ارشيف ل April, 2017

العلامة عبدالله بن بيه : هناك بعض التقصير من علماء المسلمين تجاه الأمة، وذلك بعد أن كانوا سبباً بنهضة الأمم

العلامة عبدالله بن بيه : هناك بعض التقصير من علماء المسلمين تجاه الأمة، وذلك بعد أن كانوا سبباً بنهضة الأمم،

شارك العلامة عبدالله بن بيه في مؤتمر الإسلام والتحديات المعاصرة،(27 ابريل الجاري)تحت رعاية العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين ،وبمشاركة علماء ومفكرين من 25 دولة من العالم الاسلامي.

وقد تحدث رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الشيخ عبدالله بن بيه، عن واقع الأمة وأبرز تحدياتها، قائلاً “إنه من الصعب وصف الحالة الراهنة التي تعيشها الأمة الإسلامية، ونحتاج إلى حلول مقترحة تقرأ الواقع لحل المشكلات والتصدي للتحديات”.

وأكد أنه لا بد من التعامل مع الشريعة الإسلامية كوحدة واحدة والقرآن كصورة واحدة، وذلك من خلال فهم الشريعة نصوصاً ومقاصد، وفروعاً وقواعد، فضلاً عن أهمية إدراك حقائق الأمر الواقع والتغيرات العلمية التي انطلقت من “الذرة إلى المجرة” بحسب تعبيره.

وأشار العلامة عبدالله بن بيه إلى أن هناك بعض التقصير من علماء المسلمين تجاه الأمة، وذلك بعد أن كانوا سبباً بنهضة الأمم، مؤكداً أهمية التعامل بذكاء مع الإنسان وتتبع حركاته من أجل تحقيق السلام بأشكاله كافة.

العلامة ابن بيه في منتدى فقه الاقتصاد الاسلامي :الزكاة هي رافد رئيسي في النماء واستقرار المجتمع وتشغيل العاطلين والمحتاجين

حل العلامة عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم ضيف شرف على الدورة الثالثة لمنتدى فقه الاقتصاد الإسلامي التي ينظمها دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في مدينة دبي ، تحت شعار “العمل الخيري نماء للاقتصاد الإسلامي” .

ويُشارك في المنتدى الذي يستمر يومين، معالي رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي الشيخ الدكتور صالح بن حميد ومعالي وزير الأوقاف المصرية الدكتور محمد مختار جمعة وعدد من العلماء والباحثين في الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي على المستويين المحلي والعربي .

و  أكد معالي الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم – في كلمة له خلال المنتدى – أن استقرار واستمرار تطور وازدهار دولة الإمارات يأتي بفضل قيادتها الرشيدة وما تقدمة من أعمال خيرية جلية، مضيفاً أن النمو الاقتصادي لن يكون محصنا إلا بفضل النمو الأخلاقي والخيري. وأوضح أن الزكاة هي رافد رئيسي في النماء واستقرار المجتمع وتشغيل العاطلين والمحتاجين، مؤكداً أنه لا تعارض بين النمو الاقتصادي وعمل الخير.

ويعرض المشاركون في جلسات المنتدى 29 بحثًا تأصيليًا وتطبيقيًا في ثلاثة محاور هي “الزكاة وأثرها في تنمية الاقتصاد الإسلامي ، والوقف والوصايا وأثرهما في تنمية الاقتصاد الإسلامي ، والتبرعات وأثرها في تنمية الاقتصاد الإسلامي ” .

أصبح للتعصب والشحن الطائفي ممارسات عمومية مع نشاط وسائل التواصل الاجتماعي ما الجديد في هذه الظاهرة؟

س: أصبح للتعصب والشحن الطائفي ممارسات عمومية مع نشاط وسائل التواصل الاجتماعي ما الجديد في هذه الظاهرة؟

جواب العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

إن الطّائفة التي هي ترجمة عن المذهب كانت دائما موجودة فهي أمر طبعي، تعيش معه الأمم بل قد يكون أحيانا مصدرا للثراء وسببا للتنافس الشريف ولتعدد وتنوع الآراء المقبول، لكن عندما تتحول المذهبية إلى بغي وإقصاء وإفناء للآخر فإنها حينئذ تكون غير محمودة وقد تكون مشمولة بقوله تعالى (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)، الاختلاف إذا أدى إلى البغي يكون مذموما، والبغي في حقيقته هو الاستطالة على الآخر وإنكار حقوقه بسبب الكبر الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “بطر الحق وغمط الناس”، أي جحد الحق واحتقار الناس.

فالطائفية المقيتة ناشئة عن البغي وعن الكبر وعن الأمل الزائف بالانتصار الحاسم والنهائي على الخصم والذي يغذيه ما يصفه البعض بالوعد الإلهي، والحقيقة أن هذه الأوهام وسيطرة عقلية الغلبة وتنازع البقاء لن تؤدي إلا إلى زيادة الاحتراب الداخلي في شكله الذي نراه الآن من فتنة طائفية، تصطدم بموقف الإسلام الواضح (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض).

فلا بد لمن يعالج الوضع بالعودة إلى العقل وتحكيمه وتنمية أخلاق التواضع لنتعايش فلا يهلك الجميع وتضيع الأرض والعرض.

ظاهرة التطرف الديني وانعكاساتها العنيفة هل هي جزء من قابلية ذهنية مجتمعاتنا لتفجير العنف أم هي من صيرورات عنف العالم الحديث؟

س: ظاهرة التطرف الديني وانعكاساتها العنيفة في نشاط الجماعات الإرهابية كداعش وأخواتها هل هي جزء من قابلية ذهنية مجتمعاتنا لتفجير العنف أم هي من صيرورات عنف العالم الحديث؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه

ترجع إلى الإثنين معا، فمن جهة أولى وكما بيّنا في الأجوبة السابقة التطرف والعنف ناتجان عن أخلال منهجية في تعامل المسلمين مع تراثهم وفي فهمهم لواقعهم فتشكلت بفعل هذه الأخلال ثقافة مأزومة تضيق بالاختلاف وتجنح إلى التكفير والتفجير.

ومن جهة أخرى التطرف العنيف من إفرازات اللقاء غير السعيد بين الحداثة الغربية والمجتمعات المسلمة وما استتبعه ذلك من مظلوميات تاريخية كالاستعمار والنكبة الفلسطينية والعلاقات المختلة بين الشرق والغرب، كما ينعكس البعد الحداثي للعنف الإرهابي في المواقف الإيديولوجية والمفاهيم الموظفة التي وإن ألبست لبوس التقوى وصبغت بصبغة المفاهيم الأصيلة فإنها في صميمها تظل مفاهيم ومواقف حداثية أكثر منها إسلامية.

سؤال من مجلة حوار : كيف يمكن الخروج من تداعيات مأزق الاسلام السياسي؟

س: تحويلات مفاهيم الإسلام وأدلجتها عبر أجندة الإسلام السياسي هي التي ساهمت في تفجير مجتمعات المسلمين بالعنف السياسي، بحسب رضوان السيد، كيف يمكن الخروج من تداعيات مأزق الاسلام السياسي؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه

دعني أوضح أولا أن مفهوم الإسلام السياسي مفهوم غائم غير واضح الدلالة فإن كان المقصود تصور خروج السياسة عن مجال الدين وإنشاء فصل بين الدائرتين فالأمر غير مستقيم إذ الإسلام يقدم نفسه منظومة متكاملة للوجود بكل مناحيه ومستوياته ومجالاته والسياسة هي من صميم الدين أما إن كان المقصود هو نقد القراءات الاختزالية للدين التي تفسر نصوصه انطلاقا من مركزية السياسي بحيث تصبح العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق كلها لواحق لمقاصد سياسية فهو مذموم وقد يكون بهذا الاعتبار لمصطلح “الإسلام السياسي” مسؤوليته في مأزق الأمة الذي لا يمكن رجعه إلى عنصر واحد فهو مركب معقّد.

معادلة الإعلام عربيا، لا تعكس هوية الرسالة المفترضة لسوية الإعلام, هل ثمة حدود ممكنة للنسبة والتناسب في هذه المعادلة؟

س : معادلة الإعلام عربيا، لا تعكس هوية الرسالة المفترضة لسوية الإعلام هل ثمة حدود ممكنة  للنسبة والتناسب في هذه المعادلة؟

جواب العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

الإعلام عليه أن يكون صادقا والصدق لا يعني التجريح عليه أن ينير الرأي والإنارة لا تعني الإثارة وينور الفكر والتنوير لا يعني التثوير ينبه على الخطأ ويرشد على الصواب يبث الطمأنينة في النفوس ويقدم جرعة من التفاؤل للقلوب.

الإعلام هو الداء وهو الدواء فلا سبيل إلى مواجهة إعلام العنف والشغب وسفاسف الأمور إلا بإنشاء إعلام بديل ينافس في الميدان فالبضاعة الجيدة تطرد البضاعة الرديئة من السوق فالمجال الإعلامي في أمس الحاجة إلى منابر للحكمة وخطاب العقل تنافس إعلام العبثية الذي يحش الحروب والفتن.

كيف نعالج مشكلة تشويه صورة الإسلام والمسلمين وإعادة صورة المحبة والنقاء إليه ؟

 

س : كيف نعالج مشكلة تشويه صورة الإسلام والمسلمين وإعادة صورة المحبة والنقاء إليه ؟

جواب العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

إذا كان ديننا الحنيف يوزع المحبة على البشر وينشر لواءها على الإنسانية فكيف نسمح بتشويه صورة هذا الدين بسبب جهل بعض اتباعه وافتراء بعض أعدائه.

فيقدم على أنه دين البغض والكراهية وفي الحديث الصحيح : لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخواناً”

كيف نقدم هذه المحبة الثلاثية الأبعاد في سلوكنا وفي خطابنا وفي علاقاتنا ؟ وكيف نقدمها إلى البشرية برداً وسلاماً ومحبة ووئاماً على الرغم من شنئان الشانئين..؟

إنه يجب أن نعالج جملة من المفاهيم لتصحيحها لأنها تقف نظرياً عائقاً دون تحسين صورة الإسلام والمسلمين في العالم وهي:

مفهوم الجهاد والعلاقة مع الآخر باعتبار أصل العلاقة مع الآخرين هي المسالمة تقدم على بساط البرّ والقسط والإقساط.وتقديم مجاهدة النفس.

إن هذه الكلمة الجميلة كلمة (الجهاد) كلمة بالغ فيها البعض إفراطا وتفريطا.

فما هو مفهوم الجهاد لغة واصطلاحا ومبرراته في القرآن الكريم ؟

 الجهاد هو مصدر من جاهد جهادا ومجاهدة ومعناه استفراغ الوسع أي بذل أقصى الجهد للوصول إلى غاية في الغالب محمودة.

وهو في الإسلام كما يقول الراغب في مفرداته يغطي ثلاث ميادين أو هو على ثلاثة أضرب حسب عبارته:

1-مجاهدة العدو الظاهر.  2- مجاهدة الشيطان.   3- مجاهدة النفس .

والمعنيان الأخيران وردا في أحاديث منها ما رواه الأمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أنه صلى الله عليه وسلم قال: والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل.”

وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال- عند عودته من آخر غزوة له تبوك: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.

وفسره بمجاهدة الهوى وخدمة الوالدين جهاد قال عليه السلام : ففيهما فجاهد.”

وقد عرف ابن تيمية الجهاد بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال.      

