؤجر يأخذ الأجرة مقدماً لا يجب عليه دفع الزكاة إلاّ لما مضى من الزمان. مسألة التسالف بين الأحباس وقول ابن حبيب في الواضحة إن الأموال المرصودة في وجه من أوجه البر يمكن أن تُصرف في أوجه أخرى من أوجهها، وهذا يوسع على هيئات الإغاثة لتبادل الاقتراض ومساعدة بعضها البعض.

|| مسألة التضخم|| سُئل فقهاء طليطلة عمن أوصى لرجل بسكة فحالت السكة إلى سكة أخرى فشوور فيها فقهاء قرطبة فأجابوا بوجوب الوصية في السكة الجارية يوم مات الموصي لا يوم أوصى وأقاموها من مسألة الخيش والمسح والخريطة.

وذكر كلام المتيطي لو اكترى داراً لكل شهر بكذا فاستحالت السكة وتمادى المكتري في السكنى حتى مضت مدة وكانت السكة التي استحالت إليها أحسن من القديمة التي عقد عليها الكراء، فهل يجب للمكري على المكتري من القديمة أو من الحديثة؟ فقال ابن سهل: له من السكة القديمة التي عقد عليها الكراء، كما لا حجة لبعض على بعض بغلاء أو رخص لا يحتمل النظر غير هذا ولا يجوز على الأصول سواه. (المعيار6/228 وما بعدها).

وفي قياس التضخم على الجائحة سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عمن استأجر أرضاً فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع هل توضع الجائحة ؟ فأجاب: أما إذا استأجر أرضاً للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلب الإجارة بلا فسخ في الأظهر.

وأما إذا نقصت المنفعة فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة. نصَّ على هذا الإمام أحمد بن حنبل وغيره، فيُقال: كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيُقال: ألف درهم ويُقال: كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيُقال: خمسمائة درهم، فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماة فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه.

وكذلك لو أصاب الأرض جراد أو نار أو جائحة أتلف بعض الزرع فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة. (الفتاوى لابن تيمية3/257).

مسألة تغيّر السكة أو انقطاعها: وأفتى ابن عتاب بقرطبة حين انقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد بسكة أخرى أن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، وكان أبو محمد بن دحون رحمه الله يفتي بالقيمة يوم القرض ويقول: إنما أعطاها على العوض (المعيار6 /163).

كان أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى داراً أو حماماً بدراهم موصوفة جارية بين الناس حين العقد، ثم غيرت دراهم ذلك إلى أفضل منها أنه يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين القضاء دون النقد الجاري حين العقد وخالفه الباجي.

وقد نزل ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كانت ضربها (6/164).

وقال أبو حفص العطار من لك عليه دراهم وقطعت ولم توجد فقيمتها من الذهب بما تساوي يوم الحكم. وفي كتاب ابن سحنون إذا أسقطت تتبعه بقيمة السلعة يوم قبضت لأن الفلوس لا ثمن لها.(المعيار6/106)

مسألة الإيجار يجتمع مع البيع فيشتري المستأجر الدار المستأجرة: في المعيار: وفي مسألة المكتري يبتاع الدار المكتراه ويشترط أن الكراء عنه محطوط. سُئل عنها فقهاء قرطبة: أجاب عبدالله بن موسى الشارقي بعدم الجواز لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالثمن الذي دفع فصار ذهباً وعرضاً بذهب وعرض، وإن باعه من غير المكتري بعد عقد الكراء فإن لم يعلم الأجنبي فهو عيب إن شاء رد وإن شاء أمسك وإن علم به فلا رد له ولاحق له في الكراء مع البائع المكري إلاّ أن يشترطه.

وفصل تفصيلاً فيما يتعلق بالإيجار إن كان ذهباً أو ورقاً: ابن الحاج إن باع مع الكراء عرضاً والثمن عيناً جاز للمشتري أخذه ولو باعها من المكتري، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو عمران الفاسي وأبو عمر بن عبد البر في الكافي إن ذلك جائز وهو فسخ لما تقدم من الكراء في قول أبي بكر وفسخ لما بقي من المدة في قول أبي عمران. وقال في جواب ابن دحون والشارقي وابن الشقاق المتقدم الذكر وجواب هؤلاء لا يدل على أن الكراء يفسخه الشراء.