مفهوم الولاء والبراء

إن الولاء والبراء موضوع كثر استعماله في أدبيات الحركات التكفيرية التي وسعت جيوبه وجرت ذيوله على علاقات الدول الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية والأمنية التي تخدم السلام وتساعد على الحصول على التكنولوجيا وتعين على التنمية.

والحقيقة أن هذا المفهوم عقدي يتعلق بالولاء في العقيدة والدين والملة وهو الذي يكفر فاعله وينصر خاذله.

إما الولاء لتحصيل مصالح الدنيا والمعاشرة الحسنة وإيجاد سبل الوئام في العيش المشترك فهذا ليس مذموماً.

ومفهوم التكفير وفتاواه: وهو مفهوم بالغ فيه المكفرون.

وإشاعة ثقافة السلام : وهي ثقافة تقوم على أسس عدة.

تتسق مع آيات كآية البر والاقساط ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين..) وكقوله تعالى( وقولوا للناس حسناً) وأحاديث “صلي أمك” “وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف” “وخالق الناس بخلق حسن” وحديث حلف الفضول ووثيقة المدينة والسماح للنصارى بالصلاة في المسجد إلى غير ذلك من الأخبار والآثار التي منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف. لكن يحصل من جميعها معنى يخصص العموم ويسمح بالتعامل طبقاً لمصالح العباد ويدرء أوجه الفساد عن طريق التخصيص في المحال والأحوال وتحسين صورة المسلمين وهو مقصد شرعي دلت عليه مسألة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ، والامتناع من قتل المنافقين.

وفي الموضوع مجال واسع للبحث وميدان فسيح للمراجعة وهذه إشارات سريعة ونبذ يسيرة تدل علي ما وراءها.

هل أصبحت #المنهجية_المقاصدية بمثابة #واجب_الوقت للخروج من تناقضات ذهنية المسلم المعاصر مع الحداثة؟

س: هل يمكن القول أن المنهجية المقاصدية أصبحت بمثابة واجب الوقت للخروج من تناقضات ذهنية المسلم المعاصر مع متغيرات الأزمنة الحديثة؟

جواب العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه :

هذا الرأي صواب فإن التعامل مع النصوص بلا مقاصد والفروع بلا قواعد أحد أهم الأخلال المنهجية التي أدت إلى أزمات فادحة في علم المسلمين. الوعي بالمقاصد هو أحد المستويات الثلاثة للمنهجية السليمة.فالخلل في الثقافة المأزومة يطول ثلاثة عوالم، عالم التأويل وعالم التعليل وعالم التنزيل، فالخلل إما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال ماذا قال ؟ أي في فهم النصوص وتفسيرها ودلالات الألفاظ والجمع بينها وهو مستوى التأويل والتعويل فيه على اللغة وما تتيحه إمكانيات البيان العربي من الاجتهاد في الوصل بين الوضع والاستعمال والحمل، وإما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال لماذا؟ أي في فهم المعاني المنبثقة عن الألفاظ ومرامي النص ومرامزه ومعقوله وهو مستوى التعليل والتعويل فيه على العلل الجزئية والمقاصد الكلية ومدار الاجتهاد فيه على معتبرات المصالح ومناسبة العقول، وإما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال كيف؟ أي في تطبيق النصوص على الوقائع المشخصة بحيث تتنزل الأحكام في بيئاتها تنزلا يحقق المقاصد وهذا هو مستوى التنزيل والتعويل فيه على الفقه بالواقع، ومقتضيات الزمان والمكان وضرورات الإنسان.

المسلمون و منظومة العالم الحديث . أين الخلل ؟

س: أصبح المسلمون شبه عاجزين عن الاندماج في منظومة العالم الحديث هل السبب في ذلك يعود إلى تخلف المسلمين أم إلى امتناع كامن في اصول دينهم؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه :

إن الإسلام برحابة تشريعاته ومراعاته لأوضاع الإنسان في كل الأحوال وحاجاته في سعتها وضيقها، في قترها ورخائها يهيئ للمسلمين الشروط الفكرية والثقافية للانخراط الواعي والفاعل في الحضارة المعاصرة، بل يوجب عليهم مواكبة أوضاعهم الحضارية ولا يقف عقبة في سبيل نهضتهم.

الأزمة في معظمها أزمة عجز عن استيعاب الفكر الإنساني من فلسفة وتاريخ بشري وسنن كونية للانخراط في الحضارة من جديد وإزالة عقد الفساد والاستبداد ولا شك أن ضحالة التفقُّه تشكّل وجها من أوجه الأزمة. ومن ثم فإن السبب في ما هو مشاهد من تمنُّع المسلمين على الاندماج في منظومة العالم الحديث هو هو التخلف والجهل المركب والمزدوج بالدين وبمنظومة العالم الحديث.

فهيمنة الفهم الجزئي الاجتزائي للنصوص والتعامل العبثي الذي لا يقيم اعتبارا للمصالح والمآلات والوعي المزيف بكليات الزمان وروح العصر وبمنهجية الربط بين مقتضيات كلي الإيمان وكلي الزمان كل هذا خلق ثقافة مأزومة أدخلت على المسلمين حرجا وضيقا ووضعتهم في مواجهة خاسرة وانتحارية مع عالمهم المعاصر.

الفقه الإسلامي تعريفه وتطوره ومكانته – بقلم العلامة عبدالله بن بيه

الفقه الإسلامي تعريفه وتطوره ومكانته

العلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيِّه

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين القائل ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فهذا بحث ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل. حول تعريف الفقه وتطوره ومكانته، لا يدعي اقتناص الشوارد ولا قيد الأوابد، لكنه يكتفي بإيضاح بعض المقاصد.

فأقول وبالله التوفيق، وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق الفقه لغة: هو مصدر من فقه بكسر عين الفعل في الماضي يفقه بفتح عينه في المضارع، وفيه لغة أخرى هي فقه بالضم في الماضي والمضارع وهي تشير إلى رسوخ ملكة الفقه في النفس حتى تصير كالطبع والسجية [1].

وزاد الحافظ بن حجر في فتح الباري لغة ثالثة هي: فقه بالفتح إذا سبق في الفهم[2]، وهذه اللغة لم تذكرها المعاجم المشهورة فعلى هذا تكون فقه مثلثة عين الماضي، مثناة عين المضارع إذ ليس في مضارعها إلا يفقه بالفتح ويفقه بالضم.

والفقه مصدر غير مقيس، وإنما أصله السماع، ويرجع في أصله إلى معنيين بالنظر إلى اختلاف ((تعبير علماء اللغة)) في التفسير الأوليِّ لمادة فقه.

أولهما: الفهم والفطنة والإدراك والعلم. وهذا الأصل اقتصرت عليه أكثر المعاجم كالجوهري في صحاحه والمجد في قاموسه، والفيومي في مصباحه.

وهذا الأصل هو الذي عليه أكثر الأئمة الأوائل، ولنذكر مثالاً واحداً نكتفي به من كلامهم:

فيقول أحمد بن فارس المتوفي سنة 395هـ. “فقه الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول فقهت الحديث أفقهه، وكل علم بشيء فهو فقه، يقولون لا يفقه ولا ينقه، ثم اختص بذلك علم الشريعة فقيل لكل عالم بالحلال والحرام فقيه، وأفقهتك الشيء إذا بينته لك”[3].

ثانيهما: أن أصل معناه يرجع إلى الشق والفتح، وهذا ما ذهب إليه الزمخشري من الفائق في غريب الحديث وأبو السعادات ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث أيضاً[4].

ونكتفي بنقل كلام الزمخشري هنا: “سلمان – رضي الله عنه – نزل على نبطية بالعراق، فقال لها هل هنا مكان نظيف أصلي فيه، فقالت: طهر قلبك وصل حيث شئت، فقال سلمان: فقهت، أي فطنت وارتأت الصواب”[5].

والفقه حقيقة الشق والفتح، والفقيه العالم الذي يشق الأحكام، ويفتش عن حقائقها، ويفتح ما استغلق منها، وما وقعت من العربية فاؤه فاء عينه قافاً جله دال على هذا المعنى نحو قولهم: تفقاً شحماً، وفقح الجرو وفقر للغسيل وفقصت البيضة، عن الفرخ، وتفقعت الأرض عن الطرثوث[6].

قلت: وما ذهب إليه الزمخشري وأبو السعادات من أن الفقه في أصل اللغة يرجع إلى الشق والفتح ليس ظاهراً.

أولاً: لمخالفته لكلام الأئمة والأرسخ قدماً والأسبق زمناً.

ثانياً: اعتماد الزمخشري على القياس عن طريق ما يسمَّى بالاشتقاق الأكبر وهو ما فيه مناسبة في بعض الأحرف الأصلية فقط.

يعتبر ضعيفاً وغير مقيس، قال أبو حيان: “لم يقل بالاشتقاق الأكبر من النحاة إلا أبو الفتح وكان ابن الباذش يأنس به[7]”.

وذكر ذلك صاحب المراقي عند قوله:

الجذب والجبذ كبير وبري للأكبر الثلم وثلبا من درى

وزيادة على هذا فإن مذهب الجمهور هو: أن اللغة لا تثبت بالقياس، وهو الراجح عند ابن الحاجب إذ اللغة تقل محض[8].

ونكتفي بذكر هذين الاتجاهين في التعريف اللغوي للفقه.

ولكن لابد من الإشارة إلى أن بعض علماء الأصول حاول التوسع في المعنى اللغوي فقال القرافي: إن الفقه على الشعر والطب، وتبعه بعض علماء الأصول فقالوا: الفقه لغة الفهم والشعر والطب[9].

ولعل هذا الكلام من باب المجاز اللغوي، لأن الشعر والطب يحتاجان إلى فهم وفطنة فهو تعبير بالملزوم عن اللازم. فالعرب ما كانت تسمى الفقه طباً، وإن سمع عنه فحل طب بالضراب أي حاذق، في معرفة الحامل من الحائل، أي أنه يعرف الناقة ذات الضبع وهي التي تشتهي الفحل، ولا يراد به الطب الذي هو علاج الجسم أو النفس.

وذهب العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أن الفقه أخص من الفهم لأن الفقه هو فهم مراد المتكلم من كلامه وهو قدر زائد على مجرد فهم ما وضع له اللفظ[10].

أما القرافيُّ فنقل عن أبي إسحق الشيرازي أنه إدراك للأشياء الخفية، فنقول: فقهت كلامك ولا تقول فقهت السماء والأرض[11].

وهذه الخلاصة ما ذكره العلماء للمعنى اللغوي لكلمة الفقه.

مقدمة في تطور كلمة الفقه قبل الحديث عن اصطلاح الأصوليين

كلمة الفقه كانت معروفة في الجاهلية، بمعنى الفهم لا بمعنى العلم المخصوص، وما كانوا يستعملون لفظ فقيه أو عالم فيما استعملا فيه بعد الإسلام.

هذا ما يقوله محمد بن الحسن الثعالبي الفاسي (في كتابه) الفطر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي…

ولكني أرى أنه لم يكن شايعاً بينهم بالمعنى المخصوص وإنما الذي سجل عن العرب قولهم كما رأينا سابقاً جمل فقيه أي فطين بأحوال الشوق، لأن اللغة العربية كانت تميل إلى التعبير عن المحسوسات قبل النقلة التي شهدتها بمجيء الإسلام ونزول القرآن الكريم، فلم يكونوا يعرفون مثلاً الفاسق كما نقله الأصبهاني عن ابن الأعرابي ونص كلام ابن الأعرابي على ما نقله الجوهريُّ.

لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب، وإنما قالوا:

فسقت الرطبة خرجت عن قشرها.

قال ابن الأعرابي: “لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق”…

نقل شيخ مرتضى: عن بعض فقهاء اللغة أن الفسق من الألفاظ الإسلامية لا يعرف إطلاقها على هذا المعنى قبل الإسلام، وإن كان أصل معناها، الخروج، فهي من الحقائق الشرعية التي صارت في معناها حقيقة عرفية في الشرع، وقد بسطه الخفاجي في العناية[12] ومثل هذا كثير فإن كلمة الأدب ما كانت شائعة قبل الإسلام وإنما كانت العربُ تعرف الآدب الذي يدعو إلى المأدبة وهي طعام يصنع للجماعة، قال طرفه:…

نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر

والجفلى هي الدعوة العامة، والنقرى الدعوة الخاصة..

ثم تطورت كلمة الأدب إلى أن أصبحت تعني الأخلاق الفاضلة وأصبحت بعد ذلك تطلق على علم خاص.

قال: الخفاجي في العناية نقلاً عن الجوالقيِّ في شرح أدب الكاتب: “الأدب في اللغة حسن الأخلاق وفعل المكارم، وإطلاقه على علوم العربية مولد حديث في الإسلام”[13]

والفقه من هذه الألفاظ التي تطورت تطوراً ملموساً منذ ظهور الإسلام ففي الصدر الأول استعملت كلمة الفقه في النصوص الشرعية لمعنيين:

أولُهما: الفهم الذي ينصف به الشخص.

وثانيهما: النصوص الشَرْعِيَّة.

فمن الأول قوله – تعالى -: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول}[14].

ومن {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}[15]…

ومنه {أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}[16].

ومن السنة: قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعائه لابن عباس: ((اللهم فقهه في الدين.. )) الحديث، متفق عليه[17].

فهو محتمل للمعنيين أي معنى الفهم ومعنى العلم بنصُوص الشريعة…

ومن المعنى الأول قول علي – رضي الله عنه – لابن الكوَّاء وقد سأله عن قوله – تعالى -: {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا} قال له: ويحك اسأل تفقها ولا تسأل تعنتاً[18]…

ثانيهما: النصوص الشرعيَّة ومنه قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))[19]، وهو جزءٌ من حديث أخرجه أحمد في المسند والترمذي وقال صحيح.

وابن حبان وصححه، والحاكم وصححه..

ومنه قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: ((تفقهوا قبل أن تسوَّدوا))[20].

قال أبو عبد الله البخاري: “وبعد أن تسودوا وقد تعلم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد كبر سنهم”.

بعد هذه المقدمة القصيرة عن معنى الفقه في القرآن والسنة، نستنتج أن الفقه بمعنى المعلوم، كانت تغطى علوم الدين كلها من عقيدة وأحكام عبادات ومعاملات، وحدود، كما تغطى أدلتها من كتاب وسنة، كل ذلك يعتبر فقها ، لأن متعلقه الدين، والدين كما هو معروف إذا أطلق فإنه يدل على الإسلام والإيمان والإحسان، ومع ذلك فنحن نلاحظ استعمال كلمة الفقه، في بعض الآثار الواردة عن بعض السلف في عصر الصحابة، بجانب الكتاب والسنة، مما يشير إلى شيء خاص وليس حَتْماً منافياً ولكنه على كل حال زائد على حرفية النص، فمن ذلك قول ابن عباس – رضي الله عنهما -: أفضل الجهاد من بنى مسجداً يعلم فيه القرآن والفقه والسنة[21]. رواه شريك عن ليث ابن سليم بن يحيى ابن أبي كثير عن علي الأزدي، قال: أردت الجهاد فأتيت ابن عباس فقال لي: ((ألا أدلك على ما هو خير تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن وتعلم فيه الفقه))[22].

وهذا يدل على أن الفقه بدأ في تمثيل مصطلح خاص متميز في أيام الصحابة، وذلك راجع إلى ظهور مسائل اجتهادية، كمسألة ميراث الجد مع الأخوة، ومسألة أراضي العراق وغيرها من أرض الخراج ومسألة درء الحد عمن ولدت لستة أشهر، وغيرها من المسائل التي تستدعي الاجتهاد وأعمال النظر، وظهور هذه المسائل كان نتيجة لتلاحق التطورات في المجتمع الإسلامي الذي اتسعت رقعته، وتنوعت عناصر مكوناته، وكان القرآن الكريم الذي جمع جمعاً أولياً على عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق وجمعاً نهائياً على عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وعن الخلفاء الراشدين جميعاً.. والذي جمع الناس على مصحف واحد ووزعه على الآفاق وألغى ما سواه وكان ذلك بمحضر الملأ من الصحابة ومشورتهم.

وكان العامل الأساسي في المحافظة على وحدة العقيدة والشريعة جمع الناس على مصحف واحد…

إلاّ أن الصحابة وهم حملة السنة قد تفرقوا في الأقطار والأصقاع كل واحد يحمل معه من السنة ما وعي، ليفتي ويقضي حسب ما سمع وبقدر ما فهم فاختلفت بعض الآراء في المسائل الفقهية، إلا أنهم حفظوا من الاختلاف في مسائل العقيدة. فبرزت الحاجة للنظر في المصدر الثاني من مصادر الشريعة وهو السنة، فكان أول جمع لها بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني حيث كتب إلى عامله في المدينة المنورة، أن يجمع السنة ثم تبارى العلماء في جمع الحديث وتصحيحه وتنقيحه.

فمن أوائل الكتب التي وصلت من السلف إلى الخلف صحيفة همام ابن منبه المتوفي سنة 132هـ ومسند أبي حنيفة ت150هـ وموطأ مالك بن أنس سنة 179هـ ومسند أبي داود الطيالسي المتوفي 204هـ. ومسند الشافعي المتوفي 204هـ وهكذا توالت كتب الحديث من جوامع وسنن ومسانيد ومستخرجات ومستدركات.

وفي نفس الوقت تقريباً، اهتم العلماء باستخراج المسائل الفقهية وتجريدها بعد تحرير الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد، فتكونت مدارس فقهية في الحجاز والعراق ومصر وكثرت الآراء واتسعت القضايا وتباينت الفتوى، وظهرت مسائل استنباطية معزوة إلى أصحابها الذين لم يعودوا مجرد مفتين، وإنما مؤسسو مدارس يشار إليهم بالبنان، نظراً لرسوخ أقدامهم في العلم ودقة مداركهم في الفهم، فألفت المدونات، كمدونة ابن القاسم التي نقلها عن مالك، وكتاب الأم للشافعي، وغيرهما من الكتب التي تعتني بالمسائل الفقهية الاستنباطية، وكان الأمر يقتضي وضع قواعد، ومناهج ليسلكها السالكون في التعامل مع النصوص، واستنباط المسائل منها.

وسميت هذه المسائل الجديدة فقها ، وأخذت القواعد التي تحكم كيفية الاستنباط والتعامل مع النصوص اسم أصول الفقه.

هذه الأطوار التي مرت بها الشريعة من عهد الصحابة الذين جمعوا القرآن الكريم وجمعوا الناس على مصحف واحد، وعهد التابعين الذين بدأوا مسيرة جمع السنة، والذين من بعدهم من الأئمة الذين اجتهدوا في استخراج المسائل واستنباطها، كل ذلك قد أثر في تطور معنى كلمة فقه، وبدون شك فإن هذا قد خلف ظلالاً على تعامل العلماء من بعدهم، مع تعريف هذه الكلمة وتحديد مفهومها الدقيق، وذلك ما سنراه بعد هذه المقدمة.

تعريف الأصوليين للفقه

اختلف الأصوليون في تعريف الفقه، على ضوء ما ذكرنا في مقدمة هذا البحث:

1 – فذهب بعضهم إلى أن الفقه مرادف للعلم بالشريعة أي أنه شامل للعلم بالأحكام الثابتة بالنصوص القطعية، أو تلك الثابتة بالطرق الظنية.

2 – وذهب بعضهم إلى أنه الثابت بالنصوص القطعية فقط.

3 – وذهب الجمعور إلى أنه العلم بالأحكام المستفادة عن طريق الاستنباط والاجتهاد.

4 – وذهب فريق رابع إلى أنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب عن طريق الأدلة التفصيلية.

فهذه أربع طرق يمثل الأولى منها وهي التي ترى أنه شامل للأحكام القطعية والظنية، من العلماء:

البزدوري الحنفي، وقد نقل ابن عباس في رد المحتار عن شرح التحرير أنّ التعميم قد مضى غير واحد من المتأخرين على أنه الحق، وعليه عمل السلف والخلف[23].

أما المذهب الذي يقول بأنه الثابت بالنصوص القطعية فمن الذاهبين إليه إمام الحرمين في البرهان، حيث يقول: “فإن قيل في الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح الشريعة: العلم بأحكام التكليف. فإن قيل معظم متضمن ما سئل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون”.

وذكر بعد ذلك قوله: قد ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية.

وما ذكره إمام الحرمين[24] ذكر مثله ابن الهمام الحنفي في التحرير.. بقوله: إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية القطعية لا الظنية. وأن الظن ليس من الفقه، والأحكام المظنونة ليست مما يسمى العلم بها فقها [25].

أما المذهب الثالث: فقد قال به أيضاً كثير من العلماء، حيث تخصص الفقه بالمسائل المظنونة. قال علاء الدين شمس النظر الحنفي 539هـ في كتابه المسمى ميزان الأصول في نتائج العقول: “وأما العلم السمعي نوعان: أحدهما ثابت بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفَسَّر من الكتاب والخبر المتواتر والمشهور والإجماع.

والثاني: ثابت بطريق الظاهر بناء على غالب الرأي وأكبر الظن، وهو ما ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة، وما ثبت بخبر الواحد والقياس الشرعي. وهذا النوع بقسميه يسمى علم الشرائع والأحكام، ويسمى علم الفقه في عرف الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا اختصاص له بهذا النوع من العلم بل هو اسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم يحتاج فيه إلى النظر والاستدلال مطلقاً، كعلم النحو واللغة والطب ونحوهما، يقال فلان فقيه في النحو والطب واللغة إذا كان قادراً على الاستنباط والاستخراج في ذلك”[26].

فيفهم من هذا الكلام أن الفقه إنما يطلق على العلم بالمسائل الظنية لأنه إنما أطلقه على النوع الثاني بقسميه وهما:

1 – ما ثبت عن طريق الظواهر وغالب الرأي والظن من جهة.

2 – أو ما ثبت عن طريق خبر الآحاد والقياس من جهة أخرى فهذا بيان كلامه.

وأكثر علماء الأصول لا يبتعدون كثيراً عن هذا التعريف الأخير، فإنهم يعرفون الفقه بأنه: معرفة الأحكام الشرعية العملية، التي طريقها الاجتهاد كما قال: الشيرازي في اللمع، فيخرج العلم بالذوات والعلم بالأحكام العقلية والحسية والوضعية كالحساب والهندسة والنحو والصرف[27] إلى آخره.