وفي فتاوى المعيار بيع الدار على أن يقبضها مشتريها بعد عشر سنين على مذهب ابن شهاب جائز. وأما في القاعة فيجوز إلى عشر سنين أو أكثر لأنها مأمونة وقد مر العمل هنا بجواز ذلك إلى عشرين وثلاثين سنة لأمنها.

وأما قسم القاعات بين مالكيها وتبقى كل قاعة تحت يد مكتريها إلى انقضاء المدة فيجوز ذلك كما يجوز بيعها على ألا يقبضها المشتري إلاّ إلى أمد بعيد وقد سبق بيان ذلك (هذا باختصار وحذف من أجوبة أبي الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي 6/464).

مسألة استهلاك العين المنغمرة (الأدوية تكون فيها مادة الكحول مستهلكة).

أجاب أبو الفرج في مسألة الجلود التي فيها الذهب تغزل فيها خيوطه تباع بالذهب. فأجاب: إنها تباع لأنها كالعروض لوجود الاستهلاك وعدم تيسره وهذا الوصف يسقط عنه حكم العين ويعدم منه حكم العلة الموجبة لحكم التحريم.

وهي كونه ثمناً للمبيعات ونظير هذا فى أن الاستهلاك ينقل الحكم عن العين ما قالوه في لبن المرأة إذا خلطوه في طعام أو دواء واستهلك فيه ثم لو شربه الصبي أن لا حكم له في التحريم على الأصح الأظهر. ( المعيار 6/311)

هذا ما يتعلق بالجزء الأول من هذه الدراسة وهو تأصيل للفتوى بصفة عامة لكنه محاولة لتوسيع دائرة الفهم عند القارئ وترسيخ جملة من المعاني تنافي ضيق الأفق إذا طالع بتؤدة وقرأ على مكث معتمد الفتاوى عند سلف هذه الأمة وتدبر في تعلقهم بالمعاني والمصالح وفكر في تشعب طرق الاستنباط ووسائل الاستنتاج فيتهيأ بذلك ذهنياً لقبول ما سنعرضه من فقه الأقليات تأصيلا وتفريعاً، حيث سنزيد الأمر بياناً.

ذلك أن مفتى الأقليات يجب أن يكون واضح الرؤية دقيق الملاحظة مستوعباً بالإضافة إلى المادة الفقهية في تنوعها وثرائها تفاصيل الواقع وتضاريس خريطته ملاحظاً الطبقة التي تنتمي إليها فتواه محققاً مناط دعواه.

هل يفطر العامل المسلم في الغرب اذا كان الصوم يؤثر على انتاجيته ؟

 

شدد على عدم وجود جهات غربية تمنع المسلمين من الصوم ..د. ابن بيه لـ «عكاظ».

صحيفة عكاظ – نعيم تميم الحكيم ــ جدة

أجاز نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو المجامع الفقهية الدكتور عبد الله بن بيه إفطار العاملين في الغرب، شريطة أن يؤدي هذا العمل إلى إضعاف قواهم والتأثير على أعمالهم التي تعتبر مصدر رزقهم الوحيد.

وقال ابن بيه لـ«عكاظ» يجوز للشخص العامل أن يفطر عندما يشعر بأن قواه قد خارت، وفي حالة الضعف الذي يؤدي عن العجز عن العمل في حالة الصوم شريطة أن يكون عمله مصدر رزقه الوحيد.

مضيفا«إذا كان الصوم يضعف عن العمل وصاحب العمل لايقبل إلا العمل بشكل كامل فإن له أن يفطر شريطة أن يقضي الأيام التي أفطرها».

وعن وجود ضغوط غربية على العاملين في الغرب للإفطار قال ابن بيه «لا اعتقد أن هناك جهة في الغرب تترصد الناس إن كانوا صائمين أم غيره ولا يهتمون هل أكلوا أو شربوا لذلك فإن المسلمين إذا صاموا هناك فلن يتحدث إليهم أحد. وبين ابن بيه أنه «تمت مناقشة قضية إفطار المسلمين في الدول الغربية في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قبل شهر رمضان وتم ذكر طول النهار في الدول الغربية الذي قد يصل إلى عشرين ساعة في بعض الدول الإسكندنافية وخلصنا إلى أنه إذا كان هناك ضرورة كبرى لإفطار العامل مثل أن ينهكه الصوم عن القيام بعمله وهو مصدر رزقه الوحيد فله الإفطار شريطة القضاء».

وأوضح ابن بيه أنه في حال إجبار رب العمل للعاملين على الإفطار فالأفضل من العامل البحث عن مصدر رزق آخر إلا في حالة واحدة وهي الخوف على نفسه وأهله من الهلاك فإنه يمكن أن يفطر، لكن عليه أن يبحث عن عمل آخر حفاظا على أداء الركن الرابع من أركان الإسلام.

نظرات في منهج الإمام الأشعري

 

   نظرات في منهج الإمام الأشعري*

العلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين ،اللهم صل وبارك على سيدنا محمد على اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ،

أيها الإخوة الأفاضل، أختي السيدة الرئيسة، إخواني الأساتذة، إخوتي الطلاب، في هذا اليوم المبارك نستجيب لدعوة كريمة من الأزهر الشريف، لنتحدث في موضوعات تتعلق بالعقيدة،

قبل أنْ ابدأ في الحديث عن جملة من الأفكار والتداعيات، أود أنْ اشكر شيخ الأزهر الإمام الأكبر د.احمد الطيب طيب الله إمامته، وأود أنْ اشكر د.محمد عبد الفضيل فضله الله تعالى على فضله في تنظيم هذا اللقاء، لقاء ليس كغيره من اللقاءات؛ نتحدث فيه عن – موضوع لا تَعْدُو عليه عوادي الزمان، ولا تُطاوله أحداث المكان،- موضوع العقيدة  مقارنة مع الفقه، الفقه ثم العقيدة عندما نتحدث عن الشريعة فإننا نتحدث عن ضرورات الحياة عن الإنسان في الزمان والمكان في الحال والمآل؛ لكن عندما نتحدث عن العقيدة فإننا لا نتحدث بهذه اللغة. هذا فرق جوهري بين مقاصد الشريعة ومقاصد العقيدة. عندما نتحدث في مقاصد الشريعة نتحدث عن “لِمَ”، وعندما نتحدث عن العقيدة نتحدث عن “ماذا”: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)؛ لأنَّ تفسير (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) هو تفسير وليس تعليلاً، كما قال الإمام أبو حامد الغزالي، إن التعليل يأتي بعد معرفة التفسير، ومعرفة الحكم ثم يبحث عن العلة كما يقول في “شفاء الغليل”، في مقاصد الشريعة نتحدث عن التعليل والتنزيل، وفي العقيدة عن التفسير وعن الدليل، -عن الدليل مفسرا، بالمعنى الواسع لكلمة التفسير، ليس التفسير مقابل التأويل؛ بل التفسير الذي يتعلق بدلالات الألفاظ-. وبالتالي فإن أول سؤال يطرح هو العلاقة الثلاثية بين: الوضع والاستعمال والحمل.

وهذه هي المشكلة الأولى التي نَزلتْ بمُتعاطى قضية العقيدة، الوضع والاستعمال والحمل. الوضع: طرحوا السؤال وقالوا: الوضع هو من قِبل الله سبحانه وتعالى فهو واضع الألفاظ للمعاني على مذهب الأشاعرة. -وهنا أتحدث عن الأشعري لا كآراء منقولة، ولكن كمدرسة كاملة. أنا اعتبر أنَّ الأشعري لا يمكن أن يختصر في كتبه؛ ولكن يمكن أن ينتشر في أتباعه؛ لأنَّ العلماء انتسبوا إلى الأشعري وفسروا مقالاته، وقدموا مدلولات ألفاظه. هذا هو الأشعري، وليس الأشعري هو ذلك الرجل الذي انتقل من الاعتزال إلى الظاهرية، ومن الظاهرية إلى الوسطية، أو من الوسطية إلى الظاهرية؛ حسب الرؤى المختلفة حول مسيرة الرجل.

إذن المشكلة الأولى التي أريد أن أتطرق إليها هي مشكلة لغوية، أنا أعتقد أنْ المشكلة الأولى التي نزلت هي مشكلة لغوية، هي مسالة الوضع والاستعمال والحمل. الواضع هو الله سبحانه وتعالى أو الاصطلاح الطبيعة كما يقول السيمري. الاستعمال: هو استعمال المتكلم فهي جهات ثلاث متقابلة؛ لكنها قد تكون مختلفة بالاعتبار متفقة بالذات. إذا كان الاستعمال يصب في مجرى الوضع، وإذا كان الحمل أيضا يوافق الوضع، هنا بدأ الاختلاف بين العلماء؛ هل اللفظ  مستعمل في حقيقته أم في مجازه؟ مستعمل في حقيقته الوضعية حقيقته الشرعية أم في حقيقته العرفية؟ هل هو نص أو ظاهر أو محكم كما يقول الأحناف؟ لأنَّ الإحكام عندهم فوق النص، أو مدلول عليه باللزوم، فيكون إشارةً أو اقتضاءا. هل هو مفهوم خارج النطق؟ هل هو على ظاهره أم هو تأويل؟ هل هو مجمل؟ هل هو متشابه؟