وفي شرح أحمد بن قاسم العبَّادي الشافعي، على ورقات إمام الحرمين، ممزوجاً بكلام المؤلف وتعليق جلال الدين المحلي ما يلي: “الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب، وأن النية من الليل شرط في صحة صوم رمضان، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص ونحو ذلك من مسائل الخلاف، ثم أنهم اشترطوا أن يكون العلم حاصلاً عن طريق الاجتهاد للمنصف به، ليخرج علم المقلد بهذه المسائل، وكذلك ليخرج العلم بضروبات الدين كوجوب الصلوات الخمس، وحرمة الفاحشة فهذه لا تسمى فقها على حد هذا التعريف[28]، هامش إرشاد الفحول شرح أحمد بن قاسم لورقات إمام الحرمين”.

أما المذهب الرابع: فلم يفصل بين قطع ولا ظن، ولم يشترط الاجتهاد بالنص، إلا أنه قال: إن العلم بهذه الأحكام الشرعية يجب أن يكون مكتسباً من أدلتها التفصيلية، وهذا ما ذهب إليه السبكي في جمع الجوامع.

ونظمه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي.

في نظمه المسمى بمراقي السعود:

الفقه هو العلم بالأحكام بالشرع والفعل نماها النامي

أدلة التفصيل منها مكتسب والعلم بالصلاح فيما قد ذهب

قال في شرحه نشر البنود: “والفقه اصطلاحاً هو العلم بجميع الأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية والمراد بالأحكام النسب التامة التي هي ثبوت أمر لآخر إيجاباً أو سلباً احترازاً عن العلم بالذوات والصفات والأفعال”[29].

وهذا العلامة الزركشي ينقل في كتابه المنثور في القواعد عن جلة من علماء الأصول تعريف الفقه فيقول: فصل:

قال القاضي حسين: “الفقه افتتاح علم الحوادث على الإنسان أو افتتاح شعب أحكام الحوادث على الإنسان”.

حكاه عنه البغوي في تعليقه….

وقال ابن سراقة في كتابه في الأصول: “حقيقة الفقه عندي الاستنباط.. قال – تعالى -: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}”.

بعد الطرائق الأربع في تعريف الفقه عند الأصوليين، والقاسم المشترك بين هذه التعريفات هو أنه نقلت الفقه عن أصله اللغوي وهو الفهم، إلى معنى مجاور هو العلم الذي ليس بمعنى المعلوم، وإنما بمعناه المصدري الذي هو حصول العلم أو الملكة الراسخة في النفس.

فالفقه في هذه التعريفات هو علم الإنسان بالشيء إلاّ أنَّ بعض العلماء الآخرين وإن كانوا قد أخذوا بعض الآراء السالفة بعين الاعتبار إلا أنهم قدموا تعريفات أخرى تنظر إلى الفقه كعلم بمعنى شيء مستقل عن كونه صفة للمجتهد.

فمن هؤلاء الإمام الغزالي والزركشي من الشافعية، فالغزالي اهتم به من حيث علاقته بتزكية النفوس، فخصصه قائلاً: في الألفاظ التي صرفت عن أصلها الذي كانت عليه عند السلف الصالح: “اللفظ الأول الفقه، فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتوى، والوقوف على دقائق علمها واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقاً وأكثر اشتغالاً بها يقال: هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول يطلق على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب”[30]..

وكما يلاحظ فإن أبا حامد – رحمه الله تعالى -جعل الفقه علماً خاصاً بغض النظر عن المتصف به، خلافاًً لمصطلح الأصوليين، إلا أنه وقع في التخصيص بدلاً من أن يتركه على عمومه، الذي يدل عليه إضافته للدين وهو كل ما يطلب من العباد (من إسلام وإيمان وإحسان كما ورد في الحديث الصحيح، هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم….

وكما يدل عليه قوله – تعالى -{فأقم وجهك للدين…. }، الآية.

أما الزركشي، فذكر تعريفات عدة بعضها يقارب تعريف الأصوليين، وبعضها يجانبه، ولأهمية كلامه ننقل أكثره ونصه: في (أ)، ص17.

وكذلك قال السمعاني في القواطع: “هو استنباط حكم المشكل من الواضح”.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((رب حامل فقه غير فقيه)) أي غير مستنبط، ومعناه: أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال واستنباط منها.

قال: “وما أشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر فطنته استخرج دراً وغيره يستخرج أجراً”.

ومن المحاسن قول الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها.

وقال الإمام في الغياثي: “أهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهو الذي يسمى فقه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة”.

واعلم أن الفقه أنواع:

أحدهما: معرفة أحكام الحوادث نصاً واستنباطاً، وعليه صنف الأصحاب تعاليقهم المبسوطة على مختصر المزنى.

والثاني: معرفة الجمع والفرق، وعليه جل مناظرات السلف حتى قال بعضهم: الفقه فرق وجمع، ومن أحسن ما وصف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير بن جماعة المقدسي، وكل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على الظن أن الجامع أظهر.

قال الإمام – رحمه الله -: “ولا يكتفي بالخيالات في الفروق، بل وإن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وأن انقدح فرق علي بعد”.

إلى أن قال: فائدة:

كان بعض المشايخ يقول: “العلوم ثلاثة علم نضج وما احترق وهو علم الأصول والنحو، وعلم لا نضج ولا احترق وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضج واحترق وهو علم الفقه والحديث”.

وكان الشيخ صدر الدين بن المرحل – رحمه الله – يقول: “ينبغي للإنسان أن يكون في الفقه قيماً، وفي الأصول راجحاً، وفي بقية العلوم مشاركاً”[31].

((تطور الفقه))

من المعلوم أن الأصل الأول للفقه هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله – صلى الله عليه وسلم – {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}… {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}. والأصل الثاني هو السنة النبوية وهي مجموعة أقوال النبي – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وتقريراته، فهذان الأصلان لا خلاف فيهما[32].

وكل الأصول الأخرى راجعة إليهما من إجماع وقياس واستدلال وهو كما يقول علماء الأصول دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس كاستصحاب الحال، وشرع من قبلنا والاستحسان عند الحنفية والمالكية والمصالح المرسلة[33].

وأنواع هذا الدليل ليست موضع اتفاق بين العلماء، ذكرنا هذه المصادر كتوطئة لتطور الفقه، لأن التطور الزمني للفقه كان نتيجة لتسلسل ظهور هذه الأدلة وبروزها، والمكانة التي أخذتها في التشريع.

فالطور الأول: هو طور نزول الوحي وحياة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو طور تأسيس الشريعة، وكمال العقيدة، واقرار أصول الحلال والحرام {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي… } الآية.

((وإن الحلال بين وإن الحرام بين… )) الحديث.

فهذا الطور من مبعث سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى وفاته، وهي فترة الوحي أي نزول القرآن الكريم، وتلقى السنة المطهرة عنه – صلى الله عليه وسلم -. ثم جاء عصر الصحابة – رضي الله عنهم – الذي امتد ما يناهز القرن، وانتشر الإسلام، وتفرق الصحابة في شتى الأقطار والأصقاع ينشرون الإسلام بين أقوام مختلف الأعراق والأعراف والطباع فاعترضتهم قضايا فقهية بعضها يمس أنظمة الدولة الإدارية والمالية كقضايا الأراضي المفتوحة والتي أصبحت فيما بعد خراجية ومشكلات دون ذلك كميراث الجد مع الأخوة.

إلا أن مركز الدولة واهتمام الخليفة شخصياً بالقضاء والفتوى سهل الإجماع في كثير من المسائل، حيث يجمع الصحابة عند النازلة فيستشيرهم فيجمعون على أمر، فيصبح إجماعهم امراً لا معقب له وحجة على القرون من بعدهم.

وقد لا يجمعون فيظل باب الإجتهاد مفتوحاً في وجه من بعدهم، وبروز أهمية الإجماع في التشريع يُمثل الطور الثاني من أطوار الفقه وما كان لهذا التطور أن يحدث في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – لأن الإجماع في عهده غير ممكن لنزول الوحي فالحجة في حياته – صلى الله عليه وسلم – هي القرآن والسنة، فالمرجع الوحيد في النوازل هو النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وفي الطور الثاني الذي يمثله عهد الصحابة رضوان الله عليهم برز القياس وظهرت بوادره الأولى في قياس الشارب على القاذف عند من أثبته. إلى غير ذلك من المسائل التي احتاج الصحابة فيها إلى إعمال أوجه الرأي، وتقليب أوجه النظر، كحادثة الوباء في الشام الطاعون التي وقع فيها الحوار بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة – رضي الله عنهما – واختلف الصحابة عليهما، فأيدت طائفة رأي عمر، وأيدت أخرى رأي أبي عبيدة حيث قال لعمر: أفراراً من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم: فراراً من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل في واد له عدوتان إحداها خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله[34].

ولم ينكر أحد عليهما استعمال الرأي والقياس.

وكان ذلك قبل أن يأتي عبد الرحمن بن عوف بحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وتنامى القياس في عصر التابعين، وتابعي التابعين، فظهر أئمة الفتوى في هذا العصر، ونضجت الآراء التي نقلت عن الصحابة، وتكونت مدارس متعددة على هدى الاجتهادات، المختلفة، وتباينت هذه المدارس لا في الفروع فقط ولكن أيضاً في نظرتها إلى الأصوال التي تؤخذ منها الأحكام، هذا التباين ليس ناشئاً فقط عن تفاوت أصحابها في فهم القرآن والاطلاع على السنة، فهم متفاوتون فعلاً في ذلك، فقد يطلع بعضهم على ما لم يطلع عليه غيره، ويصح عنده ما لم يثبت عند غيره. ولا بسبب اختلافهم في تفسير النصوص من الناحية اللغوية فحسب. فقد اختلفوا في ذلك ولكن الاختلاف قد ينشأ بسبب تقدير بعضهم لأهمية دليل على حساب آخر، مما يوجد اختلافاً في ترتيب الأدلة من إمام إلى آخر، فيحكم هذا برجحان دليل يحكم غيره بكونه مرجوحاً، فعلى سبيل المثال أبو حنيفة النعمان بن ثابت يمنع العمل بخبر الآحاد في قضايا عموم البلوى، وهي القضايا التي يحتاج إليها كل الناس حاجة ماسة تقتضي السؤال عنها لكثرة تكررها، وقضاء العادة بنقل الخبر فيها متواتراً كما نقل الكمال بن الهمام[35] وخالفه الجمهور فسميت مدرسة أبي حنيفة بمدرسة الرأي.

وعلى العكس من ذلك فإن الإمام أحمد يفضل الحديث الضعيف على الرأي، ويجب أن نشير إلى أن هذا الضعف يجب ألا يصل درجة البطلان أو النكارة، فهذا لا يحتج به الإمام أحمد كما يقول الإمام ابن القيم[36].

مما جعل مدرسته تسمى مدرسة أهل الحديث..

والإمامان مالك والشافعي أقرب إلى مدرسة أهل الحديث مع إختلاف أيضاً بين مالك وغيره في تقديم عمل أهل المدينة على غير الواحد في القضايا التي تدعو الحاجة إلى انتشارها بين الناس[37]. وكذلك فإن مذهبه عرف عنه الأخذ بالمصالح المرسلة، وسد الذرائع وإعطاء الوسائل في كثير من الحالات حكم المقاصد.

وهذا هو الطور الثالث الذي انتهى إليه تطور التعامل مع النصوص، وكان من نتيجته ميلاد أصول الفقه، التي تهدف إلى وضع ضوابط من شأنها أن تؤصل كيفية التعامل مع الكتاب والسنة، في استنباط الأحكام واستخراج المسائل، فاهتمت بدلالات الألفاظ الشرعية وتعريف الأحكام والمفاهيم وتعريف الأدلة الأصلية والفرعية، والتعادل والتراجيح[38].

أما الطور الرابع: فهو اقتصار كثير من الفقهاء على تقليد مذهب معين لا يجيزون لأنفسهم الخروج عنه، ولا الاقتباس من خارجه مما عطل نمو الفقه بمعنى الاستنباط، والتعامل مع المشكلات المتجددة في ضوء النصوص الشرعية، والأقيسة المطابقة للمعايير المقررة.

فقد آثرت أن أقسم تطور الفقه على ضوء تطور التعامل مع النصوص وبروز نوع من الأدلة بشكل أكثر ظهوراً في فترة معينة لأن ذلك هو حقيقة التطور الذي على ضوئه يمكن تقويم الحركة الفقهية بشكل أكثر وضوحاً.

وقد تعرض بعض المؤلفين في هذا العصر لأطوار الفقه فقسمها تقسيماً مشابهاً إلا أنه ليس مماثلاً في منطلقاته تماماً للتقسيم الذي ذكرته آنفاً.

فمن هؤلاء على سبيل المثال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، في كتابه الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي.

وكذلك المستشرقة: بوجينا غيانة في كتابها تاريخ التشريع الإسلامي، فقد قسم الفاسي أطوار الفقه إلى أربعة أطوار:

الأول طور طفولة الفقه وهو من أول بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى وفاته.

والثاني سماه طور الشباب وهو زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.

والثالث سماه طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.

والرابع سماه طور الشيخوخة والهرم وهو ما بعد القرن الرابع إلى زمانه مبيناً الأسباب الموجبة لتلك التطورات، مقدماً أمام كل قسم ملخص التاريخ السياسي لتلك المدة في الأمم الإسلامية بالإجمال[39].

هذا كلامه في مقدمته وهو كلام قد يكون مقبولاً لولا وصفه لطور النبي – صلى الله عليه وسلم – بطور الطفولة، فهو خطأ في العبارة وغلط في المضمون، فلو أطلق عليه كما أطلقنا طور التأسيس والكمال لكان أولى وأحق.

وأما المستشرقة بوجينا غيانا في كتابها تاريخ التشريع الإسلامي فقد تعرضت للأطوار الأربعة بشكل يختلف قليلاً عن سابقه إلا أنها في نهاية التقسيم وصلت إلى ستة أطوار:

فتقول:

في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان المرجع الأول، والأخير في أمور الدين…

ثم ذكرت الطور الثاني.

وهو ما بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذكرت الإجماع والقياس…

وذكرت جماعة من الصحابة ممن اشتهر بالفقه كالخلفاء الأربعة وذكرت الطور الثالث وهو عهد التابعين.

وذكرت الطور الرابع وهو طور التقليد، وطور الشيخوخة إلا أنها أوضحت أن بعض العلماء لم يرضخوا للتقليد ودعوا إلى الاجتهاد والتجديد وسمت ثلاثة منهم: العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية/ والشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله – تعالى -وأثنت على دعوتهم.

إلا أنها وصلت في النهاية إلى ستة أطوار:

1 – التشريع في عهده – عليه الصلاة والسلام -.

2 – في عهد الخلفاء الأربعة.

3 – بعد هذا العهد إلى أوائل القرن الثاني.

4 – من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع.

5 – من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد 656هـ.

6 – التشريع من سقوط بغداد إلى الآن.

هذا التقسيم أخذته من الشيخ محمد الخضري بك في كتابه تاريخ التشريع الإسلامي وأخذت تقسيمها الرباعي من الحجوي والأستاذ عبد الوهاب خلاف تاريخ التشريع الإسلامي لبوجينا من ص24 إلى ص33.

وفي العصر الحديث ظهرت بوادر مشجعة تشير إلى تنامي الوعي الفقهي، وظهور روح اجتهادية شوروية تعتمد على المجامع الفقهية التي أنشئت هنا وهناك وبدون أن أعلن تسمية ما يصدر عنها بإجماع فإنه يمكن أن يسمى بفقه جماعي، أو أن أطلق عليه فقه الشورى انطلاقاً من الأمر بالشورى الوارد في القرآن وما ورد في الخبر الذي رواه الطبراني بسنده يرفعه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفيه كيف نفعل في أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

فقال: سلوا الصالحين واجعلوه شورى[40].

وفيه عبد الله بن كيسان وضعفه الجمهور، والضعيف يحتج به عند بعضهم في فضائل الأعمال بشروط والشورى من فضائل الأعمال.

وكذلك فإن ظهور موسوعات فقهية بدأت بمحاولة في الشام صدر قرار إنشائها سنة 1956م.

وبعدها الموسوعة المصرية، والموسوعة الكويتية وهي في طور التحرير والموسوعة الأردنية في طور النشوء وغيرها.

وكذلك قامت دعوات إلى تدريس في الفقه في الجامعات القانونية صادرة من مؤتمرات قانونية، كتلك الصادرة عن الندوة الأولى لعمداء كليات الحقوق بالجامعات العربية التي انعقدت في أبريل سنة 1973م، ببيروت.

أو الندوة الثانية لعمداء كليات الحقوق في العالم العربي التي انعقدت في بغداد سنة 1974م.

إلى غير ذلك من المؤتمرات كمؤتمر وزراء الداخلية والعدل، في الجامعة العربية.

هذه كلها مؤشرات للتطور الحديث الذي تشهده ساحة العودة إلى الفقه متمثلة في المجامع والموسوعات والندوات والمؤتمرات، وإذا ساعده ظهور بعض الدوريات والمجلات فإن من شأن ذلك أن يقدم ثروة لا يمكن تقديرها لفائدة فقهنا الإسلامي.

((مكانة الفقه))

مكانة الفقه بمختلف معانيه السابقة، مكانة منيفة ومنزلة شريفة، ولقد ذكرنا من الأحاديث عند كلامنا على معناه ما فيه كفاية، إلا أننا نضيف هنا بعض الإشارات إلى أهمية تعلم الفقه:

أولاً: قوله – تعالى -في سورة التوبة: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين… } الآية.

ففي هذه الآية إشارتان لطيفتان:

الأولى: إن هذه الآية جاءت بعد قوله – تعالى -: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} الآية.

وهي تحض على النفير للجهاد، ثم قوبلت بآية تحض على النفير للتفقه في الدين، أو القعود عن النفير للتفقه حسب أوجه التفسير المعروفة في الآية.

وهذا يدل على أن طلب العلم والتفقه في الدين فرض كفاية.

الثانية: كلمة التفقه تدل على بذل الجهد، والتكلف والوسع في طلب الفقه كما يدل على فضل طلب الفقه.

حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))[41].

وفي الحديث: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه)).

والحديث ((خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه)) أخرجه بن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف[42].

والحديث: ((إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه، قليل معطوه كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل))[43]… رواه الطبراني من حديث حزام بن حكيم عن عمه وقيل عن أبيه وإسناده ضعيف… وأخرجه أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

وأخرج أبو عمر موقوفاً على ابن هريرة: لأن أجلس ساعة فافقه في ديني أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ما عبد الله بمثل الفقه[44].

ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم[45].

ففضائل الفقه لا تحصى، ومزاياه لا تعد.

قال الحجوي: “الأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقيدة الإسلام، ولا تتعصب لأي جنس فهي دائمة بدوام الفقه، ومضمحلة باضمحلاله”.

إلى أن يقول: “فالفقه الإسلامي من مفاخر الأمة الإسلامية، كيف لا… وهو مؤسس على روح العدل والمساواة واحترام الملك لذوبه… وإحترام النواميس الطبيعية، وقد اعتبر درء المفاسد، كمقدمة على جلب المصالح، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، ولا ضرر ولا ضرار، وتقديم الأهم على المهم[46] وبنيت أحكامه على مصالح العباد وعلى التسهيل والتيسير {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} الآية”.

الخلاصة

بعد استعراضنا أقوال العلماء حول تعريف الفقه لغة واصطلاحاً وتطور الفقه سواء من الناحية المصطلحية أو من ناحية المضمون ومكانة الفقه يمكن أن نستخلص ما يلي:

أولاً: كلمة الفقه في اللغة تعني الفهم والفطنة والإدراك، والعلم عند أكثر علماء اللغة وهي معان متقاربة ومتجاورة بعضها بالأصالة وبعضها بالتبعية.

فالفهم هو الأصل والعلم بالتبع من باب التعبير عن اللازم بالملزوم، فالعلم يلزم منه الفهم والفقه أيضاً هو فهم خفايا الأمور وخباياها.

والفقه يرجع في أصل معناه إلى الشق والفتح عند بعض اللغويين وهو قول تعرضنا له بالنقد والتمحيص.

كلمة الفقه تطورت من أصل في الجاهلية: هو فحل فقيه أي فطن يميز النوق الحوامل من الحوائل. إلى رجل فقيه أي فطن في الدين عالم بأسراره وفقيه أي مجتهد مستنبط للأحكام.

وأخيراً إلى فقيه حافظ لبعض المسائل الفقهية ولو لم يكن مجتهداً للفقه عند أكثر الأصوليين معنى قائم بالفقيه وهو العلم الحاصل له بأحكام الشريعة عامة منصوصة أو مستنبطة وهو قول جيد رجحه ابن عابدين.

علم حاصل عن طريق الأدلة القطعية وهو قول الكمال بن الهمام وقول إمام الحرمين في البرهان.

علم حاصل عن طريق الاستنباط والاجتهاد وهو قول السمرقندي وإمام الحرمين في الورقات وشارحاه العبادي والمحلي.

علم بالأحكام الشرعية العملية مكتسب من طريق الأدلة التفصيلية وهو قول تاج الدين بن السبكي وشروحه والغزالي في المستصفى والسمة المشتركة بين هؤلاء جميعاً أن الفقه هو صفة للفقيه وليس شيئاً مستقلاً عنه.

علم قائم بذاته وليس وصفاً قائماً بالمجتهد وهو علم من علوم الشريعة من عبادات ومعاملات وحدود، فالفقه هو نفس الأحكام وليس مجرد العلم بها على حد تعبير الشيخ مصطفى الزرقاء[47].

الفقه علم شامل للعقيدة والمعاملات والعبادات مرادف لعلم الدين، وهذا إطلاق كثير في كلام المتقدمين وهو الحقيقة الشرعية للفقه وهو الذي يجب المصير إليه وهو الحق إن شاء الله، فالحديث يقول:… ورب حامل فقه… وهو عام في الكتاب والسنة فقد يكون المحمول عقيدة كما قد يكون أحكاماً عملية فتخصيصه ببعض أفراده إنما هو تخصيص عرفي مصطلحي وقد نبه العبادي على أن هذا التخصيص ليس، مصطلحاً شرعياً وإنما هو مصطلح أصولي على أنه تردد في آخر كلامه.

وإنما تصرف الأصوليون في كلمة الفقه بالتخصيص ليصلوا بذلك إلى تعريف الفقيه وهو المجتهد الذي يتصف بالملكة الراسخة والفهم الصائب الذي ينفذ من خلاله إلى أغوار الشريعة فيدرك حكمها ومراميها يحمل النظير على النظير ويعرف حكم المفهوم من المنطوق، بصيراً بموارد الشريعة ومقاصد الشارع.