الإشكاليات التي طرحها اللفظ، طرحها استعمال اللفظ، الرؤية لهذا اللفظ، الذي قد نراه بعيدا فنتمارى في حقيقته، وقد نقترب إليه وندنو ونرنو إليه فنراه على حقيقته أو بمنظار المقرب. الألفاظ هي هكذا، بعضها غامض، بعضها واضح، بعضها صريح وبعضها تلميح. فاعتقد أنَّ الإشكال الذي حاولوا أنْ يحلوه بوضع جملة من الألقاب وجملة من العلامات والأمارات أو الصوى لينبهوا بها، أو خانات ليضعوا فيها هذه الثلاثية: وضع، استعمال، حمل.

فالاستعمال بأنواعه من صفة المتكلم، والحمل من صفة المتلقي والسامع. هنا بدأت الجدلية، هذا الحامل -عندنا في أصول الفقه نقول الحامل هو المجتهد:

والحامل المطلق والمقيد             ،،،،،،

كما قالوا في أصول الفقه. لكن الحامل هنا هو مجتهد العقيدة، هو الإمام، هو المتكلم، هو الذي يحمل اللغة. فحمل اللغة هذا أدى إلى إشكال كبير، بين من تجاوز الألفاظ تجاوزاً واضحاً -وهنا أتحدث عن المعتزلة ومن لف لفهم- ولم يعتبرها أوعية للمعاني، بل اعتبر المعاني خارج الألفاظ؛ بناء على ما يراه من بناء عقلي وفلسفي كان مقبولاً في وقته، وبين من تعامل مع الألفاظ تعاملا ظاهرياً –فجاً- وبالتالي: جعلها لا تحتمل إلا هذا المعنى، وألغى ظلال اللفظ، وسياقاته ومساقاته، التي هي بمنزلة القيود وبمنزلة المخصصات. ليس من الشرط أنَّ يكون المخصص ظاهراً، أو يكون قيداً مذكوراً، وإنما قد يكون قرينة أو سياقا، فاعتبر السياق في قوله (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) لم يهتم بالسياق بالسلطان والملك والإحاطة والقدرة، وإنما اهتم فقط بيده. فإذا أخذت “يدا” وضعتها ولم تصلها بالآية، فقد أحدثت خللا كبيرا حتى في الفهم العربي، في فهم الإنسان حتى أي إنسان يمكن أن يفهمها كذلك. فهذه الظاهرية غلبت في وقت من الأوقات قد لا تكون اعتقاداً ولكن سدا للذريعة، ولأجل ذلك أنكر قوم المجاز بناء على هذا الفهم. لكن هؤلاء أيضا أولوا كما سنرى، فسنكون في تأويل مقابل تأويل، كان من الطبيعي ومن البديهي أن تظهر منطقية مدرسة بين المدرستين  لتحاول أن تقول من جهة هذه الظواهر لها وزنها، واللغة لها مدلولها، وأيضا العقل وما تقتضي المبادئ العامة التي هي ليست عقلا محضاً وإنما هي نقل وعقل أيضا وهذا مهم جدا ألا نرى في موقف الأشعري عقلا يقابل نقلا، وإنما هو جمع بين  العقل والنقل، وإنما هو تغليب للكلى أحياناً مقابل الجزئي. وهذه قاعدة أصولية معروفة كما يقول الشاطبي رحمه الله تعالى “إن الكلى لو أنخرم لأدى انخرامه إلى انخرام النظام -نظام العالم حسب عبارته-، أما الجزئي فان انخرامه لا يؤدى إلى ذلك”. فإنها مدرسة اهتمت بالكلى لكنه كلى مستنبط من النصوص. إذاً في معمعة الوضع والاستعمال والحمل نشأت هذه المدرسة؛ لكن الإشكال هنا أن الاستعمال ليس استعمالا بشرياً حتى نفرق بين المتكلم والواضع، وإنما هو استعمال إلهي أي أن الألفاظ هي ألفاظ من الشارع من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم. فلا يمكن أن نتعامل معها بدلالات العرف، ولكن قد نتعامل معها بدلالات الشرع، وإن كان بعض العلماء كأبي حنيفة يجيز التعامل بالعرف مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطعام بالطعام” بأنَّه البر.