فهذا الذي يوصف بأنه فقيه أهل للاستنباط وعلمه القائم به هو الذي يوصف بأنه فقه وكأنهم أخذوا ذلك من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – ((رب حامل فقه غير فقيه))، فإنه يدل على أن الفقيه الكامل لابد أن يتصف بوصف زائد على التحمل كما يدل من جهة أخرى على إطلاق الفقه على رواية سائر علوم الدين.

وفي الختام فإن الفقه قد مر بأدوار وأطوار اقتضتها طبيعة الزمان وضرورة الأوان فخرج منها منتصراً وعلى مشاكلها مقتدراً وهو علم له منزلة رفيعة في معارج علوم الشريعة من أوسعها وأكثرها فائدة وأغناها وأطيبها مائدة فهو بحر لا يدرك له ساحل ومعين لا ينضب وفيه حل لكل مشاكل المعاملات ومسائلها يحافظ على الثوابت ويستوعب المتغيرات مرونة في غير ميوعه وثباتاً في غير جمود. دائم العطاء متسع الأرجاء فكيف وأصله الذي يستمد منه مادته وينال بفضله ديمومته كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة نبيه الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً… وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…

ــــــــــــــــــــ

[1] تاج العروس للزبيدي، جـ9، ص402.

[2] الفتح/ 1/ ص165.

[3] مقاييس اللغة 4/442 جـ21 تحقيق عبد السلام محمد هارون، مصطفى البابي الحلبي.

[4] الزمخشري، الفائق، البابي الحلبي، جـ3، ص134.

[5] (تاج العروس) للزبيدي جـ9 ص402.

[6] الزمخشري، الفائق، البابي الحلبي، جـ3، ص134.

[7] عن نشر البنود على مراقي السعود للشنقيطي 1/115.

[8] نفسه ص111.

[9] المرجع السابق ص19، ويراجع إرشاد الفحول للشوكاني ص16.

[10] إعلام الموقعين 1/219.

[11] موسوعة الفقه المصرية.

[12] التاج 7/49.

[13] التاج 1/144.

[14] هود الآية 91.

[15] الإسراء الآية 44.

[16] الإنعام من الآية 65.

[17] الفتح 1/164 165.

[18] الموافقات للشاطبي 1/5 إلى آخر القصة.

[19] فيض القدير على الجامع الصغير المناوي جـ6.

[20] الفتح 1/164 165.

[21] القرطبي 8/296.

[22] نفسه…

[23] الموسوعة المصرية 1/11 مع تصرف.

[24] البرهان 1/85 86.

[25] الموسوعة المصرية، ص11 وما بعدها.

[26] ميزان الأصول قطر، ص9 10.

[27] الموسوعة المصرية، 1/60.

[28] إرشاد الفحول 12، 13، 14 انتهى منقولاً بالمعنى وباختصار شديد.

[29] نشر البنود 1/19 ومن المعلوم أن الشنقيطي يعتمد في نظمه غالباً على جمع الجوامع لابن السبكي، ولفظ جمع الجوامع (والفقه العلم بالإحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) جـ1، ص32 33 بشرح المحلي وحاشية البنان.

[30] إحياء علوم الدين. جـ1، ص28.

[31] بدر الدين الزركشي، المنثور في القواعد، تحقيق الدكتور: تيسير فاتق أحمد محمود، ط1، 1402هـ، نشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، جـ1، ص67 72.

[32] يرجع إلى مقدمات ابن رشد الكبير، ص14.

[33] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن حسن الثعالبي الفاسي، ص22.

[34] المقدمات الكبرى لابن رشد، ص20 21.

[35] التحرير والتحرير 2/295.

[36] إعلام الموقعين 1/31، 77.

[37] المدارك للقاضي عياض 1/68 و71.

[38] يراجع في هذا المحلى على جمع الجوامع للسبكي 1/ص23، وما بعدها.

[39] محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، مقدمة كتابه السابق الذكر.

[40] الغزالي إحياء علوم الدين، تعليقات الزين العراق على الأحياء. جـ1 ص20 مطبعة دار الكتب الكبرى.

[41] يراجع في ذلك كله: القرطبي في التفسير 8/294 295، والتحرير والتنوير لابن عاشور 11/61 62.

[42] الطبراني في الأوسط، وأبو بكر الآجري في فضل العلم، وأبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف الزين العراقي على الإحياء ص7.

[43] نفسه.

[44] جامع بيان العلم وفضله: 24.

[45] التحرير والتنوير 11/62.

[46] الحجوي ص14.

[47] المدخل الفقهي جـ1، ص60

العلامة عبدالله بن بيه : الفهم السطحي المثالي الزائف لتاريخنا أنتج “التاريخ المعسكر”

س: ثمة فوضى في تمثل المسلمين لتاريخهم الإسلامي واستذكار للجوانب الحربية والقتالية فيه مع عدم قدرة على تعيين صورة أقرب للموضوعية حيال ذلك التاريخ ما هو السبب؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه :

السبب الرئيس هو أن الحقب المختلفة شهدت نزاعات وحروبا أحيانا في الداخل وأحيانا مع دول الجوار التاريخي وبخاصة الأوروبي استنجد فيها بالذاكرة التاريخية المكتوبة عن الغزوات والحروب والانتصارات فعلى هذا الجانب تم التركيز في كتب السيرة بلا مراعاة للسياق بدل التركيز على تاريخ الدعوة السلمية التي تمثله البعوث. النبوية للدعوة المعروفة وهي ضعف الغزوات.  وسيرة الرسول عليه السلام تزكي قيم الصلح والمصلحة، وأن المسلم يمكن أن ينهزم لوجه الله تقليلا للمفاسد وتكثيرا للمصالح، وهو عليه الصلاة والسلام رجع عن حصار الطائف بعد أن تضرر المسلمون من حصاره الطويل، فلم ير ذلك منقصة أو عيبا، وكذلك كان صلح الحديبية. هذه النماذج المشرقة الكثيرة في تاريخنا من البحث عن السلام والإيمان بجدوى المصالحات والعهود، توضح أن تاريخنا لم يكن حربا مستمرة، ولا أن الإسلام قامت حضارته على شن الحرب على العالم.

إننا لا نريد أن نحاكم تاريخنا أو نشتمه أو نطعن في رمزيته في وعي الأمة المهزوز، أو نمنع حق التخيّل، وإنما نريد التأكيد على أن الفهم السطحي المثالي الزائف للتاريخ حيث المسلم المنتصر دايما بالحرب، وحيث لا اعتبار للمصالح والمفاسد وميزانها المركب، أن هذا التصور خلل عميق في منهج الخطاب الإسلامي المعاصر. فلا بد أن نصحح التصور عن أسباب نهضة الأمم، وأن لها سننا كونية مبناها على قيم الحكمة والمصلحة.

هل بالإمكان تعميم رؤية إسلامية تساهم في إعادة السلم في الى المجتمعات المسلمة؟

س: باتت ضرورة  مجتمعات المسلمين إلى السلم فيما بينهم وبين العالم من أهم الضرورات التي تفتقد إليها تلك المجتمعات ؛ هل بالإمكان تعميم رؤية إسلامية تساهم في إعادة السلم في تلك المجتمعات؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه :

إن الرؤية المشار إليها في الجواب الآنف تكون من خلال التعاون والتنسيق المخلص بين جميع مكونات النخبة من علماء وحكماء ومثقفين متنورين وصناع القرار في إطار حركة كبرى ثقافية تنشي تيارا هو تيار الأمة، تيار السلم الذي ينبذ التكفير والتفجير والطائفية، ويقدم للمسلمين رؤية واسعة تحمي مصالح الأمة وتواجه الأخطار والتحديات وتزيل وهم التناقض بين الإسلام وبين قيم التعايش والسلم.

هذه الرؤية التي نتبناها في منتدى تعزيز السلم تقوم على مركزية القيم الأربع للإسلام وهي العدل والرحمة والمصلحة والحكمة -كما يقول ابن القيم، من خلال إعادة حضور هذه القيم في تصورات المسلمين وسلوكهم ومن خلال التنزل المعرفي إلى ميدان المنهجية العلمية العميقة التي من شأنها أن تفكك بناء الإرهابيين، وتنقض عرى ما عقدوه من مفاهيم محرّفة، وتعيد وضع هذه المفاهيم الشرعية في إطار سياقاتها الأصلية ومساقاتها التنزلية.

كيف يرى العلامة ابن بيه النزاع اليوم على صورة الإسلام بين مرجعيات مختلفة؟ و كيف يمكن تجاوز وضع التشرذم ؟

س: هناك نزاع اليوم على صورة الاسلام بين مرجعيات مختلفة حركية وتقليدية، وأدى هذا النزاع إلى بروز فهوم متطرفة وخطيرة؛ كيف يمكن تسكين علاقات المسلمين المعاصرين بمفهوم معرفي للإسلام ينزع عنه التأويلات المتخلفة أو المتطرفة؟

جواب العلامة عبدالله بن بيه :

نعتقد أن تجاوز وضع التشرذم المرجعي الذي تعيشه الأمة صار حاجة ماسة بل ضرورة حاقة ، وهو وضع يتجلى فيما أشرتم إليه من صراع التأويلات وتنافس الخطابات المتمانعة التي يدعي كل واحد منها احتكار التمثيل الشرعي للأمة والتأويل الصحيح للدين، وقد تطور هذا التنافس من حالة نزاعات مذهبية واصطفافات ايديولوجية إلى أن أصبح يغذي حروبا أهلية أهلكت الإنسان والأوطان ولم تقم وزنا ولا اعتبارا للأديان.

إن الخروج من هذا الوضع يحتم على جميع المرجعيات المختلفة العمل على إبراز القواسم المشتركة ووضع منطقة للقبول تتيح حدا أدنى من الاعتراف المتبادل والتواصل، بما يسمح للنخبة الواعية أن تذيب مقولات الأطراف في بوتقة مفهوم معرفي حقيقي للإسلام يقوم على الكليات الشرعية ويعكس روح الإسلام التوافقية والمصلحية التي لا تناقض في جوهرها ولا اختلاف في أصلها (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).

إن الامتناع عن هذا التناقض والتعارض هو الذي يسدّ الباب أمام “تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، ويضمن إمكانية مستوى مقبول من التنسيق في إيجاد الآليات العملية لتوصيل هذا المفهوم المعرفي المؤصل.

وخلاصة القول أنه أمام التحديات الكبرى والتهديد الوجودي للأمة على مستوى الدول وعلى مستوى المجتمعات وهو تهديد يطاول وحدة دولها وتماسك مجتمعاتها بل يطاول مجرد بقاءها فإنه لا مكان للخصومات المذهبية وللمناوشات الفروعية فالخطب جلل وطم طوفانه السهل والجبل ويصدق فينا تساؤل الشاعر:

صاحِ هل يحتال في دفع العصا * من أظلته الحُسامات القُضُب

العلامة عبدالله بن بيه يشارك في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة

شارك العلامة عبدالله بن بيه في مؤتمر الاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير و المحكمات الشرعية الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.و قال العلامة ابن بيه في كلمته التي ألقاها في افتتاح المؤتمر “توحيد الصفوف دون إشاعة السلام أمرٌ لا يمكن أن يُتصور” . وقال العلامة عبدالله بن بيه  ان حرية التعبير يمكن إجمالها في حديث وآية  أما الحديث فهو “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت” و أما الآية قهي قوله تعالى (  لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )

و أكد رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الشيخ عبدالله بن بيه أن الثوابت والأسس التي لا يمكن لحرية التعبير أن تتخطاها، تختلف بحسب المجتمعات.وقال بن بيه في تصريحات لوكالة الأنباء الإسلامية الدولية إينا على هامش افتتاح المؤتمر الدولي للاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير ومحكمات الشريعة الذي يعقده المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: إنه ليس لهذه الأسس والثوابت علامات محددة، وإنما هي أسس تتحرك بحسب أوضاع المجتمعات، فهناك مجتمعات تتحمل أكثر وبعضها لا يتحمل.وأكد بن بيه أن المهم في حرية التعبير هو وأد الفتنة، وألا تكون الحرية سببا في الحروب، لافتا إلى أن الإسلام حدد أساسا واضحا لحرية التعبير، بيَّنه حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، فهذا هو الأساس: قل خيرا أو اصمت. وحول ما يقال عن اعتبار التعدي على الثوابت سببا من أسباب الإرهاب؟ أوضح بن بيه أن هذه جدلية على العلماء أن يحلوها، بإيجاد مساحة مشتركة يمكن أن تتيح للناس أن يتكلموا في الخير وفي نفس الوقت أن يجنبوا أنفسهم الفتنة والحروب، لأن الفتن والحروب لا خير فيها أبدا، هذا لا بد أن نقوله للأمة ونؤكده، فقد أهلكت الأمة وأرهقتها بلا فائدة، حيث يموت ملايين الناس وكأن شيئا لم يقع. وتطرق بن بيه إلى أولوية قضية تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية على كل القضايا، وقال: موضوع السلم بدأناه قبل ثلاث سنوات، ونرى أنه ضرورة، وأن كل الأولويات الأخرى والقضايا الأخرى يجب تأجيلها حتى تتوقف الحروب، فإذا لم تتوقف الحرب فلن يوجد لا دين ولا دنيا، لأن الحروب ليست خيرا وإنما هي شر.

حوار مع مجلة الحوار

الشيخ عبد الله بن بيه لـ(الحوار):

هناك وعي مزيف بكليات الزمان وروح العصر في الخطاب الإسلامي المعاصر

حوار مع مجلة حوار

حوار: محمد جميل أحمد

العلامة الجليل معالي الشيخ عبد الله بن بيه (رئيس منتدى تعزيز السلم) هو أحد أبرز العلماء المشتغلين بتدبير تصورات منهجية حيال وعي تناقضات المسلمين في العالم الحديث من خلال أطروحاته الرصينة في مجال الفقه المقاصدي. وتكمن أهمية الحوار مع العلامة عبد الله بن بيه، ليس فقط لناحية قدراته المعرفية كفقيه مقاصدي وأصولي مرموق؛ بل كذلك لامتلاكه معرفة فلسفية عميقة للنظر في إشكالات العالم المعاصر، وانهمامه بتأصيل مبدأ التعايش السلمي العابر للأديان إذ تمثل جهود العلامة بن بيه في هذا الصدد اجتهادا أصيلا ومتفردا، وطرحا  موضوعيا لمنهجية الحجاج المعرفي حول قضايا الإسلام، والايدلوجيا، والإرهاب وحقوق الانسان. لكل هذه الحيثيات كان لمجلة الحوار هذه المقابلة مع صاحب: “تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع” و “الإرهاب التشخيص والحلول” وغيرها، حول الكثير من قضايا واقع العالم الإسلامي المتصلة بالعنف، والدولة الإسلامية، والإرهاب والتخلف وغيرها من القضايا.

….

هناك نزاع اليوم على صورة الاسلام بين مرجعيات مختلفة حركية وتقليدية، وأدى هذا النزاع إلى بروز فهوم متطرفة وخطيرة؛ كيف يمكن تسكين علاقات المسلمين المعاصرين بمفهوم معرفي للإسلام ينزع عنه التأويلات المتخلفة أو المتطرفة؟

نعتقد أن تجاوز وضع التشردم المرجعي الذي تعيشه الأمة صار حاجة ماسة بل ضرورة حاقة ، وهو وضع يتجلى فيما أشرتم إليه من صراع التأويلات وتنافس الخطابات المتمانعة التي يدعي كل واحد منها احتكار التمثيل الشرعي للأمة والتأويل الصحيح للدين، وقد تطور هذا التنافس من حالة نزاعات مذهبية واصطفافات ايديولوجية إلى أن أصبح يغذي حروبا أهلية أهلكت الإنسان والأوطان ولم تقم وزنا ولا اعتبارا للأديان.

إن الخروج من هذا الوضع يحتم على جميع المرجعيات المختلفة العمل على إبراز القواسم المشتركة ووضع منطقة للقبول تتيح حدا أدنى من الاعتراف المتبادل والتواصل، بما يسمح للنخبة الواعية أن تذيب مقولات الأطراف في بوتقة مفهوم معرفي حقيقي للإسلام يقوم على الكليات الشرعية ويعكس روح الإسلام التوافقية والمصلحية التي لا تناقض في جوهرها ولا اختلاف في أصلها (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).

إن الامتناع عن هذا التناقض والتعارض هو الذي يسدّ الباب أمام “تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، ويضمن إمكانية مستوى مقبول من التنسيق في إيجاد الآليات العملية لتوصيل هذا المفهوم المعرفي المؤصل.

وخلاصة القول أنه أمام التحديات الكبرى والتهديد الوجودي للأمة على مستوى الدول وعلى مستوى المجتمعات وهو تهديد يطاول وحدة دولها وتماسك مجتمعاتها بل يطاول مجرد بقاءها فإنه لا مكان للخصومات المذهبية وللمناوشات الفروعية فالخطب جلل وطم طوفانه السهل والجبل ويصدق فينا تساؤل الشاعر:

صاحِ هل يحتال في دفع العصا * من أظلته الحُسامات القُضُب

….

واقعنا اليوم يفرض قراءة جديدة في ضوء الشرع

باتت ضرورة  مجتمعات المسلمين إلى السلم فيما بينهم وبين العالم من أهم الضرورات التي تفتقد إليها تلك المجتمعات ؛ هل بالإمكان تعميم رؤية إسلامية تساهم في إعادة السلم في تلك المجتمعات؟

إن الرؤية المشار إليها في الجواب الآنف تكون من خلال التعاون والتنسيق المخلص بين جميع مكونات النخبة من علماء وحكماء ومثقفين متنورين وصناع القرار في إطار حركة كبرى ثقافية تنشي تيارا هو تيار الأمة، تيار السلم الذي ينبذ التكفير والتفجير والطائفية، ويقدم للمسلمين رؤية واسعة تحمي مصالح الأمة وتواجه الأخطار والتحديات وتزيل وهم التناقض بين الإسلام وبين قيم التعايش والسلم.

هذه الرؤية التي نتبناها في منتدى تعزيز السلم تقوم على مركزية القيم الأربع للإسلام وهي العدل والرحمة والمصلحة والحكمة -كما يقول ابن القيم، من خلال إعادة حضور هذه القيم في تصورات المسلمين وسلوكهم ومن خلال التنزل المعرفي إلى ميدان المنهجية العلمية العميقة التي من شأنها أن تفكك بناء الإرهابيين، وتنقض عرى ما عقدوه من مفاهيم محرّفة، وتعيد وضع هذه المفاهيم الشرعية في إطار سياقاتها الأصلية ومساقاتها التنزلية.

….

ثمة فوضى في تمثل المسلمين لتاريخهم الإسلامي واستذكار للجوانب الحربية والقتالية فيه مع عدم قدرة على تعيين صورة أقرب للموضوعية حيال ذلك التاريخ ما هو السبب؟

السبب الرئيس هو أن الحقب المختلفة شهدت نزاعات وحروبا أحيانا في الداخل وأحيانا مع دول الجوار التاريخي وبخاصة الأوروبي استنجد فيها بالذاكرة التاريخية المكتوبة عن الغزوات والحروب والانتصارات فعلى هذا الجانب تم التركيز في كتب السيرة بلا مراعاة للسياق بدل التركيز على تاريخ الدعوة السلمية التي تمثله البعوث. النبوية للدعوة المعروفة وهي ضعف الغزوات.  وسيرة الرسول عليه السلام تزكي قيم الصلح والمصلحة، وأن المسلم يمكن أن ينهزم لوجه الله تقليلا للمفاسد وتكثيرا للمصالح، وهو عليه الصلاة والسلام رجع عن حصار الطائف بعد أن تضرر المسلمون من حصاره الطويل، فلم ير ذلك منقصة أو عيبا، وكذلك كان صلح الحديبية. هذه النماذج المشرقة الكثيرة في تاريخنا من البحث عن السلام والإيمان بجدوى المصالحات والعهود، توضح أن تاريخنا لم يكن حربا مستمرة، ولا أن الإسلام قامت حضارته على شن الحرب على العالم.

إننا لا نريد أن نحاكم تاريخنا أو نشتمه أو نطعن في رمزيته في وعي الأمة المهزوز، أو نمنع حق التخيّل، وإنما نريد التأكيد على أن الفهم السطحي المثالي الزائف للتاريخ حيث المسلم المنتصر دايما بالحرب، وحيث لا اعتبار للمصالح والمفاسد وميزانها المركب، أن هذا التصور خلل عميق في منهج الخطاب الإسلامي المعاصر. فلا بد أن نصحح التصور عن أسباب نهضة الأمم، وأن لها سننا كونية مبناها على قيم الحكمة والمصلحة.

….

التطور الزماني والواقع الإنساني يقترحان صورا مغايرة للصور التي نزلت فيها الأحكام الجزئية

أصبح المسلمون شبه عاجزين عن الاندماج في منظومة العالم الحديث هل السبب في ذلك يعود إلى تخلف المسلمين أم إلى امتناع كامن في اصول دينهم؟

إن الإسلام برحابة تشريعاته ومراعاته لأوضاع الإنسان في كل الأحوال وحاجاته في سعتها وضيقها، في قترها ورخائها يهيئ للمسلمين الشروط الفكرية والثقافية للانخراط الواعي والفاعل في الحضارة المعاصرة، بل يوجب عليهم مواكبة أوضاعهم الحضارية ولا يقف عقبة في سبيل نهضتهم.

الأزمة في معظمها أزمة عجز عن استيعاب الفكر الإنساني من فلسفة وتاريخ بشري وسنن كونية للانخراط في الحضارة من جديد وإزالة عقد الفساد والاستبداد ولا شك أن ضحالة التفقُّه تشكّل وجها من أوجه الأزمة. ومن ثم فإن السبب في ما هو مشاهد من تمنُّع المسلمين على الاندماج في منظومة العالم الحديث هو هو التخلف والجهل المركب والمزدوج بالدين وبمنظومة العالم الحديث.

فهيمنة الفهم الجزئي الاجتزائي للنصوص والتعامل العبثي الذي لا يقيم اعتبارا للمصالح والمآلات والوعي المزيف بكليات الزمان وروح العصر وبمنهجية الربط بين مقتضيات كلي الإيمان وكلي الزمان كل هذا خلق ثقافة مأزومة أدخلت على المسلمين حرجا وضيقا ووضعتهم في مواجهة خاسرة وانتحارية مع عالمهم المعاصر.

….