هنا نشأت مشكلة التأويل وهو صرف اللفظ  عن ظاهره المتبادر إلى الذهن. فإنْ كان لا يتبادر إلى الذهن إلا بإخطار فهذا ليس ظاهراً، كما يقول بعض المحققين كسيدي أحمد زروق من الصوفية: إذا كان لا يتبادر إلى الذهن إلا بإخطار فهذا ليس ظاهراً، فالظاهر الذي يتبادر إلى أذهان الناس. فجاءت مسالة الحمل في زمن الصحابة في قضية المعية (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فحملت على العلم في الزمن الأول واستمر العمل على ذلك، ولا خلاف بين الأثريين وبين الأشاعرة في هذا الحمل:

وما له من ذاك واحد فقط      تعين الحمل عليه وانضبط

        كمثل وهو معكم فأول          بالعلم والرعي ولا تقول

بالعلم في مكان وبالرعاية والنصر في مكان آخر؛ باعتبار السياق الذي يرتضيه الأمر. لكن نجمت قضايا أخرى فيما يتعلق بالا وصاف الأخرى التي وردت في القرآن، فبعضهم وهم الأشاعرة أولوا تأويلا منسجما مع كل الآيات التي وردت، بحيث وضعوا قاعدة تأويل المحمل الواحد، وتأويل المحامل المختلفة مع أيضا قبول بل تحبيذ التفويض؛ لأن الأشاعرة يقولون أيضا بالتفويض، ولا يقولون بالتأويل فقط، وأن التأويل ضرورة لإيضاح ذلك لمن انحرف عن الطريق وزل عن الصواب.

فهذا التأويل هو تأويل في مقابل تأويل. وهذا أمر مهم، أريد أن أبينه مثلا: في مسألة الجهة. جاءت ظواهرُ تفيد السماء، الأعلى جهة، ونحن نؤمن ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) لا يمكن لمؤمن أن يقول إلا هكذا. لكن مسالة الجهة هل هي أمر ثابت بمعنى أنه لا يجوز التأويل في هذه المسالة، ولا يجوز إلا أن تتحدث وتطلب من كل مسلم أن يشير إلى السماء لما في حديث الجارية، أو أن الآيات الأخرى (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) و”إن الله في قبالة وجه المصلى”، و”بين المصلى وبين قبلته”، “اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل” الآيات والأحاديث الأخرى الكثيرة، هل نؤولها لتتفق مع حديث الجارية من يقول بهذا وينكر التأويل هو في الحقيقة يؤول ليقرر معنى معيناً.

فلهذا قالوا: هذا له محامل، ونحن نحمله على المحمل الأولى أو نسكت؛ كما قال الشافعي: نؤمن بكلام الله على مراد الله و نؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله.

فالخلل الآن في الفهم أنْ نرى أن هذا أثري وتمسك بالأثر، بينما نهمل عشرات الأحاديث والآيات الأخرى التي تقابل هذه الرؤية. بمعنى أنه هو مؤول في جهته ليس أثرياً خالصاً، فهو يؤول ليصل إلى رؤية معينة.

فهذه مسالة الحمل، مسالة مهمة، يجب أنْ نتوقف عندها، وأنْ نحرر هذا الموضوع؛ لنقدمه للناس، حتى نعرف أنه لا يوجد اختلاف يرجع إلى الآثار، وإنما هو اختلاف يرجع إلى حمل الآثار، وإلى التمسك ببعضها على حساب البعض الآخر. فالأشاعرة قالوا: نؤولها كلها تأويلا مقارباً، تأويلا قريباً حتى تنسجم، ولا نحمل بعضها على البعض الآخر: وجهاً لذاتٍ واليدا   بقوة وذا الإمام أيدا

المسالة الثانية: والتي لا ترجع إلى دلالة الألفاظ هي مسالة التثبت والثبوت، وهذا أهم مقصد اختلف فيه الأشاعرة مع الأثريين ومع الظاهرية؛ هل لنطلق شيئاً على الله سبحانه و تعالى يجب أن يكون ثابتاً ثبوتاً خالصاً أي قطعياً ليس ظنياً ؟