هل يمكن القول أن المنهجية المقاصدية أصبحت بمثابة واجب الوقت للخروج من تناقضات ذهنية المسلم المعاصر مع متغيرات الأزمنة الحديثة؟

هذا الرأي صواب فإن التعامل مع النصوص بلا مقاصد والفروع بلا قواعد أحد أهم الأخلال المنهجية التي أدت إلى أزمات فادحة في علم المسلمين. الوعي بالمقاصد هو أحد المستويات الثلاثة للمنهجية السليمة.فالخلل في الثقافة المأزومة يطول ثلاثة عوالم، عالم التأويل وعالم التعليل وعالم التنزيل، فالخلل إما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال ماذا قال ؟ أي في فهم النصوص وتفسيرها ودلالات الألفاظ والجمع بينها وهو مستوى التأويل والتعويل فيه على اللغة وما تتيحه إمكانيات البيان العربي من الاجتهاد في الوصل بين الوضع والاستعمال والحمل، وإما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال لماذا؟ أي في فهم المعاني المنبثقة عن الألفاظ ومرامي النص ومرامزه ومعقوله وهو مستوى التعليل والتعويل فيه على العلل الجزئية والمقاصد الكلية ومدار الاجتهاد فيه على معتبرات المصالح ومناسبة العقول، وإما أن يدخل على مستوى الجواب على سؤال كيف؟ أي في تطبيق النصوص على الوقائع المشخصة بحيث تتنزل الأحكام في بيئاتها تنزلا يحقق المقاصد وهذا هو مستوى التنزيل والتعويل فيه على الفقه بالواقع، ومقتضيات الزمان والمكان وضرورات الإنسان.

….

ما هو دور القراءات المقاصدية الجديدة حيال مقولات الشريعة والدولة والخلافة كما تطرحها جماعات الإسلام السياسي؟

القراءات المقاصدية المنضبطة بأوعية الاستنباط المقررة في أصول الفقه من حيث هي كما قلنا إحدى المنظومات الثلاث للمنهجية السليمة قادرة على ارتياد آفاق جديدة لمعالجة هذه الإشكاليات.

وبناء على هذه المنهجية التي يجب أن تطلق من عقالها وتسرح في مجالها، فإنّ كثيراً من القضايا ستراجع على ضوء نارها، لا سيما هذه المسائل التي ذكرتم والتي تعرف لدى العلماء قديما باسم المسائل السلطانية. فهي تحتاج إلى بيان وتفتقر إلى برهان، وهذا ما قمنا به في منتدى تعزيز السلم وفي المركز العالمي للتجديد والترشيد من خلال ورشات تحقيق المناط، وقد بينتُ أسس المنهجية ومحاور تطبيقاتها المختلفة في كتابي “تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع”.

فضلا عن الخلل الذي دخل على أرباب الثقافة المأزومة من المتطرفين من حيث الاجتزاء والانحباس في النظر الجزئي، يمكن أن نقول إن أكثر ما غاب عنهم هو اعتبار المتغيرات الزمانية والمكانية، فالتطور الزماني والواقع الإنساني يقترحان صورا مغايرة للصور التي نزلت فيها الأحكام الجزئية.

واقعنا اليوم يفرض قراءة جديدة في ضوء الشرع للتذكير بالكليات التي مثلت لبنات الاستنباط، من خلال ما يمكن أن نسميه بكلي الزمان أو العصر أو الواقع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا؛ فهو واقع فيه اليوم معاهدات دولية، وحدود، وأسلحة دمار شامل، وتعددية دينية وثقافية وإثنية داخل البلاد الإسلامية وخارجها، وتغيرت فيها الولاءات القبلية والدينية إلى أخرى تعاقدية، وصارت السيادة في الواقع الدولي للاعتماد المتبادل بين الدول، والمعاهدات والمواثيق الدولية شبه حاكمة، وأصبحت العولمة سيدة العالم وليست حالة عابرة بل هي حضور الآخر حضورا اختياريا في ظاهره لكنه في عمقه  إجباري. إنه واقع يؤثر في النظم والقوانين ومدى ملاءمتها للنصوص الشرعية مجردة عن مقاصد التعليل وقواعد التنزيل.وإجمالا يجب أن نؤكد على مبدأ شرعي كلي وهو أن أحكام السياسة في الإسلام مدارها على المصالح المعتبرة، ولم يحجر ديننا علينا في صور وأنماط الحكم بما تتوصل إليه البشرية من صيغ ترشحها السياقات الزمانية والمكانية لكل بلد، وأن سلف الأمة من الصحابة والأئمة أدركوا السعة الاجتهادية التي أتاحتها الشريعة، وتعاملوا معها بما اقتضته ظروفهم في عصرهم.

….

المسلم يمكن أن ينهزم لوجه الله تقليلا للمفاسد وتكثيرا للمصالح

بين مشروعية الدولة القومية كما في سياقها الغربي، وبين مشروعية الدين في السياق العربي ثمة نزاع وتوتر في واقع المجتمعات العربية أين الخلل؟

الخلل في غيبة النخبة المثقفة القادرة على استيعاب التاريخ ومتغيرات الواقع  -التي أشرنا إلى بعضها آنفا-  والموافقة بينها.

إن الخلل الواقع اليوم هو في التصور وفي جهل أو تجاهل متغيرات الواقع وإكراهاته فجل ما كتب عن الدولة من أطاريح نحت منحى التأصيل لصورة تاريخية للدولة ومؤسساتها ووظائفها في التراث الإسلامي أو تفصيل تصورات نظرية لدولة منشودة بمعزل عن الواقع.

فلا بد من إيجاد نخبة مثقفة قادرة على استيعاب التاريخ ومتغيرات الواقع -التي أشرنا إلى بعضها آنفا-  والموافقة بينها  بحيث تتجاوز الحلول الحادة والرؤى الأحادية والقطائع المعرفية السائدة في المجال التداولي العربي وتستعيض عنها بحلول مبدعة توافقية تحافظ على الصّلات النافعة وتروم وضع تصوّر مؤصّل للمواطنة في الدولة الوطنية الحديثة، تصوّر يوافق التراث الإسلامي (صحيفة المدينة المنورة) ويتوافق مع السياق الحضاري المعاصر (إعلان حقوق الإنسان والدساتير الوطنية والمواثيق الدولية) وعلى منهج العلماء كالماوردي وأبي المعالي الجويني وابن أبي يعلى بن الفراء وابن خلدون ممن نظروا للدول طبقا للضرورات الزمانية في عصرهم.

….

أصبح للتعصب والشحن الطائفي ممارسات عمومية مع نشاط وسائل التواصل الاجتماعي ما الجديد في هذه الظاهرة؟

إن الطّائفة التي هي ترجمة عن المذهب كانت دائما موجودة فهي أمر طبعي، تعيش معه الأمم بل قد يكون أحيانا مصدرا للثراء وسببا للتنافس الشريف ولتعدد وتنوع الآراء المقبول، لكن عندما تتحول المذهبية إلى بغي وإقصاء وإفناء للآخر فإنها حينئذ تكون غير محمودة وقد تكون مشمولة بقوله تعالى (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)، الاختلاف إذا أدى إلى البغي يكون مذموما، والبغي في حقيقته هو الاستطالة على الآخر وإنكار حقوقه بسبب الكبر الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “بطر الحق وغمط الناس”، أي جحد الحق واحتقار الناس.

فالطائفية المقيتة ناشئة عن البغي وعن الكبر وعن الأمل الزائف بالانتصار الحاسم والنهائي على الخصم والذي يغذيه ما يصفه البعض بالوعد الإلهي، والحقيقة أن هذه الأوهام وسيطرة عقلية الغلبة وتنازع البقاء لن تؤدي إلا إلى زيادة الاحتراب الداخلي في شكله الذي نراه الآن من فتنة طائفية، تصطدم بموقف الإسلام الواضح (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض).

فلا بد لمن يعالج الوضع بالعودة إلى العقل وتحكيمه وتنمية أخلاق التواضع لنتعايش فلا يهلك الجميع وتضيع الأرض والعرض.

….

ظاهرة التطرف الديني وانعكاساتها العنيفة في نشاط الجماعات الإرهابية كداعش وأخواتها هل هي جزء من قابلية ذهنية مجتمعاتنا لتفجير العنف أم هي من صيرورات عنف العالم الحديث؟

ترجع إلى الإثنين معا، فمن جهة أولى وكما بيّنا في الأجوبة السابقة التطرف والعنف ناتجان عن أخلال منهجية في تعامل المسلمين مع تراثهم وفي فهمهم لواقعهم فتشكلت بفعل هذه الأخلال ثقافة مأزومة تضيق بالاختلاف وتجنح إلى التكفير والتفجير.

ومن جهة أخرى التطرف العنيف من إفرازات اللقاء غير السعيد بين الحداثة الغربية والمجتمعات المسلمة وما استتبعه ذلك من مظلوميات تاريخية كالاستعمار والنكبة الفلسطينية والعلاقات المختلة بين الشرق والغرب، كما ينعكس البعد الحداثي للعنف الإرهابي في المواقف الإيديولوجية والمفاهيم الموظفة التي وإن ألبست لبوس التقوى وصبغت بصبغة المفاهيم الأصيلة فإنها في صميمها تظل مفاهيم ومواقف حداثية أكثر منها إسلامية.

….

أحكام السياسة في الإسلام مدارها على المصالح المعتبرة

تحويلات مفاهيم الإسلام وأدلجتها عبر أجندة الإسلام السياسي هي التي ساهمت في تفجير مجتمعات المسلمين بالعنف السياسي، بحسب رضوان السيد، كيف يمكن الخروج من تداعيات مأزق الاسلام السياسي؟

دعني أوضح أولا أن مفهوم الإسلام السياسي مفهوم غائم غير واضح الدلالة فإن كان المقصود تصور خروج السياسة عن مجال الدين وإنشاء فصل بين الدائرتين فالأمر غير مستقيم إذ الإسلام يقدم نفسه منظومة متكاملة للوجود بكل مناحيه ومستوياته ومجالاته والسياسة هي من صميم الدين أما إن كان المقصود هو نقد القراءات الاختزالية للدين التي تفسر نصوصه انطلاقا من مركزية السياسي بحيث تصبح العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق كلها لواحق لمقاصد سياسية فهو مذموم وقد يكون بهذا الاعتبار لمصطلح “الإسلام السياسي” مسؤوليته في مأزق الأمة الذي لا يمكن رجعه إلى عنصر واحد فهو مركب معقّد.

….

معادلة الإعلام عربيا، لا تعكس هوية الرسالة المفترضة لسوية الإعلام هل ثمة حدود ممكنة  للنسبة والتناسب في هذه المعادلة؟

الإعلام عليه أن يكون صادقا والصدق لا يعني التجريح عليه أن ينير الرأي والإنارة لا تعني الإثارة وينور الفكر والتنوير لا يعني التثوير ينبه على الخطأ ويرشد على الصواب يبث الطمأنينة في النفوس ويقدم جرعة من التفاؤل للقلوب.

الإعلام هو الداء وهو الدواء فلا سبيل إلى مواجهة إعلام العنف والشغب وسفاسف الأمور إلا بإنشاء إعلام بديل ينافس في الميدان فالبضاعة الجيدة تطرد البضاعة الرديئة من السوق فالمجال الإعلامي في أمس الحاجة إلى منابر للحكمة وخطاب العقل تنافس إعلام العبثية الذي يحش الحروب والفتن.