وبالتالي هذا فرق آخر بين الفقه الذي يُعمل فيه بالظنون قطعاً وبين العقائد التي لا يُعمل فيها إلا بالقطع، فوضعوا معيارين: معيار العقل الذي شهد له الشرع -إن الشرع أحالنا إلى العقل “أفلا تعقلون” يعنى ليس العقل معناه أن تستسلم للعقل دون أن نستشير الشارع هذا خطا آخر- فرجعوا إلى معيار العقل فيما يتعلق بانتفاء الاستحالة، ومسالة الجواز والوجوب؛ أي: أحكام العقل الثلاثة. وقالوا: يجب انتفاء الاستحالة.

ورجعوا إلى معيار النقل  فيما يتعلق بالثبوت تواتراً، وأنه إذا لم يثبت تواتراً فلا يمكن أن يكون في مجال العقائد. لماذا هذا المقصد؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ). القائل الآخر يقول: ألغيتم الشريعة لا هذه هي آيات كلها في العقائد، وليست في الفقه ولا في الظنون. أما القضايا الفقهية، فلها حكمها، يعمل بها في حديث الآحاد. وقالوا: إن حديث الآحاد هو ظن بالضرورة “دخل النبي الكعبة ودخل معه أسامة وبلال، قال بلال صلى ركعتين، وقال أسامة لم يصل وإنما دعا في نواحيها. الزمان واحد والمكان واحد، والرجلان كلاهما ثقة، وحديثهما في الصحيح، أسامة قال: لم يصل شيئا وإنما دعى، بلال قال: صلى ركعتين. إذاً هناك غفلة وذهول وقع، وهذا طبيعي؛ ولهذا أبو بكر رضي الله عنه رد حديث المغيرة بن شعبة في مسالة الجد، ورد عمر حديثا لأبي موسى الأشعري في مسالة الاستئذان، وإلى أحاديث كثيرة، ورد ابن عباس حديث أبى هريرة في قضية غسل اليد قبل إدخالها في الإناء بالعقل، وقال: كيف يصنع بالمهراس.

فالموقف ليس هو جديدا. هذا فقه الصحابة رضوان الله عليهم. إذاً نحن أمام من يقبل التأويل في آيات الصفات، وأمام من لا يقبله. وأمام من يقبل آحاد الأحاديث في آيات الصفات وأمام من لا يقبل ذلك. موقفان متقابلان. التأويل قطعا في كلام الله ثابت، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي “يا ابن ادم مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين، يقول مرض عبدي فلان”. هم يقولوا نقتصر على هذا، نقول لا. هذا كان تنبيهاً ونبراساً على أن ما ورد من هذا النوع يمكن أنْ يؤول؛ لأنه مجاز “أولكن لحاقاً بي أطولكن يدا”، كن يتطاولن حتى عرفن دلالة الحديث.

فالتأويل ثابت في كلام الله، هل نفرق بين كلامه في العقائد وبين كلامه في الفقه؟ هل هناك ضرورة لهذا التفريق؟

الأشاعرة قالوا: لا ضرورة، هو كلام الله وكلام رسوله. والآخرون يقولون في ضرورة  النطق على ذلك الظاهر: هي ظواهر عديدة هي ظواهر تقابل ظواهر. وهنا اذكر ما قاله الشيخ محمد المامي : وإذا الظواهر عارضتك فلا تكن     غرض الأسنة تتخذك نهابها

                          واصبر لها ذا نية وبصيرة      إنْ كنت تُحسن في الوغى تلعابها

                          وامنع تسلطها بصولة قُلَّبٍ       يحمى الحقائـق واغتنـم أسـلابها

فنحن نغتنم أسلاب الظواهر بالظواهر، ونعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقله.

فمسالة التثبيت -وهذا من أكبر المقاصد عند الأشاعرة- ترجع إلى حكمي العقل والنقل الثابت الذي يجب أن يكون تواترا، تواترا مبنيا على الحس أي على الرؤية أو السمع؛ لأنه ليس تواترا مبنيا على الاعتقاد، لأنه يؤدى إلى تصويب تلك الطوائف التي تواطأت وتواترت على الكذب، وهذا رد أيضا آخر.

ثم في هذا الدليل العقلي يجب أن يكون هذا الدليل العقلي مبنيا على القياس الكلي الشمولي، وليس مبنيا على القياس التمثيلي والاستقرائي. هناك نزاع شديد يقول: قياس تمثيلي يمكن أن نحيله إلي شمولي، لكن لو أحلته إلى شمولي لفقد صورة القياس؛ لأنه في

 

الأصل انتقالٌ من جزئي إلى جزئي، فستنتقل من جزئي إلى كلى لترجع وتنتقل به من كلى إلى جزئي. وهذا أوضحته لطلبتي بعد أن راجعت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مع كلام أبي حامد الغزالي رحمهما الله تعالى. فاشترطوا قياس البرهان الذي يقوم المقدمات المسلمة في المجال العقلي؛ لن يقبلوا في العقل إلا البرهان، لن يقبلوا إلا القياس الكلى، لن يقبلوا في النقل إلا المتواتر القطعي.

هنا يكون الفرق قويا بين هاتين المدرستين.

أخيرا أشير إلى أنَّ هناك ضوءًا من الاتفاق، وهو مسالة: بلا كيف.

وإن كان الحمل على الظاهر أحيانا لا يحتمل بلا كيف؛ لأنه هو تفسير خلاص انتهى. لكن إذا قالوا: يدٌ لا كالأيد، ووجه لا كالوجوه، .

هنا هذا المنفذ يمكن أن نستغله في التقريب بين هاتين المدرستين اللتين تنتميان إلى نفس الشيوخ، إلى نفس العائلة السنية؛ لأنَّ أهل السنة من أثريين كما سماهم السفارينى…الأثريون والأشاعرة و الماتريدية كلهم أهل سنة.

هذا الشعار ينبغي أن نرفعه، وأن نوضح ألا هؤلاء خرجوا عن الأثر، وألا هؤلاء أيضا احتقروا الأثر؛ بل الأثر هو للجميع، والنصوص القرآنية تؤيد جميع هذه الاتجاهات.

 

 

أخيراً فإننا في عصر العلم، هذا العلم أفاد الإنسان، وكشف الكثير؛ لكنه أظهر عجزه أيضا، عجزه على الأرض، هذه البركانات يقولون لا نعرف.

ممكن أن نستفيد من هذا العلم في صياغة، ولا أقول في إثبات عقائد، ولكن في صياغة علم الكلام صياغة جديدة.

 

ولهذا أقترح على إخواني وعلى د.محمد عبد الفضيل بالذات أن تُكون هناك مجموعة للتجديد في هذا المجال، للتجديد في علم الكلام، وهذا متاح إن شاء الله ويمكن أنْ نقدم جُملة من المفاتيح لهذا التجديد.

سامحوني إن كنت قد قلت هجرا، أو كنت قد قلت كلاما غير صحيح, وشكرا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

* تفريغ لمحاضرة العلامة عبد الله بن بيه

في مؤتمر ” ابو الحسن الأشعري ..إمام اهل السنة والجماعة”

القاهرة- 2010

 

           

العلامة ولد بيه : قضية المرأة مزيفة والصحافة أصبحت السلطة الأولى

|| وحدة العلماء||

 

دعا رئيس مركز التجديد والترشيد العالمي ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين العلامة عبد الله بن بيه العلماء في موريتانيا وجميع أنحاء العالم إلى الوحدة للمساهمة في حل هموم الأمة وتجديد الثقافة الإسلامية.

 

ودعا العلامة عبد الله بن بيه الجاليات الإسلامية في العالم إلي ما اسماه الاندماج الواعي للجاليات و الذي يتميز عن الذوبان في الهوية الجديدة والتقوقع.

 

 

|| دور الصحافة||

 

وتحدث العلامة عبد الله بن بيه في ندوة نظمتها نقابة الصحفيين الموريتانيين تحت عنوان “الحوار ووسائل الإعلام .. ضوابط الترشيد ومتطلبات التجديد” عن دور الصحافة في الحوار بين الشعوب، مبينا دور الصحافة ومهامها الأساسية وأضاف “الصحافة لها دور كبير لأنها تصنع الملوك ويمكن أن يحكم رئيس على الأقل في الغرب الديمقراطي لأن الصحافة أيدته، ومهمتها الأساسية يجب أن تنصب على الرقابة وإدارة الحوار في المجتمع والإثارة وإنارة الرأي العام، لكنها غير معنية بالحلول بل تحريك المياه الراكدة، ولتحقيق ذلك لا بد للصحفي من معرفة الواقع والتجرد من الخلفيات السياسية والإيديولوجية “.

 

 

||الحوار ||

 

 وفي المحور الثاني من الندوة والمتعلق بالحوار قال العلامة عبد الله بن بيه إن الحوار هو بحث قاعدة مشتركة وهو بديل عن العنف، وأصبح ضرورة في العصر الحديث، مضيفا أنه “لا يجب أن يتذرع البعض أن الحوار لم يتوصل إلى شيء ، داعيا إلى ضرورة العمل المتواصل لإظهار الصورة الناصعة للإسلام بعيدا عن من أسماهم “دعاة القتل والتدمير”.

وقال العلامة عبد الله بن بيه إنه قلق من تنامي نفوذ بعض الأوساط الجديدة قائلا إن تنظيم القاعدة الذي يعمل في الخفاء “منبوذ لاتخاذه العنف وسيلة” ولكن المفارقة يضيف العلامة عبد الله بن بيه أن لدى الغرب رجالا يعملون في العلن ويسعون لتجسيد منطق التدمير ذاته الذي تعمل عليه القاعدة “فلنعمل علي تمييز المبادئ عن المصالح وعلي التمكين للحوار في التعاطي مع القضايا العالمية”.

 

 

|| التجديد||

 

وفي المحور الثالث  المتعلق بالتجديد والترشيد قال العلامة عبد الله بن بيه إن مسألة التجديد تم طرحها في البلدان الغربية متخذة من الفلسفة والنظريات الرياضية منطلقا لها، مضيفا أن الأمر مختلف في العالم الإسلامي لأن التجديد في البلدان الإسلامية ينبني على أسس ومن منطقات في القرآن والسنة، وأضاف “لكن علينا أن نفكر ونعرف البيئة ونستعمل المقاييس الاستقرائية”، داعيا إلى تجديد شامل في علم الاجتماع واللغويات والتكنلوجيا والمنطق الرياضي الذي حل الكثير من الإشكالات المعاصرة. حسب قوله.

 

 

||حقوق المرأة ||

قال العلامة الشيخ عبد الله بن بيه إن الجدل المتزايد حول حقوق المرأة ماهو إلا قضية مزيفة،مضيفا الأمر يتعلق بالكفاءة والأخلاق فقط وعندما تتوفر الكفاءة في رجل لتولي منصب ما أو في امرأة لمنصب ما فإن من حقه أن يتولى ذلك.

 

وقال  العلامة عبد الله بن بيه’’ أنا شخصيا أعارض هذا التمييز وقضية الكوتا وأدعو إلى اعتماد معيار الكفاءة والأخلاق’’

ونقل  العلامة عبد الله بن بيه عن الصحفي الأمريكي توماس فريدمان قوله ’’ إن اهتمامنا بقضية المرأة في العالم الإسلامي يعود إلى أنها هي الجزء الهش منكم وسنضربه ليسقط’’

وقال العلامة عبد الله بن بيه مخاطبا النساء الموريتانيات : ’’ أنا أدعوكن إلى زيارة ماليزيا وستجدن هنالك المرأة مبدعة متقدمة،وملتزمة بدينها وأخلاقها’’

 

وفي رده  على سؤال للسياسي أحمد ولد الوافي الذي اعتبر أن المتغيرات كثيرة جدا وأن الثابت الوحيد الذي لايقبل التجديد هو ’’ قل هو الله أحد’’ متسائلا عن مجالات التجديد قال العلامة عبد الله بن بيه’’ إن قضايا ’’ قل هو الله أحد’’ كثيرة متعددة ومجالاتها هي مجالات التجديد’’

 

|| الوسيط القادم ||

 

قال العلامة عبد الله بن بيه  إن الوسيط القادم بين الإسلام والغرب سيكون التشريع الإسلامي مضيفا ’’ إن النظام المالي للغرب نظام مهترئ ومأزوم،وبإمكان الشريعة الإسلامية أن تكون الوسيط الجديد الذي يقدم نصاعة الإسلام وقدرته على إجابة أسئلة الحضارة’’

وفي رده على استشكال لمحمد جميل ولد منصور قال العلامة عبد الله بن بيه ’’ أوافقك في ما ذهبت إليه فالعلاقة مع الكافر محددة بسلوكه وليس بدينه’’

فتاوى رمضان4